من واجب الباحث المُحلّل لمضامين نهج البلاغة الفكريّة أن يولي نصيباً وافراً من عنايته لإدراك تميُّز شخصيّة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)منتج هذا الكنز ، وأن يُعطي اهتماماً خاصّاً للبيئة وللظروف التي أُنتِج فيها ، إذ يجد في هاتين المعرفتين شتّى مظاهر غنى هذا النتاج ، ويقع بفهمهما الكشف عن أهمّ مكوّناته في فلسفة الدين والحياة.
فعـن شخصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) يكفي أن نعرف أنّ إجماع المؤرخّين قائم على أنّه لم ينشغل بمتاع الدنيا ووجاهتها قطّ ; إنّه وُلِد فقيراً ، وعاش فقيراً ، ومات ولم يكنْ في تَركَته شيء ماديّ ، مع أنّ كنوز الدولة الإسلاميّة كلّها كانت بيده قبل موته ، لم يُقرِّب قريباً ولم يُبعِدْ غريباً إلاّ بالحقّ ، ولم تشهدْ سـيرتُه انحرافاً أو خطأً ما ، ولم يوظّف حياته إلاّ لخدمة الإسلام والمسلمين.
(159)
وهو أوّل الناسِ إسلاماً (1) ، وأوّلهم صلاةً مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (2)..
كما أنّه الوحيد الذي قَبِلَ أن يكون أخاً للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين بني عبد المطّلب حين جمعهم الرسول وقال لهم : « مَنْ يُؤازِرُني على ما أنا عليه ويجيبني على أن يكون أخي وله الجنّة ؟ » (3)..
وهو نفسُه الذي كان يكرّر أنّه عبد الله وأخو رسوله على مرأى المسلمين ومسمعهم..
وهو الذي جعله الرسول منه بمنزلة هارون من موسى (4)..
والذي قال فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لأُعطِيَنّ الراية غداً إلى رجل يحبّ الله ورسولَه ، ويحبّه الله ورسولُه ، ويفتح عليه (5).
مات الشيخان وهما مقدّران مكانته ، ومعترفان بمنزلته وشدّة تقواه ، وهو نفسُه لم يبخلْ عليهما بمشوَرة أو نصيحة.
____________
(1) فضائل الصحابة ( فضائل عليّ (عليه السلام) ) ـ لأحمد بن حنبل ـ 2 / 589 ح 997 و 590 ح 1000 و 591 ح 1003 ، سنن الترمذي 5 / 642 ح 3735 ، خصائص أمير المؤمنين ـ للنسائي ـ : 22 ح 3 و 4.
(2) فضائل الصحابة ( فضائل عليّ (عليه السلام) ) ـ لأحمد بن حنبل ـ : 2 / 590 ح 999 و 591 ح 1003 و 592 ح 1004 ، سنن الترمذي 5 / 642 ح 3734 ، خصائص أمير المؤمنين ـ للنسائي ـ : 21 ح 2 و 22 ح 5 .
(3) الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 1 / 187 ، خصائص أمير المؤمنين ـ للنسائي ـ : 83 ح 66 ، المناقب ـ لابن مردويه ـ : 287 ـ 290 ح 455 ـ ح 457.
(4) صحيح مسلم 4 / 1870 ـ 1871 ح 2404 وما بعده ، فضائل الصحابة ( فضائل عليّ (عليه السلام) ) ـ لأحمد بن حنبل ـ 2 / 566 ح 954 و 567 ح 956 و 568 ح 957 و 569 ح 960 ، سنن الترمذي 5 / 640 ح 3730 و 641 ح 3731.
(5) المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ 14 / 459 ـ 460 ح 18720 و462 ح 18725 ، صحيح مسـلم 4 / 1871 ـ 1873 ح 2405 ـ ح 2407 ، سنن التـرمذي 5 / 638 ح 3724.
(160)
وهو الذي تمـثّلت له الدنيا في هيئة جميلة ، فقال لها : غرّي غيري (1).
