|
| حدث في مثل هذا اليوم > اليوم الخامس عشر |
اليوم الخامس عشر : رحيل السّبايا إلى الشام
وبعث ابن زياد رسولاً إلى يزيد يخبره بقتْل الحسين (ع) ومَن معه وأنّ عياله في الكوفة وينتظر أمره فيهم ، فعاد الجواب بحملهم والرؤوس معهم .
وكتب رقعةً ربط فيها حجراً ورماه في السّجن المحبوس فيه آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) وفيها : خرج البريد إلى يزيد بأمركم في يوم كذا ، ويعود في كذا ، فإذا سمعتم التكبير فأوصلوا وإلاّ فهو الأمان .
ورجع البريد من الشام يخبر بأنْ يسرّح آل الحسين إلى الشام .
فأمر ابن زياد زجر بن قيس وأبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن ظبيان في جماعة من الكوفة أنْ يحملوا رأس الحسين ورؤوس مَن قُتل معه إلى يزيد .
وقيل ذهب برأس الحسين (ع) مجبر بن مرّة بن خالد بن قناب بن عمر بن قيس بن الحرث بن مالك بن عبيد الله بن خزيمة بن لؤي .
وسرّح في أثرهم علي بن الحسين مغلولة يدَيه إلى عنقه وعياله معه على حال تقشعّر منها الأبدان .
وكان معهم شمر بن ذي الجوشن ، ومجفر بن ثعلبة العائدي ، وشبث بن ربعي ، وعمرو بن الحَجّاج ، وجماعة ، وأمرهم أنْ يلحقوا الرؤوس ويشهّروهم في كلّ بلد يأتونها فجدّوا السّير حتّى لحقوا بهم في بعض المنازل .
وحدّث ابن لهيعة : إنّه رأى رجلاً متعلّقاً بأستار الكعبة يستغيث بربّه ، ثمّ يقول : ولا أراك فاعلاً . فأخذتُه ناحيةً وقلت : إنّك لمجنون فإنّ الله غفور رحيم ، ولَو كانت ذنوبك عدد القطر لغفرها لك . قال لي : اعلم كنتُ ممَّن سار برأس الحسين إلى الشام ، فإذا أمسينا وضعنا الرأس وشربنا حوله ، وفي ليلة كنت أحرسه ، وأصحابي رقود ، فرأيت برقاً وخلقاً أطافوا بالرأس ، ففزعت واُدهشت ولزمت السّكوت ، فسمعتُ بكاءاً وعويلاً وقائلاً يقول : يا محمّد إنّ الله أمرني أنْ اُطيعك ، فلَو أمرتني أنْ اُزلزل بهؤلاء الأرض كما فعلت بقوم لوط ، فقال له (ص) : (( يا جبرئيل ، إنّ لي موقفاً معهم يوم القيامة بين يدَي ربّي سبحانه )) .
فصحت : يا رسول الله الأمان ! فقال لي : (( اذهب فلا غفر الله لك )) . فهل ترى الله يغفر لي ؟ .
وفي بعض المنازل وضعوا الرأس المطهّر فلم يشعر القوم إلاّ وقد ظهر قلم حديد من الحائط وكتب بالدم.
أترجو اُمّة قتلت حسيناً شفاعةَ جَدّه يومَ الحساب ؟
فلم يعتبروا بهذه الآية ، وأرداهم العمى إلى مهوىً سحيق ، ونِعم الحكم الله تعالى .
وقبل أنْ يصلوا الموضع بفرسخ ، وضعوا الرأس على صخرة هناك ، فسقطت منه قطرة دم على الصخرة ، فكانت تغلي كلّ سنة يوم عاشوراء ، ويجتمع النّاس هناك من الأطراف فيقيمون المأتم على الحسين (ع) ويكثر العويل حولها ، وبقي هذا إلى أيّام عبد الملك بن مروان ، فأمر بنقل الحجر فلم يُرَ له أثر بعد ذلك ، ولكنّهم بنوا في محلّ الحجر قبّة سموها النّقطة.
وكان بالقرب من حماة في بساتينها مسجد يقال له مسجد الحسين (ع) ، ويحدّث القَومة : أنّ الحجر والأثر والدم موضع رأس الحسين (ع) حين ساروا به إلى دمشق .
