فإن تحقّقت هذه المسؤوليّة الفرديّة في النفوس ، وأُحيطت النفس بعوامل المنع الداخلي المسند بالموعظة ، تحقّق للأفراد الحفظ الإلهي بتجـاوز الزلل والخـطايا..
    « مَن كان له من نفسه واعظ ، عليه من الله حافظ » (1).
    نستنتج من ذلك : أنّ المسؤوليّة الزهديّة هي قرار ذاتيّ دنيويّ ، يحقّق منفعةً أُخرويّة ذاتيّة ، ينبع اتّخاذُها من حزم الأفراد أنفسِهم مع نفوسِهم ، ولا تتحكّم باتّخاذه عوامل خارجيّة كبيرة..
    ويستطيع المرء أن يقرّر ذلك بنفسه ، ويمتلك حريّة مطلقة في اتّخاذه أُسلوباً حياتيّاً ، فهو أُسلوب في الحياة لا يتعارض مع أيّ وضع آخر في كلّ زمان وأيّ مكان ، وإن سلَك الأفراد في عموم المجتمع هذا السلوك تحقّق للمجتمع كلّه العـدل..
    لذلك ، فغير مبرّر لنا ـ أبناء الأجيال المعاصرة ـ أن نتذرّع بحجج ننحرف بها عن قيم الدين وأُصوله ; فمعاني الزهد المبثوثة في كتاب نهج البلاغة ليس فيها من الغلوّ أو التطرّف أو تعذيب النفس ، من شيء مثل ذلك الذي أشاعته فرق المتصوِّفة في القرون اللاحقة...
    كما أنّها لا تُطالب الأفراد بأكثر من كبح جماح النفس ، ونهيها عن المحرّمات ، ومعرفة ما لها فتسعى إلى نيله بأيسر سبيل ، وإدراك ما عليها فتُلْزَم بتطبيقه وتنفيذه على أحسن الوجـوه.
    وتشغل دعوات الاستعداد للموت ، والتذكير به ، ووصف حال أهل القبور ، حيّزاً كبيراً في النهج ، عسى أن يكون من شأن ذلك دفع الناس إلى
____________
زمّها : قادها.
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 18 / 242.

(169)

الزهادة في الحياة ، والتقلّل من مباهجها ، والميل إلى العيش البسيط ، والفرار من مغريات الغنى والثروة والجاه والتسلّط..
    « استعدّوا للموت فقد أظلّكم » (1)..
    وذاك يعني : الدعوة إلى التفكير الجدّي في سلوك الفرد الدنيويّ ، والتمرّد على منهجه المتّبع ، والتصميم على الانتقال النوعيّ ، وعند ذاك يصبح للحياة معنىً إنسانيّاً في نفسه ، يكمن في أنّه يعرف ما يريد أن يحقّقه بالضبط. وتغدو ( الحياة ) عنده وسيلة لبلوغ أعلى المراتب في حياة ما بعد الموت. وتصبح للموت قيمة غيبيّة مُدركة ، إطمأن المسلم لثرائها وخصوبتها ; لِما رسخ في ذهنه من ثقة مطلقة ، ولإيمان ناجز بالوعد الإلهي الذي بشّر به القرآن الكريم ، ولهج به الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
    ومن ثمّ جاءت الخطب والوصايا والحكم التي اشتمل عليها كتاب نهج البلاغة ، كي تكون منهاجاً ثقافيّاً دينيّاً شاملاً ، تحيط الناس بمعارف نادرة ، يتعلّق كثير منها بعلوم الطبيعة وممّا وراءها ، كان عليّ (عليه السلام) اكتسبها من علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
    وبهذا الصدد يروى أنّ بعض أصحابه ـ وكان من قبيلة كلب ـ قال له يوماً : لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب !
    فقال للرجل : يا أخا كلب ! ليس هو بعلم غيب ، وإنّما هو تعلّم من ذي علم. وإنّما علم الغيب علمُ الساعة ، وما عدّده الله سبحانه بقوله : ( إنّ الله عنـده علمُ الساعة وينزّل الغيثَ ويعلمُ ما في الأرحام وما تدري
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 5 / 145..
    أظلّكم : قرَب منكم ، كأنّ له ظّلاً قد ألقاه عليكم

(170)