تتلمذ ـ منذ طفولته ـ على يد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونشأ في كنفه (2) ، ولا يسع المتأمّل لطبيعة هذه التلمذة ، وللظروف المحيطة بتلك النشأة إلاّ أن يستنتج أنّها أكسبت عليّاً (عليه السلام) سمات راقية في العلم ، وفي البيان ، وفي التديّن الزاهد ، وفي الحقوق والقضاء ، حتّى غدا بعمله وفصاحته وتديّنه صورة قريبة من فصاحة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلمه وتديّنه.
وتمكّن من سبر أغوار علوم القرآن وتفسير آياته ، وامتلك عبقريّة فريدة في القضاء والفقه ، وحاز على مَلَكَة بلاغيّة ارتقت إلى الدرجة الثالثة في الفصاحة العربية ، بعد القرآن الكريم ، والقول النبويّ الشريف.
وكان تقشّفه في الحياة ، وزهده بها ، وإعراضه عن مباهجها ، وهروبه منها ، مثار إعجاب المسلمين الأوائل ، وغدا مضرب الأمثال عند السلف (3).
ولم تقِلّ تجربته الاجتماعية عن تجاربه في التديّن والعلم والقضاء والبيان ، بل لعلّها ـ أُسوة بتجاربه الأُخرى ـ جعلته أقرب الناس إلى الله ، وصيّرته لا يأبه في أمتعة الدنيا ، والذي يبدو أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يعرف قدر
____________
(1) فضائل الصحابة ( فضائل عليّ (عليه السلام) ) ـ لأحمد بن حنبل ـ 1 / 531 ح 882 ، الاستيعاب ـ لابن عبد البرّ ـ 3 / 1114.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لمحمّد عبده ـ 2 / 182 ، ضمن الخطبة 187 ، المسمّاة بـ : القاصعة.
(3) للاطّلاع على صلة الإمام عليّ (عليه السلام) بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى مكانته بين أصحابه ، وعلى اجتهاده في تثبيت أركان الإسلام ، وعلى نفحات من سيرته وشذرات من علمه ; ينظر : الطبقات الكبرى : الجزء الخاص بالفهارس لمعرفة مواضع ذكر عليّ (عليه السلام) ، تاريخ الأُمم والملوك ـ المسمّى : تاريخ الطبري ـ 4 / 524 وما بعدها ، و حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1 / 61 وما بعدها.
(161)
الدنيا بمفهومها اللّغويّ الدقيق الدالّ على تتبّع دنيِّ الأُمور وصغيرها وخسيسِها (1) ، وأنّ استصغار الدنيا (2) ، ومحو آثارها من القلب (3) ، الذي صار تعريفاً لمصطلح الزهد لاحقاً ، كان منهجاً قائماً في ممارسة عليّ (عليه السلام)وفي تطبيقاته ، فأدرك أنّ « من هوان الدنيا على الله أنّه لا يُعصى إلاّ فيها ، ولا يُنال ما عنده إلاّ بتركها » (4) ، في زمن رأى البشر يتكالبون على نيل مباهجها ، ووجاهتها ، وترفها.
كما أنّ مراجعة تأريخ إنتاج نصوص نهج البلاغة ، واستقراء مناسبات كتابتها ، وأساليب توجيهها ، تكشـف عن أنّها وليدة ظروف متباينة ; تتّسم ـ من جهة ـ بتمكّن الإسلام الزاهد في قلوب فئة قليلة جدّاً من الصحابة.
وجاءت ـ من جهة ثانية ـ في ظل ظروف الفتوحات ونشر الدين ، والخلافات في الإمامة والسياسـة.
وتُرافِق ـ من جهة ثالثة ـ بواكير استفحال النزعة الفرديّة ، والمشاعر الأنانيّة ، والتكالب على المتاع الدنيويّ..
وفي ظرف يمكن للدين فيه أن يُمسي طقوساً جافّة لا حياةَ فيها ، وأن تُضحي عبادات بعضهم خاليةً من التقديس والخشوع ; لأنّ تلك النفوس تحوّلت للانشغال بمصالحها العاجلة ، وغدت في غفلة عن مصيرها.
____________
(1) الزهد وصفة الزاهدين 1 / 26.
(2) كتاب الزهد الكبير 1 / 34.
(3) لسان العرب ، مادّة « د ن و » ; ونكتفي بالإشارة هنا إلى أنّ شرح الكلمات في هوامش البحث اللاحقة كلّها مأخوذة من المصدر نفسه.