وبالقرب من حلب مشهد يعرف بـ ( مسقط السّقط ) وذلك أنّ حرم الرسول (ص) لمّا وصلوا إلى هذا المكان ، أسقطت زوجة الحسين (ع) سقطاً كان يُسمى (محسناً) .
وفي بعض المنازل نصبوا الرأس على رمح إلى جنب صومعة راهب ، وفي أثناء الليل سمع الراهب تسبيحاً وتهليلاً ، ورأى نوراً ساطعاً من الرأس المطهّر وسمع قائلاً يقول : السّلام عليك يا أبا عبد الله . فتعجّب حيث لَم يعرف الحال . وعند الصباح استخبر من القوم ، قالو : إنّه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب واُمّه فاطمة بن محمّد النّبي (ص) فقال لهم : تبّاً لكم أيّتها الجماعة ، صدقت الأخبار في قولها ( إذا قُتل تمطر السّماء دماً ) . وأراد منهم أنْ يقبّل الرأس فلَم يجيبوه إلاّ بعد أن دفع إليهم دراهم ، ثمّ أظهر الشهادتين وأسلم ببركة المذبوح دون الدعوة الإلهيّة ، ولمّا ارتحلوا عن هذا المكان نظروا إلى الدراهم وإذا مكتوب عليها : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
في الشام
ولمّا قربوا من دمشق ، أرسلت اُمّ كلثوم إلى الشمر تسأله أنْ يدخلهم في درب قليل النظّار ، ويخرجوا الرؤوس من بين المحامل ؛ لكي يشتغل النّاس بالنّظر إلى الرؤوس .
فسلك بهم على حالة تقشعّر من ذكرها الأبدان وترتعد لها فرائص كلّ إنسان . وأمر أنْ يُسلك بهم بين النظّار ، وأنْ يجعلوا الرؤوس وسط المحامل .
اليوم الأول من صفر :
وفي أول يوم من صفر دخلوا دمشق فأوقفوهم على ( باب السّاعات ) وقد خرج النّاس بالدفوف والبوقات ، وهم في فرح وسرور ، ودنا رجل من سكينة وقال : من أيّ السّبايا أنتم ؟ قالت : نحن سبايا آل محمّد (ص) .
وكان يزيد جالساً في منظره على جيرون ، ولمّا رأى السّبايا والرؤوس على أطراف الرماح ، وقد أشرفوا على ثنية جيرون ، نعب غراب ، فأنشأ يزيد يقول :
|
لـمّا بـدت تلك الحمول وأشرقت
نـعب الغراب فقلتُ قل أو لا تقل
| |
تلك الرؤوس على شفا جيرون
فـقد أقتضيت من الرسول ديوني
|
ومن هنا حكم ابن الجوزي والقاضي أبو يعلى والتفتازاني والجلال السّيوطي بكفره ولعنه.
ودنا سهل بن سعد السّاعدي من سكينة بنت الحسين (ع) وقال : ألك حاجة ؟ فأمرته أنْ يدفع لحامل الرأس شيئاً فيبعده عن النّساء ليشتغل النّاس بالنّظر إليه ، ففعل سهل.
ودنا شيخ من السّجاد (ع) وقال له : الحمد الله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم . ها هنا أفاض الإمام من لطفه على هذا المسكين المغترّ بتلك التمويهات لتقريبه من الحقّ وإرشاده إلى السّبيل ، وهكذا أهل البيت (عليهم السّلام) تشرق أنوارهم على مَن يعلمون صفاء قلبه وطهارة طينته واستعداده للهداية . فقال (عليه السّلام) له : (( يا شيخ أقرأت القرآن ؟ )) قال : بلى ، قال (عليه السّلام) : (( أقرأت ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟ وقرأت قوله تعالى : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّهُ ) ؟ وقوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ؟ )) قال الشيخ : نعم ، قرأت ذلك . فقال (ع) : (( نحن والله القربى في هذه الآيات )) .
ثمّ قال له الإمام : (( أقرأت قوله تعالى : ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟ )) قال : بلى . فقال (عليه السّلام) : (( نحن أهل البيت الذين خصّهم الله بالتطهير )) . قال الشيخ : بالله عليك أنتم هم ؟ فقال (عليه السّلام) : (( وحقّ جدّنا رسول الله إنّا لنحن هم ، من غير شكّ )) .
