شبكة رافـد :: العقائد الاسلامية

حاجة الإنسان والمجتمع إلى الدين؟ | العقائد الاسلامية

البريد الإلكتروني طباعة
حاجة الإنسان والمجتمع إلى الدين؟

السؤال :  يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ...} {الروم/30}  .
قديماً قال أحد المؤرّخين : لقد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون ، ومدن بلا قصور ، ومدن بلا مدارس ، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد.
فلماذا يحتاج الإنسان والمجتمع إلى التديّن؟

الجواب : من سماحة السيّد علي الحائري
فالجواب هو : أنّ حاجة الإنسان إلى (الدين) حاجة ثابتة في حياة الإنسان ، لا تتغيّر ولا تزول ما دام الإنسان يعيش على ظهر هذا الكوكب ؛ فإنسان عصر الكهرباء والفضاء بحاجة ماسّة إلى (الدين) ، كما كان إنسان عصر الطاحونة اليدوية بحاجة إليه ؛ فإنّ (الدين) هو الوحيد القادر على إشباع بعض الحاجات الثابتة في كيان الإنسان والمخلوقة معه دائماً مهما تطوّرت حياته ، ونمت سيطرته على الطبيعة ، ووسائل عيشه  ، فهو يشبع حاجة الإنسان الذي يزاول اليوم عملية تحريك الآلة بقوة (الذّرة) ، كما يُشبع حاجة الإنسان الذي كان يحرث الأرض بمحراثه اليدوي .
والسؤال الذي نواجهه هنا هو أنّه ما هو هذا الدور الإيجابي الفعّال الثابت للدين في حياة الإنسان؟
وما هي تلك الحاجة أو الحاجات الثابتة في الإنسان ، والتي لا علاج لها إلاّ (الدين) ؟
هل هناك حقّاً حاجة ثابتة في حياة الإنسان منذ القديم منذ أن بدأ (الدين) دوره التربوي للإنسان , وظلّت هذه الحاجة حاجة إنـسانية حيّة ثابتة باستمرار إلى يومنا هذا , وسوف تبقى حاجة إنـسانية ثابتة ما دامت الإنسانية ثابتة وموجودة ؟
وقـد يبدو في النظرة الأولى أن افتراض حاجة ثابتة من هذا القبيل ليس مقبولاً , ولاينطبق على واقع حـيـاة الإنـسـان حـيـنما نقارن بين إنسان اليوم وإنسان الأمس البعيد ؛ لأنّنا نجد أنّ الإنسان يبتعد ـ بـاستمرار ـ في طريقة حياته ومشاكلها ، وعوامل تطوّر حياته عن الإنسان القديم .
وهذا الابتعاد المستمرّ يفرض تـحـوّلاً أساسياً في كلّ حاجاته وهمومه ومتطلّباته ، وبالتالي في طريقة علاج الحاجات وتنظيمها , فكيف بإمكان (الدين) أن يؤدّي دوراً حقيقياً على هذه الساحة الممتدّة زمنياً مـن حـيـاة الإنسانية , على الرغم من التطوّر الكبير في الوسائل وأساليب الحياة ؟
إلاّ أنّ هذه النظرة خاطئة ؛ لأنّ التطوّر الذي حصل إنّما يفرض التغيّر في علاقة الإنسان بالطبيعة ، وما تتخذّه هذه العلاقة من أشكال مادّية ، فالزراعة مثلاً التي تمثّل علاقة الإنسان المزارع بالأرض تتطوّر ـ شكلاً ومضموناً ـ من الناحية المادّية تبعاً للتطوّر الكبير الذي حصل في الوسائل وأساليب الحياة . لكن تبقى علاقة الإنسان بربّه , وعلاقة الإنسان بالإنسان , وفي كلتا هاتين الـعلاقتين نجد أنّ الإنسان دائماً وعلى مسار التاريخ يعيش عدداً من الحاجات والمشاكل الثابتة التي يواجهها إنسان عصر الزيت ، وإنسان عصر الكهرباء على السواء.
و(الدين) علاج ثابت لحاجات ثابتة من هذا النوع ، ولمشاكل ليست ذات طبيعة مـرحـلـية , بل تواجه الإنسان باستمرار , ولا يزال هذا الـعـلاج الـذي يعبّر عنه (الدين) حيّاً في أهدافه حتّى اليوم , وشرطاً أساسياً في تغلّب الإنسان على مشاكله ، ونجاحه في ممارساته الحضارية .
