زيد بن ثابت .. والفضائل
السيد جعفر مرتضى العاملي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ... فإن المطالع للتأريخ الاسلامي ، ولكتب التراث بصورة عامة يجد الكثير من الامور ، التى أصبح لها من الشيوع والذيوع ، بحيث تبدو من الحقائق الثابتة التي لاتقبل الجدل ، ولايجوز أن تخضع للمناقشة .
وأصبح الكتاب والموَلفون ، يرسلونها إرسال المسلَمات ويوردونها مستدلين بها ، على ما يرونها قادرة على إثباته ، أو الدلالة عليه . مع أن نفس هذه القضايا لو أخضعها الباحثون للبحث ، وللتحقيق والتمحيص ، لخرجوا بحقيقة: أنها من الامور الزائفة والمجعولة ، التي صنعتها الاهواءالسياسية ، والتعصبات المذهبية ، أو العرقية ، أو غيرها .
أو على الاقل لوجدوا الكثير مما يوجب الشك والريب فيها ، ومن ثم ضعفها ، ووهنها ، أو لوقفوا على كثير من موارد التحريف والتلاعب فيها .
وقد يجوز لنا القول: ان ما يروى ، من ان النبي صلى الله عليه وآله قد أمر زيد بن ثابت بتعلم اللغة العبرانية أو السريانية ، يصلح مثالا لهذا الامر ، ولاجل ذلك فقد رأينا من المناسب أن نشير إلى بعض ما تلزم الاشارة إليه في هذه القضية وغيرها تاركين الحكم في ذلك نفيا ، أو إثباتا ، إلى القارىء الكريم ، الذي يملك
( 71 )
كامل الحرية في أن يقبل ، أو أن يرد ،إذا اقتضى الامر أيا من الرد ، أو القبول .
روايات تعلم زيد العبرانية أو السريانية :
تؤرخ بعض المصادر : إنه في سنة الرابعة للهجرة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله زيد بن ثابت بتعلم السريانية أو العبرانية ، معللا ذلك : بأنه لا يأمن اليهود على كتابه
(1)
؛ فقد روى الترمذي ، عن زيد بن ثابت ، قال: أمرني رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أن أتعلم كتاب يهود ، قال: ماآمن يهود على كتاب ، قال: فما مربي نصف شهر ، حتى تعلمته له .
قال : فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم ، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم .
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح
(2)
.
وفي نص آخر: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة ، قال لي: تعلم كتاب اليهود ؛ فإني والله ماآمن اليهود على كتابي ، قال: في فتعلمته في اقل من نصف شهر
(3)
.
قال الترمذي: وقد روي من غير هذا الوجه ، عن زيد بن ثابت ، قال: أمرني رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أن أتعلم السريانية
(4)
.
وفي نص آخر: عن زيد بن ثابت ، قال: قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ إنه يأتيني كتب من ناس ، لا احب أن يقرأها أحد ؛ فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية ، أو قال:السريانية ؟
____________
(1) تاريخ الخميس 1: 464 ، والبداية والنهاية 4: 91 ، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3: 176، والكامل لابن الاثير ج 2: 176 ، وراجع بهجة المحافل ج 1: 230.
(2) الجامع الصحيح للترمذي 5: 67 | 68 ، ومشكل الاثار ج 2: 421 ، والسنن الكبرى للبيهقي 6 | 211 ، وفتوح البلدان للبلاذري : 583 ، والتراتيب الادارية 1: 203 و 204 ، عن البخاري ، وعن الطحاوي في مختصره .
(3) طبقات ابن سعد 2: قسم 2: 115 ، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5: 185 ، وحياة الصحابة 3: 216 ، عن أبي يعلى ، وابن عساكر .
(4)الجامع الصحيح للترمذي 5 : 68 .
( 72 )
فقلت: نعم .
قال: فتعلمتها في سبع عشرة ليلة
(5)
.
ومثله وفي نص آخر ، عن زيد بن ثابت ، لكنه جزم بأنه أمره بتعلم السريانية ولم يردد في ذلك
(6)
.
وفي رواية اخرى: عن زيد بن ثابت أيضا ، قال: اتي بي النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ مقدمه المدينة فعجب بي ، فقيل له: هذا الغلام من بني النجار ، قد قرأ مما انزل عليك بضع عشرة سورة ، فاستقرأني ، فقرأت (ق) فقال لي: تعلم كتاب يهود ، فإني ما آمن يهود على كتابي ؛ فتعلمته في نصف شهر
(7)
إلى آخر ما تقدم في الرواية الاولى .
وعن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، قال: كان زيد بن ثابت يتعلم في مدارس ماسكة ، كتابهم في خمس عشرة ليلة ، حتى كان يعلم ما حرفوا وبدلوا
(8)
.
____________
(5) طبقات ابن سعد 2: قسم 2: 115 ، وكنز العمال 16: 9 عن ابن عساكر ، وابن أبي داود في المصاحف ، وتذكرة الحفاظ 1: 31 ، وتهذيب تاريخ دمشق 5: 426 عن أحمد ، وأبي يعلى ؛ ومنتخب كنزالعمال بهامش مسندأحمد 5: 185 وحياة الصحابة 3: 216 ، والتراتيب الادارية 1: 120 و 204 .