فوقع الشيخ على قدمَيه يقبّلهما ويقول : أبرأ إلى الله ممَّن قتلكم . وتاب على يد الإمام ممّا فرّط في القول معه . وبلغ يزيد فعل الشيخ وقوله ، فأمر بقتله.
وقبل أنْ يدخلوهم إلى مجلس يزيد ، أتوهم بحبال فربقوهم بها ، فكان الحبل في عنق زين العابدين (ع) إلى زينب اُمّ كلثوم وباقي بنات رسول الله (ص) ، وكلّما قصروا عن المشي ضربوهم حتّى أوقفوهم بين يدَي يزيد ، وهو على سريره ، فقال على بن الحسين (ع) : (( ما ظنّك برسول الله لَو يرانا على هذا الحال ؟ )) فبكى الحاضرون ، وأمر يزيد بالحبال فقُطعت.
واُقيموا على درج باب الجامع حيث يقام السّبي ، ووُضع الرأس المقدّس بين يدَي يزيد ، وجعل ينظر إليهم ويقول :
|
صبرنا وكان الصبر منّا عزيمةً
نُـفلّق هـاماً مـن رجال أعزّة
| |
وأسـيافنا يقطعنَ هاماً ومعصما
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
|
ثمّ التفت إلى النّعمان بن بشير وقال : الحمد لله الذي قتله . فقال النّعمان : قد كان أمير المؤمنين معاوية يكره قتله . فقال يزيد : قد كان ذلك قبل أنْ يخرج ، ولو خرج على أمير المؤمنين لقتله .
يزيد مع السجاد
والتفت يزيد إلى السّجاد (ع) وقال : كيف رأيت صنع الله يا علي بأبيك الحسين ؟ قال : (( رأيت ما قضاه الله عزّ وجلّ قبل أن يخلق السّموات والأرض )) . وشاور يزيد من كان حاضراً عنده في أمره ، فأشاروا عليه بقتله . فقال زين العابدين (ع) : (( يا يزيد ، لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار به جلساء فرعون عليه حين شاورهم في موسى وهارون فإنّهم قالوا له : ( أَرْجِهِ وَأَخَاهُ ) ولا يقتل الأدعياء أولاد الأنبياء وأبناءهم )) . فأمسك يزيد مطرقاً .
وممّا دار بينهما من الكلام أنْ قال يزيد لعلي بن الحسين (ع) : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) ، قال علي بن الحسين (ع) : (( ما هذه فينا نزلت ، إنّما نزل فينا ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) فنحن لا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا ))
فأنشد يزيد قول الفضل بن العبّاس بن عتبة :
مهلاً بني عمَّنا مهلاً موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفوناً.
ثمّ استأذنه (عليه السّلام) في أنْ يتكلّم ، فقال يزيد : نعم على أنْ لا تقل هجراً . قال (ع) : لقد (( وقفت موقفاً لا ينبغي لمثلي أنْ يقول الهجر ، ما ظنّك برسول الله (ص) لَو يراني على هذه الحال ؟ )) فأمر يزيد بأن يفكّ الغل منه .
وأمر يزيد الخطيب أن يثني على معاوية وينال من الحسين وآله ، فأكثر الخطيب من الوقيعة في علي والحسين (عليهما السّلام) فصاح به السّجاد (ع) : (( لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فتبوّأ مقعدك من النّار )) :
وقال ليزيد : (( أتأذن لي أن أرقى هذه الأعواد ، فأتكلّم بكلام لله تعالى رضىً ولهؤلاء أجر وثواب ؟ )) فأبى يزيد ، وألحّ النّاس عليه فلَم يقبل ، فقال ابنه معاوية : إئذن له ، ما قدر أنْ يأتي به ؟ فقال يزيد : إنّ هؤلاء ورثوا العلم والفصاحة وزقّوا العلم زقّاً . وما زالوا به حتّى أذِن له .