فإنسان عصر الفضاء والذّرة إذا أراد إشباع كلّ حاجاته ، والتغلّب على كلّ  مشاكله ، فلا محيص له عن (التديّن) ، وإدخال (الدين) في صميم حياته .
وفيما يلي نشير إلى بعض الحاجات والمشاكل في حياة الانسان , والدور الذي يمارسه (الدين) في إشباع تلك الحاجات ، والتغلّب على هذه المشاكل .
ونركّز في هذا العجالة وفي هذا البحث المحدود على حاجتين أساسيتين من حاجات الإنسان الثابتة دائماً وفي كلّ العصور :
الأولى : حاجة الإنسان إلى الارتباط بالمطلق ؛ فإنّ (الدين) يكرّس علاقة الإنسان بربّه ، وهذه العلاقة لا يستغني عنها الإنسان أبداً مهما تطوّرت حياته من الناحية المادّية ، فهي من الحاجات الثابتة للإنسان في مسيرته وتحرّكه وتكامله .
ولنوضحّ كيف أنّ هذه العلاقة حاجة دائمية للإنسان ؟ وكيف أنّ (الدين) يكرّس هذه العلاقة؟
إذا لاحظنا الأدوار التاريخية المختلفة لحياة الإنسان وجدنا أنّ هناك مشاكل متنوّعة يعاني منها الإنسان على مرّ التاريخ في تحرّكه ، ولكنّنا إذا تجاوزنا السطح ونفذنا إلى عمق المشكلة وجوهرها إستطعنا أن نحصّل على مشكلة رئيّسية ذات حدين أو جانبين .
فهي من زاوية تعبّر عن مشكلة : (الضياع) و(اللاّ انتماء) ، وهذا يمثّل الجانب السلبي من المشكلة ، ومن زاوية اُخرى تعبّر عن مشكلة (الغلوّ في الانتماء والانتساب) ، أيّ : مشكلة تحويل الإنسان الحقائق النسبية التي ينتمي إليها إلى حقائق مطلقة ، وهذا يمثّل الجانب الإيجابي من المشكلة .
وقد أطلقت الشريعة الإسلامية على المشكلة الأولى اسم : (الإلحاد) ، باعتبار أنّ الإلحاد المثل الواضح لمشكلة ضياع الإنسان ، ولا انتمائه .
وأطلقت على المشكلة الثانية اسم : (الشرك) و(الوثنية) ، باعتبار أنّ الشرك هو المثل الواضح أيضاً لمشكلة غلوّ الإنسان في انتماءه (مشكلة تحويل الحقيقة النسبية إلى حقيقة مطلقة).
وفي الحقيقة إنّ جهاد الإسلام المستمرّ ضدّ (الإلحاد) ، وضدّ (الشرك) هو جهاد ضدّ هاتين المشكلتين ، بكامل بُعديهما التاريخيّين.
وهاتان المشكلتان تلتقيان في نقطة واحدة أساسية ، وهي : إعاقة حركة الإنسان في تطوّره وتكامله عن الاستمرار الخلاّق المبدع الصالح ؛ لأنّ مشكلة (الضياع) تعني بالنسبة إلى الإنسان أنّه صيرورة مستمرة تائهة لا تنتمي إلى (مطلق) يسند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقّة الطويلة المدى ، ويستمدّ من إطلاقه وشموله العون والمدد والرؤية الواضحة للهدف ، ويربط من خلال ذلك (المطلق) حركته بالكون ، بالوجود كلّه ، بالأزل والأبد ، ويجدّد موقعه منه.
فالتحرّك الضائع بدون (مطلق) هو في الواقع تحرّك عشوائي كريشة في مهبّ الريح ، تنفعل بالعوامل من حولها ، وتتأثر بها ، ولا تؤثّر فيها .
وما من إبداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مرّ التاريخ إلاّ وهو مرتبط بالاستناد إلى (مطلق) ، والالتحام معه في سير هادف.
