الموسوي واضحاً.
وقد استدلّ الموسوي على صحّة الوصيّة بالعقل والوجدان.
والجواب على هذا : إنّ الوصيّة حكم شرعي لا يثبت إلاّ بالنصّ الصحيح القطعي الدلالة ، والعقل والوجدان لا يصلحان بقليل ولا كثير لإثبات الأحكام.
أقول :
لقد استدلّ أو استشهد السيّد رحمه الله ـ بعد الإشارة إلى تواتر نصوص الوصيّة عن أئمّة العترة الطاهرة ـ بأحاديث من كتب أهل السنّة ، وهذا بعض الكلام في تشييد كلامه وتبيين مرامه..
( فمنها ) : حديث الدّار يوم الإنذار.
وهو من أقوى أدلّة الوصيّة وإمامة سيّد العترة أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد أوضحنا سابقاً ثبوته سنداً ووجه الاستدلال به ; فراجع المراجعة رقم 20 ولا نعيد..
( ومنها ) : حديث ابن بريدة عن أبيه.
وقد أخرجه الحافظ ابن عساكر ، قال : « أخبرنا أبو عبد الله الفراوي وأبو محمّد السيّدي وأبو القاسم الشحامي ، قالوا : أنا أبو سعد الجنزرودي ، أنا عبد الوهّاب بن محمّد بن عبد الوهّاب الرازي ، نا يوسف ابن عاصم الرازي ، نا محمّد بن حميد ، نا علي بن مجاهد ، عن محمّد بن إسحاق ، عن شريك بن عبد الله النخعي ، عن أبي ربيعة الأيادي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه : أنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : إنّ لكلّ نبيّ وصيّاً ووارثاً ، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي.
(52)
أخـبرناه أبو القاسـم ابن السمرقـندي ، أنا أبو الحسـين ابن النقور ، أنا أبو القاسم عيسى بن علي ، أنا أبو القاسم البغوي ، نا محمّد بن حميد الرازي ، نا علي بن مجاهد ، نا محمّد بن إسحاق ، عن شريك بن عبد الله ، عن أبي ربيعة الإيادي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : « لكلّ نبي وصيّ ووارث وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي » (1).
وأخرجه الحافظ ابن عدي ; إذ قال بترجمة شريك بن عبد الله النخعي : « قد روى عنه من الأجلاّء : محمّد بن إسحاق صاحب المغازي و... » قال : « فأمّا حديث محمّد بن إسحاق ، فحدّثنا محمّد بن منير ، ثنا علي بن سهل ، ثنا محمّد بن حميد ، ثنا سلمة ، حدّثني محمّد بن إسحاق ، عن شريك بن عبد الله ، عن أبي ربيعة الإيادي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه : إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : لكلّ نبيّ وصيٌّ ووارث ، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي » (2).
وأخرجه الحاكم النيسابوري في تاريخه كما في تنزيه الشريعة (3) وسنذكره بالإسناد من كتاب الموضوعات
.
وأخرجه أبو القاسم البغوي ، وقد عرفت إسناده من رواية ابن عساكر ورواه الحافظ محبّ الدين الطبري عن معجم الصحابة له (4).
____________
(1) تاريخ دمشق 42 / 391 ـ 392.
(2) الكامل في ضعفاء الرجال 7 / 21.
(3) تنزيه الشريعة الغرّاء 1 / 356.
(4) الرياض النضرة في مناقب العشرة 2 / 178.
(53)
أقول :
قد تكلّم في هذا الحديث ; لأنّ فيه : « محمّد بن حُميد الرازي » ، فمن هو هذا الرجل ؟
قال المزّي : « روى عنه : أبو داود والترمذي وابن ماجة ».
ثمّ ذكر في الرواة عنه : أحمد بن حنبل ، ومحمّد بن يحيى الذهلي ، ويحيى بن معين ، وعبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البغوي ، ومحمّد بن إسحاق الصاغاني ، ومحمّد بن جرير الطبري ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل... ».
ثمّ ذكر كلمات المدح والذمّ (1).
وقال الخطيب البغدادي : « قدم بغداد وحدّث بها عن... روى عنه : أحمد بن حنبل ، وابنه عبد الله بن أحمد ، والحسن بن علي بن شبيب المعمري ، وأحمد بن علي الأبار ، وعبد الله بن محمّد البغوي ، ومحمّد ابن محمّد الباغندي ، وغيرهم... » ثمّ ذكر كلمات المدح والذمّ له (2).
وقال ابن عدي : « محمّد بن حميد : أبو عبد الله الرازي ، حدّثني محمّد بن ثابت ، سمعت بكر بن مقبل يقول : سمعت أبا زرعة الرازي يقول : ثلاثة ليس لهم عندنا محاباة ، فذكر فيهم محمّد بن حميد.
سمعت محمّد بن إبراهيم المنقري يقول : سمعت فضلك الصائغ يقول : قال أبو زرعة الرازي : سمعت أبا عبد الله محمّد بن حميد وكان عندي ثقة. ذكره في قصّة.
____________
(1) تهذيب الكمال 25 / 99.
(2) تاريخ بغداد 2 / 259.
(54)
حدّثنا الجنيدي ، ثنا البخاري ، قال : محمّد بن حميد الرازي عن يعقوب القمّي وجرير ، فيه نظر.
سمعت ابن حمّاد يقول : قال السعدي : محمّد بن حميد الرازي كان رديء المذهب ، غير ثقة.
ثنا القاسم بن زكريا ، ثنا محمّد بن حميد ، حدّثنا علي بن مجاهد وحكام وهارون ، عن عنبسة ، عن أبي هشام الواسطي ، عن ميمون بن سياه ، عن أنس ، عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في قوله : ( سدرة المنتهى ) (1) ، قال : شجرة نبق.
حدّثنا أحمد بن محمّد بن عبد العزيز بن أحمد ، ثنا محمّد بن حميد ، ثنا جرير ، عن سليمان بن أرقم ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر : أنّه سمع النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقرأ : ( ومَن عنده علم الكتاب ) (2) ، وسمعته يقول : ( بل هو آيات بيّنات في صدور الّذين أُوتوا العلمَ ) (3).
ثنا إسماعيل بن حمّاد أبو النضر ، ثنا محمّد بن حميد ، حدّثنا هارون ابن المغيرة ، عن عنبسة بن سعيد ، عن سالم الأفطس ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة : إنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : قوموا فصلّوا على أخيكم النجاشي. فصفّوا خلفه كما يصفّون على الجنازة ، وكبّر عليه أربعاً.
قال الشيخ : وتكثر أحاديث ابن حميد التي أُنكرت عليه إنْ ذكرناها ،
____________
(1) سورة النجم 53 : 14.
(2) سورة الرعد 13 : 43.
(3) سورة العنكبوت 29 : 49.
(55)
على أنّ أحمد بن حنبل قد أثنى عليه خيراً ، لصلابته في السنّة » (1).
وإنّما ذكرت كلام ابن عدي بتمامه لأُمور :
الأوّل : إنّه قد أورد حديث الوصيّة بترجمة شريك ، ولم يورده بترجمة محمّد بن حميد ، مع أنّه قد أورد أحاديث أُخر .
والثاني : إنّه قد استشهد بحديث الوصيّة لرواية محمّد بن إسحاق عن شريك ، ولم يذكر حديثاً آخر ـ بخلاف غير ابن إسحاق من الرواة عن شريك ، فذكر أكثر من حديث ـ وذلك ظاهر في أنّ لا رواية له عنه غيرها ، فلو كان حديث الوصيّة موضوعاً لَما استشهد به على كون شريك من مشايخ ابن إسحاق.
والثالث : إنّ ابن عدي لم يقدح في محمّد بن حميد ، بل إنّ كلمته في آخر كلامه بترجمته ظاهرةٌ في المدح ، غير أنّ في أحاديثه ما أُنكر عليه.
وبعد..
فإنّ الرجل قد تضاربت آراء العلماء فيه ; ففي تهذيب الكمال : « قال أبو قريش محمّد بن جمعة بن خلف الحافظ : قلت لمحمّد بن يحيى الذهلي : ما تقول في محمّد بن حميد ؟
قال : ألا تراني ؟! هو ذا أُحدّث عنه.
قال : وكنت في مجلس أبي بكر الصاغاني محمّد بن إسحاق ، فقال : حدّثنا محمّد بن حميد.
فقلت : تحدّث عن ابن حميد ؟!
____________
(1) الكامل في الضعفاء 7 / 529 ـ 530.
(56)
فقال : وما لي لا أُحدّث عنه ، وقد حدّث عنه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين ؟! »..
وقال النسائي : ليس بثقة..
وقال البخاري : حديثه فيه نظر..
قال الجوزجاني : رديء المذهب ، غير ثقة.
ولدى التحقيق يظهر : أنّ الموثّقين له أكثر وأكبر ممّن تكلّم فيه ، لا سيّما وأنّ المنقول عن البخاري : « حديثه فيه نظر » ، فليس النظر فيه نفسه ، كما أنّ مفاد كلام الجوزجاني هو الطعن في مذهبه ، لكنّ المنقول عن أحمد أنّه قد أثنى عليه خيراً « لصلابته في السنّة » ; فكيف الجمع بين هذا وكونه رديء المذهب ؟!
بل لقد وقع التضارب بين رأي أحمد ورأي البخاري في حديثه ; ففي الكامل عن البخاري : « محمّد بن حميد الرازي عن يعقوب القمّي وجرير ، فيه نظر » ، لكنْ في تاريخ بغداد عن أحمد : « أمّا حديثه عن ابن المبارك وجرير ، فهو صحيح »..
وفي الكامل : « على أنّ أحمد بن حنبل قد أثنى عليه خيراً لصلابته في السنّة » ، لكنْ في الميزان : « قال أبو علي النيسابوي : قلت لابن خزيمة : لو أخذت الإسناد عن ابن حميد ; فإنّ أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه ؟ قال : إنّه لم يعرفه ، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً ».
بل لقد نسبت الآراء المتضاربة إلى الواحد منهم ; ففي الكامل : « عن فضلك الصائغ ، عن أبي زرعة ، أنّه وثّق محمّد بن حميد » ، لكنْ في الميزان : « كذبّه أبو زرعة » !!
(57)
وتلّخص :
1 ـ إنّ محمّد بن حميد الرازي من رجال ثلاثة من الصحاح السـتّة..
2 ـ إنّه من مشايخ عدّة كبيرة من الأئمّة الأعلام الّذين لا تجوز نسبة الرواية عن الكذّابين إليهم ، وإلاّ لتوّجه الطعن عليهم.
3 ـ إنّه قد وثقه غير واحد من الأئمّة المرجوع إليهم عندهم في الجرح والتعديل.
4 ـ إنّ كلمات القوم في الأكثر ترجع إنكار بعض أحاديث الرجل.
5 ـ نعم ، قد طعن فيه الجوزجاني ، لكنّه من مشاهير النّواصب (1) ، وطعن فيه أيضاً ابن خراش ، الذّي كذب حديث « إنّا معاشر الأنبياء... » وخرَّج مثالب أبي بكر وعمر (2).
6 ـ إنّ الرجل بريء من تلك الأحاديث التي أنكروها عليه ; ولذا قال المزّي في تهذيب الكمال : « قال أبو بكر بن أبي خيثمة : سئل يحيى بن معين عن محمّد بن حميد الرازي ؟
فقال : ثقة ليس به بأس ، رازي كيّس.
وقال علي بن الحسين بن الجنيد الرازي : سمعت يحيى بن معين يقول : ابن حميد ثقة ، وهذه الأحاديث التي يحدّث بها ليس هو من قبله ، إنّما هو من قبل الشيوخ الّذين يحدّث عنهم ».
وحديث الوصيّة ليس منها ; لأنّه قد ذكر ـ في الكامل وتبعه في الميزان ـ بترجمة « شريك القاضي » وهو من شيوخه الثقات ، وهنا تحيّر
____________
(1) تذكرة الحفّاظ ، المجلّد الأول : 549 ، تهذيب التهذيب 1 / 159.
(2) سير أعلام النبلاء 13 / 509.
(58)
الذهبي ; فكذّب بالحديث زوراً وبهتاناً ، ثمّ قال : « ولا يحتمله شريك ».
قلت :
ولماذا لا يحتمله شريك ، وقد رويتم عنه بالأسانيد أنّه روى عن أبي إسحاق ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : « عليّ خير البشر ، فمَن أبى فقد كفر » ؟!
قال ابن عدي : « وقول شريك رواه رجل من أهل الكوفة يقال له : الحرّ بن سعيد ، وقد رواه عن الحرّ غير واحد. وروى عنه أحمد بن يحيى الصوفي وقال : ثنا الحرّ بن سعيد النخعي ـ وكان من خيار الناس ـ » (1).
فظهر : أنّه ليس الراوي عنه بعض الكذّابين ، كما زعم الذهبي ذلك زوراً وبهتاناً (2).
تتمّـة :
إنّ لحديث بريدة طرقاً عديدة ، كما عرفت ، ومنها طريق الحاكم ـ وليس فيه محمّد بن حميد ـ وقد أخرجه ابن الجوزي ; إذ قال :
« أنبأنا زاهر بن طاهر ، قال : أنبأنا أبو بكر البيهقي ، قال : أنبأنا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، قال : أنبأنا محمود بن محمّد أبو محمّد المطوعي ، قال : حدّثنا أبو حفص محمّد بن أحمد بن رازبة ، قال : حدّثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن عبد الله الفرياناني ، قال : حدّثنا سلمة بن الفضل ، عن محمّد بن إسحاق ، عن شريك بن عبد الله ، عن أبي ربيعة
____________
(1) الكامل في ضعفاء الرجال 5 / 14 ـ 15.
(2) ميزان الاعتدال 2 / 271 ـ 272.
(59)
الإيادي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : « إنّ لكلّ نبي وصيّاً ووارثاً ، وإنّ وصيّي ووارثي عليّ بن أبي طالب ».
قال ابن الجوزي : « الفرياناني ; قال ابن حبّان : كان يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم..
وفيه : سلمة ; قال ابن المديني : رمينا حديث سلمة بن الفضل » (1).
أمّا صاحب تنزيه الشريعة فلم يقل إلاّ : « حديث : لكلّ نبيّ وصيّ وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي ( حا ) من طريق أحمد بن عبد الله الفرياناني » (2).
للبحث صلة...
____________
(1) كتاب الموضوعات 1 / 376.
(2) تنزيه الشريعة الغرّاء 1 / 357.