فقال (ع) : (( الحمد لله الذي لا بداية له ، والدائم الذي لا نفاد له ، والأول الذي لا أوليّة له ، والآخر الذي لا آخريّة له ، والباقي بعد فناء الخلق ، قدّر الليالي والأيّام ، وقسّم فيما بينهم الأقسام ، فتبارك الله الملك العلاّم ، إلى أنْ قال : أيّها النّاس اُعطينا ستّاً وفضّلنا بسبع ، اُعطينا ؛ العلم والحلم والسّماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين ، وفُضلنا ؛ بأنَّ منّا النّبي والصدّيق والطيّار وأسد الله وأسد رسوله وسبطا هذه الاُمّة . أيّها النّاس مَن عرفني فقد عرفني ، ومَن لَم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي ، أيّها النّاس أنا ابن مكّة ومِنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن مَن حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير مَن ائتزر وارتدى وخير مَن طاف وسعى ، وحجّ ولبّى ، أنا ابن مَن حُمِل على البراق وبلغ به جبرئيل سدرة المنتهى ، فكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السّماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن مَن ضرب بين يدَي رسول الله ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين ، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيّين ، ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، ومفرّق الأحزاب ، أربطهم جأشاً ، وأمضاهم عزيمةً ذاك أبو السّبطين الحسن والحسين ، علي بن أبي طالب . أنا ابن فاطمة الزهراء ، وسيّدة النّساء ، وابن خديجة الكبرى . أنا ابن المرمّل بالدماء ، أنا ابن ذبيح كربلاء ، أنا ابن مَن بكى عليه الجنّ في الظلماء ، وناحت الطير في الهواء )) . فلمّا بلغ إلى هذا الموضع ، ضجّ النّاس بالبكاء ، وخشي يزيد الفتنة ، فأمر المؤذّن أن يُؤذِّن للصلاة .
فقال المؤذِّن : الله أكبر . قال الإمام (ع) : (( الله أكبر وأجلّ وأعلى وأكرم ممّا أخاف وأحذر )) . فلمّا قال المؤذِّن : أشهد أنْ لا إله إلاّ الله ، قال (ع) : (( نعم ، أشهد مع كلّ شاهد أنْ لا إله غيره ولا ربّ سواه )) . فلمّا قال المؤذِّن : أشهد أنّ محمّداً رسول الله قال الإمام (ع) للمؤذِّن : (( أسألك بحقّ محمّد أنْ تسكت حتّى اُكلّم هذا ، والتفت إلى يزيد وقال : هذا الرسول العزيز الكريم جدّك أم جدّي ؟ فإنْ قلتَ جدّك علم الحاضرون والنّاس كلّهم إنّك كاذب ، وإنْ قلتَ جدّي فلِمَ قتلتَ أبي ظلماً وعدواناً وانتهبت ماله وسبَيت نساءه ، فويلٌ لك يوم القيامة إذا كان جدّي خصمك )) .
فصاح يزيد بالمؤذِّن : أقم للصلاة . فوقع بين النّاس همهمة وصلّى بعضهم ، وتفرّق الآخر .
الرأس الأطهر
ودعا يزيد برأس الحسين (ع) ووضعه أمامه في طست من ذهب ، وكان النّساء خلفه ، فقامت سكينة وفاطمة يتطاولان للنّظر إليه ، ويزيد يستره عنهما ، فلمّا رأينه صرخن بالبكاء .
ثمّ أذِن للنّاس أنْ يدخلوا . وأخذ يزيد القضيب وجعل ينكت ثغر الحسين ويقول : يوم بيوم بدر . وأنشد قول الحصين بن الحمام :
|
أبى قومنا أنْ ينصفونا فأنصفت
نُـفلِّق هـاماً مـن رجال أعزَّة
| |
قـواضب في أيماننا تقطر الدما
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
|
فقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص ، أخو مروان ، وكان جالساً عنده :
|
لَهامٍ بجنب الطفِّ أدنى قرابة من ابن
سـميّة أمـسى نسلها عدد الحصى
| |
زيـاد الـعبد ذي الـحسب والوغل
وليس لآل المصطفى اليوم من نسل
|
فضربه يزيد على صدره وقال : اسكت لا اُمّ لك .
وقال أبو برزة الأسلمي : أشهد لقد رأيت النّبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن (ع) ويقول : (( أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة ، قَتل الله قاتلكما ، ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً )) . فغضب يزيد منه وأمر به فاُخرج سحباً .