غير أنّ هذا الارتباط بالمطلق نفسه يواجه من ناحية أُخرى الجانب الآخر من المشكلة ، أيّ : مشكلة (الغلوّ في الانتماء والارتباط) من خلال تحويل (النسبيّ) إلى (مطلق) ، وهي مشكلة تواجه الإنسان باستمرار ؛ وذلك حينما ينسج الإنسان ولاءه لقضية من القضايا ـ من قبيل قضية (العشيرة) ، أو (الوطن) ، أو (العنصر والدّم) ، أو (اللون) ، أو (الحزب) ، أو (المال) ، أو (السلطة) ، أو أيّ قضية أُخرى ـ لكي يمدّه هذا الولاء بالقدرة على الحركة ومواصلة السير ، إلاّ أنّ هذا الولاء يتجمّد تدريجياً ، ويتجرّد عن ظروفه النسبية التي كان صحيحاً ضمنها ، وينتزع الذهن البشري من هذا (النسبيّ) الذي انتمى إليه ، ومنح ولاءه له (مطلقاً) لا حدّ له ، فيقدّم الإنسان حينئذٍ بالاستجابة إلى كلّ مطالب هذا (النسبيّ) الذي تحوّل لديه إلى (مطلق) ، وبالتعبير الديني يتحوّل إلى (إله) يُعبد ، بدلاً عن (حاجة) يُستجاب لإشباعها.
وحينما يتحوّل (النسبيّ) إلى (مطلق) و (إله) يُعبد ، يُصبح بنفسه سبباً في تطويق حركة الإنسان ، وتجميد قدراته على التطوّر والإبداع ، يُصبح سبباً لإقعاد الإنسان عن ممارسة الإنسان دوره الطبيعي المفتوح في المسيرة .
قال الله تعالى في القراآن الكريم : { لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } {الإسراء/22}  .
وهذه حقيقة صادقة على كلّ (الآلهة) التي صنعها الإنسان عبر التاريخ ، سواء ما كان قد صنعه في المرحلة الوثنيّة من العبادة ، أو في المراحل اللاحقة ، فنحن نجد سلسلة من (الآلهة) التي أعاقت الإنسان عن التقدّم الصالح بسبب قيام الإنسان نفسه بتأليهها ، والتعامل معها كـ(مطلق) فأبتدائاً من (العشيرة والقبيلة) ، ومروراً بـ(اللون) و(العنصر والدّم) و(الوطن) وما إلى ذلك ، وانتهاءاً بـ(العلم) ، كلّها آلهة مصطنعة ومن نسيج ذهن الإنسان نفسه .
نعم من (القبيلة) التي كان الإنسان البدوي يمنحها ولاءه باعتبارها حاجة واقعية بحكم ظروف حياته الخاصّة ، ثمّ غلا هذا الإنسان  في ولاءه للقبيلة ، فتحوّلت عنده إلى (مطلقٍ) ، لا يُبصر شيئاً إلاّ من خلالها ، تجرّد هذا (النسبيّ) عن تلك الظروف النسبيّة التي كان صحيحاً ومقبولاً في ضمنها ، وانتزع ذهن الإنسان منه (مطلقاً) ، لاحدّ للاستجابة إلى مطالبه ، فأصبحت (القبيلة) بذلك مُعيقة له عن التقدّم والنموّ والتكامل ، وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم  قعدت به مذموماً مخذولاً .
إلى (العلم) الذي منحه الإنسان الحديث ـ بحقّ ـ ولاءه ؛ لأنّه شقّ له طريق السيطرة على الطبيعة ، ولكن هذا الإنسان غلا ـ أحياناً ـ في ولاءه لـ(العلم) ، فتحوّل إلى ولاء مطلق ، تجاوز به حدوده ، وانتزع الإنسان المفتون بالعلم من (العلم) (مطلقاً) و(آلهاً) يعبده ، ويقدّم له فروض الطاعة والولاء ، ويرفض من أجله كلّ القيم والحقائق التي لا تمتدّ يدّ (العلم) إليها ، ولايمكن قياسها بالأمتار ، أو رؤيتها بـ(المجهر).
فكلّ محدود ونسبيّ إذا نسج الإنسان منه في مرحلة ما (مطلقاً) يرتبط به على هذا الأساس ، يصبح في مرحلة رشدٍ ذهنيٍ جديدٍ قيداً على الذهن الذي صنعه ، بحكم كونه محدوداً ونسبياً.
فلابدّ للإنسانية في مسيرته من (مطلق) . هذا أوّلاً .
ولابدّ من أن يكون مطلقاً حقيقياً ، يستطيع أن يستوعب المسيرة الإنسانية ، ويهديها سواء السبيل مهما تقدّمت المسيرة ، وامتدّت على خطّها الطويل ، ويستطيع أيضاً أن يمحو من طريق المسيرة الإنسانية كلّ (الآلهة) الذين يطوّقون المسيرة ويعيقونها . هذا ثانياً .