(6) راجع: كنزالعمال 16: 9 عن ابن عساكر وابن أبي داود ، وغيرهما ، وتهذيب تاريخ دمشق 5: 446 و 447 عن أحمد ، وأبي يعلى ؛ ومسند أحمد 5: 182 والاصابة 1 : 561 ، ومشكل الاثار 2: 421 ، مستدرك الحاكم 3: 422 ، وتلخيصه للذهبي بهامشه ، والسنن الكبرى للبيهقي 6: 211 ، ومنتخب كنزالعمال بهامش مسند أحمد 5: 185، وحياة الصحابة 3: 350 ، والاستيعاب بهامش الاصابة 1: 552 ، والتراتيب الادارية 1: 203 و 204 عن بعض من تقدم ، عن ابن أبي داود في المصاحف ، والاحكام الصغرى لابي بكر ابن شيبة .
(7) راجع: تاريخ الخميس 1 : 464 | 465 ، وقال: كذا رواه ابن ابي الزناد ، وأحمد ، ويونس ، عند أبي داود ، وداود بن عمرو الضبي ، وسعيد بن سليمان الواسطي ، وسليمان بن دواد والهاشمي ، و عبدالله بن وهب ، وعلي بن حجر ، وحديثه عند الترمذي ، كذا ذكره السخاوي في الاصل الاصيل.
وكنز العمال 16: 8 عن ابن عساكر ، وغيره ، ومسند أحمد 5: 186 والاصابة 1: 561 عن البخاري ، والبغوي وأبي يعلى ؛ والتراتيب الادارية 1: 203 | 204 عن البخاري.
(8) كنزالعمال 16: 8 | 9 عن ابن عساكر ، وراجع: السيرة النبويةلابن كثير 3: 176 ، والتراتيب الادارية 1: 204 عن ابن عساكر .
( 73 )
وقال الكتاني : « قلت في بهجة المحافل لابن عبدالبر: إنه تعلمها في ثمانية عشر يوما »
(9)
.
وقالوا عن زيد بن ثابت: « وكان يكتب بالعربية والعبرانية »
(10)
، أو « السريانية »
(11)
.
وقال ابن الاثير الجزري: « كانت ترد على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ كتب بالسريانية ، فأمر زيدا ، فتعلمها »
(12)
.
وقال الذهبي: « قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وزيد صبي ذكي نجيب ،عمره إحدى عشرة سنة ، فأسلم ، وأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن يتعلم خط اليهود ، فجود الكتابة ، إلى آخره ... »
(13)
.
المناقشة:
وبعد ... فإن لنا على تلكم الرويات ملاحظات عدة ، توجب لنا الشك والريب في سلامتهاوصحتها ، ونذكر من هذه الملاحظات مايلي:
أ:
إننا نجدها مختلفة فيما بينها ، وبصورة واضحة ، الامر الذي يشير إلى أنه لايمكن أن تصح جميعها ، فواحدة تقول: إنه أمره بتعلم السريانية ، واخرى العبرانية ، بل لقد وقع الترديد بينهما حتى في الرواية الواحدة .
ورواية تذكر: إنه قد تعلمها في أقل من نصف شهر ، واخرى: إنه تعلمها في خمسة عشر يوما ، وثالثة: في سبعة عشر يوما ، ورابعة: في ثمانية عشر يوماً.
ورواية تقول: إنه أمره بتعلمها لانه لا يأمن يهود على كتابه ، واخرى تقول: إنه أمره بذلك ، لانه تأتيه كتب لايحب أن يطلع عليها كل أحد .
____________
(9) التراتيب الادارية 1: 203 .
(10) تهذيب تاريخ دمشق 5: 449 ، ومستدرك الحاكم 3: 421 ، وتلخيصه للذهبي بهامش ص 422 منه ، وفتوح البلدان للبلاذري : 583 ، والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 160.
(11) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 160 .
(12) اسد الغابة 2: 222 ، وعنه في قاموس الرجال 4: 239 ، وتنقيح المقال 1: 462 ، ومكاتيب الرسول 1: 21 عنه أيضا .
(13) تذكرة الحفاظ 1: 30 .
( 74 )
ورواية تقول: إنه قد أمره بذلك حين مقدمه المدينة ... بينما اخرى تذكر: إنه إنما أمره بذلك في السنة الرابعة ، وتعلمها حينئذ .
هذا كله ...مع أن الراوي لذلك كله رجل واحد ، وهو المصدر الوحيد لما قاله ويقوله الكتاب والمؤرخون على الظاهر ، في هذا المجال .
ب:
إننا نلاحظ: أن الراوي لهذه القضية هو خصوص زيد بن ثابت بطل القصة نفسه ، ولم نجدهم نقلوا ذلك عن غيره ، رغم أهمية هذا الامر وكونه ملفتا للنظر ، ورغم أننا نجدهم يسجلون لنا حتى أبسط الحركات التي تصدر عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم .
وواضح: أن هذه القضية ترمي إلى إثبات فضيلة لنفس ناقلها ، فليلاحظ ذلك .
ج:
إننا رغم تفحصنا لم نعثر ولو على نص واحد ، لرسالة واحدة أرسلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أووصلت إليه من غيره تكون مكتوبة بغير العربية .
كما أننا لم نجد حتى ولو إشارة واحدة إلى أية رسالة قيل إنها قد ترجمت له صلى الله عليه وآله وصلت إليه من أحد أو أرسلها إلى أحد ، من أي لغة اخرى إلى اللغة العربية ، أو بالعكس .
بل قد وجد عدد من الرسائل المنسوبة إليه صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المتاحف والمكتبات الخاصة ؛ كان قد أرسلها ، إلى كسرى ، وإلى النجاشي ، وإلى المقوقس . ويميل العلماء والمحققون إلى الجزم بأنها هي بعينها ، التي كان صلى الله عليه وآله وسلم قد أرسلها إليهم . نعم ، لقد وجدت هذه الرسائل وكانت كلها مكتوبة باللغة العربية خاصة ، وبالخط العربي ، فراجع مجموعة الوثائق السياسية للبروفيسور حميد الله لتطلع على صور هذه الرسائل ، وراجع أيضا مكاتيب الرسول للعلامة البحاثة الشيخ علي الاحمدي الميانجي ...وغيرهما من الكتب والمصادر ، ومما يدل على ذلك: إن الرواية تنص على أن قيصر قد طلب ترجمانا ليقرأ له كتاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ
(14)
.
____________
(14) راجع: مكاتيب الرسول 1: 109.
( 75 )
نعم ، هناك رسالة واحدة مكتوبة باللغة العبرية ، حكم العلماء والباحثون عليها بصورة قاطعة بالوضع والاختلاق ، فراجع الكتابين آنفي الذكر .
فأين ذهبت تلكم الرسائل التي كتبها زيد بن ثابت باللغة العبرية أو السريانية ، أو ترجمها منها إلى العربية ؟ ! ولماذا لم يشرالتاريخ ، ولو إلى واحدة منها ؟ إن ذلك لعجيب حقا ؟ ! وأي عجيب ! ! !
د:
والاعجب من ذلك ان بعض المصادر تذكر: إن زيد بن ثابت كان من أكثر كتاب النبي صلى الله عليه وآله كتابة له
(15)
ويذكرون ايضا: إنه كان مختصا بالكتابة إلى الملوك
(16)
، وإنه كان يكتب له ـ صلى الله عله وآله ـ إذا كتب إلى اليهود ، ويقرأ له كتبهم فإذا كان كذلك فما بالنا نجد اسم كثير من الكتاب في أسفل الكتب التي كتبوها ، فيقول في آخر الكتاب: وكتب فلان ، أو: وكتب فلان وشهد ، أو نحو ذلك وهي طائفة كثيرة ولانجد اسما لزيد بن ثابت في أي من الكتب التي وصلتنا ، إلا على صفة الشاهد على بعض الكتب النادرة جدا ؟ !
نعم ، إننا لم نجد له اسما لا على الكتب إلى الملوك ، ولا على الكتب إلى اليهود ، مع وجود أسماء كثيرين من الكتاب الاخرين على طائفة كبيرة منها . بل ، لقد وجدنا أسماء آخرين كانوا قد كتبوا إلى الملوك ، وإلى اليهود أيضا فليلاحظ: كتاب مفاداة سلمان بن عثمان بن الاشهل اليهودي القرظي فقد كتبه أمير الموَمنين علي عليه السلام .
وكتابه صلى الله عليه وآله إلى جيفر ، وعبد ، ابني الجلندي ، وهما من الملوك ، وهو بخط ابي بن كعب .
وكتابه إلى المنذر بن ساوى ، وهو من ملوك البحرين ، بخط ابي .
ومعاهدة يهود مقنا ، هي أيضا بخط أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام .
وكتابه صلى الله عليه وآله وسلم ليهود بني عاديا من تيماء ، كتبه خالد بن سعيد .
____________
(15) تهذيب الاسماء واللغات 1: 29 ، والرصف 1: 148 .
(16) راجع: التنبيه والاشراف ص 246 ، والوزراء والكتاب ص 12، والعقد الفريد 4: 161 ، والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 134 ، والتراتيب الادارية 1: 202 .
( 76 )
وكذا كتابه ليهود بني عريض ، كتبه خالد بن سعيد أيضا .
ويقال: إن معاوية أيضا قد كتب إلى المهاجرين ، إلى امية وربيعة بن ذي الرحب من حضر موت
(17)
.
كما ان كتابه صلى الله عليه وآله الذي اجاب به النجاشي الاول ، قد كتبه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه الصلاة والسلام
(18)
.
ولعل المتتبع يجد أمثلة كثيرة سوى ما تقدم ، فأين كان زيد بن ثابت عن ذلك ، وعن سواه يا ترى ؟ !