نفسٌ ماذا تكسبُ غـداً وما تدري نفسٌ بأيِّ أرض تموت... ) (1) ، فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أُنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل ، وشقيّ أو سعيد ، ومَن يكونُ للنار حَطَباً ، أو في الجنان للنبيّين مُرافِقاً ، فهذا عِلْمُ الغيب الذي لا يعلمه أحدٌ إلاّ الله ، وما سوى ذلك فعِلْمٌ علّمه الله نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلّمَنِيهِ ، ودعا لي بأن يَعِيَه صدري ، وتَضْطمّ عليه جـوانحي (2).
    لذلك كثيراً ما كان ينادي :
    « أيُّها الناس ! سَلوني قبل أن تفقدوني ، فَلأنا بطرُقِ السماء أعْلَمُ منّي بطُرُقِ الأرض ; قبل أن تَشْغَرَ برجلها فتنةٌ تَطأُ في خِطامها ، وتذهب بأحلامِ قومها » (3).
    ويقيناً أنّ الناس يدركون طبيعة تلك المعلوماتيّة الفريدة ويُقيّمونها في عقل عليّ (عليه السلام) ، ويصدّقونها عنده ، وبسبب ذاك وهذا فازت أداءات خـطبه ووصاياه الفكريّة والمضمونيّة ، وارتقت قيمة مضامين الزهد بشكل خاصّ.
    زِدْ على تلك المناحي منحى التذكير بما أصاب الجبابرة الأسلاف
____________
( ) سورة لقمان 31 : 34. (1) سورة لقمان 31 : 34.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 8 / 215..
    تضطمّ : تنضمّ.
    الجوانح : الأضلاع تحت الترائب ممّا يلي الصدر ; وانضمامها عليه : اشتمالها على قلب يعيها.
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 13 / 101..
    تشغر برجلها : ترفعها ، كناية عن كثرة مداخل الفساد في الأرض.
    تطأ في خِطامها : أي تتعثّر فيه ، كناية عن إرسالها وطيشها وعدم وجود قائد لها.

(171)

الّذين طَغَوا ، والأُمم التي عتت..
    « إنّ الله لم يقصِم جبّاري دهر قطُّ إلاّ بعد تمهيل ورخاء ، ولم يجبرْ عَظْمَ أحد من الأُمم إلاّ بعد أزل وبلاء... » (1)..
    وما آلَ إليه مصيرُها..
    « عبادَ الله ! أين الّذين عُمِّروا فَنعِموا ، وعُلّموا ففهموا ، وأُنظِروا فلَهوا ، وسُلّموا فَنسوا ؟! أُمهلوا طويلاً ، ومُنِحوا جميلا ، وحُذّروا أليماً ، ووعِدوا جسيماً » (2).
    وكيف تحوّل نِصابُ أمورهم إلى أُمم وأقوام وأفراد آخرين !!
    ثمّ عطاؤه جلّ وعلا في تفضيل أنبيائه ، وفي اختيار رسله ، والتركيز على حالة التقشّف والزهد والفقر التي كان يحياها الرسل ، ثمّ المكانة العليّة التي تبوّؤوها..
    « لقد كان في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كاف لك في الأُسْوة ، ودليل لكَ على ذمِّ الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ; إذ جاع فيها مع خاصتّه ، وزُوِيَتْ عنه زخارفُها مع عظيم زُلْفَتِهِ..
    فلينظر ناظر بعقله : أكرمَ اللهُ محمّداً بذلك أم أهانَه ؟ فإن قال : أهانه ، فقد كذِب ـ والله العظيم ـ بالإفك العظيم ، وإن قال : أكرمه فليعلم أنّ الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له ، وزواها عن أقرب الناس منه...
____________
( ) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 6 / 384.. (1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 6 / 384..
    يقصم : يهلك.
    يجبر : من : جبر العظم ، إذا طيّبه بعد الكسر حتّى يعود صحيحاً.
    الأزل : الشـدّة.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 6 / 275..
    عُمِّروا فنعموا : عاشوا فتنعّموا.

