التّناسخ وأقسامه وبراهينُ بطلانه : تحليل جامع للقول بالتناسخ

البريد الإلكتروني طباعة

التّناسخ و أقسامه و براهينُ بطلانه : تحليل جامع للقول بالتناسخ

قد تعرفت على أقسام التناسخ و البراهين التّي تهدم أساس كلّ واحد منها ، وهناك برهانان آخران على بطلان التناسخ على وجه الإطلاق ، من دون أن تختصّاً بقسم دون قسم ، وإليك بيانهما :

الأوّل : اجتماع نفسين في بدن واحد

و هذا البرهان مبني على أمرين :

أ ـ إنّ كلّ جسم نباتاً كان أو حيواناً أو إنساناً ، إذا بلغ من الكمال إلى درجة يصير فيها صالحاً لتعلّق النفس به ، تتعلّق به. و بعبارة أخرى : متى حصل في البدن مزاج صالح لقبول تعلّق النفس المدبّرة به ، فبالضرورة تفاض عليه من الواهب من غير مهلة ولا تراخ ، وذلك مقتضى الحكمة الإلهيّة التّي شاءت إبلاغ كلّ ممكن إلى كماله الممكن.

ب ـ انّ القول بالتناسخ يستلزم تعلّق النفس المستنسخة المفارقة للبدن ، ببدن نوع من الأنواع من نبات أو حيوان أو إنسان ، بحيث يتقوّم ذلك البدن بالنفس المستنسخة المتعلّقة به.

ولازم تسليم هذين الأمرين ، تعلّق نفسين ببدن واحد : إحداهما النفس المفاضة على البدن لأجل صلاحيّته للإفاضة ، وثانيتهما النفس المستنسخة المتعلّقة بعد المفارقة بمثل هذا البدن.

ومن المعلوم بطلانه وذلك لأنّ تشخّص كلّ فرد من الأنواع بنفسه وروحه ، وفرض نفسين وروحين مساوق لفرض ذاتين ووجودين لوجود واحد وذات واحدة.

أضف إلى ذلك : أنّه ما من شخص إلّا ويشعر بنفس وذات واحدة. قال التفتازاني : انّ كلّ نفس تعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس أخرى تدبّر أمره وأن ليس لها تدبير وتصرّف في بدن آخر ، فالنفس مع البدن على التساوي ، ليس لبدن واحد إلّا نفس واحدة ولا تتعلّق نفس واحدة إلّا ببدن واحد (1).

سؤال و جواب :

أما السؤال فهو أنّ هذا انّما يتمّ إذا كان هناك فصل زمني بين صلوح البدن لإفاضة الحياة وتعلّق النفس المستنسخة. وأمّا إذا كان صلوحه وقابليّته ، مقارناً لتعلّق النفس المستنسخة ، فلا يلزم إجتماع نفسين في بدن واحد ، لأنّها تمنع عن أفاضة الحياة عليه ، فلا تكون له نفسان ولا حياتان ؟

والجواب : ان كون النفس المستنسخة مانعة من حدوث النفس الأخرى ليس بأولى من منع الأخرى من التعلّق بالبدن.

أضف إلى ذلك أنّ استعداد المادّة البدنيّة لقبول النفس من الواهب للصور ، يجري مجرى إستعداد الجدار لقبول نور الشمس مباشرة أو إنعكاساً إذا رفع الحجاب من أمامه. فإن كان عند ارتفاع الحجاب جسم ثقيل ينعكس فيه نور الشمس الواقع عليه إلى ذلك الجدار ، أشرق عليه النوران الشمسيّان المباشري والإنعكاسي ، ولا يمنع من وقوع الإنعكاسي ، وقوع النور المباشري عليه. ومثل ذلك ما نحن فيه ، غير أن اجتماع النفسين ممتنع ، ومانعيّة أحداهما عن طروء الأُخرى غير صحيحية. فينتج أنّ التناسخ المبتني على أحد الأمرين « إجتماع نفسين أو مانعيّة إحداهما من طروء الأخرى » باطل. (2)

الثاني : عدم التناسخ بين النفس والبدن

قد ثبت في محلّه أنّ تركيب البدن والنفس ، تركيب طبيعي إتّحادي ، لا تركيب إنضمامي ، فليس تركيبهما كتركيب السرير من الأخشاب والمسامير ، ولا كتركيب العناصر الكيميائيّة وتأثير بعضها في بعض.

والنفس في أوّل حدوثها متسمة بالقوّة ، في كلّ ما لها من الأحوال ، وكذا البدن ، ولها في كلّ وقت شأن آخر من الشؤون الذاتيّة بازاء سنّ الطفولة والصبا والشباب والشيخوخة والهرم. وهما معاً يخرجان من القوّة إلى الفعل ، ودرجات القوّة والفعل في كلّ نفس معيّنة بازاء درجات القوّة والفعل في بدنها الخاصّ بها ما دامت متعلّقة به. فإذا صارت بالفعل في نوع من الأنواع استحال صيرورتها تارة اُخرى في حدّ القوّة المحضة ، كما استحال صيرورة الحيوان بعد بلوغه تمام الخلقة ، نطفة وعلقة.