والتفت رسول قيصر إلى يزيد وقال : إنّ عندنا في بعض الجزائر حافر حمار عيسى ، ونحن نحجّ إليه في كلّ عام من الأقطار ونهدي إليه النّذور ونعظّمه كما تعظّمون كتبكم ، فأشهد إنّكم على باطل . فأغضب يزيد هذا القول وأمر بقتله ، فقام إلى الرأس وقبَّله ، وتشهّد الشهادتين ، وعند قتله سمع أهل المجلس من الرأس الشريف صوتاً عالياً فصيحاً (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله )) .
ثمّ اُخرج الرأس من المجلس وصُلب على باب القصر ثلاثة أيّام ، فلمّا رأت هند بنت عمرو بن سهيل ، زوجة يزيد ، الرأس على باب دارها والنّور الإلهي يسطع منه ودمه طري لَم يجفّ ويُشمّ منه رائحةً طيّبةً دخلت المجلس مهتوكة الحجاب وهي تقول : رأس ابن بنت رسول الله على باب دارنا ؟! فقام إليها يزيد وغطّاها وقال لها : اعولي عليه يا هند ، فإنّه صريخة بني هاشم عجّل عليه ابن زياد .
وأمر يزيد بالرؤوس أنْ تُصلب على أبواب البلد والجامع الاُموي ، ففعلوا بها ذلك.
وفرح مروان بقتل الحسين (ع) فقال :
ضربت دوسر فيهم ضربة أثبتت أوتاد مُلكٍ فاستقر
ثمّ جعل ينكت بالقضيب في وجهه ويقول :
|
يـا حبّذا بردك في اليدَين
كـأنَّـه بـات بـعسجدين
| |
ولونك الأحمر في الخدَّين
شفيت منك النّفس يا حسين
|
الشامي مع فاطمة
قال الرواة : نظر رجال شامي إلى فاطمة بنت علي فطلب من يزيد أنْ يهبها له لتخدمه ، ففزعت ابنة أمير المؤمنين وتعلّقت باُختها العقيلة زينب وقالت : كيف أخدم ؟ قالت العقيلة لا عليكِ إنّه لَن يكون أبداً . فقال يزيد : لَو أردتُ لفعلتُ . فقالت له : إلاّ أنْ تخرج عن ديننا . فردّ عليها : إنّما خرج عن الدِّين أبوكِ وأخوكِ . قالت زينب : بدين الله ودين جدّي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إنْ كنت مسلماً . قال : كذبتِ يا عدوّة الله . فرقّت (عليها السّلام) وقالت : أنت أمير مسلّط تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك . وعاود الشامي الطلب ، فزبره يزيد ونهره وقال له : وهب الله لك حتفاً قاضياً .
خطبة زينب (عليها السّلام)
قال ابن نما وابن طاووس : لمّا سمعت زينب بنت علي (عليهما السّلام) يزيد يتمثّل بأبيات ابن الزبعري .
|
لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا
لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً
قـد قـتلنا القرم من ساداتهم
لـعبت هـاشم بـالملك فلا
لـستُ من خندف إنْ لَم أنتقم
| |
جزع الخزرج من وقع الأسل
ثـمّ قـالوا يا يزيد لا تشل
وعـدلـناه بـبدرٍ فـاعتدل
خـبر جـاء ولا وحي نزل
مـن بـني أحمد ما كان فعل
|
قالت (عليها السّلام) : الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله سبحانه حيث يقول : ( ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السّوءى أَن كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) . أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض ، وآفاق السّماء ، فأصبحنا نُساق كما تُساق الاُسارى أنّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة ، وإنّ ذلك لعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفك ، نظرت في عطفك ، جذلان مسروراً ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة ، والاُمور متّسقة ، وحين صفا لك مُلكنا وسلطاننا ، فمهلاً مهلاً ، أنسيت قول الله تعالى : ( وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).