هـ:
إننا نجد أن بعض الرويات المتقدمة تقول: إن النبي صلى الله عليه وآله قد علل طلبه من زيد تعلم لغة العبرانية أو السريانية ، بأنه تأتيه كتب ، ولايحب أن يطلع عليها كل أحد ، فاحتاج إلى أن يأمر زيدا بذلك ، مع أنه قد كان آخرون غير زيد بن ثابت يعرفون العبرانية أو السريانية وفيهم من هو من فضلاء الصحابة وثقاتهم ، ومن مثل سلمان الفارسي ! الذي هو من أهل البيت ، فإنه كان قد قرأ الكتابين
(19)
، فلماذا لايعطيه النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ كتبه التي لايحب أن يطلع عليها كل أحد ، ليقرأها له ، فإنه لاريب في أمانته ودينه ، وكونه عبدا لذلك القرظي لايمنعه من ذلك ، كما لم يمنعه من حضور حرب بدر واُحد.
أضف إلى ذلك: أنه قد تحرر قبل الخندق ، وهي في الرابعة كما هو الظاهر أو في الخامسة على أبعد تقدير ـ كما تحدثنا عن ذلك في كتابنا « حديث الافك » ـ .
وقد تقدم أن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قد أمر زيدا بتعلم تلك اللغة في السنة الرابعة .
كما أنهم يقولون: إن عبدالله بن عمرو بن العاص ، كان يقرأ بالسريانية
(20)
.
____________
(17) راجع فيما تقدم: مجموعة الوثائق السياسية ، ومكاتيب الرسول .
(18) راجع: مكاتيب الرسول 1: 31 .
(19) راجع: ذكر أخبار أصبهان 1: 48 ، وتاريخ بغداد 1: 164، والطبقات الكبرى لابن سعد 4: قسم 1: 61 ، وحلية الاولياء 1: 187 ، وقاموس الرجال 4: 424 و 233 عن الجزري .
(20) طبقات ابن سعد 4: قسم 2: 11 .
( 77 )
ويقول الدكتور جواد علي : « ومنهم مثل زيد بن ثابت من كتب له وبالعربية ، وبالعبرانية ، أو السريانية ، وذكر أن بعضهم كان مثل زيد بن ثابت يكتب بغير العربية أيضا »
(21)
.
فلماذا ذكر اسم زيد بن ثابت ولم تذكر أسماء اولئك ، وقد ذكروا: إن حنظلة بن الربيع كان يقوم مقام جميع كتابه بما فيهم زيد بن ثابت ، إذا غاب أحد منهم
(22)
، الامر الذي يشعر بأنه كان أيضا يحسن الكتابة بغير العربية ، كزيد . كما أنه يدل على انه كان ينوب زيد في الكتابة إلى اليهود ، وإلى الملوك
(23)
.
فإذا كان كذلك ، فلماذا لم يعتمد النبي صلى الله عليه وآله على حنظلة ، أو على غيره ممن أشار إليهم الدكتور جواد علي ، فإن الحاجة ترتفع بهم ، ولايبقى ـ صلى الله عليه وآله ـ بحاجة إلى اليهود (الذين كانوا غير مأمونين) لافي الترجمة ، ولافي الكتابة
ويلاحظ هنا: أنهم لم يبخلوا على زيد في هذا المجال ، ويكفي أن نذكر: إنهم جعلوه عالما ، ليس فقط بالعربية قراءة وكتابة ، وكذلك بالعبرانية ، أو السريانية ، وإنما أضافوا إلى ذلك: إنه كان يترجم للنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ بالفارسية والرومية ، والقبطية والحبشية
(24)
.
وإنه قد تعلم الفارسية من رسول كسرى ، والرومية من حاجب النبي ، الحبشية من خادم النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ والقبطية من خادم النبي وخادمته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ
(25)
.
____________
(21) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 120.
(22) راجع: التنبيه والاشراف ص 245 ، والوزراء والكتاب ص 12 | 13 ، والعقد الفريد 4: 161 والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 126 و309 و 131 .
(23) ولكننا لم نعثر حتى على رسالة واحدة أو على أي شيء ذكر فيه اسم حنظلية هذا على أنه قد كتبه ، وهذا أمر يثير العجب حقا ! ! فلعل خصوم أهل البيت قد منحوه هذا الوسام ، لانه اعتزل عليا عليه السلام ولم يشترك في حروبه .
(24) راجع التنبيه والاشراف: 246 ، والتراتيب الادارية 1: 202 عن : « العمدة » للتلمساني ، وعن ابن هشام في « البهجة » وعن كتاب : « التعريف برجال مختصر ابن الحاجب » لابن عبدالسلام ، وعن « الاعلام بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام » ، والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 133 .
(25) العقد الفريد4: 161 ، والتراتيب الادارية 1: 202 .
( 78 )
ولا ندري لماذا لم يتعلم الفارسية من سلمان ، والرومية من صهيب والحبشية من بلال ، فإن كلا منهم كان يجيد هذه اللغات بما لامزيد عليه ؟ !