وبهذين الأمرين تعالج المشكلة التي ذكرناها بكلا جانبيها : السلبي (الضياع) ، والإيجابي (الغلوّ) .
وهـذا الـعـلاج يتمثّل في ما قدّمته السماء إلى الأرض من عقيدة (الإيمان باللّه ) بـوصفه (المطلق) الذي يمكن أن يربط الإنسان المحدود مسيرته وحركته به , دون أن يسبّب له أيّ تناقض على الطريق الطويل .
فـالإيـمان باللّه يعالج الجانب السلبي من المشكلة , ويرفض الضياع والإلحاد واللاّ انتماء ؛ لأنّ الإيـمان باللّه تعالى يضع الإنـسـان فـي مـوضع المسؤولية ، وينيط (الكون) بحركته وتدبيره , ويجعله خليفة اللّه في الارض .
و(الـخـلافة) تستبطن (المسؤولية) ، والمسؤولية تضع الإنسان بين قطبين : بين (مستخلفٍ) يكون الإنسان مسؤولاً أمامه ، و(جزاءٍٍ) يتلّقاه الإنسان تبعاً لتصرّفه ، أيّ : بين (اللّه) و(اليوم الآخر) ، بين (المبدأ) و(المعاد) ، بين الأزل والأبد ، والإنسان يتحرّك في هذا المسار تحرّكاً مسؤولاً هادفاً.
والإيمان باللّه تعالى يعالج الجانب الإيجابي من المشكلة ـ (مشكلة الغلوّ في الانتماء التي تفرض المحدودية على الإنسان , وتشكّل عائقاً عن تقدّمه في مسيرته ) ـ وذلك على الوجه التالي :
أوّلاً  : إنّ هـذا الـجـانـب من المشكلة كان ينشأ من تحويل المحدود والنسبيّ إلى مطلق ، وذلك من خلال عملية تصعيد ذهني , وتجريد للنسبيّ من ظروفه وحدوده .
وأمّا (المطلق) الذي يقدّمه الإيمان باللّه تعالى للإنسان ، فـهـو لم يكن من نسيج مرحلةٍ من مراحل الذهن الإنساني , ليصبح في مرحلة رشدٍ ذهنيٍ جديدٍ قيداً على الذهن الذي صنعه ، ولم يكن وليد حاجة محدودة لفردٍ أو لفئةٍ , كي يتحوّل ـ بسبب انتصابه مطلقاً بلا حدود ـ إلى سلاح بيد ذاك الفرد أو تلك الفئة , لضمان استمرار مصالحها اللاّ مشروعة .
فاللّه تبارك وتعالى مطلق لا حدود لـه ، ويـسـتـوعب ـ بصفاته الثبوتية ـ كلّ المُثُل العليا للإنسان الخليفة على الأرض : من إدراك ، وعلم ، وقـدرة ، وقـوة ، وعـدل ، وغـنـى .
وهـذا يـعـنـي أنّ الـطريق إلى الله تعالى لا حدّ له  ، فالسير نحوه يفرض التحرّك النسبيّ نحو المطلق باستمرار وتدرّج بدون توقّف .
قال الله تعالى في القرآن الكريم :{ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ } {الإنشقاق/6}.
ويعطي لهذا التحرّك مُثُله العليا المنتزعة من الإدراك والعلم والقدرة والعدل ، وغيرها من صفات ذلك الـمـطـلق , الذي تكدح المسيرة الإنسانية نحوه .
فالسير نحو مطلقٍ : كلّه علم ، وكلّه قدرة ، وكلّه عدل ، وكلّه غـنـى ، معناه أن تكون المسيرة الإنسانية كفاحاً متواصلاً باستمرار ، ضدّ كلّ جهل ، وعجز ، وظلم ، وفقر.
ومـا دامـت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق ، فهي إذن ليست تكريساً للإله ، وإنّما هي جهاد مستمرّ من أجل الانسان وكرامته ، وتحقيق تلك المُثُل العليا له .
قال تعالى : { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } {العنكبوت/6} .
: { فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } {الزمر/41} .
وعـلـى العكس من ذلك ، المطلقات الوهمية ، والآلهة المزيّفة ، فإنّها لا يمكن أن تستوعب المسيرة بكلّ تطلّعاتها ؛ لأنّ هذه المطلقات المصطنعة وليدة ذهن الإنسان العاجز ، أو حاجة الإنسان الفقير , أو ظلم الإنـسـان الـظـالم ، فهي مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالجهل والعجز والظلم ، ولا يمكن أن تبارك كفاح الإنسان المستمرّ ضدّها.