أمن العدل يابن الطلقاء ، تخديرك حرائرك وإماءك ، وسَوقك بنات رسول الله سبايا ، قد هُتكت ستورهنَّ ، واُبديت وجوههنَّ ، تحدو بهنَّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنَّ أهل المناهل والمعاقل ، ويتصفح وجوههنَّ القريب والبعيد والدني والشريف ، ليس معهنَّ من حماتهنَّ حمي ولا من رجالهنَّ ولي ، وكيف يرتجي مراقبة مَن لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء ؟! وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت مَن نظر إلينا بالشنف والشنآن ، والاحن والاضغان ؟! ثمّ تقول غير متأثم ولا مستعظم :
لأهلّوا واستهلَّوا فرحاً ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشل
منحياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك ، وكيف لا تقول ذلك ، وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، بإراقتك دماء ذريّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب ، وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم فلتردنّ وشيكاً مَوردهم ، ولتودنّ أنّك شللت وبكمت ولَم تكن قلتَ ما قلت وفعلتَ ما فعلت .
اللهمّ خُذ لنا بحقّنا ، وأنتقم ممَّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمَن سفك دماءنا وقتل حماتنا .
فوالله ما فريتَ إلاّ جلدك ، ولا حززت إلاّ لحمك ، ولتردنّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذريّته ، وانتهكتَ من حرمته في عترته ولحمته ، حيث يجمع الله شملهم ، ويلمّ شعثهم ، ويأخذ بحقّهم ، ( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) .
وحسبك بالله حاكماً ، وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله) خصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً ، وسيعلم مَن سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً ! وأيّكم شرٌّ مكاناً وأضعف جنداً .
ولئن جرّت عليَّ الدواهي مخاطبتك ، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدور حرّى .
ألا فالعجب كلّ العجب ، لقتل حزب الله النّجباء ، بحزب الشيطان الطلقاء ! فهذه الأيدي تنطف من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل ، وتعفّرها اُمّهات الفراعل ، ولئن اتخذتنا مغنماً ، لتجدنا وشيكاً مغرما ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلّام للعبيد ، وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل .
فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصبْ جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تُميت وحينا ، ولا يرحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فند وأيّامك إلاّ عدد ، وجمعك الا بدد ؟ يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين .
والحمد لله ربّ العالمين ، الذي ختم لأولنا بالسّعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ويُحسن علينا الخلافة ، إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
فقال يزيد :
يا صيحة تحمد من صوائح ما أهون النّوح على النوائح
ومن جهْل يزيد وغيِّه وضلاله قوله بملء فمه غير متأثّم ولا مستعظم يُخاطب مَن حضر عنده من ذؤبان أهل الشام : أتدرون من أين أتى ابن فاطمة ، وما الحامل له على ما فعل ، والذي أوقعه فيما وقع ؟ قالوا : لا ، قال : يزعم أنّ أباه خير من أبي ، واُمَّه فاطمة بنت رسول الله خير من اُميِّ ، وجدَّه خيرٌ من جَدِّي ، وإنّه خيرٌ منِّي وأحقّ بهذا الأمر منِّي ، فأمّا قوله أبوه خيرٌ من أبي فقد حاجَّ أبي أباه إلى الله عزَّ وجلَّ وعلم النّاس أيّهما حكم له ، وأمّا قوله اُمّه خيرٌ من اُمّي فلَعمري إنّ فاطمة بنت رسول الله خيرٌ من اُمِّي ، وأمّا قوله جدّه خيرٌ من جدِّي ، فلَعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أنّ لرسول الله فينا عدلاً ولا نِدّاً ، ولكنّه إنّما اُتي من قلَّة فقهه ولَم يقرأ : ( قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ) وقوله تعالى : (... وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ...) .
الخربة
ولقد أحدثت هذه الخطبة هزّة في مجلس يزيد ، وراح الرجل يحدّث جليسه بالضلال الذي غمرهم وإنّهم في أي وادٍ يعمهون ، فلم يرَ يزيد مناصاً إلاّ أن يُخرج الحرم من المجلس إلى خربة لا تكنّهم من حرٍّ ولا برد ، فأقاموا فيها ينوحون على الحسين (عليه السّلام) ثلاثة أيّام . وفي بعض الأيّام خرج الإمام السّجاد (ع) منها يتروّح ، فلقيه المنهال بن عمر وقال له : كيف أمسيت يابن رسول الله ؟ قال (ع) : (( أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً منها ، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها ، وأمسينا معشر أهل بيته مقتولين مشرّدين ، فإنّا لله وإنّا اليه راجعون )) . قال المنهال : وبينا يكلّمني إذ امرأة خرجت خلفه تقول له : إلى أين يا نِعم الخلَف ؟ فتركني وأسرع إليها ، فسألتُ عنها قيل : هذه عمّته زينب.