كما لاندري لماذا لم نجد اية إشارة لكتاب مترجم من هذه اللغات إلى العربية أو من العربية إليها ، أو غير ذلك ، مما يحتاج إلى الترجمة ؟ !
و:
وأخيرا ، فلاندري ما حاجة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى الترجمة ، مع أن جمعا من المحققين قد أثبتوا: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يعرف جميع اللغات ، فلا يحتاج إلى مترجم ولا إلى غيره ، وقد كلم سلمان بالفارسية وتكلم بغيرها من اللغات أيضا
(26)
.
ز:
وأما قوله في الرواية : أنه أمره ـ صلى الله عليه وآله ـ بذلك حين قدومه المدينة ، ثم روايتهم: إنه كان يكتب في الجاهلية
(27)
، فينا فيه قولهم: إنه تعلم الكتابة من أسرى بدر
(28)
.
ملاحظتان:
الاولى:
قال العلامة المحقق الشيخ علي الاحمدي الميانجي ، بعد أن تكلم حول معرفته صلى الله عليه وآله باللغات ، عربيها ، وعجميها ، وأيد ذلك بنقل المؤرخين والمحدثين أنه ـ صلى الله عليه وآله ـ كان يتكلم مع كل قوم بلسانهم ، قال حفظه الله: « ولكنه ـ صلى الله عليه وآله ـ كتب إلى ملوك العجم كقيصر ، وكسرى ، والنجاشي بلغة العرب ، مع أن الجدير أن يكتب إلى كل قوم بلسانهم ؛ إظهارا للمعجزة ، واستحداثا للالفة ؛ فما الوجه فيذلك ؟ ! وأي فائدة في الكتابة بالعربية ؟ وأي وازع في الترقيم بالعجمية ؟ ! .
والذي يقضي به التدبر ، وينتهي إليه الفكر: أن الفائدة في ذلك هو حفظ شؤون الملة الاسلامية ، وصونا لجانب الاستقلال والعظمة ، الاترى أن الامم الراقية
____________
(26) راجع التراتيب الادارية 1: 209 و 208 ، ولعل أحسن من تكلم في هذا الموضوع: العلامة المحقق الشيخ علي الاحمدي في كتابه: مكاتيب الرسول 1: 15 | 16 فليراجع.
(27) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 120 .
(28) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 133 و 292 .
( 79 )
المتمدنة يسعون في انتشار لسانهم في العالم ، حتى تصير لغتهم لغة عالمية ، إعمالا للسيادة ، وتثبيتا للعظمة .
فكأنه ـ صلى الله عليه وآله ـ يلاحظ جانب الاسلام وأنه يعلو ولايعلى عليه ، وأن لغة القرآن لابد وأن تنتشر ، وتعم العالم ، لان القرآن كتاب للعالم ؛ فعظمة القرآن ، وعموم دعوته ، وعظمة النبي الاقدس ، ورسالته العالمية ، تقضي أن يكتب إليهم بلغة القرآن .
فعلى ملوك العالم ؛ والعالم البشري أن يتعلموا لسانه المقدس . ولغته السامية ، لغة القرآن المجيد، تثبيتا لهذا المرمى العظيم ، والغرض العالي »
(29)
.
الثانية:
وبعد ، فإننا لاننكر أن يكون زيد بن ثابت قد تعلم شيئا من العبرانية أو السريانية ،قليلا كان ذلك أو كثيرا . ولكننا نشك في أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ هو الذي طلب منه ذلك ، ونشك كذلك في أن يكون قد كتب له ـ صلى الله عليه وآله ـ بهذه اللغات ، أو ترجم له شيئا من الكتب التي أتته ، فإن الروايات المتقدمة لاتكفي لاثبات ذلك على الاطلاق . بل قدمنا ما يوجب ضعفها ووهنها ولابدلاثبات ذلك من اعتماد أدلة اخرى ، وشواهد اخرى ، لانراها متوفرة فيما بأيدينا ، من نصوص ومصادر ، بل إن ما بأيدينا يؤيد إن لم يكن يدل على خلاف ذلك ، كما المحنا إليه .
علم زيد بالفرائض:
وقد روي أن عمر وعثمان ما كانا يقدمان على زيد في الفرائض أحدا .
وقد خطب عمر الناس ، فكان مما قال: « ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت »
(30)
.
وادعوا: أنه كان أعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله بالفرائض
____________
(29) مكاتيب الرسول 1: 16 17 .
(30) راجع: مستدرك الحاكم 3: 272 ، وسنن البيهقي 6: 210 ، وطبقات ابن سعد 2: قسم 2: 115 ، ومجمع الزوائد 1: 135، والغدير ج 6: 191 192 ، وراجع 5: 361 و 8: 64 ففيه مصادر أخرى .
( 80 )
أي فرائض الارث »
(31)
.
ولكننا نقول: إننا نجد في مقابل ذلك:
1ـ مسروقا يدعي ـ وإن كنا نعتقد أن ذلك لدوافع سياسية ـ فيقول عن عائشة: إنه رأى: « أكابر أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يسألونها عن الفرائض »
(32)
.