(4) شرح نهج البلاغة ـ مجموع ما اختاره الشريف الرضيّ ( ت 404 هـ ) من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ـ لابن أبي الحديد ، 19 / 326.
(162)
والواقع أنّ تحليل هذه الاتّجاهات كلّها في نهج البلاغة يستدعي الإطالة ، ويقود إلى تكرار ما كتبه المؤرّخون والعلماء والفقهاء والدارسون ، قديماً وحديثاً ، وهذه ليست مهمّة هذه الدراسة التي نريد لها أن تتعرّض إلى طبيعة زهد الإمام عليّ (عليه السلام) واتّجاهاته ومكوّناته من خلال ما ورد في كتاب نهج البلاغة ، الذي ضمّ جُلّ خطبه وأحاديثه ورسائله ; بهدف التعريف بمضمون فكريّ واحد ، من جملة مضامين هذا النتاج الأدبي والفكري والديني ، الموروث عن ذلك السلف الصالح ، لعلّنا نستطيع أن نزيد في تسليط الأضواء تجاه تلك السيرة العطرة ، ونقتدي بها في التعامل مع الدين والحياة.
لقد جُبل عليّ (عليه السلام) على الورع والعلم والتقوى من دون مؤثّرات خارجيّة ، بارزة الملامح ، في ما عدا القرآن والتّلمذة النبوية حتّى عدّه جابر ابن حيّان ( ت 198 هـ ) مصدر العلم اللدنيّ بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (1).
وإذا صحَّ إجماع القول على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خُلِق كي يكون نبيّاً للبشريّة ، فإنّه ليس من الغلوّ أن يُقال : إنّ عليّاً (عليه السلام) خُلِق كي يكون إمامَ الزهـد والتقى ، وقد ضرب في سلوكه المثل على ذلك ، قبل أن يقدّم المواعظ.
وإذا وصلنا إلى مواعظه وأقواله ، فأوّل ما يلقانا فيها شدّة اهتمامه بوعظ الناس ، وإيقاظ ضمائرهم ، ودعواته المكرورة للتخلّي عمّا في الدنيا والهروب إلى الله ، وظلّت عبارة : « تخفّفوا تلحقوا » ، شديدة الوضوح في نهج البلاغة.. ____________
(1) حلية الأولياء 10 / 78 ; نقلاً عن الفلسفة الصوفية في الإسلام : 160.
(163)
« إنّ الغايةَ أمامكم ، وإنّ وراءكم الساعة تحدوكم ، تخفّفوا تلحقوا ، فإنّما تنتظر بأوّلكم آخركم » (1).
يتّسـم المضمونُ الزهديُّ الواعظ المبثوث في نهج البلاغة بأنّه لا ينمّ عن رغبة فرديّة أنانيّة في التقرّب إلى الله ، ونيل رضاه ، وإنّما يفصح عن أنّه رسالة دينيّة وأخلاقيّة تشمل البشريّة كلّها ، وتسير على المنهج النبويّ ، وتعزّزه ، وتركّز عليه ، لا سيّما وأنّ قائلها قد تحمّل هو نفسه عبئاً كبيراً ، ومسؤوليّةً جمّةً ـ إلى جانب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الكرام الأوائل ـ في نشر الإسلام وتثبيته في قلوب الناس..
« إنّ أخْوفَ ما أخاف عليكم اتّباع الهوى ، وطول الأمل ، فتزوّدوا من الدنيا ما تحرِزون به أنفسكم غداً » (2).
كما تعجّ الخطب الموجّهة إلى العباد بمضامين زهديّة تدعو إلى الاستهانة بالدنيا ، وتكتظّ بمشاعر الأسى والخوف والتحذير ممّا ينتظرهم ، وكأنّنا ـ ونحن نطّلع على هذه المضامين ـ نقف أمام تكرار مضامين قرآنيّة تتّخذ أُسلوب التحذير والترهيب..
« فلتكُنِ الدنيا في أعيُنِكم أصغر من حُثالةِ القَرَظ ، وقُراضةِ الجَلَم ، واتّعظوا بمَن كان قبلكم ، قبل أن يتّعِظ بكم مَن بعدكم ، وارفضوها ذميمةً ;
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لمحمّد عبده ـ 1 / 54..