كلام الناس على يزيد :
لقد سرَّ يزيدَ قتلُ الحسين (ع) ومَن معه وسَبي حريم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وظهر عليه السّرور في مجلسه ، فلَم يبال بإلحاده وكفره حين تمثّل بشعر ابن الزبعري ، وحتّى أنكر الوحي على رسول الله محمّد (ص) ، ولكنّه لمّا كثرت اللائمة عليه ووضح له الفشل والخطأ في فعلته التي لَم يرتكبها حتّى مَن لم ينتحل دين الإسلام وعرف المغزى من وصيّة معاوية إيّاه حيث قال له : إنّ أهل العراق لن يدَعوا الحسين حتّى يخرجوه ، فإذا خرج عليك فاصفح عنه ؛ فإنّ له رحماً ماسة وحقّاً عظيماً.
وعاب عليه خاصّته وأهل بيته ونساؤه ، وكان بمرأى منه ومسمع كلام الرأس الأطهر لمّا أمر بقتل رسول ملك الروم ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ولحديث الأندية عمّا ارتكبه من هذه الجريمة الشائنة والقسوة الشديدة دوي في أرجاء دمشق ، لَم يجد مناصاً من القاء التبعة على عاتق ابن زياد تبعيداً للسبَّة عنه ، ولكن الثابت لا يزول .
ولمّا خشى الفتنة وانقلاب الأمر عليه ، عجّل بإخراج الإمام السّجاد (ع) والعيال من الشام إلى وطنهم ومقرّهم ، ومكَّنهم ممّا يريدون ، وأمر النّعمان بن بشير وجماعة معه أنْ يسيروا معهم إلى المدينة مع الرفق .
اختيار العقيلة
طريق كربلاء
فلمّا وصلوا العراق قالوا للدليل : مُر بنا على طريق كربلاء ، فوصلوا إلى مصرع الحسين (ع) فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل رسول الله ـ قد وردوا لزيارة قبر الحسين (ع) ـ فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا في كربلاء ينوحون على الحسين(ع) ثلاثة أيّام .
ووقف جابر الأنصاري على القبر فأجهش بالبكاء وقال : يا حسين ( ثلاثاً ) ثم قال : حبيب لا يجيب حبيبه ! وأنّى لك بالجواب وقد شحطت أوداجك على أثباجك ، وفرّق بين رأسك وبدنك ، فأشهد أنَّك ابن خاتم النبيين ، وابن سيّد المؤمنين ، وابن حليف التقوى ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، وابن سيّد النقباء ، وابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء ، وما لَك لا تكون كذلك وقد غذَّتك كفّ سيّد المرسلين ، وربيت في حجر المتّقين ، ورضعت من ثدى الإيمان ، وفطمت بالإسلام ؟! فطبت حيّاً وطبت ميّتاً غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة بفراقك ، ولا شاكة في الخيرة لك ، فعليك سلام الله ورضوانه ، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريّا .
ثم أجال بصره حول القبر وقال : السّلام عليكم أيّتها الأروح التي حلّت بفناء الحسين (ع) وأناخت برحله ، أشهد أنّكم أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ، ونهيتم عن المنكر ، وجاهدتم الملحدين ، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين . والذي بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله) بالحقّ نبيّاً ، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه . فقال له عطيّة العوفي : كيف ولَم نهبط وادياً ولَم نعلُ جبلاً ولَم نضرب بسيف ، والقوم قد فُرّق بين رؤوسهم وأبدانهم واُوتمت أولادهم واُرملت الأزواج ؟ فقال له : إني سمعت حبيبي رسول الله يقول : (( مَن أحبّ قوماً ، كان معهم .
ومَن أحبّ عمل قوم اُشرك في عملهم )) . والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين (ع) وأصحابه.
|
|