ثانياً : إنّ الارتباط باللّه تعالى بوصفه (المطلق) المستوعب لكلّ تطلّعات المسيرة الإنسانية ، يعني في الـوقـت نفسه : رفض كلّ تلك المطلقات الوهمية الكاذبة ، والآلهية المصطنعة التي كانت تشكّل ظاهرة (الغلوّ في الانتماء) ، ويعني : خوض حـرب مـسـتـمـرّة ، ونضال دائم ضدّ كلّ ألوان الوثنية ، والتأليه المصطنع .
وبهذا يتحرّر الإنسان من سراب تلك المطلقات الكاذبة , التي تقف حاجزاً دون سيره نحو اللّه ، وتزوّر هدفه النزيه ، وتطوّق مسيرته التكاملية اللاّمحدودة .
تأمّل في القرآن الكريم حيث يقول في الآيات الشريفة البديعة الرائعة التالية :
{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ } {النور/39} .
: { مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ } {يوسف/40} .
: { أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ  } {يوسف/39} .
: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } {فاطر/13} .
ونـحـن إذا لا حـظنا الشعار الرئيسي الذي طرحته السماء بهذا الصدد : {  لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } ، نجد أنّه قد قـُرن فيه بين ربط الإنسان بالمطلق الحقّ , وبين رفض كلّ مطلق كاذب ومصطنع .
وجاء تاريخ المسيرة الإنسانية في واقع الحياة على مرّ الزمن ليؤكّد الارتباط العضوي بين هذاالرفض ، وذلك الربط والشدّ الوثيق الـواعـي إلـى اللّه تعالى , فبقدر ما يبتعد الإنسان عن (الإله الحقّ) ينغمس في متاهات (الآلهة) و(الأرباب الـمـتـفـرّقين) .
فالرفض والإثبات المندمجان في {  لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } ، هما وجهان لحقيقة واحدة ، وهي حـقـيقة لا تستغني عنها المسيرة الإنسانية على مدى خطّها الطويل ؛ لأنّها الحقيقة الجديرة بأن تُنقِذ المسيرة من (الضياع) ، وتساعد على تفجير كلّ طاقاتها المُبدِعة , وتحررّها من كلّ (مطلق) كاذب معيق .
والإنسان وُلِد مشدوداً بطبيعته إلى المطلق ؛ لأنّ علاقته بالمطلق أحد مقوّمات نجاحه ، وتغلّبه على مشاكله ، ولاتوجد تجربة أشمل وأوسـع مـن تـجربة (الإيمان) في حياة الإنسان ؛ فإنّ (الإيمان) كان ظاهرة ملازمة للإنسان منذ أبعد الـعصور ، وفي كلّ مراحل التاريخ , وهذا التلازم الاجتماعي المستمرّ بين (الإنسان) و(الإيمان) يبرهن ـ تجريبياً ـ على أنّ الـنـزوع إلى (المطلق) ، والتطلّع إليه اتجاه أصيل في الإنسان ، مهما اختلفت أشكال هذا النزوع ، وتنوّعت طرائقه ودرجات وعيه .
إذن : فالإيمان باللّه تعالى ، والشعور العميق بالتطلّع نحو الغيب ، والانشداد إلى المطلق , غريزة متجذّرة في الإنسان ، وضرورة ثابتة ، وحاجة مستمرّة في مسيرته ؛ إذ لا مسيرة بـدون (مـطـلـق) تنشدّ المسيرة إليه ، وتستمدّ منه مُثُلها ، ولا (مطلق) يستطيع أن يستوعب المسيرة على امتدادها الـطـويل ، سوى (المطلق الحقّ) تبارك وتعالى ، وما سواه من مطلقات مصطنعة يشكّل حتماً بصورة وأُخرى عـائقـاً عـن نـمـوّ المسيرة .
فالارتباط بالمطلق الحقّ حاجة ثابتة ، ورفض غيره من المطلقات الـمـصـطـنـعة حاجة ثابتة أيضاً  . ولا ارتباط بالمطلق الحقّ بدون تعبير عملي عن هذا الارتباط يؤكّده ويرسخّه باستمرار، وهذا التعبير العملي هو التديّن .
