السـيّد علي حسـن مطر
اثنان وأربعون ـ مصطلح اسم الاِشارة
* لغةً :
الاِشارة : مصدر الفعل (أشارَ) ، وهو مستعمل لغة في عدّة معانٍ ؛ إذ
يقال : « أشار الرجلُ يشير إشارةً : إذا أومأَ بيديه ... وأشار عليه بالرأي ،
وأشار يشير إذا ما وجّه الرأي ... وأشار النارَ ... دَفعها »
(1) .
وسيتّضح أنّ أوفق المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي النحوي هو
المعنى المأخوذ من الاستعمال الأوّل للفعل ، بمعنى : الاِيماء.
* اصطلاحاً :
عبَّر النحاة القدماء عن اسم الاِشارة بـ : (الاسم المبهم) ، وذكر بعضهم
اسم الاِشارة في معرض التعريف بهذا الاسم.
قال سيبويه (ت 180 هـ) : « وأمّا الأسماء المبهمة ، فنحو : هذا وهذهِ
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة « شور ».
(274)
وهذان وهاتان وهؤلاء ... وإنّما صارت معرفة لأنّها صارت أسماء إشارة
إلى الشيء دون سائر أُمّته »
(1) .
وقال المبرّد (ت 285 هـ) : « ومن الأسماء : المبهمة ، وهي التي تقع
للاِشارة ، ولا تخصّ شيئاً دون شيء ، وهي : هذا ، وهذاك ، وأُولئك وهؤلاء
ونحوه »
(2) .
ويلاحظ : أنَّ المبرّد جعل (المبهم) عنواناً لكلّ من اسم الاِشارة
والاسم الموصول
(3) ، وتابعه على ذلك كثير من النحاة بعده
(4) .
وممّا ذكروه في علّة تسمية هذه الأسماء بالمبهمات : « أنّها لا يشار بها
إلى شيء فيقتصر بها عليه حتّى لا تصلح لغيره ، ألا ترى أنّك كما تقول : ذا
زيدٌ ، تقول : ذا عمروٌ ؟! بل وينتقل هذا الاسم في الاِشارة به إلى الأنواع
المختلفة والأجناس المتباينة ؛ فتقول : ذا فرسي ، وذا رمحي ، وذا ثوبي ...
فيقع اسم الاِشارة كما ترى على هذه المختلفات ، ولا يختصّ بواحد منها
دون آخر ، وهذه حقيقة الاِبهام »
(5) .
وقد عبّر ابن السرّاج (ت 316 هـ) عن اسم الاِشارة بأنّه : « الاسم
____________
(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 2 | 5.
(2) المقتضب ، محمّـد بن يزيد المبرّد ، تحقيق محمّـد عبـد الخالق عضيمة 3 | 186.
(3) المقتضب 3 | 186 ، 197.
(4) أ ـ المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 301 ـ 306.
ب ـ المقدّمة الجزوليّة ، أبو موسى الجزولي 14 | أ ؛ نقلاً عن حاشية شرح المقدّمة
الجزوليّة للشلوبيني ، تحقيق تركي العتيبي.
ج ـ المصباح في علم النحو ، المطرزي ، تحقيق ياسين الخطيب : 101.
د ـ الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 330 ـ 331.
(5) المرتجل : 304.
(275)
الذي يُشار به إلى المسمّى »
(1) .
وعنونه الزبيدي (ت 397 هـ) بـ : « اسم المُشار إليه »
(2) .
واستعمل ابن معطي (ت 628 هـ) عنوان : « الاِشارة »
(3) .
وعبّر ابن عصفور (ت 669 هـ) بـ : « المُشار »
(4) .
واستعمل ابن مالك (ت 672 هـ) تعبيرين ، هما : « المُشار به » ،
و« ذوالاِشارة »
(5) .