(172)

فإنّ الله جعلَ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) علماً للساعة ومبشّراً بالجنّة ، ومُنذِراً بالعقوبة. خرج من الدنيا خميصاً ، وورد الآخرة سليماً ، لم يضع حجراً على حجر ، حتّى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربّه ، فما أعظم منّةَ الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نتّبعه ، وقائداً نطأُ عَقِبَه...
    وإن شِئْتَ ثنَّيْتُ بموسى كليم الله (عليه السلام) ; حيث يقول : ( ربّ إنّي لِما أنْزَلْتَ إليّ من خير فقيرٌ ) (1) ، والله ! ما سأله إلاّ خُبزاً يأكُلُهُ ، لأنّه كان يأكلُ بقلة الأرض ، ولقد كانت خُضرةُ البقلِ تُرى من شَفيفِ صِفاق بطنهِ ; لِهُزَالهِ وتَشَـذُّبِ لحـمهِ.
    وإن شِئتَ ثَلَّثْتُ بداودَ (عليه السلام) ، صاحبِ المزامير وقارئ أهل الجنّةِ ; فلقد كان يعملُ سَفائِفَ الخوصِ بيدِه ، ويقول لجلسائِه : أيُّكم يكفيني بيعَها ؟ ويأكلُ قُرْصَ الشـعير من ثمنها.
    وإن شئتَ قلتُ في عيسى بن مريم (عليه السلام) ; فلقد كان يَتَوسّدُ الحجَر ، ويلبس الخَشِن ، ويأكل الجَشِبَ ، وكان إدامه الجوع ، وسراجُه بالليلِ القمرَ ، وظلالُه في الشتاءِ مشارِقَ الأرضِ ومغاربَها ، وفاكهتُه ورَيحانهُ ما تُنبِتُ الأرضُ للبهائمِ ، ولم تكن له زوجةٌ تَفْتِنُه ، ولا ولد يَحزُنُه ، ولا مال يَلْفُته ، ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ ، دابَّتُهُ رِجْلاه ، وخادِمُهُ يداه » (2).
____________
(1) سورة القصص 28 : 24.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 9 / 229 ـ 233..
    خاصّـته : أي مع خصوصيته وتفضّله عند ربه.
    زُويت عنه : قُبضَت وأُبعِدت.
    عظيم زُلفته : منزلته العليا من القرب إلى الله.
    عَلَماً : العلامة ; أي أنّ بعثته دليل على قرب القيامة ; إذ لا نبيّ بعده.

(173)

ولسنا في حاجة لتحليل النصّ وتأويله مفصّلاً ; لأنّ أيّ تفسير له سيكون أدنى من مرتبة بلاغته ، وبالتالي يُفقده بعضاً من فرادة معانيه وخصوبتها ، لكنّ أيسرَ فهم يمكن أن يُقال بصدده يتلخّص في أنّه : كان من نتيجة ذلك السلوك النبويّ الزاهد المتقشّف أن حاز الأنبياء على رضىً إلهيّ دنيويّ ; إذ اختيروا ليكونوا أصحابَ رسالات يُبشّرون ويُنذِرون ، واقتدت الإنسانيةُ بالتعاليم التي جاؤوا بها من السماء ، ونالوا احتراماً بشريّاً طويل الأمد والمدى ، وفازوا بالتالي بمكانة رفيعة يوم القيامة ، ارتضاها الله لهم ، وارتضوها هم لأنفسهم.'
    وبهذا الأُسلوب ، القريب المأخذ ـ وإن شابته بعض الألفاظ الغريبة ـ الرصين الصياغة ، العميق الدلالة ، الواضح العبر ، صار سهلاً على دعوات الزهد المبثوثة في نهج البلاغة أن تنال حظوة التلقّي والاستقبال ، بصرف النظر عن اختلاف مستويات المتلقّين المسلمين وتباين ثقافاتهم.
    وبرز في زهديّات نهج البلاغة طابع الحزن والتأسّف والتحسّر على انبهار البشر وغرورهم بهذا العالم الفاني ، وطغت أمارات التأسّف وعلاماتُه
____________

    الخميص : خالي البطن ; كناية عن عدم التمتّع بالدنيا.
    العَقِب : مؤخّر القدم ; ووطء العَقِب مبالغة في الاتّباع والسلوك على طريقه : نقفوه خطوة خطوة كأنّنا نطأ مؤخّر قدمه.
    شفيف : رقيق ، مَن يُسْتَشَفُّ ما وراءه.
    الصِفاق : الجلد الباطن ، الذي فوقه الجلد الظاهر من البطن.
    تشذّب اللحم : تفرُّقُه.
    السفائف : جمع سفيفة ، وصف من : سفّ الخوص ، إذا نسجه ; أي : منسوجات الخوص.
    ظلاله : جمع ظلّ ، بمعنى الكِنّ والمأوى ، ومن كان كنّه المشرق والمغرب فلا كِنّ له.

(174)

في الخطب والنصائح والرسائل التي ضمّها ، فجاءت بطريقة تكشف عن يقظة ضمير الإمام عليّ (عليه السلام) وطبيعة حرصه على مصير البشر ، وعدم اغتباطه بهذه الغفلة.
    بَيْدَ أنّ هذا الحزن لا يشي بظاهرة أزمة نفسيّة ، أو تشاؤم مَرَضيّ ، أو قلق فرديّ يحيط بشخصية المنشئ ، وإنّما هو سـمة شخصيّة ، وليدة ثقافة روحيّة ، ووعيّ دينيّ ، ويقظة ضمير ، ومسؤولية إمام ، وناشئة من خوف شديد على الأُمّة من معصية الله وغضبه..
    هذا إذا علمنا أنّ سلوك الزهد عنده لم يأتِ فراراً من الدنيا لِما شاهده فيها من ويلات حسب ، بل لأنّه يرى أنّ من واجبه التنبيه والوعظ أيضاً بصفته صاحب رسالة زهديّة..
    « فيا لها حسرةً على كلّ ذي غَفْلَة أن يكون عمرهُ عليه حجّةً ، وأن تُؤدّيه أيّامُه إلى الشِقْوَةِ ! نسأل اللهَ سبحانه أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لا تُبطرُه نعمةٌ ، ولا تقصِّر به عن طاعة ربِّه غايةٌ ، ولا تَحُلَّ به بعد الموتِ ندامةٌ ولا كآبةٌ » (1).
    « عبادَ الله ! لا تركنوا إلى جهالِتكم ، ولا تنقادوا إلى أهوائكم ; فإنّ النازل بهذا المنزل نازل بشفا جُرُف هار ، ينقل الردى على ظهره من موضع إلى موضع ; لرأي يُحْـدِثُهُ بعد رأي ، يريد أن يُلصِق ما لا يلتصقُ ، ويُقرِّب ما لا يتقارب !
    فالله اللهَ أن تَشْكوا إلى مَن لا يُشكِي شَجْوَكم ، ولا ينقُضُ برأيه ما قد
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 5 / 145..
    لا تبطره النعمة : لا تُطغيه ، ولا تسدل على بصيرته حجاب الغفلة عمّا هو صائر إليه.

(175)

أبْرَمَ لكم ، إنّه ليس على الإمام إلاّ ما حُمِّل من أمر ربّه : الإبلاغ في الموعظة ، والاجتهاد في النصيحة ، والإحياء للسُنّة ، وإقامةُ الحدود على مستحقّيها...
    فبادروا العلم من قبل تصويحِ نَبْتِهِ ، ومن قبل أن تُشغَلوا بأنفسكم عن مستثار العلم من عند أهله ، وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه ; فإنّما أُمِرْتُم بالنهي بعد التناهي ! » (1).
    ففي هذين المقامين تفيض الخطابة الزهديّة المباشرة بعبارات الإشفاق ، وبمعاني التعاطف مع الأفراد ، على الرغم من كثرة رمي اللوم عليهم في مواضع قوليّة أُخرى. وظهر الإمام عليّ (عليه السلام) يحمل صفة حكيم الزهادة ومعلِّمها ، الذي يثير في نفوس تلامذته الرغبة الدائمة في معرفة العلم الذي يلامس مصيرهم ، ويتعلّق بجوهر عقيدتهم.
    إنّ استقراء الدعوات الزهديّة في نهج البلاغة يوحي إلى حياة الغُربة الدنيويّة التي كان يحياها الإمام عليّ (عليه السلام) ، والتي كان مبعثها في نفسه فقدُ الأحـبَّة : الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفاطمة الزهـراء (عليها السلام) ، وأصحابه المخلصين ، ثمّ في المعاناة الفائقة التي لازمته بعد تولّيه الخلافة ، والناتجة عن صعوبة
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 7 / 167..
    شفا جرف هار : شفا الشيء : حرفه ، والجُرُف : ما تجرفه السيول ، والهاري : المتهدِّم أو المشرف على الانهدام.
    الردى : الهلاك.
    يُشكي : من : أشكاه ، إذا أزال شكواه.
    الشجو : الحاجة.
    التصويح : التجفيف ; وأصله : صوّح النبت ، إذا جفّ أعلاه.
    مستثار : الاستثارة : طلب الثور ; وهو : السطوع والظهور.

