الكواكب الدُرّيـة
في النصوص على إمامة خير البريّة
وذكر نجاة أتباع الذُرّية
ممّا ولي تأليفه : الأمير المعظّم الكبير ، علم العترة النبويّة ،
وتاج الذرّية العلويّة ، صلاح الدنيا والدين ، محيي علوم آبائه
الأكرمين :
صلاح ابن أمير المؤمنين إبراهيم بن
أحمد بن محمّـد بن غني بن يحيى ابن
الهادي إلـى الحقّ ابن رسول الله
صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.
(323)
بسـم الله الرحمن الرحـيم
ربّ أعن
الحمد لله الذي اختار آل محمّـد عليهم السلام على علمٍ على العالمين ،
وافترض مودّتهم على كافّة خلقه أجمعين ، وجعلهم الولاة على عباده إلى
يوم الدين ، وقمع بسطوتهم عُتاة الجبابرة المتمرّدين ، وأطفأ بهم نيران
شبهات المموّهين ، وفي ذلك ممّا يقول الرسول الأمين صلّى الله عليه وعلى
أهل بيته الطيّبين : « في كلّ خلف من أهل بيتي عدول ينفون عن هذا الدين
تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين » (1) .
أمّا بـعد ..
فإنّها ظهرت مقالة من بعض من ينتمي إلى العلم ، ويدّعي بزعمه أنّه
من أُولي الفهم ، وهي :
إنكار النصّ على أمير المؤمنين وسـيّد الوصيّين عليه صلوات ربّ
العالمين.
____________
(1) ورد الحديث في المصادر بزيادة : « ألا إنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله ، فانظروا بمن
تفدون في دينكم » ، وسيأتي ذكر هذا الخبر مع هذه الزيادة في ص 378.
راجع هذه المصادر : كمال الدين ـ للشيخ الصدوق ـ : 221 ح 7 ، قرب الاِسناد :
77 ح 250 ، تنبيه الغافلين ـ للبيهقي ـ : 152 ح 63 ، ذخائر العقبى : 17 ، جواهر
العقدين 1 ـ ق 2 ـ | 91 ، الصواعق المحرقة : 231.
(324)
فلمّا بلغ ذلك إليّ اعتقدت وجوب الردّ عليه ، وتصويب أسـنّة الطعن
والتشنيع إليه ؛ لكون ذلك بدعة يجب إنكارها ، ومقالة يقبح إظهارها ، ولِما
روي عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أنّه قال : « من انتهر صاحب
بدعة ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً » (1) .
وقصدت بذلك الخروج عن عهدة ما يجب من حقّ أمير المؤمنين
عليه السلام ، والتعرّض لِما ورد في الأثر عن سـيّد البشر وهو قوله صلّى الله
عليه [ وآله ] وسلّم : « إنّ الله تعالى جعل لأخي عليّ فضائل لا تحصى كثرةً ،
فمن ذكر فضيلة من فضائله غفر الله له ما تقدّم من ذنبه ، ومن كتب فضيلة
من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم ، ومن
استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع ،
ومن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر » ..
ثمّ قال : « النظر إلى عليّ بن أبي طالب عبادة ، وذكره عبادة ، ولا يقبل
الله إيمان عبد إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه » (2) .
ولمّا كان أهل هذه البدعة ينتمون إلى العلم والزهادة ، ويتحلّون في
ظاهر أمرهم بالعبادة ، فبُثَّت بدعتهم ، وقُبِلَت شبهتهم ، وكثر اغترار الجاهل
بهم ، وذلك مصداق ما قاله أمير المؤمنين ، عليه سلام ربِّ العالمين : « قطع
ظهري اثنان : عالم فاسـق يصـدّ الناس عن علمه بفسـقه ، وذو بدعة ناسك
____________
(1) مسند الشهاب 1 | 318 ح 537. وورد بتفاوت يسير في الألفاظ في : تاريخ بغداد
10 | 264 ، حلية الأولياء 8 | 200 ، تاريخ مدينة دمشق 54 | 199 ح 11447 ، كنز
العمّال 3 | 82 ح 5598.