2ـ إن أئمة أهل البيت عليهم السلام قد رفضوا دعوى أعلمية زيد بالفرائض ، فقد روي عن الامام الباقر عليه السلام ، قال: الحكم حكمان: حكم الله ، وحكم الجاهلية ، وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية
(33)
.
3ـ وقد ألف سعد بن عبدالله القمي كتاب: إحتجاج الشيعة على زيد ابن ثابت في الفرائض
(34)
، وقد ذكر ابن شاذان في الايضاح طائفة من مسائل الارث لم يوفق زيد للصواب فيها ، فليراجعه من أراده .
4ـ عن سعيد بن وهب ، قال: قال عبد الله: أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب
(35)
.
ملاحظة :
بالنسبة لشهادة الامام الباقر عليه السلام بأن زيد بن ثابت قد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية .. فلعله لان زيد بن ثابت كان يفتي برأيه ، حسب اعترافه فيما سيأتي
(36)
، ولعل عامة ما كان يفتي به كان خطأ ، على حد قوله ، كذلك وجود بعض الرواسب في نفسه وفي فكره وكون دين الله لايصاب بالعقول لعل كل ذلك هو السبب في أن زيد قد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية .
____________
(31) راجع المصادر المتقدمة ، وترجمة زيد بن ثابت في مختلف المصادر .
(32) الزهد والرقائق: 382 .
(33) التهذيب للشيخ الطوسي 6: 218 ، والكافي 7: 407 ، والوسائل 18: 11 ، وقاموس الرجال 4: 239 ، وتنقيح المقال 1: 461 .
(34) رجال النجاشي: 178، وقاموس الرجال 4: 240 .
(35) أنساب الاشراف بتحقيق المحمودي 2: 105 ، وفي هامشه عن: الفضائل لاحمد بن حنبل حديث رقم 11 من فضائل علي ، وعن أخبار القضاة 1: 89 بثلاثة طرق .
(36) راجع صفحة 12 .
( 81 )
وقد جرت بين زيد وبين أمير المؤمنين المساجلات في مجال الفرائض لم يستطع زيد أن يقدم الجواب الكافي في مقابل ما بينه أمير المؤمنين في تلك المسألة
(37)
، ربما اريد: أن يعوض عن فشله ذاك بمنحه أوسمة الجدارة مضادة لعلي عليه السلام وتنكرا له .
أبو عمر .. والراية لزيد في تبوك :
قال ابو عمر: « وكانت راية بني مالك بن النجار في تبوك مع عمارة بن حزم ، فأخذها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ودفعها إلى زيد بن ثابت ؛ فقال عمارة : يارسول الله ، أبلغك عني شي ؟ !
قال: لا ، ولكن القرآن مقدم ، وزيد أكثر منك أخذا للقرآن .. .
وهذا عندي خبر لايصح ، والله أعلم »
(38)
.
مناقشة حول جمع زيد للقرآن في عهد النبي صلى الله عليه وآله:
وقال ابن قتيبة: وكان أخر عرض رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ القرآن على مصحفه
(39)
، أي على مصحف زيد .
وقال أبوعمر: « وأما حديث أنس: أن زيد بن ثابت أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يعني: من الانصار
(40)
؛ فصحيح وقد عارضه قوم بحديث ابن شهاب ، عن عبيد بن السباق ، عن زيد بن ثابت: ان أبا بكر أمره في حين مقتل القراء باليمامة بجمع القرآن ، قال: فجعلت أجمع القرآن من
____________
(37) راجع قاموس الرجال ج 4 ترجمة زيد بن ثابت.
(38) الاستيعاب ، بهامش الاصابة 1: 552 .
(39) المعارف: 260 ، وعنه في المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 8: 134 .
(40) وعدة فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله في: البخاري 3: 147 ، وطبقات ابن سعد : قسم 2: 112 و 113 عن الشعبي وابن سيرين وقتادة ، وهو عن أنس ....
وراجع أيضا: نور القبس ص 225 ، والاتقان 1: 70 و 72 ، وراجع ص57 ، والبرهان للزركشي 1: 241 .
( 82 )
العسب ، والرقاع ، وصدور الرجال ، حتى وجدت آخر آية من التوبة مع رجل يقال له خزيمة أو أبو خزيمة .
(41)
قالوا : فلو كان زيد قد جمع القرآن على عهد رسول الله لاملاه من صدره وما احتاج إلى ما ذكر .
قالوا: اما خبر جمع عثمان للمصحف ، فإنما جمعه من الصحف التي كانت عند حفصة ، من جمع أبي بكر » انتهى كلام أبي عمر
(42)
.
ونزيد نحن هنا: أن محمد بن كعب القرظي قد عد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولم يذكرزيد بن ثابت فيهم
(43)
.
كما أن المعتزلي يقول: « إن عليا عليه السلام بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ لزم بيته ، وأقبل على القرآن ، ولم يكن غيره يحفظه ، ثم هو أول من جمعه »
(44)
.
وعن ابن المنادي أنه عليه السلام: « جلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن ، فهو أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه »
(45)
.
