المراجـعة ( 66 )
عليٌّ وارث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم
قال السيّد ـ رحمه الله ـ :
« لا ريب في أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قد أورث عليّاً من العلم والحكمة ، ما أورث الأنبياء أوصياءهم ، حتّى قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأتِ الباب (1).
وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنا دار الحكمة وعليّ بابها.
وقال : عليّ باب علمي ، ومبيّن من بعدي لأُمّتي ما أُرسلت به ، حبّه إيمان ، وبغضه نفاق. الحديث.
وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم ، في حديث زيد بن أبي أوفى (2) ____________
(1) اوردنا هذا الحديث والحديثين اللذين بعده في المراجعة 48 ، ودونك من تلك المراجعة الحديث9 والحديث 10 والحديث 11 ، فراجع ولا تغفل عما علقناه ثمة.
(2) اوردناه في المراجعة 32.
(8)
: وأنت أخي ووارثي ، قال : وما أرث منك ؟ قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : ما ورث الأنبياء من قبلي.
ونصّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، في حديث بريدة (1) على أنّ وارثه عليّ بن أبي طالب.
وحسبك حديث الدار يوم الإنذار.
وكان علي يقول في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : والله إنّي لأخوه ، ووليّه ، وابن عمّه ، ووارث علمه ، فمن أحقّ به منّي (2) ؟
وقيل له مرّةً : كيف ورثت ابن عمّك دون عمّك ؟ فقال : جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بني عبد المطلب وهم رهط ، كلّهم يأكل الجذعة ، ويشرب الفرق ، فصنع لهم مدّاً من طعام ، فأكلوا حتّى شبعوا ، وبقي الطعام كما هو كأنّه لم يُمس ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا بني عبد المطلب ، إنّي بُعثت إليكم خاصّة ، وإلى الناس عامّة ، فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي ، وصاحبي ، ووارثي ؟ فلم يقم إليه أحد ، فقمت إليه ، وكنت من أصغر القوم ، فقال لي : اجلس ، ثمّ قال ثلاث مرّات ، كلّ ذلك أقوم إليه فيقول لي : اجلس ، حتّى كان في الثالثة ، ضرب بيده على يدي ، فلذلك ورثت ابن عمّي دون عمّي (3).
____________
(1) راجعه في المراجعة 68.
(2) هذه الكلمة بعين لفظها ثابتة عن علي ، اخرجها الحاكم في صفحة 126 من الجزء 3 من المستدرك بالسند الصحيح عي شرط البخاري ومسلم ، واعترف الذهبي في تلخيصه بذلك.
(3) هذا الحديث ثابت ومستفيض ـ اخرجه الضياء المقدسيي في المختارة ، وابن جرير في تهذيب الاثار ، وهوالحديث 6255 في صفحة408 من الجزء6من كنز
(9)
وسئل قثم بن العبّاس ـ في ما أخرجه الحاكم في المستدرك(1) ، والذهـبي في تلخيصه ، جازمين بصحّته ـ فقيل له : كيف ورث عليّ رسول الله دونكم ؟
فقال : لأنّه كان أوّلنا به لحوقاً ، وأشدّنا به لزوقاً.
قلت : كان الناس يعلمون أنّ وارث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، إنما هو علي ، دون عمّه العبّاس وغيره من بني هاشم ، وكانوا يرسلون ذلك إرسال المسلمّات ، كما ترى ، وإنّما كانوا يجهلون السبب في حصر ذلك التراث بعليّ ، وهو ابن عمّ النبي دون العبّاس ، وهو عمّه ، ودون غيره من بني أعمامه وسائر أرحامه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولذلك سألوا عليّاً تارة ، وقثماً أُخرى ، فأجابهم بما سمعت ، وهو غاية ما تصل إليه مدارك أولئك السائلين ، وإلاّ فالجواب : إنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلى أهل الأرض فاختار منهم محمّداً فجعله نبيّاً ، ثمّ اطّلع ثانية فاختار عليّاً ، فأوحى إلى نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم : أن يتّخذه وارثاً ووصيّاً.
قال الحاكم ـ في ص 125 ج 3 من المستدرك ، بعد أن أخرج عن قثم ما سمعته ـ : حدّثني قاضي القضاة أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي ، قال : سمعت أبا عمر القاضي ، يقول : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي ، يقول : وقد ذكر له قول قثم هذا ، فقال : إنّما يرث الوارث بالنسب ، أو
____________
العمال، واخرجه النسائي في ص 18 من الخصائص العلوية،ونقله ابن ابي الحديد عن تاريخ الطبري في اواخر شرح الخطبة القاصعة ص255 ج3 من شرح النهج، ودونك ص159 ج1 من مسند الامام احمد بن حنبل ، تجد الحديث بالمعني.
(1) ص 125 ج3 ، واخرجه ابن ابي شبية ايضا ، وهو الحديث 6084 في ص400 ج6 من كنز العمّال.
(10)
بالولاء ، ولا خلاف بين أهل العلم أن ابن العمّ لا يرث مع العمّ ( قال ) فقد ظهر بهذا الإجماع أنّ عليّاً ورث العلم من النبي دونهم. انتهى. قلت : والأخبار في هذا متواترة ، ولا سيّما من طريق العترة الطاهرة. وحسبنا الوصيّة ونصوصها الجليّة ». فقيل :
« زعم الموسوي أنّ عليّاً وارث النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، وفسّر الوراثة هنا بالخلافة من بعده ، واستدلّ على ذلك بأحاديث.
1 ـ « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » ، و « أنا دار الحكمة وعليّ بابها ».
لقد سبق الكلام ببيان ضعفهما في ردّنا على المراجعة رقم 48. وقال الذهبي في تلخيصه : « موضوع ».
2 ـ حديث : « أنت أخي ووارثي... ».
لقد سبق الكلام عليه في الردّ على المراجعة رقم 32 ، وبيّنا أنه لا خصوصيّة في ذلك لعليّ رضي الله عنه ، لأنّ الصحابة كلّهم قد ورثوا عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم الكتاب والسنّة ، حالهم في ذلك حال عليّ رضي الله عنه.
3 ـ أمّا حديث بريدة : « لكلّ نبيّ وصيّ ووارث... الحديث » ، فهو حديث ضعيف بسبب محمّد بن حميد الرازي ، وسيأتي الكلام عليه في المراجعة رقم 68.
أمّا قول عليّ في حياة رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : « والله إنّي لأخوه ووليه وابن عمّه ووارث علمه فمن أحقّ به منّي ».
فجوابه أنّ الموسوي قد اجتزأ هذا الجزء من كلام عليّ رضي الله
(11)
عنه ، فأوهم القارئ بأنّه حديث مستقلّ ، وجعله دليلاً على مذهبه ، وحَمَّله ما لا يحتمل ، وهذا ديدن الرافضة مع كلّ دليل.
والرواية التي في المستدرك تؤكّد هذه الحقيقة ، وتوضّح أنها لا تصلح دليلاً على مذهب هذا الرافضي.
ونصّ الرواية في المستدرك 3 / 126 : « عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ، قال : كان عليّ يقول في حياة رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إنّ الله يقول : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) (1) والله لا ننـقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتّى أموت ، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارث علمه ، فمن أحقّ به منّي ».
إنّ من أمعن النظر في هذه الرواية يجد أنّ الإمام عليّ رضي الله عنه يصرّح بإيمانه الذي لا يتزعزع ، وثباته على الحقّ الذي جاء به النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، وأنّه لن يتخلّى عنه في حياة النبيّ ولا في مماته ، وأنّه سيدفع عن هذا الدين ويقاتل دونه بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، كما هو الحال في حياته عليه الصلاة والسلام ، متمثّلاً الآية التي ساقها أوّل كلامه ، وأنّه أوْلى من غيره في هذا كلّه ، لِما بينه وبين النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من صلات تميّزه عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
ولو سلّمنا بدعوى الموسوي في هذا الخبر عن عليّ ، للزم من ذلك تخاذل عليّ عن قتال الشيخين أبي بكر وعمر عندما وليا الخلافة قبله ، وكذا
____________
(1) سورة آل عمران 3 : 144.
(12)
عثمان رضي الله عنه. فتأمّل هذا.
5 ـ أمّا حديث : « جمع رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بني عبد المطلب وهم رهط... ».
فقد مضى الحديث عليه في الردّ على المراجعة رقم 20 ، وبيّنّا كذبه.
أمّا ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن شريك بن عبد الله ، عن أبي إسحاق ، قال : سألت قثم بن العبّاس كيف ورث عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دونكم ، قال : لأنّه كان أوّلنا به لحوقاً ، وأشدّنا به لزوقاً.
فليس فيه وجه استدلال على مدّعى الموسوي بحال ، لأنّ المقصود بالميراث هنا إنّما هو ميراث العلم فقط ، ولا يصحّ حمله على المال ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » ، ولو جاز ذلك فليس لعليّ من ميراث النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم شيئاً لأنّه محجوب بعمّه العبّاس.
كما لا يصحّ حمله على الولاية والخلافة من بعده ، لأنّها لا تُستحقّ بالوراثة بالاتّفاق.
فإذا لم يصحّ حمله على الوجهين السابقين ، كان لا بُدّ من حمله على الوراثة في العلم ، ويؤيّد هذا الرواية الأُخرى التي أخرجها الحاكم 3 / 125 : « إنّما يرث الوارث بالنسب أو بالولاء ، ولا خلاف بين أهل العلم أنّ ابن العمّ لا يرث مع العمّ ، فقد ظهر بهذا الاجماع أنّ عليّاً ورث العلم من النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم دونهم ».
وعند ذلك لا تكون هذه صفة خاصّة بعليّ رضي الله عنه ، بل كلّ أصحابه حصل له نصيب من العلم بحسبه ، فقد يرث الواحد من الناس من العلم ما ورثه الآخر ، وقد يزيد عليه ، كعليّ بن أبي طالب ، حيث ورث من
(13)
العلم أكثر ممّا ورثه غيره من آل البيت ، بحسب منطوق هذه الروايات ». أقول :
أمّا أنّ عليّاً عليه السلام وارث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فهذا هو المدّعى في هذه المراجعة ، وعلينا إثباته.
وأمّا أنّ السيّد ـ رحمه الله ـ « فسّر ( الوارث ) هنا بـ ( الخلافة من بعده ) » فهذه دعوى عليه ، ولم نجد في كلامه هذا التفسير...
غير أنّ العِلم من الشروط الأساسية في الخليفة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عند الفريقين ; لأنّ أهل السنّة ـ وأنْ أوكلوا أمر الإمامة والخلافة بعد النبيّ إلى الأُمّة ـ قد اشترطوا في الخليفة المختار أنْ يكون عالماً..
قال في شرح المواقف : « المقصد الثاني ، في شروط الإمامة : الجمهور على أنّ أهل الإمامة ومستحقّها مَن هو مجتهد في الأُصول والفروع ، ليقوم بأُمور الدين متمكّناً من إقامة الحجج ، وحلّ الشُبه في العقائد الدينية ، مستقلاًّ بالفتوى في النوازل والأحكام الوقائع ، نصّاً واستنباطاً ; لأنّ أهم مقاصد الإمامة : حفظ العقائد ، وفصل الحكومات ، ورفع المخاصمات ، ولن يتمّ ذلك بدون هذا الشرط » (1).
فهل كان عليّ الواجد لهذا الشرط ، حتّى يكون أهلاً للإمامة والخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أو غيره ؟!
____________
(1) شرح المواقف 8/349.
(14)
يقول السيّد ـ رحمه الله ـ :
« لا ريب في أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أورث عليّاً من العلم والحكمة ، ما أورث الأنبياء أوصياءهم ، حتّى قال... » واستشهد بالأحاديث من كتب أهل السُنّة :
1 و 2 ـ حديث : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، وحديث : أنا دار الحكمة وعليّ بابها.
وقد تقدَّم منّا مجمل الكلام على هذين الحديثين ـ في المراجعة 48 ـ وذكرنا هناك أسماء جماعة من الأئمّة والحفّاظ من أهل السنّة ، الّذين أخرجوهما في كتبهم بأسانيدهم ، وأثبتنا صحّتها عندهم باعتراف غير واحد منهم.
وقول المفتري : « قال الذهبي في تلخيصه : موضوع ».
يَردّه : إنّه قد أخرج الحاكم حديث : « أنا مدينة العلم » بأسانيد (1) ، فأخرجه أوّلاً بسنده عن أبي الصّلت عبد السلام بن صالح : « ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله... ».
ثمّ قال : « وأبو الصلت ثقة مأمون ، فإنّي سمعت أبا العبّاس محمّد بن يعقوب في التاريخ يقول : سمعت العبّاس بن محمّد الدوري يقول : سألت يحيى بن معين عن أبي الصّلت الهروي ؟ فقال : ثقة. فقلت : أليس قد حدّث عن أبي معاوية ، عن الأعمش : أنا مدينة العلم ؟ فقال : قد حدّث به محمّد بن جعفر الفيدي ، وهو ثقة مأمون... ».
____________
(1) المستدرك علي الصحيحين 3/126 ـ 127 كتاب معرفة الصحابة.
(15)
فأقول : أوّلاً : قد ظهر أنّ النزاع في هذا الحديث بهذا السند ، يعود إلى الخلاف في « أبي الصّلت » ، والحاكم قد وثّقه ، ثمّ استشهد بتوثيق يحيى بن معين. وثانياً : إنّ جرح الذهبي لا يصلح لأنْ يعارض توثيق يحيى بن معين ، وذلك لوجوه : 1 ـ إنّ يحيى بن معين عندهم من أئمّة الجرح والتعديل ، وقد ترجم له الذهبي نفسه فوصفه بـ : « الإمام الحافظ الجهبذ ، شيخ المحدّثين... أحد الأعلام... » وذكر عن الأئمّة في حقّه ما لم يرد في حقّ غيره (1). 2 ـ إنّ ابن معين كان معاصراً لأبي الصّلت ، فيكون توثيقه شهادةً حسّـية منه له ; فلا يعارضها كلام من تأخّر عنه بقرون ، عن اجتهاد من عنده ! 3 ـ وليته تكلّم فيه عن اجتهاد مبنيّ على أصل ولو فاسد ! لكنّه يتكلّم في الرجال تبعاً لهواه ، كما نصّ على ذلك تلميذه السبكي بترجمته من الطبقات.. حتّى قال الحافظ ابن حجر في اللسان بترجمة علي بن صالح الأنماطي متعقبّاً كلام الذهبي فيه : « فينبغي التثبّت في الّذين يضعّفهم المؤلّف من قبله » (2). وثالثاً : قد أخرج الحاكم الحديث بسنده عن محمّد بن جعفر الفيدي : « ثنا أبو معاوية... » ، ثمّ قال مؤكّداً على صحّة الحديث : « ليعلم
____________
(1) سير اعلام النبلاء11/71.
(2) لسان الميزان 4/275.
(16)
المستفيد لهذا العلم أنّ الحسين بن فهم بن عبد الرحمن ثقة مأمون حافظ ». أقول :
فهذا السند ليس فيه « أبو الصّلت » ، وراويه : « الحسين بن فهم » وثّقه الحاكم ، وهو حافظ كبير ، من تلامذة يحيى بن معين ، وأمّا « الفيدي » فهو من مشايخ البخاري في صحيحه ، كما ذكر الحافظ وغيره (1).
وهذا السند لم يتكلّم عليه الذهبي في تلخيصه بشيء ، فهو موافق للحاكم فيه... والحمد لله. ورابعا : قال الحاكم بعد ذلك : « ولهذا الحديث شاهد من حديث سفيان الثوري ، بإسناد صحيح » فأخرجه بإسناده عن الثوري : « عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأتِ الباب »
.
وأخرج بالإسناد المذكور : قال جابر : « سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وهو آخذ بضبع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ـ وهو يقول : هذا أمير البررة ، قاتل الفجرة ، منَصور من نصره ، مخذول من خذله ، ثمّ مدّ بها صوته » ، فقال : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه » (2).
لكنّ الذهبي تكلّم في « أحمد بن عبد الله بن يزيد الحرّاني ».
____________
(1) تهذيب التذهيب 9/84.
(2) المستدرك علي الصحيحين 3/129.
(17)
قلت :
ورواية مثل هذا الحديث لا تتحمّله النفوس الأُمويّة ، فحقّ لها أن تطعن راويها. والمهمُّ : إنّ الحاكم قد أخرج حديث : « أنا مدينة العلم » بأسانيد صحيحة ، وقد وافقه الذهبي على واحد منها.. فنقول للمفتري :
إنْ كنت مقلِّداً للذهبي ، فإنّه قد وافق الحاكم على سند وخالفه على آخر ، فلماذا أخذت بالمخالفة وسكتَّ عن الموافقة ؟
وإن كنت من أهل العلم والتحقيق ، فكان عليك النظر في أسانيد الحديث ودراستها ، ومراجعة كلمات أعلام الفنّ منكم فيها ، كـ : الحافظ جلال الدين السيوطي ، والحافظ العلائي ، والحافظ ابن حجر ، وغيرهم ، الّذين ردّوا بشدّة على القول بوضعه (1).
ثمّ تتخذّ الرأي الصحيح..
ولكنّك ـ وللأسف ـ رجل جاهلٌ مفتر !!
ثمّ إنّ في هذا المفتري خيانة وتدليساً آخر ، فقد وضع قول الذهبي : « موضوع » بعد الحديثين ، والحال أنّه قال ذلك في حديث : « أنا مدينة العلم » فقط ، وبالنسبة إلى أحد طرقه كما عرفت ، وأمّا حديث : « أنا دار الحكمة » فلم يقل الذهبي ذلك فيه ، كيف ؟ وقد أخرجه الترمذي وحسّنه ،
____________
(1) اللالي المصنوعة في الاحاديث الموضوعة 1/329 ـ 334.
(18)
والطبري وصحّحه ، وأخرجه جماعة من الأئمّة ولم يتكلّموا عليه بشيء ، كما تقدّم في المراجعة 48 ; فراجع.
3 ـ حديث : « عليّ باب علمي... ».
وهذا الحديث قد أغفله المفتري هنا ، فلم يتكلّم عليه بشيء.
أمّا في المراجعة 48 ـ حيث أورده السيّد برقم 11 ، وأورد بعده الحديث : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ عليه السلام : « أنت تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي » ـ فقد قال : « 11 ، 12 ـ عليّ باب علمي... الحديث. موضوع ، ذكره الذهبي في ترجمة ضرار بن صرد بلفظ : « عليّ عيبة علمي » ، وقال فيه البخاري : متروك ، وقال يحيى بن معين : كذّابان بالكوفة ، هذا وأبو نعيم النخعي. وكذا حديث رقم 12 : « أنت تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من الحقّ » ذكره الذهبي في ترجمة ضرار بن صرد. المستدرك 3 / 122 ».
هذا نصّ كلام هذا الرجل هناك.. فنقول :
أمّا الحديث : « عليّ باب علمي... » فقد رواه السيّد عن كنز العمّال عن الديلمي ، عن أبي ذر ، وقد أورده الحافظ السيوطي في سياق أحاديث « أنا مدينة العلم » وغيره ; إذ قال : « وبقي للحديث طرق » ، فأورد بعض الأحاديث ، وكان من جملتها : « وقال الديلمي : أنبأنا أبي ، أنبأنا الميداني ، أنبأنا أبو محمّد الحلاّج ، أنبأنا أبو الفضل محمّد بن عبد الله ، حدّثنا أحمد ابن عبيد الثقفي ، حدّثنا محمّد بن علي بن خلف العطّار ، حدّثنا موسى بن جعفر