وأوّل من وجدته يستعمل عنوان : (اسم الاِشارة) هو ابن جنّي (ت
392 هـ) ؛ قال : « وأمّا أسماء الاِشارة : فـ (هذا) للحاضر ، والتثنية في الرفع
(هذان) وفي الجرّ والنصب (هذين) ... »
(6) ، ثمّ شاع استعماله بعد ذلك
بالتدريج.
ولمّا كانت أسماء الاِشارة محصورة عدداً ، لم يهتمَّ النحاة بصياغة حدٍّ
لاسم الاِشارة ، واكتفى أغلبهم في مقام التعريف به بتعداد أفراده ، أو ذكر
نماذج منها.
وأوّل من وجدته يعرّف اسم الاِشارة ابن الحاجب (ت 646 هـ) ؛
قال : هو : « ما وضع لمُشار إليه »
(7) ..
____________
(1) الأُصول في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبـد الحسين الفتلي 2 | 2.
(2) الواضح في علم العربية ، محمّـد بن الحسن الزبيدي ، تحقيق أمين علي السيّد :
34.
(3) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 230.
(4) أ ـ المقرّب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبـد الموجود وعلي معوّض : 298.
ب ـ شرح جمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1 | 135.
(5) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات : 21.
(6) اللمع في العربية ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 104.
(7) شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2 | 471.
(276)
وقد تابعه الأشموني (ت 900 هـ) على هذا التعريف
(1) ..
وقال الرضيّ في
شرحه : « فإن قلت : المضمرات وجميع المظهرات ،
وخاصّة ما فيه لام العهد ، داخلة في الحدّ ؛ لأنّ المضمر يُشار به إلى المعهود
عليه ، والمظهرات إن كانت نكرة يشار بها إلى واحد من الجنس غير معيّن ،
وإن كانت معرفة فإلى واحد معيّن.
فالجواب : إنّ المراد بقولنا : (مُشار إليه) : ما أشير إليه إشارة حسيّة ،
أي بالجوارح والأعضاء ، لا عقلية ، والأسماء المذكورة ليست كذلك ؛ فإنّها
للمُشار إليه إشارة عقلية ذهنية ، فلم يحتج في الحدّ إلى أن يقول : المُشار
إليه إشارة حسيّة ؛ لأنّ مطلق الاِشارة حقيقة في الحسيّة دون الذهنية »
(2) .
وقال الجامي : « فلا يرد ضمير الغائب وأمثاله ؛ فإنّها للاِشارة إلى
معانيها إشارة ذهنية لا حسيّة ، ومثل : (
ذلكم الله ربّكم)
(3) ـ ممّا ليس
الاِشارة إليه حسيّة ـ محمول على التجوّز »
(4) .
وقد ردّ ابن الحاجب إشكال الدور عن تعريفه هذا ، بأنّ : « المحدود :
ما يقال له في اصطلاح النحاة : اسم الاِشارة ، وقولنا [في الحدّ] : (المُشار
إليه) أراد به الاِشارة اللغوية لا الاصطلاحية ، ومفهوم الاِشارة اللغوية غير
محتاج إلى الاكتساب ، ولا تتوقّف معرفته على معرفة المحدود ... حتّى
يلزم الدور »
(5) ..
____________
(1) شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن حمد 1 | 119.
(2) شرح الرضيّ على الكافية 2 | 472.
(3) سورة الأنعام 6 : 102.
(4) الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة الرفاعي 2 | 93.
(5) شرح الرضيّ على الكافية 2 | 473.
(277)
وعقّب عليه الرضيّ بملاحظتين :
أولاهما : إنّ هذا الردّ لا يدفع الاِشكال ؛ لأنّ الاِشارة في قوله :
(أسماء الاِشارة) لغوية أيضاً ؛ إذ معناه : الأسماء التي بها تحصل الاِشارة
اللغوية ، كما أنّ قوله : (مُشار إليه) لغوي.
والثانية : إنّ الاِشكال غير وارد أصـلاً ؛ لأنّ الاِشارة جزء المحدود ،
ولا يلزم من توقّف المحدود على الحدّ وعلى كلّ جزء منه ، توقّف جزء
المحدود أيضاً عليهما ؛ إذ ربّما كانت معرفة ذلك الجزء ضرورية أو مكتسبة
بغير ذلك الحدّ
(1) .
وقد وردت هاتان الملاحظتان في
حاشية الصبّان بنحو يوهم أنّ
أُولاهما للصبّان وثانيتهما للدماميني
(2) ، والحقّ سبق الرضيّ لذكرهما.
وعرّف ابن عصفور (669 هـ) اسم الاِشارة بأنّه : « ما عُلِّق في أوّل
أحواله على مسمّىً بعينه في حال الاِشارة إليه »
(3) .
وقوله : (في حال الاِشارة إليه) احتراز من دخول بقيّة المعارف.
وعرّفه ابن مالك (ت 672 هـ) بأنّه : « ما وُضع لمسمّىً ، وإشارة
إليه »
(4) كى ..
وتابعه عليه ابن هشام (ت 761 هـ)
(5) ، والأزهري (ت 509 هـ)
(6) ..
____________
(1) شرح الرضيّ على الكافية 2 | 473.
(2) حاشية الصبّان على شرح الأشموني 1 | 138.
(3) المقرّب : 298.
(4) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد : 39.
(5) أ ـ شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 1 | 306.
ب ـ شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبـد الحميد : 139.
(6) شرح الأزهرية ، الشيخ خالد الأزهري : 92.
(278)
وقال السلسيلي في شرحه : « ما وُضع لمسمّىً : جنس يشمل كلّ
ماوُضع لمسمّىً ، وإشارة إليه ، خرج بذلك ما سوى اسم الاِشارة »
(1) .
وقال ابن الناظم في تعريفه : « ما دلّ على حاضر أو منزّل منزلة
الحاضر ، وليس متكلّماً ولا مخاطباً »
(2) .
وعرّفه جمال الدين الفاكهي بأنّه : « اسم مظهر دلّ بإيماءٍ على حاضر
أو منزّل منزلته »
(3) ..
وقال في شرحه : « (دلّ بإيماءٍ) أي : إشارة (على) اسمِ (حاضرٍ)
حضوراً عينيّاً أو ذهنيّاً ، نحو : (
تلك الجنّة)
(4) ، (أو) على اسمِ (منزّلٍ
منزلته) أي : [منزلة] الحاضر ، كقوله : أولئك آبائي فجئني بمثلهم »
(5) .
* * *
____________
(1) شفاء العليل في شرح التسهيل ، محمّـد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبـد الله
البركاتي 1 | 255.
(2) شرح ابن الناظم على الألفية : 30.
(3) شرح الحدود النحوية ، جمال الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيب الاِبراهيم : 117.
(4) سورة مريم 19 : 63.
(5) شرح الحدود النحوية : 117 ـ 118.
(279)
ثلاث وأربعون ـ مصطلح الاسم الموصول
* لغةً :
الموصول : اسم مفعول من الفعل (وَصَلَ) المتعدّي ، ذلك أنّ هذا
الفعل يُستعمل لغةً متعدّياً تارة ولازماً أُخرى ؛ يقال : « وَصَل الشيءَ بالشيءِ
يصِلُه وصْلاً وصِلَةً ... [ ويقال ] : وصَل الشيءُ إلى الشيءِ وصولاً ... انتهى
إليه وبَلَغه »
(1) .
وسوف تتّضح من خلال البحث المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى
الاصطلاحي.
* اصطلاحاً :
وأقدم من وجدته يستعمل الموصول بمعناه الاصطلاحي هو المبرّد
(ت 285 هـ) ؛ إذ عقد باباً بعنوان : (باب الصلة والموصول) ، وقال فيه :
« إنّ الصلة موضحة للاسم ، فلذلك كانت في هذه الأسماء المبهمة ، ألا ترى
أنّك لو قلت : جاءَ الذي ، أو : مررت بالذي ، لم يدلّك ذلك على شيء
حتّى تقول : مررتُ بالذي قام ، فإذا قلت ذلك وضعت اليد عليه ؟ »
(2) .
وعبّر الرمّانـي (ت 384 هـ) عن اسم الموصـول بـ : « الاسم
الناقص »
(3) .
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة « وصلَ ».
(2) المقتضب ، محمّـد بن يزيد المبرّد ، تحقيق عبـد الخالق عضيمة 3 | 191 ، 197.
(3) الحدود في النحو ، الرمّاني ، ضمن كتاب رسائل في النحو واللغة ، تحقيق
مصطفى جواد ويوسف مسكوني : 47 ، 49.
(280)
وأسماه ابن الأنباري (ت 577 هـ) بـ : « اسم الصلة »
(1) .
والملاحـظ : أنّ سيبويـه وإن لـم يضـع عنواناً خاصّاً للأسماء
الموصولة ، إلاّ أنّه سجّل في
كتابه : أنّ هذه الأسماء تتميّز بحاجتها إلى
الصلة
(2) ، التي عبّر عنها في موضع آخر بـ : الحشـو
(3) .
وقال الزبيدي (ت 379 هـ) في التعريف بالاسم الموصول : « اعلم أنّ
من الأسماء ما لا يتمّ بنفسه حتّى يوصل بغيره ، فيكون اسماً ، فمنها : الذي
والتي ... ولا بُدّ أن يكون في الصلة ذِكر من الموصول يرجع إليه ويتعلّق
بـه »
(4) ، ومراده بالذِكر ما اصطلح على تسميته في ما بعد بـ : (الضمير
العائد).
وعرّفه الرمّاني في موضع بأنّه : « الذي يحتاج إلى صلة »
(5) ، وفي
موضع آخر بأنّه : « الذي لا يقوم بنفسه في البيان ، نحو : الذي ومن وما »
(6) ؛
ولأجل ذلك أسماه بـ : « الاسم الناقص » ، في قبال « الاسم التامّ ، وهو الذي
يقوم بنفسه في البيان عن معناه »
(7) .
وقال ابن بابشاذ (ت 469 هـ) عن الأسماء الموصولة : هي التي « لاتتمّ
إلاّ بصلة وعائد »
(8) ، أي : التي لا تحصل دلالتها على معناها إلاّ بهما.
____________
(1) أسرار العربية ، أبو البركات ابن الأنباري ، تحقيق فخر صالح قدارة : 326.
(2) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 2 | 105.
(3) الكتاب 3 | 69.
(4) الواضح في علم العربية ، أبو بكر الزبيدي ، تحقيق أمين علي السـيّد : 126.
(5) الحدود في النحو : 47.
(6) الحدود في النحو : 49.
(7) الحدود في النحو : 49.
(8) شرح المقدّمة المحسبة ، طاهر بن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 1 | 176.
(281)
وعرّفه الزمخشري (ت 538 هـ) بأنّه : « ما لا بُدَّ له في تمامه اسماً من
جملة تردفه من الجمل التي تقع صفات ، ومن ضمير فيها يرجع إليه ،
وتسمّى هذه الجملة صلةً ، ويسمّيها سيبويه الحشو ، وذلك قولك : الذي
أبوه منطلق »
(1) ..
« وقوله : (من الجمل التي تقع صفاتٍ) ، يريد : من الجمل التي
توضّـح وتبيّن ، وهي الجمل المتمكّنة في باب الخبر »
(2) .
وعرّفه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله : « الموصول : ما لا يتمّ جزءاً
إلاّ بصلةٍ وعائد »
(3) .
قال ابن هشام : « ومعناه : إنّك إذا قلت : قامَ الذي ، فلا تتمّ فاعلية
(الذي) إلاّ بقولك : قام أبوه ، أو : خرج أخوه ، ونحو ذلك ، وهذا الحدّ
حسـنٌ ، وهو أوْلى من قولِ الزمخشري : ما لا يتمّ اسماً إلاّ بصلة وعائدٍ ؛
فقد ردّ أبو عمروٍ بأنّ : (الذي) ثابت الاسمية في نفسه مع قطع النظر عن
الصلة »
(4) .
وقال الرضيّ في
شـرحه : « انتصابُ (جزءاً) على أنّه خبر (يتمّ) ؛
لتضمّنه معنى (يصيرُ) ... فمعنى يتمّ جزءاً : يصير جزءاً تاماً ... أي : يصير
جزء الجملة ، ونعني بجزء الجملة : المبتدأ والخبر والفاعل ، وجميع
الموصولات لا يلزم أن تكون أجزاء الجمل ، بل قد تكون فضله ، لكنّه أراد
أنّ الموصـول هو الذي لو أردت أن تجعله جزء الجملة لم يمكن إلاّ بصلةٍ
____________
(1) المفصّل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 142.
(2) شرح المفصّل ، ابن يعيش 3 | 150.
(3) شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 | 5.
(4) شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 1 | 314.
(282)
وعائد ... أي : ضمير يعود إليه ؛ قال
(1) : هو احتراز عمّا يجب إضافته إلى
الجملة كـ : (حيثُ وإِذ) ؛ فإنّه لا يتمّ إلاّ بالجملة أيضاً ، وليس موصولاً في
الاصطلاح »
(2) .
وقال ابن مالك (ت 672 هـ) في تعريف الاسم الموصول : هو
« ماافتقر أبداً إلى عائدٍ أو خَلَفِه وجملة صريحة أو مؤوّلة غير طلبية
ولاإنشائية »
(3) ..
وذكر السلسيلي في
شـرحه : « ما افتقر إلى عائد ، احترز به من : حيثُ
وإذ وإذا ؛ فإنّها تحتاج إلى جملة ولم تحتج إلى عائد.
واحـترز بقوله : (أبداً) من النكرة الموصوفة بجملة ؛ فإنّها حال
وصفها بها تحتاج إلى ما ذكر ، لكن الموضع بحقّ الأصالةِ لمفرد تؤوّل
الجملة به ؛ فالافتقار إلى المفرد لا إلى الجملة ، وإنْ صدقَ في الظاهر أنّها
تفتقر إلى الجملة ، لم يصدق أنّها تفتقر أبداً ، ويغني ذكر المفرد عنها أو
خَلَفه ...
والمراد بـ : (الجملة الصريحة) : كالتي مركّبة من فعل وفاعل ، أو من
مبتدأ وخبر ، والمراد بـ : الجملة المؤوّلة : الظرف والجار والمجرور.
وقوله : (غير طلبيّة) ؛ لأنّ المقصود بالصلة توضيح الموصول ،
والطلبية لم يتحصّل معناها بعد ...
و(لا إنشائية) ؛ قال المصنّف
(4) : لأنّ معناها مقارنٌ لحصول لفظها ،
____________
(1) أي : ابن الحاجب في شرحه لـكافيته.
(2) شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3 | 5 ـ 6.
(3) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات : 33.
(4) أي : ابن مالك في شرحه للتسهيل : 209.
(283)
فلا يصلح وقوعها صلة »
(1) .
وعقّب أبو حيّان على ما يُستفاد من عبارة ابن مالك من تقسيم
الجملة إلى خبرية وطلبية وإنشائية بأنّ : « في ما قاله نظراً ؛ لأنّ ليس
إِلاّإنشائية وخبرية ، فهذا الذي قسّمه إلى ثلاثة غير ما قالوه »
(2) .
والجديد في تعريف ابن مالك : ذكره لقيد الدوام والتأبيد في حاجة
اسم الوصول للصلة والعائد.
وقوله : (أو خَلَفه) ، تنبيهاً إلى أنّ ربط الموصول بجملة الصلة
يحصل أحياناً بالاسم الظاهر لا الضمير ..
قال الأشـموني (ت 900 هـ) الذي أخـذ بهذا التعريف في
شـرحه
للألفية : « وقوله : (أو خلفه) ، لاِدخال نحو قوله :
سعادُ التي أضناك حبُّ سعاداوإعراضُها عنكَ استمرَّ وزادا
... ممّا وردَ فيه الربط بالظاهر »
(3) .
وقال الصبّان : « إنّ العائد هو الضمير ، وخَلَفُه هو الاسم الظاهر ...
ومن اقتصر على العائد أراد مطلق الرابط »
(4) .
وعرّفه ابن الناظم (ت 676 هـ) بأنّه : « ما افتقر إلى الوصل بجملة
معهودة ، مشتملة على ضمير لائق بالمعنى »
(5) ..
فقيّد جملة الصلة بكونها : (معهودة) ، للتمييز بين الاسم الموصول
____________
(1) شفاء العليل في شرح التسهيل ، محمّد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبـد الله
البركاتي 1 | 219 ـ 220.
(2) شرح اللمحة البدريّة 1 | 220.
(3) شرح الأشموني على الألفيّة ، تحقيق حسن محمّـد 1 | 146.
(4) حاشية الصبّان على شرح الأشموني 1 | 146.
(5) شرح ابن الناظم على الألفية : 31.
(284)
وبين النكرة الموصوفة بجملة ؛ ذلك أنّ الاسم الموصول إنّما كان من جملة
المعارف « لأنّه موضوع على أن يستعمله المتكلّم به في معلوم عند
المخاطب بواسطة جملة الصلة ، ومن أجل هذا تجدهم يشترطون في جملة
الصلة أن تكون معهودةً للمخاطب ، بخلاف الجملة التي تقع صفة للنكرة ،
فإنّهم لم يشترطوا فيها ذلك ، فإذا قلت : لقيتُ مَنْ ضربتُه ، فإذا اعتبرت
(مَن) موصولة ، كان المعنى : لقيتُ الشخص المعروف عندكَ بكونك قد
ضربته ، وإن اعتبرت (مَن) موصوفة ، كان المعنى : لقيت شخصاً موصوفاً
بكونه مضروباً لك ، فتخصّص الموصول بالوضع ، وتخصّص الموصوفة
طارىَ »
(1) .
وعرّفه ابن هشام (ت 761 هـ) بتعريفين :
* أوّلهما : « هو الاسم المفتقر إلى صلةٍ وعائد »
(2) ، وهو بهذا يقتصر
في تعريفه على بيان الركنين الأساسيّين له ، ويترك ذكر تفاصيلهما إلى شرح
التعريف.
* وثانيهما : « ما افتقر إلى الوصل بجملة خبرية أو ظرف أو مجرور
تامّين أو وصف صريح ، وإلى عائدٍ أو خَلَفه »
(3) .
وشرحه قائلاً : إنّ الظرف والجار والمجرور الواقعين صلةً « شرطهما
أن يكونا تامّين ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : (
وله مَن في السماواتِ
والأرضِ ومَن عندَه لا يستكبرون عن عبادته)
(4) ..
____________
(1) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبـد الحميد ، حاشية : 124.
(2) شرح قطر الندى : 124.
(3) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 141.
(4) سورة الأنبياء 21 : 19.
(285)
واحترزت بـ : (التامّين) من الناقصين ، وهما اللّذان لا تتمّ بهما
الفائدة ؛ فلا يقال : جاء الذي اليومَ ، ولا : جاءَ الذي بكَ »
(1) .
وأمّا تقييده الوصف بكونه صريحاً ، فمراده : أن يكون « خالصاً من
غلبة الاِسميّة ؛ [فإِنّ] هذا يكون صلة للألف واللام خاصّة ، نحو : الضارب
والمضـروب »
(2) .
وقال الأزهري (ت 905 هـ) في تعريف الاسم الموصول : « ما افتقر
إلى الوصلِ بجملة خبريّة أو ظرف أو مجرور تامّين وإلى عائد »
(3) .
* * *
____________
(1) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 141.
(2) شرح شذور الذهب : 141.
(3) شرح الأزهرية ، الشيخ خالد الأزهري : 93.
(286)
أربع وأربعون ـ مصطلح التنازع
* لغةً :
للتنازع في اللّغة عدّة معانٍ
(1) ، منها :
1 ـ التخاصم ، وتنازعَ القومُ : تخاصموا.
2 ـ التجاذب ، والمنازعة في الخصومة : مجاذبة الحجج في ما يتنازع
فيه الخصمان.
3 ـ التعاطي ، وقوله تعالى : (
يَتَنازَعونَ فيها كَأْساً لا لَغْوٌ فيها
وَلأتَأْثيمٌ)
(2) ، أي : يتعاطون ، والأصل فيها : يتجاذبون.
* اصطلاحاً :
التنازع من المباحث النحوية المعقّدة ، وإذا تحرّينا التوضيح
والتبسيط ، قبل الدخول في تفاصيل البحث ، قلنا : إنّ مرادهم بالتنازع زيادة
عدد العوامل في الكلام على عدد المعمولات ..
ففي مثل قولنا : (ضربتُ وضربني زيدٌ) ، هناك فعلان يتنازعان العمل
في (زيد) ، أوّلهما يقتضي نصبه مفعولاً ، والثاني يقتضي رفعه فاعلاً ، وقد
اتّفق النحاة على جواز إعمال أحد الفعلين فقط على نحو التخيير في لفظ
(زيد) ، وإعمال الآخر في ضميره.
وقد رجّح البصريون إعمال الثاني ؛ لأنّه أقرب إلى المعمول كما في
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة « نزع ».
(2) سورة الطور 52 : 23.
(287)
المثال ، ورجّح الكوفيون إعمال الأوّل ؛ لأنّه أسبق ذكراً ، فيقال على رأيهم :
(ضربت وضربني زيداً).
والملاحظ : أنَّ النحاة طرحوا هذا البحث أوّل الأمر ، دون أن يجعلوا
له عنواناً اصطلاحياً معيّناً ، ثمّ استعملوا كلمة « الاِعمال » عنواناً له ، قبل أن
يستقرّ بناؤهم على استعمال مصطلح « التنازع » ..
قال سيبويه (ت 180 هـ) : « هذا باب الفاعلين والمفعولين اللّذين كلّ
واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يَفْعَلُ بهِ ، وما كان نحو ذلك ، وهو
قولك : ضربتُ وضربني زيدٌ ، وضربني وضربتُ زيداً ، تحملُ الاسم على
الفعل الذي يليه ، فالعامل في اللفظ أحدُ الفعلين ، وأمّا في المعنى فقد يعلم
أنَّ الأوّل قد وقع ، إلاّ أنّه لا يعمل في اسم واحدٍ نصب ورفع »
(1) .
وقوله : « وما كان نحو ذلك » إشارة إلى أنّ بحث التنازع لا يختصّ بما
إذا كان العامل فعلاً ، بل يشمل ما يعمل عمل الفعل من الأسماء ، كما
سيتّضح من خلال البحث.
وقوله : « أن الفعل الأوّل قد وقع » يعني وقوعه على المعمول من جهة
المعنى.
وقال المبرّد (ت 285 هـ) : « باب من إعمالِ الأوّل والثاني ، وهما
الفعلان اللذان يعطف أحدهما على الآخر ، وذلك قولك : ضربتُ وضربني
زيدٌ ، ومررتُ ومرَّ بي عبـدُالله ...
فهذا اللفظ هو الذي يختاره البصريون ، وهو إعمال الفعل الآخر في
اللفظ ، وأمّا في المعنى ، فقد يعلم السامع أنَّ الأوّل قد عمل كما عمل الثاني
فحذف لعلم المخاطب ...
____________
(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1 | 73 ـ 74.
(288)
ومَن أعملَ الأوّل قال : ضربتُ وضربني زيداً ، وضربتُ وضرباني
أخويك ؛ لأنّه أراد : ضربتُ زيداً وضربني ، وضربتُ أخويك وضرباني »
(1) .
ويلاحظ : أنّه استعمل كلمة « الاِعمال » أوّل مرّة ، ولكنّه لم يطرحها
عنواناً لبحثٍ كليّ ومفهوم عام ، يقوم بتوضيح حدّه وبيان تفاصيله ، وإنّما
قصر الكلام على بعض مصاديقه.
واستعمل مصطلح « الاِعمال » ابن أبي الربيع الاِشبيلي (ت 688 هـ)
في شرحه على
جمل الزجّاجي (2) .
وتعرّض ابن معطي (ت 628 هـ) للتنازع في البحث الذي عقده لبيان
أقسام تفسير الضمير ، ومنها تفسيره بـ : « مفرد ، يجري بوجوه الاِعراب ،
ويقع في عطف الفعل على الفعل ، [ قائلاً ] : وحقيقة هذا الباب : أن يتنازع
فعلان كلاهما اسماً واحداً .. فمذهب البصريّين في هذا الباب أن يعطوا
الظاهر للثاني ، والضمير للأوّل ، ولا يحذف إن كان مرفوعاً ، ويحذف إن
كان منصوباً أو مجروراً ... والكوفيون بعكسهم »
(3) .
ونلاحظ هنا : أنّ ابن معطي يستعمل كلمة « يتنازع » التي ستمهّد
لاشتقاق كلمة « التنازع » وجعلها عنواناً للباب.
وقد عقّب ابن أياز على قول ابن معطي : « أن يتناع فعلان » بأنّه :
« لوقال عِوَض (فعلان) عاملان ، لكان أجود ؛ لأنَّ العامل قد يكون فعلاً
وغير فعل ، وهذا الباب غير مختصّ بالفعل ، بل قد يكون في الاسمين ،
____________
(1) المقتضب ، محمّـد بن يزيد المبرّد ، تحقيق محمّـد عبـد الخالق عضيمة 4 | 72 ،
75.
(2) البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، ابن أبي الربيع الاشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي
1 | 303.
(3) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 227 ـ 229.
(289)
كقول كثير : وعزَّة ممطولٌ مُعَنّىً غريمها ، وفي اسم وفعل ، كقوله سبحانه :
(
هاؤم اقرؤوا كتابيه)
(1) »
(2) .
وأوّل من استعمل كلمة « التنازع » عنواناً اصطلاحياً ، هو الشلوبين
(ت 645 هـ) ؛ إذ قال تحت عنوان « باب التنازع » : « إذا تنازع فعلان معمولاً
واحداً ، فالمختار إعمال الثاني ، وإذا أعمل فيه الثاني حذف مع الأوّل نحو :
ضربت وضربني الزيدون ، ما لم يكن مرفوعاً ، نحو : ضرباني وضربت
الزيدَين »
(3) .
ومثله عبارة ابن الحاجب (ت 646 هـ) في
كافيته : « وإذا تنازع
الفعلان ظاهراً بعدهما ... ».
ويرد عليهما نفس ما أورده ابن أياز على عبارة ابن معطي ، إلاّ أن
يعتذر عنهما بما ذكره كلّ من الرضيّ (ت 686 هـ) ، والجامي (ت 898 هـ)
في شرحهما على
كافية ابن الحاجب ..
قال الرضيّ : « واعلم أنّه لو قال : الفعلان فصاعداً أو شبههما ليشمل
اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة ، نحو : أنا قاتل وضارب زيداً ،
وليشمل أيضاً أكثر من عاملين ، نحو : ضربت وأهنت وأكرمت زيداً ، لكان
أعمّ ، لكنّه اقتصر على الأصل وهو الفعل ، وعلى أوّل المتعدّدات وهو
الاثنان »
(4) .
وقال الجامي : « واقتصر على الفعل ؛ لأصالته في العمل ، وإنّما قال
____________
(1) سورة الحاقّة 69 : 19.
(2) المحصول ، ابن أياز : 74 | ب ؛ نقلاً عن حاشية الفصول الخمسون : 228.
(3) التوطئة ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق يوسف المطوّع : 252.
(4) شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 1 | 201.