وعن الامام الباقر عليه السلام: « ما ادعى أحد من الناس: أنه جمع القرآن كله كما انزل إلا كذاب ، وما جمعه ، وحفظه كما انزل ، إلا على بن أبي طالب والائمة بعده »
(46)
.
فإن كل ذلك وسواه مما لم نذكره يلقي ظلالا ثقيلة من الشك حول هذه الفضيلة التي تنسب لزيد بن ثابت .
____________
(41) وراجع أيضا: البخاري كتاب التفسير ، باب جمع القرآن ؛ والاتقان 1: 57 ، وتاريخ الخلفاء: 77 ، وتفسير الطبري 1: 20 ، وتهذيب تاريخ دمشق 5: 136 ،والبرهان للزركشي 1: 234 ، والمصنف لعبد الرزاق 10: 235 .
(42) الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 552 .
(43) طبقات ابن سعد 2: قسم 2: 113 و 114 ، والاتقان 1: 72 وكنز العمال 2: 365 و 370 .
(44) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الحنفي 1: 27 .
(45) الفهرست لابن النديم: 30 ؛ وأعيان الشيعة 1: 89 ، والطبقات لابن سعد 2: 338 ، وتفسير ابن كثير 4: قسم فضائل القرآن 28 ، وأكذوبة تحريف القرآن: 62 عنهم وعن مصنف ابن ابي شيبة 1: 545.
(46) الكافي، كتاب فضل القرآن .
( 83 )
ولكن حديث جمعه للقرآن في عهد أبي بكر أو عمرمن العسب والرقاع ومن صدور الرجال ، فهو أيضا لايصح ، ولكن البحث حول ذلك له مجال آخر ولابأس بمراجعة: « اكذوبة تحريف القرآن » للاطلاع على بعض القول في ذلك .
الفضائل .. . والسياسية:
وبعد ، فإننا قد تعودنا من المخالفين لاهل البيت عليهم السلام ، ابتداءا من الامويين ثم العباسيين ، محاولاتهم الدائبة للحطَ من علي عليه السلام ، وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم والتستر على فضائله ومزاياه ، وإظهار العيب له .. وقد قال المغيرة بن شعبة لصعصعة: « واياك أن يبلغني عنك: أنك تظهر شيئا من فضل علي ، فانا اعلم بذلك منك ، ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخدنا باظهار عيبه للناس »
(47)
والنصوص الدالة على هذه السياسية كثيرة جدا ، بل هي فوق حد الحصاء .
ومن جهة اخرى فإنهم يعملون على إظهار التعظيم الشديد ، لكل من كان على رأيهم ، ويذهب مذهبهم ، ويصنعون لهم الفضائل ، ويختلقون لهم الكرامات ، وذلك أمر مشهود ، وواضح وقد أشرنا إليه غير مرة .
والمراجع لحياة زيد بن ثابت ، ولمواقفه السياسية يجد: أنه كان منحرفا عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام .
كما ويجد أنه ممن تهتم السلطة برفع شأنهم ، وإثبات الفضائل والكرامات لهم .
الخط السياسي لزيد بن ثابت:
إن الذي يراجع حياة زيد بن ثابت ومواقفه ، يجد: أنه كان عثمانيا ، منحرفا عن أميرالمؤمنين علي عليه الصلاة والسلام .
____________
(47) راجع: الكامل لابن الاثير 3: 430 ، وتاريخ الطبري ط الاستقامة 4: 144 .
( 84 )
و « كان عثمان يحب زيد بن ثابت »
(48)
.
و « كان زيد عثمانيا ، ولم يشهد مع علي شيئا من حروبه »
(49)
.
« والذين نصروا عثمان ، كانوا أربعة ، كان زيد بن ثابت أحدهم »
(50)
.
وكان على قضاء عثمان
(51)
، وعلى بيت المال والديوان له
(52)
.
وكان عثمان يستخلفه على المدينة
(53)
.
وكان يذب عن عثمان ، حتى رجع لقوله جماعة من الانصار
(54)
.
وقد قال للانصار: إنكم نصرتم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فكنتم أنصار الله ، فانصروا خليفته تكونوا أنصارا لله مرتين ؛ فقال الحجاج بن غزية: والله إن تدري هذه البقرة الصيحاء ما تقول ، إلى آخره ..
وفي نص آخر : إن سهل بن حنيف إجابه ؛ فقال: يازيد ، أشبعك عثمان من عضدان المدينة ؟ ! والعضيدة: نخلة قصيرة ، ينال حملها ـ
(55)
.
وكان بنو عمرو بن عوف قد أجلبوا على عثمان ، وكان زيد يذب عنه ، فقال له قائل منهم:
وما يمنعك ؟ ! ما أقل والله من الخزرج من له من عضدان العجوة مالك !
فقال زيد: اشتريت بمالي ، وقطع لي إمامي عمر ، وقطع لي إمامي عثمان .
فقال له ذلك الرجل: أعطاك عمر عشرين ألف دينار ؟
____________
(48) الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 554 .