(176)

قيادة الناس إلى الحقّ والتقوى والصلاح ، وتردّدهم في الجهاد ، وميلهم إلى التقاعس وحبّ الحياة ، مع كبير معرفتهم بصواب منهجه ، وصدق دعواته..
    « أين إخواني الّذين ركبوا الطريقَ ، ومضوا على الحقّ ؟!
    أين عمّار ؟! وأين ابن التيِهان ؟! وأين ذو الشهادتين ؟!
    وأين نظراؤهم من إخوانهم الّذين تعاقدوا على المنيّة ، وأُبْرِدَ برؤوسهم إلى الفَجَرة ؟!
    أوهِ على إخواني الّذين قرؤوا القرآن فأحكَمُوه ، وتدبّروا الفرضَ فأقاموه ! أحْيَوا السنّةَ وأماتوا البِدعَة ، دُعُوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتَّبَـعوه » (1).
    ونَمَت صورة الغربة الأُخرويّة في زهديّات نهج البلاغة ، واتّضحت في أنماط صورة الحـزن الخائف ، الذي يجعل الدنيا مُنكِرَة لوجـود المرء ، لا تأبه لخروجه منها ، ولا تقف لتوديعه حين يموت ، في حين يجد الميّت كمّاً هائلاً من البشر سـبقوه إلى المقابـر ، يحيطون به ، لكنّهم ـ هم أيضاً ـ لا يأبهون لقدومه ، ولا يقفون إلى جانبه..
    وهو وصف يكشف عن أنّ الفرد يخرج من الدنيا غريباً بلا مودِّع ، بلا عزّ ، ولا جاه ، ولا مال ولا بنين ، ويلتحق بالأموات غريباً بدون مستقبل ،
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 10 / 99..
    عمّار : يعني عمّار بن ياسر.
    ابن التيِّهان : أحد النقباء ليلة العقبة ، شهد بدراً ، وهو من أكابر الصحابة.
    ذو الشهادتين : هو خزيمة بن ثابت الأنصاري ، قَبِل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شهادته بشهادة رجلين في قصّـة مشهورة.
    أُبْرِدَ برؤوسِهم : أي أُرسلت مع البريد بعد قتلهم.
    أوه : كلمة توجّع.

(177)

ولا مُهنّئ ، ولا راث... فهل من غربة أسوأ من تلك ؟!
    « فهل بلغكم أنّ الدنيا سختْ لهم نَفساً بفِدْيَة ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صُحبةً ؟!
    بل أرهقتهم بالفَوادح ، وأوهقتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعفّرتهم للمناخر ، ووطِئَتْهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريبَ المنون.
    فقد رأيتم تنكُّرَها لمن دان لها ، وآثرها وأخلد إليها ، حين ظَعنوا عنها لفراق الأبد ; وهل زوّدتهم إلاّ السَغَب ، أو أحلّتهم إلاّ الضَنك ، أو نوَّرَتْ لهم إلاّ الظُلمة ، أو أعقَبَتْهم إلاّ النَدامة ؟!
    أفهذهِ تؤثِرون ، أم إليها تطمئنّون ، أم عليها تحرصون ؟!
    فبئست الدار لمن لم يتَّهِمْها ، ولم يكن فيها على وجَل منها !
    فاعلموا ـ وأنتم تعلمون ـ بأنّكم تاركوها ، وظاعنون عنها ، واتّعِظوا فيها بالّذين قالوا : ( مَن أشـدُّ مِنّا قوّةً ) (1) ; حُمِلوا إلى قبورهم فلا يُدعَوْنَ ركباناً ، وأُنزِلوا الأجـداثَ فلا يُدْعَوْنَ ضيفاناً ، وجُعِلَ لهم من الصَفيحِ أجْنانٌ ، ومن التُراب أكفانٌ ، ومن الرُفاتِ جيرانٌ ; فهم جِيرَة لا يجيبون داعياً ، ولا يمنعون ضيماً ، ولا يبالون مَنْدَبةً...
    جميعٌ وهم آحاد ، وجيرة وهم أبعادٌ ، متدانون لا يتزاورون ، وقريبون لا يتقاربون ، حلماءُ قد ذهبت أضغانُهم ، وجهلاءُ قد ماتت أحقادهم...
    استُبْدِلوا بظهر الأرض بطناً ، وبالسَـعةِ ضيقاً ، حفاةً عراةً ، وقد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة ، والدار الباقية... » (2).
____________
(1) سورة فُصِّلَت 41 : 15.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 7 / 227 ـ 228..