هذه جهة من جهات حاجة الإنسان والمجتمع إلى التديّن ، وحاجة من حاجات الإنسان الثابتة دائماً ، والتي لا يُشبعها سوى (الدين) .
كانت هذه هي الحاجة الأولى من الحاجتين الأساسيتين للإنسان اللتين وعدنا بالتركيز عليهما ، وهي حاجة الإنسان إلى الارتباط بالمطلق ، وعلاقته بربّه المطلق الحقّ ، وقد رأينا أنّ الإنسان لا يستغني أبداً مهما تطوّرت حياته المادّية عن هذا الارتباط ، وهذه العلاقة ، ورأينا أنّ الدين والتديّن هو الذي يكرّس هذه العلاقة ، ولا طريق آخر لإشباع هذه الحاجة الإنسانية الدائمة .
الثانية : حاجة الإنسان إلى الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤولية تجاه التزاماته الاجتماعية .
فنحن إذا لاحظنا الإنسانية في أيّ فترة ٍمن تاريخها نجد أنّها تتّبع نظاماً معيّناً في حياتها ، وطريقة محدّدة في توزيع (الحقوق) و(الواجبات) بين الناس ، ونجد أيضاً أنّه بقدر ما يتوّفر لدى الإنسانية من (ضمانات) لالتزام الناس بذاك النظام ، وتطبيقه في حياته تكون الإنسانية أقرب إلى الاستقرار ، وتحقيق الأهداف العامّة المتوخّاة من ذلك النظام .
فكلّ نظام اجتماعي  فاقدٍ لـ(ضمان التنفيذ) محكوم عليه بالفشل مُسبقَاً مهما أُوتي من عناصرة القوة .
هذه حقيقة تصدق على المستقبل والماضي على السواء ، ولا يختلف فيها إنسان عصر الفضاء والذرّة عن إنسان عصر الآلة اليدوية ؛ لأنّها من الحقائق الثابتة في مسيرة الإنسان على المدى الطويل.
و(ضمان التنفيذ) على قسمين : فهناك ضمانات موضوعية ، كالعقوبات التي توضع تأديباً للفرد الذي يتجاوز حدوده ، وهناك ضمان ذاتي نابع من ذات الإنسان وداخله ، وهو الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤولية تجاه التزاماته الاجتماعية ، وما يُفرض عليه من (واجبات) ، وما يحدّد له من (حقوق).
والقسم الأوّل ـ أيّ : الضمان الموضوعي ـ وإن كان له دور كبير في السيطرة على سلوك الأفراد وضبطه ، حيث إنّه لا شكّ في أنّ العقوبات التي توضع لتأديب الأفراد المتجاوزين عن حدودهم ، والمتخلّفين عن تطبيق النظام لها الأثر الواضح في الحدّ من التجاوزات والتخلّفات .
إلاّ أن هذا القسم من الضمان لا يكفي وحده في كثير من الأحيان ما لم ينضمّ إليه القسم الثاني ، وهو الضمان الذاتي الذي ينبثق من الشعور الداخلي لكلّ فرد بالمسؤولية ؛ لأنّ الرقابة الخارجية على الفرد ـ المتمثّلة في قوى الأمن والجيش والبوليس والقضاء والعقوبات من السجن وغيره ـ مهما كانت دقيقة وشاملة لا يمكن عادةً أن تضمن الإحاطة بكلّ الأمور التي تقع في المجتمع  ، واستيعاب كلّ الوقائع التي تحدث من قبل الأفراد ، فما لم يشعر كلّ فرد من داخله بالمسؤولية تجاه واجباته والتزاماته ، وتجاه حقوقه وحقوق الآخرين ، لا يتحقّق الاستقرار التامّ ، والأمن الكامل في المجتمع ، هذا واضح جدّاً  ، ولا يمكن إنكاره وتجاوزه .
وهذا الشعور الداخلي بالمسؤولية لايتحقّق ـ من الناحية العملية الحيّة ـ في حياة الإنسان  ما لم يكن الإنسان مؤمناً  برقابة لا يعزب عن علمها مثقال ذرّة في السماوت ولا في الأرض ، وهذه الرقابة الشاملة إنّما تتواجد في حياة الإنسان نتيجةً لارتباطه بـ(المطلق الحقّ العليم القدير الذي أحاط علمه بكلّ شي‏ء) ، فإنّ هذا الارتباط بنفسه يوفّر للإنسان هذه الرقابة ، ويهيّيء بذلك إمكانية نشوء الشعور الداخلي بالمسوؤلية .