(49) اسد الغابة 2: 222 ، وعنه في قاموس الرجال 4: 239 ، وفي تنقيح المقال 1: 462 ، وراجع: الكامل لابن الاثير3 :191 ، والاستيعاب بهامش الاصابة 1: 554 .
(50) الكامل لابن الاثير 3: 151 وراجع ص 161 ، وأنساب الاشراف ج 5: ص 60 ، والغدير 9: 159 و 160 عن المصادر التالية: تاريخ الطبري ج 5: ص 97 وتاريخ ابن خلدون 2: 391 وتاريخ ابي الفداء 1: 168 .
(51) الكامل لابن الاثير 3: 187 .
(52) راجع: الكامل لابن الاثير 3: 191 ، وأسد الغابة 2: 222 ، وأنساب الاشراف 5: 58 ، والاستيعاب بهامش الاصابة 1: 553 و 554 ، والتراتيب الادارية 1: 120 .
(53) راجع المصادر المتقدمة باستثناء الاول منها .. .
(54) تهذيب تاريخ دمشق 5 : 451 .
(55) انساب الاشراف 5: 90 و 78 ، وراجع الكامل لابن الاثير 3: 191 .
( 85 )
قال: لا ، ولكن كان عمر يستخلفني على المدينة ، فوالله ، مارجع من مغيب قط إلا قطع لي حديقة من نخل
(56)
.
وإستخلاف عمر له في أسفاره معروف ومشهور
(57)
.
هذا .. . وقد أعطاه عثمان يوما مائة ألف مرة واحدة
(58)
.
وقد بلغ من ثراء زيد أن خلَف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الاموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار
(59)
.
وكان محل العناية التامة من قبل عمر ، فعدا عن استخلافه له في كل سفر يسافره وإقطاعه الحدائق ، فإنه كان كاتب عمر
(60)
، وكان على قضائه وفرض له رزقا
(61)
.
ويكفي أن نذكر هنا عبارة ابن سعد ، وابن عساكر ، وهي:
« كان عمر يستخلف زيدا في كل سفر ، وقل سفر يسافره ولم يستخلفه ، وكان يفرق الناس في البلدان وينهاهم أن يفتوا برأيهم ، ويحبس زيدا عنده ـ إلى أن قال: وكان عمر يقول: أهل البلد ـ يعني المدينة ـ محتاجون إليه ، فيما يجدون إليه ، وفيما يحدث لهم مما لايجدونه عند غيره
(62)
.
« وما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا ، في القضاء والفتوى ، والفرائض والقراءة »
(63)
.
____________
(56) تهذيب تاريخ دمشق 5: 451 وراجع ص 450 .
(57) وراجع ذينه عدا عما تقدم وسيأتي: تذكرة الحفاظ 1: 31 والاصابة 1: 562 ، والاستيعاب بهامش 1: 553 و 552 .
(58) أنساب الاشراف 5: 38 و 52 ، والغدير 8: 292 و 286 .
(59) الغدير ج 8: ص 284 عن مروج الذهب ج 1: ص434 .
(60) تهذيب تاريخ دمشق 5: 448 .
(61) طبقات ابن سعد 2: قسم 2: 115 | 116 ، وتهذيب تاريخ دمشق ج 5: ص 451 ، وتذكرة الحفاظ ج 1: ص 32 .
(62) راجع: تهذيب تاريخ دمشق 5: 450 ، وطبقات ابن سعد 2: قسم 2: 116 و 117، وكنز العمال ج 16: ص 7 ، وحياة الصحابة ج 3: ص 218 .
(63) تهذيب تاريخ دمشق 5: 450 ، وطبقات ابن سعد 2: قسم 2: 115 ، وراجع: تذكرة الحفاظ ج 1: ص 32 ، وكنزالعمال ج 16: ص 6 .
( 86 )
ثم كان عبدالملك بن مروان من الذين يقولون بقول زيد
(64)
أما أبوه مروان ، فكان قد بلغ من اهتمامه بزيد: أن دعاه ، وأجلس له قوما خلف ستر ، فأخذ يسأله ، وهم يكتبون ، ففطن لهم زيد ، فقال: يا مروان اعذر ، إنما أقول برأيي
(65)
.
وأتاه اناس يسألونه ، وجعلوا يكتبون كل شيء قاله ، فلما أطلعوه على ذلك قال لهم: « لعل كل الذي قلته لكم خطأ ، إنما قلت لكم بجهد رأي »
(66)
.
ومع أنه يعترف بأنه إنما يفتي لهم برأيه ، فقد بلغ من عمل الناس بفتواه المدعومة من قبل الحكام : أن سعيد بن المسيب يقول:
« لا أعلم له قولا لا يعمل به ، فهو مجمع عليه في المشرق والمغرب »
(67)
.
فانظر ماذا ترى ! ؟
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين .
____________
(64) تهذيب تاريخ دمشق 5: 452 .
(65) تهذيب تاريخ دمشق 5: 2 45 ، وطبقات ابن سعد 2: قسم 2: 116 .
(66) تهذيب تاريخ دمشق 5: 452 .
(67) تهذيب تاريخ دمشق 5: 451 ، وطبقات ابن سعد 2 : قسم 2: 116