(2) الأمالي ـ للشيخ الصدوق ـ : 201 ح 216 ، المناقب ـ للخوارزمي ـ : 2 ، كفاية
الطالب : 252 ، فرائد السمطين 1 | 19.
(325)
يدعو الناس إلى بدعته بنسكه » (1) ..
فإذا كان الأمر كذلك فعلى الغافل أن ينظر في معرفة الحقّ ليعرف
أربابه ، ومعرفة الباطل لتجنّب نصابه (2) ؛ قال أمير المؤمنين عليه السلام : « الحقّ
لايعرف بالرجال ، وإنّما الرجال يعرفون بالحقّ ، اعرف الحقّ تعرف أهله
قلّوا أم كثروا ، واعرف الباطل تعرف أهله قلّوا أم كثروا » (3) .
وإذا أردنا أن نتكلّم في إبطال شبهته ، ومحو بدعته ، أوردنا النصوص
الدالّة على إمامة أمير المؤمنين تصريحاً وتعريضاً ، فقلنا : الدليل على إمامة
أمير المؤمنين عليه السلام بغير فصل : الكتاب ، والسُـنّة ، وإجماع العترة.
* أمّا الكتاب :
[ آية الولاية ]
فقوله تعالى : (إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (4) .
ونحن نتكلّم في أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ، ثمّ نتكلّم
في دلالتها على إمامته ..
____________
(1) ورد الحديث بألفاظ مختلفة ؛ كما في : الخصال ـ للشيخ الصدوق ـ : 69 ح 103 ،
روضة الواعظين : 6 ، منية المريد : 74 ، الصواعق المحرقة : 200.
(2) النصاب : مأخوذ من النصب ، وهو : التعب والعناء ؛ راجع : لسان العرب 1 | 758.
(3) ورد بتفاوت في الألفاظ ؛ وهو : قوله عليه السلام للحارث بن حوط : « يا حارث ! إنّه
ملبوس عليك ، إنّ الحقّ لا يعرف بالرجال ، اعرف الحقّ تعرف أهله » ؛ التبيان
ـ للشيخ الطوسي ـ 1 | 190 ، مجمع البيان 1 | 188 ـ 189 ، تفسير القرطبي
1 | 340 ، روضة الواعظين : 31 ، الطرائف ـ لابن طاووس ـ : 136 ح 215.
(4) سورة المائدة 5 : 55.
(326)
أمّا أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ، فذلك إجماع العترة الطاهرة ،
وهو إجماع أهل النقل كافّة ، وإجماعهم كافٍ في باب الأخبار ، ولو أردنا
تفصيل الرواية (1) وأسماء الرواة (2) لطال الكلام ، والغرض الاختصار ، وهو
موجود بحمد الله تعالى ومنّه. وأمّا وجـه الدلالة ، فهو : إنّ الله أثبت الولاية له ولرسوله ولمن آتى
____________
(1) تواترت الأخبار في سبب نزول الآية : دخل سائل فقير إلى مسجد رسول الله 6
وكان المسلمون في تلك الساعة منهمكون بالعبادة والأعمال الأُخرى ، فسأل فلم
يعطه أحد شيئاً إلاّ عليّاً عليه السلام ، أعطاه خاتمه وهو في حالة الركوع ..
انظر : ما ذكره الحسكاني في شواهد التنزيل 1 | 179 ح 235 ، بالاِسناد إلى
أبيذرّ رحـمه الله تعالى ، قال : أما إنّي صلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم ،
فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً ، وكان عليٌّ راكعاً فأومأ بخنصره إليه ،
وكان يتختّم بها ، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره ، فتضرّع النبيّ صلى الله عليه وآله
ـبعـد أن سأل مِن السائل وأجابه بأنّ ذلك الراكع هو الذي أعطاني الخاتم ـ إلى
اللهعزّ وجلّ ، فقال :
« اللّهمّ إنّ أخـي موسـى سألك ، قال : (ربّ اشرح لي صـدري * ويسّر لي
أمري * واحلُل عقدةً من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيراً من أهلي *
هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركْه في أمري) ، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً :
(سنشـدّ عضدك بأخيك) ، اللّهمّ وأنا محمّـد نبيّك وصفيّك ، اللّهمّ فاشرح لي
صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيراً من أهلي ، عليّاً أخي ، اشدد به أزري ».
قال ـ أبو ذرّ ـ : فوالله ما استتمّ رسول الله الكلام حتّى نزل عليه جبرئيل من عند الله
وقال : يا محمّـد ! هنيئاً لك ما وهب لك في أخيك.
قال : وماذا يا جبرائيل ؟
قال : أمر الله أُمّتك بموالاته إلى يوم القيامة ، وأنزل عليك : ( إنّما وليّكم الله ورسوله
والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ).
وهناك روايات أُخرى وبألفاظ متعدّدة ، وسيذكر المصنّف أحدها في ص 178.
(2) من رواة هذه الواقعة : أبو ذرّ الغفاري ، عمّار بن ياسر ، جابر بن عبدالله الأنصاري ،
سلمة بن كهيل ، أنس بن مالك ، ابن عبّـاس ، عمرو بن العاص ، المقداد بن الأسود
الكندي ؛ راجع ذلك في : شواهد التنزيل 1 | 173 ح 231 ـ 240.
(327)
الزكاة في حال ركوعه ، وهو أمير المؤمنين دون غيره ، فيجب أن تثبت له
الولاية.
والولاية : ملك التصرّف ، وذلك معنى الاِمامة.
أمّا إنّ الله أثبت الولاية له ولرسوله ولمن آتى الزكاة في حال الركوع ،
فذلك ظاهر في سياق الآية.
وأمّا أنّ ذلك هو أمير المؤمنين عليه السلام ؛ فلأنّا قد بيّنّا أنّ الآية نزلت فيه
دون غيره. وقد روي أنّ عمر بن الخطّاب قال : تصدّقت بنيّف وعشرين
صدقة وأنا راكع لعلّه أن ينزل فيّ ما نزل في عليّ عليه السلام فلم ينزل فيّ
شيء (1) .
وأمّا إنّ الولاية ها هنا هي ملك التصرّف ؛ فلوجهين : أحـدهما : إنّ ذلك هو السابق إلى الاِفهام عند إطلاق هذه اللفظة ،
وذلك دلالة كونها حقيقة فيه. الوجه الثاني : إنّ هذه اللفظة ، وإن كانت مشتركة عادة ، يجب حملها
على جميع المعاني ؛ قضاءً لحقّ الاشتراك ؛ إذ لا مانع يمنع من ذلك ، وهي
صالحة لاِفادة جميعها ، ولا وجه يقضي تخصيص بعضها دون البعض ..
لأنّا إمّا أن نحملها على جميعها ، فهو الذي نقول.
وإمّا أن لا نحملها على شيء من هذه المعاني ، فيكون ذلك إلحافاً
لكلام الحكيم ، ما لهذا (2) والعبث الذي لا فائدة فيه ، وذلك لا يجوز ،
فلذلك يجب حملها على جميع المعاني ، وهناك يدخل ملك التصرّف ،
وهو الذي أردناه.
____________
(1) شرح الأخبار 2 | 346 ح 697 ، سعد السعود : 196.
(2) في الأصل : ما لهذه ؛ والصحيح ما أثبتناه.
(328)
وأمّا إنّ ذلك معنى الاِمامة ؛ فلأنّا لا نعني بقولنا : « فلان إمام » إلاّ أنّه
يملك التصرّف على الناس في أُمور مخصوصة وتنفيذ أحكام شرعيّة ؛
فثبتت دلالة الآية على إمامته عليه السلام.
[ آية الاِنذار ]
ومن ذلك قوله تعالى : (إنّما أنت منذر ولكلّ قومٍ هادٍ
) (1) :
قال صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لعليّ عليه السلام : « أنا المنذر وأنت
الهادي ، بك يهتدي المهتدون من بعدي » (2) .
وعنه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أنّه قال : « ليلة أُسـري بي ما سألت
ربّي شيئاً إلاّ أعطانيه ، سمعت منادياً من خلفي : يا محمّـد ! إنّما أنت منذر
ولكلّ قوم هاد ، قلت : أنا المنذر فمن الهادي ؟ قال : عليّ الهادي المهتدي ،
القائد أُمّتك إلى جنّتي غرّاء محجّلين برحمتي » (3) .
وفي هذا لطيفة ، وهي : إنّ الرسول صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم
المنذر فلا منذر معه في وقته ، فكذلك عليّاً هو الهادي فلا هادي معه في
وقته ..
ومصداق ذلك ما روي عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أنّه
قال : « أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها ، كذب من زعم أنّه يصل إلى المدينة
إلاّمن قبل الباب » (4) ؛ فلا جرم أنّ من قدّم غير أمير المؤمنين فقد خالف
____________
(1) سورة الرعد 13 : 7.
(2) الطرائف ـ لابن طاووس ـ : 79 ح 107 ، تفسير الرازي 19|14 ، تفسير الطبري
13 | 72 ، الدرّ المنثور 4 | 608 ، كنز العمّال 11 | 620 ح 33012.
(3) شواهد التنزيل 1 | 296 ح 403.
(4) المناقب ـ للمغازلي ـ : 85 ح 126 ، العمدة ـ لابن البطريق ـ : 294 ح 486 ،
الصراط المستقيم 2 | 20.
(329)
أمر الله ، لأنّه تعالى يقول : (وأتوا البيوت من أبوابها
) (1) .
* وأمّا نصوص السُـنّة الشريفة :
فمنها : حديث الغدير(2) :
وهو : ما روي أنّه لمّا نزل قوله تعالى : (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل
إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من
الناس) (3) .. الآية ، قام رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بغدير خمّ ،
وأخذ بيد عليّ ورفعها حتّى رأى بعضهم بياض إبطه ، ثمّ قال : « ألست أوْلى
بكم من أنفسكم؟! » قالوا : بلى يا رسول الله. قال : « اللّهمّ اشهد ». ثمّ قال :
« فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه ، وانصر
من نصره واخذل من خذله » ، فقام عمر فقال : بَخٍ بَخٍ يا ابن أبي طالب ،
أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة (4) .
____________
(1) سورة البقرة 2 : 189.
(2) تواتر هذا الحديث عند فرق المسلمين كافّة ؛ فقد رواه أئمّة المحدّثين والمؤرّخين
والمفسّرين ، مثل : ابن إدريس الشافعي ، أحمد بن حنبل ، ابن ماجة ، الترمذي ،
النسائي ، أبو يعلى الموصلي ، الحاكم النيسابوري ، المغازلي ، الكنجي الشافعي ،
الذهبي ، المتّقي الهندي ، البلاذري ، ابن قتيبة ، الخطيب البغدادي ، ابن عبـد البرّ ،
الشهرستاني ، ابن عساكر ، ياقوت الحموي ، ابن الأثير ، ابن كثير الشامي ، ابن حجر
العسقلاني ، ابن الصبّاغ المالكي الحلبي ، الطبري ، الثعلبي ، الواحدي ، القرطبي ،
الفخر الرازي ، والآلوسي البغدادي ، وغيرهم.
(3) سورة المائدة 5 : 67.
(4) الأمالي ـ للشيخ الصدوق ـ : 50 ح 2 المجلس الأوّل ، روضة الواعظين : 350 ،
العمدة ـ لابن البطريق ـ : 344 ح 667 ، شواهد التنزيل 1 | 158 ح 213.