الساعة : يوم القيامة.
تحدوكم : تسوقكم إلى ما تسيرون عليه.
تخفّفوا : المراد هنا التخفّف من أوزار الشهوات.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لمحمّد عبده ـ 1 / 68..
تحرزون أنفسكم : تحفظونها من الهلاك الأبدي.
(164)
فإنّها قد رفضت مَن كانَ أشغَفَ بها منكم » (1).
واعتمدت أداءات نهج البلاغة الفكرية على الدعوة إلى ممارسة الزهد ، وأرادت للإنسان اتّخاذه منهجاً دينيّاً ، وأُسلوباً للعيش ، وطريقة تعامل في الحياة ، وتمنّت له أنْ يكون شعائر يوميّة ، وطقوساً إنسانيّة تؤدّى كلّ حين ، بطريقة توحي أنّ هذه الدعوات كلّها انطلقت من نفس مطمئنّة إلى اليوم الآخر ; طلّقت الدنيا ، وربطت مصيرها بحياة ما بعد الموت ، وأيقنت أنّ سنين الحياة هي هبة الله للإنسان ، يمنحها كي يدّخر عملاً صالحاً لآخرته.
لقد جاء التحذير من الغفلة في النهج شديداً ، والتوبيخ قاسياً ، وتعدّدت أساليبُه ، وجدّت في التنبيه إلى أنّ النضال في الدنيا ، والكدّ ، والدأب ، والنشاط ، والمدافعة فيها ، لا جدوى منه إنْ لم تُحسَب منفعته في البقاء الأُخرويّ السرمديّ ; بمعنى : إنّه لا بُدّ من استثمار الدنيا لصالح الآخرة..
وتكرّرت الدعوات اللافتة إلى النفعية الأُخرويّة في ظلّ ظروف اتّجه فيها كثير من المسلمين إلى التراخي في التمسّك الأُصولي بالدين ، وفتر الوازع الزاهد في نفوس بعضهم ، واتّجهوا إلى جمع المال ، وانشغلوا بلذيذ العيش..
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لمحمّد عبده ـ 1 / 75..
الحُثالة ـ بالضم ـ : القُشارة وما لا خير فيه ; وأصله ما يسقط من كلّ ذي قشر.
القَرَظ : ورق السلم ، أو ثمر السنط ، يُدَبَغُ به.
الجَلَم : مقراظ يُجَزُّ به الصوف ; وقراضته : ما يسقط منه عند القرض والجزّ.
أشغف بها : أشـدّ تعلّقاً بها.
(165)
« ألا وإنّ هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنّونها وترغبون فيها ، وأصبحت تُغْضِبُكم وتُرضيكم ، ليست بداركم ، ولا منزلكم الذي خُلِقتم له ، ولا الذي دُعيتم إليه.
ألا وإنّها ليست بباقية لكم ، ولا تبقون عليها ، وهي وإن غرّتكم منها ، فقد حذّرتكم شرّها ; فَدَعوا غرورَها لتحذيرها ، وأطماعَها لتخويفها ، وسابقوا فيها إلى الدار التي دُعِيتم إليها ، وانصرفوا بقلوبكم عنها...
واستتمّوا نعمة الله عليكم بالصبر على طاعة الله ، والمحافظة على ما استحفظكم من كتابه.
ألا وإنّه لا يضرّكم تضييعُ شيء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم.
ألا وإنّه لا ينفعُكم بعد تضييع دينكم شيءٌ حافظتم عليه من أمر دنياكم » (1)..
« فلو رميتَ ببصرِ قلبك نحو ما يوصف لك منها ( الجنّة ) لَعَزَفَتْ نفسك عن بدائع ما أُخرِجَ إلى الدنيا من شهواتها ولذّاتها ، وزخارفِ مناظرِها ، ولذَهِلَتْ بالفِكْرِ في اصطفاقِ أشجار غُيِّبـتْ عروقُها في كثبان المسك على سواحل أنهارِها ، وفي تعليق كبائس اللؤلؤ الرَطب في عساليجها وأفنانها ، وطلوع تلك الثمار مختلفة في غُلُفِ أكمامها ، تُجنَى من غير تكلّف فتأتي على مُنْيَةِ مُجتنيها ، ويُطافُ على نُزّالها في أفنية قصورها بالأعسال المصفقة ، والخمور المروّقة. قومٌ لم تزل الكرامةُ تتمادى بهم حتّى حلّوا دار القرار ، وأمِنوا نُقلةَ الأسفار..
فلو شغلتَ قلبك أيّها المستمع بالوصول إلى ما يهجم عليك من تلك
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لمحمّد عبده ـ 2 / 106.
(166)
المناظر المونقة ، لزهقتْ نفسُك شوقاً إليها ، ولتحمّلت من مجلسي هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالاً بها » (1).
في الخطبتين مُقاربة زهديّة شديدة الوضوح والإيجاز ، تضع الحياتين ( الدنيويّة والأُخرويّة ) كلتيهما في كفّتي ميزان واحد تحت إدراك عقل المتلقّي وفهمه ، بصرف النظر عن مستوى ثقافته ودرجة وعيه ، وفضلاً عن تلك المقاربة الناضجة ، فالخطبتان تحملان دعوَتي إنذار وتحذير فوعيد ، وترغيب وتأميل فتبشير..
المضمون الأوّل يُـعرّي جسـد الدنيا ويكشف عوراتها ، ويلعن تقلّباتها ، ويزدري نفعها...
في حين يحمل المضمون الثاني مزايا الآخرة ، ويشـدّد على ديمومة نعمها ، ويلهج بخصوصيّة مباهجها...
أمّا الخطيب ، فعلى الرغم من انحيازه الواضح إلى كفّة الحياة الآخرة ، فإنّه نوّه بالمزايا في الخطبتـين ، وترك للمتلقّي حريّة التقصّـي فالاستنتاج
____________
(1) شرح نهج البلاغـة ـ لمحمّد عبده ـ 2 / 93..
عزفتْ نفسك : كرهت وزهدت.
اصطفاق الأشجار : تضارب أوراقها بالنسيم بحيث يُسمع لها صوت.
الكثبان : جمع كثيب ; وهو : التل.
الأفنان : جمع فَنَنَ ; وهو : الغصن.
العساليج : جمع عُسلُج ; ما لان واخضرّ من الأغصان.
الأكمام : جمع كِمّ ; وعاء الطلع وغطاء النوار.
تُجنى : تُقْطَف.
لمصفّقة : المصفّاة.
المروّقة : المصفّاة.
المونِقة : المُعجِبة.
(167)
ثمّ الاختيار ، كما ترك له حريّة اختيار السبيل لكبح جماح النفس ولَجْم نزواتِها.
وللزهدِ في النهج اتّجاه آخر يتّخذ الوعظَ أُسلوباً أدائيّاً يدعو الأفراد للقيام بعملية استبطان نفوسهم ، ومعرفة نزعاتها..
« عبادَ الله ! زِنُوا أنفسَكم من قبل أن توزَنوا ، وحاسبوها قبل أن تُحاسـبوا » (1)..
وتحليل طباعها..
« واعلموا أنّه مَن لم يُعَنْ على نفسه حتّى يكون له منها واعظ وزاجر ، لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ » (2)..
كي يعرف كلُّ فرد حقّ نفسه عليه ، ويحيط برغباتها المشروعة ، ويقف حائلاً دون انغماسها بالشـبهات..
« واعلموا عبادَ الله ، أنّ عليكم رصداً من أنفسكم ، وعيوناً من جوارحكم ، وحفّاظ صدق يحفظون أعمالكم ، وعدد أنفاسكم ، لا تستركم منهم ظُلمةُ ليل داج ، ولا يكنّكم منهم بابٌ ذو رِتاج » (3)..
ويقوم بمهمّة الرقيب الداخلي ، القادر على الحزم والنهي..
«... امرؤ ألْجَمَ نفسَه بلجامها ، وزمّها بزمامِها ; فأمسكها بلجامِها عن معاصي الله ، وقادها بزمامها إلى طاعة الله » (4)..
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 6 / 395.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 6 / 395.
(3) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 9 / 210..
الرصد : الرقيب ; يريد هنا رقيب الذّمةِ وواعظ السرّ.
الرتاج : الباب العظيم المحكم الغلق.
(4) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 13 / 307..