هذا أيضاً (1).
    وفيه أيضاً : قال محمّد بن عمر وغيره : لمّا خطب عمر بن الخطّاب إلى عليّ ابنته أُمّ كلثوم ، قال : يا أمير المؤمنين ! إنّها صبيّة.
    فقال : إنّك والله ما بك ذلك ، ولكن قد علمنا ما بك.
    فأمر عليّ بها فصُنّعت ، ثمّ أمر ببرد ، فطواه وقال : انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين فقولي : أرسلني أبي يقرئك السلام ، ويقول : إن رضيت البُرد فأمسكه ، وإن سخطته فردّه.
    فلمّا أتت عمر قال : بارك الله فيك وفي أبيك ، قد رضينا.
    قال : فرجعت إلى أبيها فقالت : ما نشر البُرد ولا نظر إلاّ إليّ.
    فزوّجها إيّاه فولدت له غلاماً يقال له : زيد (2).
    وفي الإصابة ، و غوامض الأسماء المبهمة ، والنصّ للأوّل : عن ابن أبي عمر المقدسي ، حدثني سفيان ، عن عمرو ، عن محمّد بن عليّ : إنّ عمر خطب إلى عليّ ابنته أُمّ كلثوم ، فذكر له صغرها ، فقيل له : إنّه ردّك ، فعاوده فقال له عليّ : أبعثُ بها إليك ، فإن رضيتَ فهي امرأتك ، فأرسل بها
____________
(1) الطبقات الكبرى 8 / 463.
    رفئوني ، أي : قولوا لي : بالرفاء والبنين ; وهذا كان من رسوم الجاهلية ، وقد نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقد روى الكليني في الكافي 2 / 19 بإسناده عن البرقي رفعه ، قال : لمّا زوّج رسول الله فاطمة (عليها السلام) ، قالوا : بالرفاء والبنين.
    فقال (صلى الله عليه وآله) : لا ، بل على الخير والبركة.
    وفي مسند أحمد 3 / 451 بسنده عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن محمّد ابن عقيل ، قال : تزوّج عقيل بن أبي طالب فخرج علينا ، فقلنا : بالرفاء والبنين.
    فقال : مه ، لا تقولوا ذلك ، فإنّ النبيّ قد نهانا عن ذلك وقال : قولوا : بارك الله لك ، وبارك الله عليك ، وبارك لك فيها.
(2) الطبقات الكبرى 8 / 464 ، المنتظم 4 / 237 ، تاريخ دمشق 19 / 486.

(120)

إليه فكشف عن ساقيها.
    فقالت : مه ، لولا أنّك أمير المؤمنين للطمت عينك (1).
    وفي المنتظم لابن الجوزي ، و تاريخ دمشق لابن عساكر ، والنصّ للأوّل : أنبانا الحسين بن محمّد بن عبد الوهاب بإسناده ، عن الزبير بن بكّار ، قـال : كان عمر بن الخطّاب ـ رض ـ خطب أُمّ كلثوم إلى عليّ بن أبي طالب ، فقال له عليّ : صغيرة.
    فقال له عمر : زوّجـنيها يا أبا الحسن ، فإنّي أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد.
    فقال له عليّ : أنا أبعثها إليك ، فإن رضيتَها زوّجتكها.
    فبعثها إليه ببرد ، وقال لها : قولي : هذا البرد الذي قلت لك.
    فقالت ذلك لعمر ، فقال : قولي : قد رضيته ، رضي الله عنك ، ووضع يده على ساقها وكشفها.
    فقالت له : أتفعل هذا ؟! لولا أنّك أمير المؤمنين لكسرت أنفك ، ثمّ خرجت ، وجاءت أباها فأخبرته الخبر ، وقالت : بعثتني إلى شيخ سوء.
    فقال : مهلا يا... (2).
    وفي رواية الطبري : إنّ عليّاً أرسل ابنته إلى عمر فقال لها : انطلقي إلى أمير المؤمنين فقولي له : إنّ أبي يقرئك السلام ، ويقول لك : قد قضيتُ حاجتك التي طلبت ، فأخذها عمر فضمّها إليه ، فقال : إنّي خطبتها إلى أبيها
____________
(1) الإصابة في تمييز الصحابة 8 / 465 ، غوامض الأسماء المبهمة 2 / 787.
(2) المنتظم 4 / 237 ، تاريخ دمشق 19 / 482 ، الطبقات الكبرى 8 / 464 ، مختصر تاريخ دمشق 9 / 159 ـ 160 ، الفتوحات الإسلامية 2 / 455 ، شرح نهج البلاغة 12 / 106 ، سير أعلام النبلاء 3 / 501 ، الاستيعاب 4 / 1954 ـ 1955 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 153 ح 4684.

(121)

فزوّجنيها.
    قيل : يا أمير المؤمنين ! ما كنت تريد إليها ؟ إنّها صبية صغيرة.
    فقال : إنّي سمعت رسول الله يقول : كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي... (1).
    وذكر الخطيب البغدادي بإسناده ، عن عقبة بن عامر الجهني : خطب عمر بن الخطّاب إلى عليّ بن أبي طالب ابنته من فاطمة ، وأكثر تردّده إليه ، فقال : يا أبا الحسن ! ما يحملني على كثرة تردّدي إليك إلاّ حديث سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : كلّ سبب وصهر منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي. فأحببت أن يكون لي منكم أهل البيت سبب وصهر.
    فقام عليّ فأمر بابنته من فاطمة فزُيِّنت ، ثمّ بعث بها إلى أمير المؤمنين عمر ، فلمّا رآها قام إليها فأخذ بساقها ، وقال : قولي لأبيك : قد رضيتُ قد رضيتُ قد رضيت.
    فلمّا جاءت الجارية إلى أبيها ، قال لها : ما قال لك أمير المؤمنين ؟ قالت : دعاني وقبلّني ، فلمّا قمت أخذ بساقي وقال : قولي لأبيك : قد رضيت.
    فأنكحها إيّاه ، فولدت له : زيد بن عمر بن الخطّاب ، فعاش حتّى كان رجلاً ثمّ مات (2).
____________
(1) ذخائر العقبى : 169 ; عن الدولابي في الذرّيّة الطاهرة : 114 ، سيرة ابن إسحاق : 233.
(2) تاريخ بغداد 6 / 180.

(122)

وروى الزرندي الحنفي في نظم درر السمطين (1) ، وابن الجوزي في المنتظم (2) ، والنصّ للأوّل :
    إنّ عمر بن الخطّاب ـ رض ـ خطب إلى عليّ ـ رض ـ ابنته أُمّ كلثوم ، وهي من فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (3) ، وقال عليّ : إنّها صغيرة.
    فقال عمر : زوّجنيها يا أبا الحسن ، فإنّي أرغب في ذلك ، سمعت رسول الله يقول : كلّ نسب وصهر ينقطع إلاّ ما كان من نسبي وصهري.
    فقال عليّ : إنّي مرسلها إليك تنظر إليها.
    فأرسلها إليه ، وقال لها : اذهبي إلى عمر ، فقولي له : يقول لك عليّ : رضيتَ الحلة ؟
    فأتته ، فقالت له ذلك ، فقال : نعم ، رضي الله عنك. فزوّجه إياها في سنة سبع عشرة من الهجرة ، وأصدقها ـ على ما نقل ـ أربعين ألف درهم ، فلمّا عقد بها جاء إلى مجلس فيه المهاجرين والأنصار وقال : ألا تزفّوني ؟! وفي رواية : ألا تهنئوني ؟!
    قالوا : بماذا يا أمير المؤمنين ؟
    قال : تزوّجت أُمّ كلثوم بنت عليّ ، لقد سمعت رسول الله يقول : كلّ نسب وسبب منقطع إلاّ نسبي وسببي وصهري ، وكان به (صلى الله عليه وآله وسلم) السبب والنسب ، فأردت أن أجمع إليه الصهر.
    فزفّوه ودخل بها في ذي القعدة من تلك السنة (4).
____________
(1) نظم درر السمطين : 235.
(2) المنتظم 4 : 238.
(3) لم يكن في النصوص السابقة أنّها : من فاطمة بنت رسول الله ; فتأمّل.
(4) انظر : الاستيعاب 4 / 1954 ـ 1955.

(123)

وقال اليعقوبي في تاريخه : وفي هذه السنة ( أي سنة سبع عشرة ) خطب عمر إلى عليّ بن أبي طالب أُمّ كلثوم بنت عليّ ، وأُمّها فاطمة بنت رسول الله. فقال عليّ : إنّها صغيرة.
    فقال : إنّي لم أرد حيث ذهبت ، ولكنّي سمعتُ رسول الله يقول : كلّ نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي وصهري ، فأردت أن يكون لي سبب وصهر برسول الله (1).
   
*        *        *
____________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 149.
(124)

البحث التاريخي
قبل الدخول في صلب البحث لا بُدّ من الوقوف على مقدّمتين :
    أُولاهما : الوقوف على نظرة العامّـة إلى الخليفة والخلافة ، وهل أنّ الخليفة عندهم منصوص عليه من قِبل الله ورسوله أم لا ؟
    ثانيهما : ما هي تصوّراتهم عن الخليفة ؟ هل أنّه معصوم أم أنّه إنسان عادي يصيب ويخطئُ ؟
    من الثابت المشهور عن العامّـة أنّهم لا يعتقدون بلزوم كون الخليفة منصوصاً عليه من قِبل الله ورسوله ، بل إنّ أمر الخلافة عندهم راجعٌ إلى الأُمّة ، فتحصل تارة ببيعة أهل الحلّ والعقد ، أو ببيعة اثنين ، أو واحد ، وأُخرى بالشورى ، وثالثة بالإجماع ، و... فمَن انُتخب صار إماماً للمسلمين وخليفة لرسول الله !!
    أمّا المقدّمة الثانية :
    فهم لا يقولون بعصمة الخلفاء ، بل نراهم يحدّدون ويحصرون عصمة الرسول في ما يبلّغه عن الباري جلّ شأنه فقط ، ومعنى كلامهم : أنّهم يذهبون إلى تخطئة الرسول الأكرم في الموضوعات الخارجية ، وحتّى في الأحكام الشرعية التي لم ينزل فيها وحي من الله تعالى ; لكونه مجتهداً ، والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب.
    هذا بصرف النظر عن واقع الخليفة ; فالسير التاريخي والوقائع والنصوص أكّدت لنا خطأ الخلفاء وجهلهم في كثير من الأحكام والمواقف ،


(125)

لكنّنا لا نرتضي جرّ هذا القول ـ وبالمعكوس ـ على ساحة الرسول الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والقول بأنّه كان يخطئُ أو يجتهد في الأحكام الشرعية ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان متّصلا بالوحي ، يأخذ تعاليمه ومواقفه منه ، فلا حاجة به للاجتهاد والإفتاء طبق الظنّ والتخمين.
    نعم ، إنّهم قالوا بهذا القول كي يرفعوا بضبع بعض الصحابة من خلال الهبوط بمنزلة ومستوى الرسول الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) ; فتراهم يذهبون إلى أنّ الله تعالى عاتب رسوله على أخذ الفداء من أسرى بدر ، وأنّ العذاب قرب نزوله ، ولو نزل لَما نجا منه إلاّ عمر.
    بهذه النصوص والأقوال أنزلوا الرسول المصطفى إلى منزلة رجل عادي ، يخطئ ويصيب ، ويسبّ ويلعن ، ثمّ يطلب الرحمة لمَن سبّهم.
    وقد أجبنا عن هذه الافتراءات والترهات وأمثالها ـ شارحين كيفية نشوء فكرة اجتهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن ثمّ تأطُّر مدرسة الاجتهاد والرأي عند العامّـة ، والأسباب والدواعي الكامنة وراء تناقل مثل هذه الأقوال ـ في كتابنا منع تدوين الحديث ، فمن أحبّ فليرجع إليه.
    إذاً يمكن للباحث ـ وبمطالعة سريعة لتاريخ صدر الإسلام ـ الوقوف على أُمور كثيرة صدرت من قبل الشيخين ، ومَن تبعهم من الخلفاء ، كعثمان ومعاوية و... بُنيت على المصلحة الوهمية والرأي الشخصي ، وغالبها منافية للأُصول الإسلامية..
    كـ : رفع الخليفة الأوّل الرجم عن خالد بن الوليد مع ثبوت دخوله بزوجة مالك بن نويرة وهي في العدّة (1)..
____________
(1) تاريخ الطبري 2 / 503 ، البداية والنهاية 6 / 355 ، أُسـد الغابة 1 / 588 ، الكامل في التاريخ 2 / 358.
(126)

وتعطيل الخليفة الثاني لسهم المؤلّفة قلوبهم (1) ، مع أنّ الله قد فرضه لهم في كتابه العزيز بقوله : (... للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم ) (2)..
    وتشريعه للطلاق ثلاثاً (3) ، مع أنّ الباري جلّ شأنه قال : ( الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) (4)..
    وابتداعه لصلاة التراويح ، مع اعتقاده بأنّها بدعة ، وقوله عنها : نعمت البدعة هي (5)..
    وحرق الخليفة الثالث للمصاحف ، مع ثبوت نهي الرسول عن حرق التوراة (6) ; فكيف بالقرآن العزيز ؟!
    كلُّ هذه الأفعال والمواقف وأضعافها من هؤلاء الخلفاء اعتبرت بأنّها شرعية تحت غطاء شرعية المصلحة والاجتهاد !! وعُلِّلَ الأمر بأنّ هؤلاء الخلفاء والصحابة يعرفون مصالح الأحكام وروح التشريع أفضل من غيرهم..
    فهل كانوا كذلك ؟!
    وإذا كانوا كذلك ; فكيف يمكن رفع التعارض بين مواقفهم إذاً ؟!
____________
(1) فتح القدير ـ للشوكاني ـ 2 / 373.
(2) سورة التوبة 9 : 60.
(3) صحيح مسلم 4 / 183 ، المستدرك على الصحيحين 2 / 196 ، مسند أحمد 1 / 314.
(4) سورة البقرة 2 : 229.
(5) صحيح البخاري 2 / 252 باب : فضل من قام رمضان ح 1906 ، موطّأ مالك 1 / 114 باب : ما جاء في رمضان ح 250 ، تاريخ المدينة 2 / 714 ، الطبقات الكبرى 5 / 59 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 140.
(6) كما في حديث عائشة ; انظر : الكامل في الضعفاء 1 / 173.

(127)

ومَن هو المحقّ : هل إنّ عمر هو المحقّ في تهديده لخالد وقوله له : أرئاءً ؟! قتلت امرءاً مسلماً ثمّ نزوت على امرأته ، والله لأرجمنّك بأحجارك. ولا يكلّمه خالد بن الوليد ولا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه ، حتّى دخل على أبي بكر ، فلمّا (1)...
    أم أنّ أبا بكر هو المحقّ في قوله : يا عمر ! ( تأوّل فأخطأ ) (2) ، فارفع لسانك عن خالد ، فإنّي لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين (3) ؟!
    ولماذا يصرّ أبو قتادة الأنصاري على موقفه من خالد ؟!
    ومَن هو المحقّ : أبو قتادة ، أم أبو بكر في نهيه له (4) ؟
    وماذا يعني منطق الخليفة الأوّل : ( تأوّل ) ؟ وكون أعدائه ـ المسلمين ـ من الكافرين ؟
    هل جاء هذا الموقف لاحتياجه إلى خالد في مواقفه الأُخرى ، أم لشيء آخر ؟!
    وكيف ساغ لأبي بكر أن ينهى أبا قتادة عن التعرّض لخالد ، مع أنّ اعتراض أبي قتادة كان نابعاً من القرآن الكريم والسنّة المطهرة ؟!
    وماذا يمكننا أن نقول في : المؤلّفة قلوبهم ؟ ومَن هو المحقّ في القرار : هل هو أبو بكر أم عمر ؟
    فقد جاء في كتب التاريخ : إنّ أبا بكر كتب إلى عمر بأن يعطي المؤلّفة قلوبهم حقَّهم ، فلمّا أتوه مزّق الكتاب وقال : إنّا لا نعطي على الإسلام
____________
(1) تاريخ الطبري 2 / 504 ، تاريخ دمشق 16 / 259 ، سير أعلام النبلاء 1 / 378.
(2) الإصابة 5 / 561.
(3) تاريخ الطبري 2 / 589 ، البداية والنهاية 6 / 355 ، أُسـد الغابة 2 / 95 ، وغيرها.
(4) الكامل في التاريخ 2 / 358.

(128)

شيئاً ، فمن شاء فليؤُمن ومن شاء فليكفر ، ولا حاجة لنا بكم.
    فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا : هل أنت الخليفة أم عمر ؟
    قال : هو إن شاء (1).
    وبعد هذا ; كيف يمكن لغيرنا أن يصحّح المنسوب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : اقتدوا باللّذين من بعدي : أبي بكر وعمر (2) ، مع ما يراه من الاختلاف بين مواقفهما ؟!
    ولو صحّ هذا الخبر ; فلماذا نرى تخلّف كثير من الصحابة عمّا شرّعه الشيخان ؟ وتخطئتهم لهما في ما اجتهدا فيه في بعض الأحيان ؟!
    وما يعني ذلك ؟
    ألم تكن مواقفهم المخطّئة للشيخين ، وتصريحات الشيخين بأنّهما عاجزان غير عالمين في كثير من الأحايين بما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهّرة ، دالّة على كذب هذه المقولة ؟!
    بل كيف بالخليفة يسأل عن الأحكام لو كان هو الإمام المقتدى المأمور بطاعته والاقتداء به ؟!
    كلّ هذه النصوص تؤكّد على أنّ المصالح التي صوّرها الإعلام في مدرسة الخلفاء لم تكن شرعية وحقيقية بالمعنى الصحيح للكلمة ، بل هي مصالح وهمية تصوّرها الخلفاء وأنصارهم ، ومنها وعليها سرى وجرى التشريع الحكومي لاحقاً.
____________
(1) انظر : تاريخ دمشق 9 / 195 ، الدرّ المنثور 3 / 252 في تفسير الآية 60 من سورة التوبة ، وتفسير المنار 10 / 96 ، المبسوط ـ للسرخسي ـ 3 / 9.
(2) مسند أحمد 5 / 382 ، سنن الترمذي 5 / 271 ح 3742 ، سُنن ابن ماجه 1 / 37 ح 97.

(129)

بعد أن اتّضح جواب السؤالين السابقين ، وعُرف أنّ الخليفة ليس بمعصوم ، وأنّ الله لم ينصبه ، وقد أخطأ بالفعل في كثير من الأُمور ، وأنّ المصالح التي تصوّرها لم تكن حقيقية ، عامّة للجميع ، بل كثير منها وهمية ، وهي مصالح خاصّة ; فلا بُدّ إذاً من دراسة مدّعى عمر في هذا الأمر..
    هل كان حقّاً يريد التقرّب إلى رسول الله إذ سمع منه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « كلّ سبب أو نسب منقطع إلاّ سببي ونسبي » (1) ، أم أنّه جعلها وسيلة لأمر آخر ؟!
    وهل أنّ اقتراح الزواج يرتبط بأمر سياسي ، أم اجتماعي ، أم عاطفي ، أم غير ذلك ؟!
    عمر ودعوى القرابة :
    لو درسنا سيرة عمر قبل وبعد الإسلام لوقفنا على حقيقة أُخرى غير ما يصوّره أصحاب السير والتراجم ، ولرأيناها تتنافى مع المدّعى كمال المنافاة ; لأنّه كان يصرّ في معركة بدر على لزوم قتل كلّ قريب قريبَهُ ، وقد طلب بالفعل من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقتل عمّه العبّاس ، ومن عليّ (عليه السلام) أن يقتل أخاه عقيل ، و... مع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يؤكّد له بأنّهما جاءا مكرَهيْن للمعركة (2).
    وهذه صورة واحدة عن موقفه مع قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومفهوم
____________
(1) السنن الكبرى 7 / 64 ، المعجم الكبير ـ للطبراني ـ 3 / 45 ، 11 / 194 ، المعجم الأوسط ـ للطبراني ـ 6 / 357 ، ورواه أيضاً الهيثمي في مجمع الزوائد 4 / 271.
(2) صحيح مسلم 5 / 157 ، مسند أحمد 1 / 31 ، البداية والنهاية 3 / 362 ، تفسير ابن كثير 4 / 352 ، الدرّ المنثور 3 / 175.