وإذا نشأ هذا الشعور الداخلي بالمسؤولية في كيان كلّ فرد ونما ، واعتاد الفرد على التصرّف بموجبه ، كان هذا الفرد هو المواطن الصالح في المجتمع ، وهو الإنسان الذي لا يتخلّف عن أداء حقوق الآخرين المشروعة ، ولا يتجاوز حدوده ، ولا يتعدّي على أحد ، لا بسبب خوفه من ردّ الفعل الاجتماعي على هذا التخلّف والتجاوز والتعدّي ، بل بسبب الخوف من الله العليم القدير الذي يعلم كلّ شيء ، ويقدر على كلّ شيء ، وهذا هو الأساس المتين والصحيح للمواطنة الصالحة .
فلا يكفي ـ لكي يكون الفرد مواطناً صالحاً ـ أن لا يتخلّف خوفاً من ردّ الفعل الاجتماعي على تخلّفه ، بل إنّما تتحقّق المواطنة الصالحة بأن لا يتخلّف الإنسان عن أداء حقوق الآخرين بدافعٍ من الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤولية ؛ وذلك لأنّ الخوف من ردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف لو كان وحده هو الأساس لالتزامات المواطنة الصالحة في المجتمع الصالح لأمكن التهرّب من الواجبات في حالات كثيرة ، حينما يكون بإمكان الفرد أن يُخفي تخلّفه ، أو يفسّره تفسيراً كاذباً لا يطابق الواقع ، أو يحمي نفسه من ردّ الفعل الاجتماعي بشكل وآخر ، فلا يوجد في هذه الحالات ضمان سوى الشعور الداخلي بالمسؤولية.
ولعلّ هذا هو أحد أسرار تشريع العبادات في الشريعة حيث إنّ العبادة واجب غيبيّ ، بمعنى أنّ ضبطها بالمراقبة من خارج أمر مـسـتحيل ، فلا يمكن أن تنجح أيّ إجراءات خارجية لغرض الإتيان بها ؛ لأنّها متقوّمة بالقصد النفسي ، والـربـط الـروحي للعمل باللّه تعالى ، وهذا أمر لا يدخل في حساب الرقابة الموضوعية من خارج ، ولا يمكن لأيّ إجراء قانوني أن يكفّل تحقيقه ، وإنّما الرقابة الوحيدة الممكنة في هذا المجال هي الرقابة الـنـاتجة عن الارتباط بالمطلق الغيب الذي لا يعزب عن علمه شي ء ، والضمان الوحيد الممكن هنا هو الشعور الداخلي بالمسؤولية .
وهذا يعني أنّ الإنسان الذي يمارس العبادة يباشر واجباً يـخـتلف عن أيّ واجب أو مشروع اجتماعي آخر ، فحين يقترض مالاً من شخص ، ويوفّي دينه ، أو حين يعقد صفقة تجارية ، وينفّذ شروطها ، وحين يستعير مالاً من غيره ، ثمّ يعيده إليه ، يباشر بذلك واجباً يدخل في نطاق الرقابة الاجتماعية رصده ، أيّ : يمكن للمراقبة الخارجية أن ترصد هذا الواجب ، وتضمن حصوله وتحقّقه.
وبهذا قد يتخّذ الفرد القرار بالقيام بهذا الواجب خوفاً من المراقبة الخارجية ، وتحسّباً لردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف عن أداءه.
وأمّا الواجب العبادي الغيبي الذي لا يعلم مدى مدلوله النفسي إلاّ اللّه تبارك وتعالى ، فهو واجب لا يمكن للمراقبة الخارجية رصده ، ولذا فهو لا يصدر من الفرد إلاّ نتيجةً للشعور الداخلي بالمسؤولية ، وخوفاً من الله تعالى .
والحاصل : أنّ الشعور الداخلي بالمسؤولية يترسّخ من خلال الممارسات العبادية ، ويألف الإنسان العمل على أساس هذا الشعور , ويكون الشعور ضماناً قوًياً لالتزام الفرد بما عليه من واجبات .
هذا هو في الواقع نبذة من أسرار (الدين) ، وحاجة الفرد والمجتمع إلى التديّن ، وقد يتاح لنا في فرصة أُخرى الكلام عن أسراره الآخرى ، والسّلام عليكم .
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث