قبلصلة
عدالة الصحابة
     ( 12 )
الشيخ محمّد السند

بين عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدالة الصحابة

    هناك جملة من الموارد قد شاقق فيها الثاني النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وخالفه ، ويدور الاعتراض والخلاف بين كونه قدحاً ; لأنّه ردّ على الله ورسوله ، وبين كونه إنكاراً لعصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; للمحافظة على دفع الطعن على الثاني تحت شعار عدالة الصحابة ، فترتقي العدالة إلى مدافعة عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهي إذاً عصمة باسم العدالة ، بل جعلت تلك الموارد مقاماً وفضيلة للثاني ، وأنّه قد نزل الوحي الإلهي بذلك ـ والعياذ بالله تعالى ـ..
    وهذا الزعم ينطوي على تصوّرات ومعتقدات ومزاعم أُخرى :
    الأوّل : إنكار عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في التدبير التشريعي والسياسي للأُمّة ، وأنّه يتكلّف الرأي !!
    الثاني : إنّ للأُمّة الردّ والمخالفة لأحكامه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجال التدبير ، بعد رفع شعار الفتنة : « إنّها اجتهادات وظنون » ، وأنّ للآخرين الاجتهاد فيها ، وبالتالي فهم قد يصلون إلى ظنون أقوى أو أصوب !!


(61)

    الثالث : إنّ للمجتهد التمسّك باجتهاداته في الأُصول التشريعية في كتاب الله ، والاقتصار عليها ، ونبذ الأحكام التشريعية النبوية ; ما دامت محتملة لكونها اجتهادات ، ومعرضاً للظنون ، لا الوحي الإلهي !!
    وهذه الموارد ، مع الطعن عليها بالوضع ; لكذب مواقيت الأحداث المستعرضَة في رواياتها ، وتناقضها مع مسلّمات السيرة ، ومفاد الآيات ، كما سيأتي بيان نبذة من ذلك ; تنطوي وتبتني ـ كما أسلفنا ـ على مذاهب اعتقادية في عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحجّية قول وفعل الأوّل والثاني في عرض حجّية قول وفعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في دائرة التشريع وسنن الأحكام.
    فالحريّ بالبحث هو التعرّض لزيغ تلك المتبنّيات أوّلاً ، ثمّ بيان زيف رسم تلك الوقائع المزعومة..
    إحداث سُنّة جماعة الخلافة لمقولة اجتهاده (صلى الله عليه وآله وسلم) :
    لقد عنون الجصّاص ( ت 370 هـ ) في كتابه الفصول باباً بـ : « القول في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان يسنّ من طريق الاجتهاد ؟ » ، وهذا العنوان بنفسه يحمل في مضمونه باب جواز الردّ والمخالفة لسنن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إنكار هداية الوحي فيها..
    قال : اختلف الناس في ذلك ; فقال قائلون : لم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يحكم في شيء من أمر الدين إلاّ من طريق الوحي ; لقوله تعالى : ( وما ينطِقُ عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) (1).
    وقال آخرون : جائز أن يكون النبيّ (عليه السلام) قد جُعل له أن يقول من طريق الاجتهاد في ما لا نصّ فيه.
____________
(1) سورة النجم 53 : 3 و 4.
(62)

وقال آخرون : جائز أن يكون بعض سُـنّته وحياً ، وبعضها إلهاماً ، وشيء يُلقى في روعه ، كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إن ّ الروح الأمين نفث في روعي : أنّ نفساً لن تموت حتّى تستوفي رزقها ، فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب ». ويجوز أن يكون بعض ما يقوله نظراً واستدلالا ، وتردّ الحوادث التي لا نصّ فيها إلى نظائرها من النصوص باجتهاد الرأي..
    وهذا هو الصحيح عندنا.
    والدليل على أنّه قد كان جُعل له أن يقول من طريق الاجتهاد : قوله تعالى : ( ولو رَدّوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لَعَلِمَه الّذين يستنبطونَه منهم ) (1) ، عمومه يقتضي جواز الاستنباط من جماعة المردود إليهم ، وفيهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
    ويدلّ عليه أيضاً : قوله تعالى : ( فاعتبروا يا أُولي الأبصار ) (2) ، والنبيّ من أجلّهم.
    ويدلّ عليه : ما حكى الله تعالى من قصّة داود وسليمان (عليهما السلام) ، ثمّ قال : ( ففهّمْناها سليمانَ وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً ) (3) ، وظاهره يدلّ على أنّ حكمهما كان من طريق الاجتهاد ; لأنّهما لو حـكما من طريق النصّ لَما خصّ سليمان بالفهم فيها دون داود (عليهما السلام).
    ويدلّ عليه أيضاً : أنّ درجة المستنبطين أفضل درجات العلوم ، ألاّ ترى أنّ المستنبِط أعلى درجة من الحافظ غير المستنبِط ؟! فلم يكن الله
____________
(1) سورة النساء 4 : 83.
(2) سورة الحشر 59 : 2.
(3) سورة الأنبياء 21 : 79.

(63)

ليحرم نبيّه (عليه السلام) أفضل درجات العلم ، التي هي درجة الاستنباط (1).
    ثمّ استدلّ أيضاً بقوله تعالى : ( وشاوِرْهم في الأمر ) (2) ، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شاور أصحابه في كثير من الأُمور التي تتعلّق بالدين ، من أمر الحروب وغيرها ; كـ : مشورته في النزول في بدر ، ومشورته أبا بكر وعمر في أُسارى بدر ، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى أن يعطي المشركين في الخندق نصف ثمار المدينة ، فكتب الكتاب ، فلمّا أراد أن يشهد فيه وحضر الأنصار قالوا : يا رسول الله ! أرأي رأيته أم وحي ؟ فقال : بل رأيي. فقالوا : فإنّا لا نعطيهم شيئاً ، وكانوا لا يطمعون فيها في الجاهلية أن يأخذوا منها ثمرة إلاّ قِرىً أو مشرىً ، فكيف وقد أعزّنا الله بالإسلام ؟!
    ولمّا أخبره عبد الله بن زيد بما رأى من أمر الأذان أمَر بلالاً فأذّن به من غير انتظار الوحي (3) ; وقال : « ولا فرق بين الاجتهاد في أمر الحروب وبينه في حوادث الأحكام ».
    وبقوله تعالى : ( عفا اللهُ عنكَ لِمَ أذِنْتَ لهمْ ) (4) و ( عبس وتولّى * أن جاءه الأعمى ) (5) ، وغير ذلك من الآي التي نبّه الله تعالى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه على موضع إغفاله وعاتبه عليه.
    وكذلك قصّة تبليغ « سورة براءة » مع أبي بكر ; فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : أنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك. فدفعها إلى عليّ (عليه السلام).
____________
(1) الفصول في الأُصول ـ للجصّاص ـ 2 / 93.
(2) سورة آل عمران 3 : 159.
(3) رواه أبو داود في سننه : كتاب الصلاة ، باب : كيف الأذان ، 1 / 135 ح 499 ، وابن ماجة في سننه 1 / 232 ح 706.
(4) سورة التوبة ( براءة ) 9 : 43.
(5) سورة عبس 80 : 1 و 2.

(64)

ولمّا رجع من الخندق ووضع السلاح ، فجاء جبرئيل فقال له : إنّ الملائكة لم تضع أسلحتها بعد. وأمره بالمضي إلى بني قريظة.
    وقد قيل : إنّ خطأ آدم (عليه السلام) في أكل الشجرة كان من طريق الاجتهاد.
    ثمّ قال : فإن قال قائل : لو جاز أن يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق الاجتهاد لكان لغيره من الصحابة مخالفته ; لأنّ ما كان طريقه الاجتهاد فكلّ مَن أدّاه اجتهاده إلى شيء لزمه القول به ، وجاز له مخالفة غيره فيه ، وفي اتّفاق جميع المسلمين على وجوب التسليم له في ما قاله وفعله دلالةً على أنّه لا يقول إلاّ وحياً وتنزيلاً ؟!
    قيل له : الجواب عن ذلك من وجهين :
    أحدهما : إنّا قد علمنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قال قولاً من طريق الاجتهاد فأغفل موضع الصواب ، نبّهه الله عليه بوحي من عنده ، وغير جائز أن يخلّيه موضع إغفاله ، كما قال تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) ، وكقوله تعالى : ( عبس وتولّى ) ; فإذا كان هذا سبيله فغير جائز لأحد مخالفته.
    والوجه الثاني : إنّ هذا القائل يوافقنا على أنّ الإجماع قد يكون من طريق الاجتهاد ، وقد يثبت عندنا ذلك أيضاً بالدلائل الصحيحة ، ثمّ إذا انعقد إجماع أهل العصر من طريق الاجتهاد لم يجز لمَن بعدهم أن يخالفهم ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول من طريق الاجتهاد ويكون لاجتهاده مزية لا يحقّ من أجلها لغيره أن يخالفه.
    فأمّا قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) فإنّ فيه جوابين :


(65)

أحدهما : إنّه أراد القرآن نفسه ; لأنّه قال تعالى : ( والنجم إذا هوى ) (1) ، قيل في التفسير : معناه : القرآن إذا نزل.
    والوجه الثاني : إنّ الاجتهاد لمّا كان مصدره عن الوحي ـ لأنّ الله قد أمر به ، فدلّ عليه ـ جاز أن يقال : إنّ ما أدّاه إليه اجتهاد فهو عن وحي ; لأنّه قد أُوحي إليه باستعمال الاجتهاد..
    فإن قيل : لو جاز له الاجتهاد لَما توقّف في كثير ممّا يسأل عنه ينتظر الوحي.
    قيل له : هذا لا يدلّ على ما ذكرت ; لأنّه جائز أن يكون توقّفه وانتظاره للوحي من جهة أنّه لم يتوجّه له فيه رأي ، ولا غلبة ظنّ في شيء بعينه ، فتوقّف فيه ينتظر الوحي.
    ويجوز أن يكون قد كان يقوى طمعه في مثله : أن ينزل عليه فيه وحي فلم يعجل بالحكم فيه.
    ويجوز أيضاً أن يكون قـد كان أُوحي إليه في ذلك شيء بعينه بأن لا يستعمل الاجتهاد إذا سـئل وينتظر الوحي (2).
    وقال في باب : القول في الاجتهاد بحضرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بأنّه : جائز في حالين ، وهما : عندما يبتدئهم بالمشاورة ، أو أن يجتهدوا بحضرته ، فيعرضوا عليه رأيهم وما يؤدّيهم إليه اجتهادهم مبتدئين ، فإن رضيه صحّ ، وإن ردّه بطل.
    وغير جائز في حال إرادة الاستبداد بالاجتهاد لإمضاء حكم من غير أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأنّه لم يكن يأمن أن يكون هناك نصّ قد نزل ويمكن
____________
(1) سورة النجم 53 : 1.
(2) الفصول في الأُصول ـ للجصّاص ـ 2 / 93 ـ 94.

(66)

معرفته في الحال فيكون في إمضائه الحكم بالاجتهاد تقدّم بين يدي الله ورسوله (1).
    وحكى الآمدي اختلاف أهل سُنّة الخلافة أيضاً في اجتهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في ما لا نصّ فيه ; فقال :
    فقال أحمد بن حنبل ، والقاضي أبو يوسف : إنّه كان متعبّداً به.
    وقال أبو علي الجبّائي ، وابنه أبو هاشم : إنّه لم يكن متعبّداً به.
    وجوّز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع.
    وبه قال بعض أصحاب الشافعي ، والقاضي عبد الجبّار ، وأبو الحسين البصري.
    ومن الناس مَن قال : إنّه كان له الاجتهاد في أُمور الحروب ، دون الأحكام الشرعية.
    والمختار : جواز ذلك عقلا ، ووقوعه سمعاً..
    ثمّ ذكر الإمكان العقلي ، حسب زعمه.
    ثمّ تمسّك بشمول أدلّة الاجتهاد للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والعياذ بالله تعالى..
    وأنّ قوله تعالى : ( إنّا أنزلنا إليك الكتابَ بالحقّ لتحكمَ بين الناس بما أراكَ اللهُ ) (2) ، وما أراه يعمّ : الحكم بالنصّ ، والاستنباط من النصوص.
    وأنّ آية : ( وشاورهم... ) إنّما في ما يحكم بالاجتهاد لا بالوحي.
    وأنّ قوله تعالى في أُسارى بدر : ( ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يُثْخِنَ في الأرضِ ) (3) عتابٌ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) !! وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال :
____________
(1) الفصول في الأُصول ـ للجصّاص ـ 2 / 375 ـ 376.
(2) سورة النساء 4 : 105.
(3) سورة الأنفال 8 : 67.

(67)

« لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه إلاّ عمر » !! لأنّه كان قد أشار بقتلهم ، ممّا يدلّ على أنّه كان بالاجتهاد لا بالوحي.
    وكذا قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذِنْت لهم ) !!
    وكذا غيره من الأنبياء ; كقوله تعالى : ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ) (1) ، وقوله تعالى : ( ففهّمناها سليمان وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً ).
    وما يذكر بالتفهيم إنّما يكون بالاجتهاد لا بطريق الوحي.
    وما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في مكّة : « لا يُختلا خلاها ، ولا يُعضد شجرها ». فقال العبّاس : إلاّ الأذْخِر. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إلاّ الأذْخِر » ; ومعلوم أنّ الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة ، فكان الاستثناء بالاجتهاد.
    وما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « العلماء ورثة الأنبياء » ; ولو لم يكن الاجتهاد لديه لَما كان العلماء ورثوا عنه.
    وبقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في القضاء : « إنّكم لتختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض » (2).
    وقال الآمدي أيضاً ضمن عنوان : المسألة الحادية عشرة :
    القائلون بجواز الاجتهاد للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) اختلفوا في جواز الخطأ عليه في اجتهاده ; فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك..
    وذهب أكثر أصحابنا ، والحنابلة ، وأصحاب الحديث ، والجبّائي ، وجماعة المعتزلة ، إلى جوازه ، لكن بشرط أن لا يقرّ عليه..
    وهو المختار ; ودليله المنقول والمعقول ـ ثمّ استدلّ بقوله تعالى :
____________
(1) سورة الأنبياء 21 : 78.
(2) الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ 4 / 398 ـ 400.

(68)

( عفا الله عنك... ) ، وقوله تعالى : (ما كان لنبيّ أن يكون له...) ـ.
    وقوله تعالى : (إنّما أنا بشرٌ مثلُكُمْ) (1) أثبت المماثلة بينه وبين غيره ، وقد جاز الخطأ على غيره فكان جائزاً عليه ; لأنّ ما جاز على أحد المثلين يكون جائزاً على الآخر.
    وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّما أحكم بالظاهر ، وإنّكم لتختصمون إليّ ، ولعلّ أحدكم ألْحـن بحـجّته من بعض ; فمَن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخـذه ، فإنّما أقطع له قطعة من النار » ، وذلك يدلّ على أنّه يقضي بما لا يكون حقّاً في نفس الأمر.
    وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكّروني » (2).
    وبما اشتهر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من نسيانه في الصلاة وتحلّله عن ركعتين في الرباعية في قصّة ذي اليدين ، وقول ذي اليدين : أقَصُرَت الصلاة أم سهوتَ ؟ فقال النبيّ (عليه السلام) : « أحقّ ما يقول ذو اليدين ؟! » فقالوا : نعم (3)...
    وقال : إنّ المقصود من البعثة إنّما هو تبليغه عن الله تعالى أوامره ونواهيه ، والمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه في ما يدّعيه من الرسالة والتبليغ عن الله تعالى ، وذلك ممّا لا يُتصوّر خطؤه فيه بالإجماع..
    ولا كذلك ما يحكم به عن اجتهاده ; فإنّه لا يقول فيه عن وحي ولا بطريق التبليغ ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين ، فتطرُّق الخطأ
____________
(1) سورة الكهف 18 : 110.
(2) صحيح البخاري 1 / 111 ، صحيح مسلم 1 / 400 ; ورواه عن ابن مسعود : أحمد في مسنده 1 / 438 ، وابن ماجة في سننه 1 / 382 ح 1211.
(3) صحيح البخاري 8 / 20 ، صحيح مسلم 1 / 403.

(69)

إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة والرسالة (1).
    وقبل التعرّض لتفاصيل ردود ما تشبّثوا به من التمحّلات ينبغي الإلفات إلى ما دعاهم إلى ذلك ، وأنّ تماديهم في توجيه الردّ على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أدّى بهم إلى الالتزام بمناكير وعظائم..
    فإنّ عمدة ما دعاهم إلى ذلك هو : توجيه عصيان عمر للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومخالفات أبي بكر وبقية أعضاء السقيفة لأوامر ونواهي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
    ولم يقف الحدّ بهم إلى التوجيه ، بل إلى إنكار التأسّي بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأُمور والشؤون بذريعة أنّه يجتهد !
    وتداعى بهم ذلك الإنكار إلى إنكار حاكمية الباري تعالى في التشريع ، وأنّه ليس لله تعالى حكم في الوقائع التي يجتهد فيها المجتهدون ، أو أنّ حكمه تعالى ينطبق على كلّ اجتهاد المجتهدين بتعدادهم ، وأنّ أحكامه تعالى ليست تدور مدار الكمالات والنقائص في الأفعال والأشياء ; لأنّ القول بـ : عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واللوح المحفوظ لأحكام الشريعة ، الذي لا يوصل إليه إلاّ عبر الوحي والنصّ النبوي ، سوف يحرج مذهب الاجتهاد بالرأي والتأوّل بالهوى ، ويعزّز مذهب النصّ والاتّباع للوحي..
    بل إنّ ذلك أوصلهم إلى أنّ إجماع الأُمّة ـ الذي قد يكون ناشئاً من اجتهاد الحاكم ـ معصوماً من الخطأ ، مقدّماً على حكم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حسب زعمهم ـ وهذه قاعدة معرفية مطردة ; فإنّ التقصير في المعرفة يلازم الغلوّ في الجانب المقابل ، والتفريط من جانب يلازم الإفراط في الطرف المقابل.
____________
(1) الإحكام في أُصول الأحكام ـ للآمدي ـ 4 / 440 ـ 442.