فلو تعلّقت نفس منسلخة ببدن آخر عند كونه جنيناً أو غير ذلك يلزم كون أحدهما بالقوّة والآخر بالفعل ، وذلك ممتنع. لأنّ التركيب بينهما طبيعي اتّحادي ، والتركيب الطبيعي يستحيل بين أمرين ، أحدهما بالفعل والآخر بالقوّة. (3)

نعم ، هذا البرهان انّما يتمّ لو تعلّقت النفس ببدن أدون من حيث الدرجات الفعليّة من النفس ، كما إذا تعلّقت بالجنين على مراتبه وأمّا لو تعلّقت ببدن له من الفعليّة ما للنفس منها ، فالبرهان غير جار فيه.

وهذا البرهان يغاير البرهان الّذي ذكرناه ، عند إبطال التناسخ النزولي فانّ محور البرهان هنا لزوم التناسق بين البدن والنفس من حيث القوّة والفعل ، وهذا الشرط مفقود في أكثر موارد التناسخ ، كما إذا تعلّقت بالجنين.

وأمّا ما ذكرناه في إبطال التناسخ النزولي فانّ محوره هو لزوم الحركة الرجعيّة في عالم الكون ، ورجوع ما بالفعل إلى ما بالقوّة ، فلا يختلط عليك الأمران.

سؤالان و جوابان

قد فرغنا من أقسام التناسخ وأنواعه وما يمكن أن يستدلّ به على إبطالها ، وبقى هنا سؤالان يجب طرحهما والإجابة عنهما.

السؤال الأوّل : التناسخ ووقوع المسخ في الأُمم السالفة

لو كان تعلّق النفس الإنسانيّة ببدن الحيوان بعد مفارقة البدن الإنساني تناسخاً ممتنعاً ، فكيف وقع المسخ في الأُمم السالفة ، حيث مسخوا إلى القردة و الخنازير كما يقول سبحانه : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّـهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّـهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ) (4).

و يقول سبحانه : ( فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) (5).

فان صريح هذه الآيات تحوّل جماعة من البشر إلى قردة وخنازير ، وهو لا ينفكّ عن تعلّق نفوسهم البشريّة بأبدان الحيوانات. فما هو الفرق بينه والقول بالتناسخ ؟

الجواب : انّ مقوم التناسخ أمران :

1 ـ تعدّد البدن ، فانّ في التناسخ بدنين : أحدهما البدن الّذي تنسلخ عنه الروح والثاني : البدن الّذي تتعلّق به ثانياً بعد المفارقة سواء كان نباتاً أو حيواناً أو جنيناً.

2 ـ تراجع النفس الإنسانيّة من كمالها إلى الحدّ الّذي يناسب بدنها المتعلّقة به من نبات أو حيوان أو جنين أو إنسان. وكلا الشرطين مفقود في المقام فانّ الأُمّة الملعونة والمغضوب عليها مسخت إلى القردة والخنازير بنفس أبدانها الأوليّة ، فخرجت عن الصورة الإنسانيّة إلى الصورة القرديّة والخنزيريّة من دون أن يكون هناك بدنان. كما أنّ نفوسها السابقة بقيت على الحد الّذي كانت عليه ، وذلك لتنظر إلى الصورة الجديدة التّي عرضت عليها ، فتعاقب وتنزجر. وإلّا لو انقلبت نفوسها من الحدّ الّذي كانت عليه إلى حدّ النفس الحيوانيّة ، فلا شكّ أنّها ستكون قردة بالحقيقة ، وعندئذ لا يترتّب عليه عقاب ولا يصدق عليه النكال مع أنّه سبحانه يصفه نكالاً ، ويقول : ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) (6).

وهذان الأمران يفصلان المسخ في الأُمم السالفة عن القول بالتناسخ.

وبالجملة : فقد تجلّت الروحيّات الخبيثة التّي كانت عليها تلك الأُمّة ، على ظواهر أبدانها ، فلبست لباس الخنازير والقردة المعروفة بالحرص الشديد ، ومثل هذا ـ مع وحدة البدن وعدم نزول النفس عن درجتها السابقة ـ لا يعدّ تناسخاً.

قال التفتازاني : « ان المتنازع هو أنّ النفوس بعد مفارقتها الأبدان ، تتعلّق في الدنيا بأبدان أُخر للتدبير والتصرّف والإكتساب ، لا أن تتبدّل صور الأبدان كما في المسخ. أو أن تجتمع أجزاؤها الأصليّة بعد التفرّق ، فتردّ إليها النفوس ، كما في المعاد على الإطلاق ، وكما في إحياء عيسى بعض الأشخاص ». (7)

وقال العلّامة المجلسي : « إن امتياز نوع الإنسان ، إذا كان بهذا الهيكل المخصوص ، فلا يكون إنساناً بل قرداً. وإن كان إمتيازه بالروح المجرّدة ، كانت الإنسانيّة باقية غير ذاهبة ، وكان إنساناً في صورة حيوان ، ولم يخرج من نوع الإنسان ولم يدخل في نوع آخر » (8).

يقول العلّامة الطباطبائي : لو فرضنا إنساناً تغيّرت صورته إلى صورة نوع آخر من أنواع الحيوان كالقرد والخنزير ، فانّما هي صورة على صورة ، فهو إنسان خنزيرٌ أو إنسان قردُ لا إنسان بطلت إنسانيّته وحلّت الصورة الخنزيريّة أو القرديّة محلّها ، فالإنسان إذا اكتسب صورة من صور الملكات ، تصوّرت نفسه بها ، ولا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حد ما ستظهر في الآخرة بعد الموت.

فالممسوخ من الإنسان ، إنسان ٌ ممسوخ ، لا انّه ممسوخٌ فاقد للإنسانيّة.

وبذلك يظهر الفرق بين المقام والتناسخ ، فإنّ التناسخ هو تعلّق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن ، ببدن آخر ، بخلاف المقام (9).

السؤال الثاني : التناسخ والرجعة

ما هو الفرق بين التناسخ الباطل بالأدلّة السابقة ، والقول بالرجعة على ما عليه الإماميّة ، فانّ رجوع بعض النفوس بعد مفارقتها أبدانها ، إليها في هذه النشأة ، أشبه بالتناسخ.

والجواب : قد عرفت عند البحث عن المسخ ، أن مجوز التناسخ أمران : تعدّد البدن وتراجع النفس عن الحدّ الّذي كانت عليه ، وكلاهما مفقودان في الرجعة ، فإن النفس ترجع إلى البدن الّذي فارقته من دون أن تمسّ كمال النفس ، و تحطّها من مقامها ، بل هي على ما هي عليه من الكمال عند المفارقة ، فتتعلّق أخرى بالبدن الّذي فارقته.

ومن هنا يظهر أنّ القول بالحشر في النشأة الأُخرى على طرف النقيض من التناسخ.

خاتمة المطاف

إنّ الذكر الحكيم ينصّ على عدم رجوع نفس الإنسان إلى هذه الدنيا بعد مفارقتها البدن « خرج ما خرج بالدليل كما في إحياء الأموات بيد الأنبياء العظام وغيره » يقول سبحانه : ( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (10).

إن قوله سبحانه ( كَلَّا ) ، ردع لطلب الرجوع إلى الدنيا ، فيفيد أنّه على خلاف السنّة الإلهيّة ، ومع ذلك فهو كسائر السنن التّي ربّما يخرج عنها بدليل.

وبذلك تعرف قيمة كلمة أحمد أمين المصري ذلك الكاتب المستهتر حيث يقول : « وتحت التشيّع ظهر القول بتناسخ الأرواح » (11). والمسكين لا يفرق بين المسخ والتناسخ ، كما لا يفرق بين التناسخ والرجعة ، بل بين التناسخ والمعاد.

الهوامش

1 ـ شرح المقاصد ، ج 2 ص 38 ولاحظ كشف المراد ، ص 113 ، ط صيدا ، ويضيف الأخير : انّه لو تعلّق نفس واحدة ببدنين لزم أن يكون معلوم أحدهما معلوماً للآخر وبالعكس ، وكذا باقي الصفات النفسانيّة ، وهو باطل بالضرورة.

2. لاحظ الأسفار ، ج 9 ، ص 10. وهذا البرهان يختصّ بالمشائيين وقبله صدر المتألهين أيضاً.

3. الاسفار ، ج 9 ، ص 2 ـ 3.

4. سورة المائدة : الآية 60.

5. سورة الأعراف : الآية 166. والإستدلال مبني على أنّ المراد من النكالة هو العقوبة كما أنّ المراد من الموصول في « لما بين يديها وما خلفها » ، الذنوب المتقدّمة على الاصطياد والمتأخّرة عنه. فتكون اللام في قوله : « لما » سببيّة. [ لاحظ مجمع البيان، ج 1 ، ص 130 ].

6. سورة البقرة : الآية 66.

7. شرح المقاصد ، ج 2 ، ص 39.

8. البحار ، ج 58 ، طبعة بيروت ، ص 113.

9. الميزان ، ج 1 ، ص 210 بتلخيص.

10. سورة المؤمنون : الآيتان 99 ـ 100.

11. فجر الإسلام ، ص 277. وقد افترى على الشيعة في كتابه هذا ما افترى ، وندم عليه في أُخريات عمره حيث لا ينفع الندم.

مقتبس من كتاب : [ الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل ] ، الجزء : 4 ، الصفحة : 305 إلى 312

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث