رفعة اسميهما عـند عامّـة الناس ، ونسـبة الفتوح إليهما ، كما قال عليه السلام في
مامرّ من الرواية ..
اعتراض وإجابة :
وقد يرد اعتراض في ذهن بعض من لا بصيرة له بأوصياء الأنبياء :
لماذا يسدّد عليّ عليه السلام خلفاء الجور إلى أبواب الظفر والنصر ، فيعلو كعبهم
واسمهم ، وتزداد فتنة الناس بضلالتهم ، وببدعهم في الدين ، وبمتاركتهم
لصراط الهداية من أهل بيت النبوّة :؟!
كما أنّ بعض آخر ـ ممّن لا يستمسك بالبيّنات والبراهين ـ يموّه
إرشاد علي عليه السلام لهما في تدبير الأُمور على أنّه رضىً منه بحالهما!!
وهؤلاء إذ تاركوا عيش اليقين نكسوا قلوبهم في الريب؛ استحباباً
منهم لذلك ، بدلاً من نور الحقيقة؛ فإنّ الوصيّ عليه السلام ليس غارقاً في بحر
الهوى ، كما قال عليه السلام في ذيل الرواية المزبورة : « اللّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أرد
الاِمرة ، ولا علوّ الملك والرئاسة ، وإنّما أردت القيام بحدودك ، والأداء
لشرعك ، ووضع الأُمور في مواضعها ، وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي
على منهاج نبيّك ، وإرشاد الضالّ إلى أنوار هدايتك »
(1) ..
فإنّه عليه السلام ممّن طهّره الله من الرجس والهوى ، فلا يعيش إلاّ همّ إقامة
الدين ونشره وانتشاره بقدر ما يتيسّر من ذلك ، وإن مانع الطامعون في
الرئاسة والملك ، والحريصون على الاِمارة والعلوّ في الأرض ، والحزب
القرشي والطلقاء ، عن إقامة الحقّ في جليل من الأبواب؛ فإنّ ما لا يُدرك
كلّه لا يترك جلّه ، والميسور لا يسقط بالمعسور ..
____________
(1) شرح نهج البلاغة 20 | 299 رقم 414.
(81)
نظير ما قصّه الله تعالى من دور النبيّ يوسف عليه السلام في ملك عزيز
مصر : (
وكذلك مكّنّا ليوسُفَ في الأرض ولنُعلّمَهُ من تأويل الأحاديث
والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)
(1) ؛ فإنّ التدبير
الحسن منه كان ليوسف وإن كان يُنسب لملك مصر ، ولولا يوسف لتشتّت
الأمر على ملك مصر عندما عصفت السنين بهم.
وفي هذه الحقبة والفترة تجلّى خلوص عليّ عليه السلام في تشييد الدين ؛
فأين تجد مَن غُصب حقّه ، وزُحزح عن مقامه ، وتقمّص مكانه مَن ليس
بأهل له ، ومع ذلك يقوم بحفظ الدين ونشره ، مع علمه بأنّ هذا الدور أيضاً
هو الآخر سوف يبتزّه الغاصبون وينسبونه لأنفسهم ؟!
وممّا يشير إلى تدبير النبيّ صلى الله عليه وآله في الفتوحات ما ذكره ابن أعثم
(2)
في الفتوح ؛ إذ أورد رسالة عمر إلى معاوية ، التي تضمّنت عهده صلى الله عليه وآله
للمسلمين بتفاصيل برامج فتوح البلدان ، حتّى أسماء المدن ، والمهمّ منها
في حصول الظفر والنصر.
دوره عليه السلام في وقعة الجسر :
في وقعة « الجسر » ـ وهي أوّل وقعة للمسلمين مع جيوش كسرى ـ
اضطرب تدبـير الحرب والمسلمين بشـدّة حتّى كاد يفلت الأمر ، فأغاث
عليّ عليه السلام عمر بالمشورة المفصّلة ، وأمره بأن لا يصير إلى العدو : « فإنّك إن
صرت إلى العراق وكان مع القوم حرب واختلط الناس لم تأمن أن يكون
عدوّ من الأعداء يرفع صوته ويقول : قتل أمير المؤمنين ! فيضطرب أمر
____________
(1) سورة يوسف 12 : 21.
(2) كتاب الفتوح 1 | 262.
(82)
الناس ويفشلوا ... ولكن أقم بالمدينة ووجّه برجل يكفيك أمر العدوّ ،
وليكن من المهاجرين والأنصار البدريّين.
فقال عمر : ومن تشير علَيّ أن أوجّه به يا أبا الحسن ؟!
فأشار عليه بسعد بن أبي وقّاص. وانتهت الواقعة بنصر المسلمين
(1) .
ومـن ذلك يظهر أنّ التدبـير في المفاصـل الخطـيرة من الفتوح كان
منه عليه السلام.
وفي هذه الواقعة ذكر ابن أعثم تهديد المسلمين يزدجرد ملك الفرس
ببشارة النبيّ عليه السلام بفتح فارس
(2) .
ومن تدابير عليّ عليه السلام البالغة الأهمّية أيضاً بثّه الخلّص الأبدال من
أصحابه في جيوش الفتوح ، وكان لهم الأثر البالغ في الفتوح ، كـ : حذيفة بن
اليمان وعمّار بن ياسر في فتوح فارس ، ومالك الأشتر في فتوح الروم ،
ولاسيّما في يوم اليرموك؛ إذ بارز وزير هرقل هامان فهزمه
(3) ، وهاشم بن
عتبة بن أبي وقّاص في فتوح الشام وفارس أيضاً ، وكذلك عبادة بن
الصامت الأنصاري ، وحجر بن عدي الكندي ، والجميع كانوا أُمراء سرايا
وفصائل في الكتائب ، وخالد بن سعيد بن العاص وأخوه ، وعدي بن حاتم
الطائي ، وعبـد الله بن خليفة ، وسلمان الفارسي ، وغيرهم ممّا يجده المتتبّع
لتواريخ الفتوح ، ذكرنا جملة منهم لا على سبيل الاستقصاء والحصر ، هذا
مع أنّ أقلام التاريخ غالباً سقيفية أو أُموية أو عبّاسية ، لا ترصد ولا تحبّ أن
تكتب لأصحاب عليّ عليه السلام أدواراً خطيرة في الفتوح ، بل وتركّز الضوء على
____________
(1) كتاب الفتوح 1 | 136 ـ 137.
(2) كتاب الفتوح 1 | 157.
(3) كتاب الفتوح 1 | 208.
(83)
غيرهم لترفع ذكرهم دون تيار عليّ عليه السلام.
وذكر ابن أعـثم : أنّ أبا عبيدة أرسل كتاباً إلى عمر يخبره فيه أنّ أهل
« إيليا » بعدما حوصروا في الشامات اشترطوا الصلح مع الخليفة كي يثقوا
بالأمان ، فاستشار عمر وجوه المهاجرين والأنصار في الخروج إلى الشام ،
فأشار عليه عثمان بعدم الخروج.
« فقال عمر : هل عند أحد منكم غير هذا الرأي ؟!
فقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام : نعم ، عندي من الرأي : إنّ القوم قد
سألوك المنزلة التي لهم فيها الذلّ والصَغار ، ونزولهم على حكمك عزٌّ لك
وفتحٌ للمسلمين ... فإذا قدِمت عليهم كان الأمر والعافية والصلح والفتح إن
شاء الله ..
وأُخرى فإنّي لست آمن الروم إن هم آيسوا من قبولك الصلح
وقدومك عليهم أن يتمسّكوا بحصنهم ويلتئم إليهم إخوانهم من أهل دينهم
فتشتدّ شوكتهم ويدخل على المسلمين من ذلك البلاء ، ويطول أمرهم
وحربهم ، ويصيبهم الجهد والجوع ، ولعلّ المسلمين إن اقتربوا من الحصن
فيرشقونهم بالنشاب أو يقذفونهم بالحجارة ، فإن أُصيب بعض المسلمين
تمنّيت أن تكون قد افتديت قتل رجل مسلم من المسلمين بكلّ مشرك إلى
منقطع التراب. فهذا ما عندي ، والسلام.
فقال عمر : أمّا أنت يا أبا عمرو ـ أي عثمان ـ فقد أحسنت النظر في
مكيدة العدو ، وأمّا أنت يا أبا الحسن ! فقد أحسنت النظر لأهل الاِسلام ،
وأنا سائر إلى الشام »
(1) .
____________
(1) كتاب الفتوح 1 | 244.
(84)
وعند فتح المسلمين لمدينة السوس ـ بلدة بخوزستان
(1) جنوب
إيران ـ وجدوا جثمان النبيّ دانيال ولم يكونوا يعرفوه ورأوا أهل السوس
يتبرّكون ويستسقون به ، وجسده لم يبلى ، فكتب أبو موسى إلى عمر
بذلك ، فسأل عمر أكابر الصحابة عن ذلك فلم يجد عندهم فيه خبراً ، وأنّى
لهم بالخبر ؟! وهل يوجد الخبر إلاّ عند مَن عنده ودائع النبوّة ، وهو السبب
المتّصل بين الأرض والسماء ، ومَن عنده علم الكتاب ؟!
فقال أمـير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام : « بلى هذا دانيال
الحكيم ، وهو نبيّ غير مرسـل ، غير أنّه في قديم الزمان مع بختنصـر ومَن
كان بعده من الملوك ...
قال : وجعل عليّ يحدّث عمر بقصّة دانيال من أوّلها إلى آخرها إلى
وقت وفاته ، ثمّ قال عليّ : اكتب إلى صاحبك أن يصلّي عليه ويدفنه في
موضع لا يقدر أهل السوس على قبره ، قال : فكتب عمر بن الخطّاب إلى
أبي موسى الأشعري بذلك »
(2) .
دوره عليه السلام في معركة نهاوند :
وذكر أهل التواريخ ـ والنصّ لابن أعـثم ـ : « إنّ المسلمين لمّا فتحوا
خوزستان تحرّكت الفرس بأرض نهاوند ، وكتب بعضهم إلى بعض أن
يكون اجتماعهم بها ، فاجتمعوا من مدن شتّى فكانوا خمسون ألفاً ومائة ألفاً
مع نيف وسبعين فيلاً تهويلاً على خيول المسلمين ، وقالوا : إنّ ملك العرب
الذي جاءهم بهذا الكتاب وأقام لهم هذا الدين قد هلك ـ يعنون بذلك
____________
(1) هي مدينة « الشوش » حالياً.
(2) كتاب الفتوح 2 | 274.
(85)
رسول الله صلى الله عليه وآله ـ ... فتعالوا بنا حتّى ننفي مَن بقربنا من جيوش العرب ،
ثمّ إنّا نسير إليهم في ديارهم فنستأصلهم عن جديد الأرض ...
فبلغ الخبر المسلمين فكتبوا بذلك إلى عمر ، وأنّ الفرس قد
قصدوهم ثمّ يأتون بعدها إلى المدينة ، وهم جمع عتيد ، وبأس شديد ،
ودوابّ فره ، وسلاح شاك ، وقد هالهم ذلك وما أتاهم من أمرهم وخبرهم.
قال ـ الراوي الذي يروي عـنه ابن أعـثم ـ : فلمّا ورد الكتاب على
عمر بن الخطّاب وقرأه وفهم ما فيه وقعت عليه الرعدة والنفضة حتّى سمع
المسلمون أطيط أضراسـه ، ثمّ قام عن موضعه حتّى دخل المسجد وجعل
ينادي : أين المهاجرون والأنصار ؟ ألا فاجتمعوا رحمكم الله ، وأعينوني
أعانكم الله.
قال : فأقبل إليه الناس من كلّ جانب حتّى إذا علم أنّ الناس قد
اجتمعوا وتكاملوا في المسجد وثب إلى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فاستوى
عليه قائماً وإنّه ليرعد من شـدّة غضبه على الفرس ، فحمـد الله عزّ وجلّ
وأثنى عليه ، وصـلّى على نبيّـه محمّـد صلى الله عليه وآله ، ثـمّ قال : أيّها الناس ! هذا
يوم غمّ وحزن ، فاستمعوا ما ورد إليّ من العراق ـ ثمّ قرأ عليهم ما وصله
من الكتاب ـ وقال : وليست لهم ـ أي الفرس ـ همّة إلاّ المدائن والكوفة ،
ولئن وصـلوا إلى ذلك فإنّها بليّة على الاِسـلام وثلمة لا تُسدّ أبداً ، وهذا
يومله ما بعده من الأيام ، فالله الله يا معشر المسلمين! أشيروا علَيّ
رحمكمالله ...
فقام طلحة والزبير وأشاروا عليه أن يعمل برأيه وما يراه ، وقام
عبـدالرحمن بن عوف وأشار عليه بأن يخرج بنفسه ويخرجوا معه ، وقام
عثمان بن عفّان وأشار عليه بما أشار ابن عوف ، وأن يأتيه أهل الشام من
(86)
شامهم ، وأهل اليمن من يمنهم ، وأهل الحرمين ، وأهل المصرين : البصرة
والكوفة ، فقال عمر : هذا أيضاً رأي يأخذ بالقلب ، أُريد غير هذا الرأي.
قال : فسكت الناس ، والتفت عمر إلى عليّ عليه السلام فقال : يا أبا الحسن !
لم لا تشير بشيء كما أشار غيرك ؟!
قال : فقال عليّ : يا أمير المؤمنين ! إنّك قد علمت أنّ الله تبارك
وتعالى بعث نبيّه محمّـداً صلى الله عليه وآله وليس معه ثان ، ولا له في الأرض من
ناصر ، ولا له من عدوه مانع ، ثمّ لطف تبارك وتعالى بحوله وقوّته وطَوْله
فجعل له أعواناً أعزّ بهم دينه ، وشـدّ بهم أمره ، وقصم بهم كلّ جبّار عنيد ،
وشيطان مريد ، وأرى مؤازريه وناصريه من الفتوح والظهور على الأعداء
مادام به سرورهم ، وقرّت به أعينهم ، وقد تكفّل الله تبارك وتعالى لأهل
هذا الدين بالنصر والظفر والاِعزاز ، والذي نصرهم مع نبيّهم وهم قليلون
هو الذي ينصرهم اليوم إذ هم كثيرون ، وبعد .. فأبشر بنصر الله عزّ وجلّ
الذي وعدك ، وكن على ثقة من ربّك ؛ فإنّه لا يخلف الميعاد ، وبعد .. فقد
رأيت قوماً أشاروا عليك بمشورة بعد مشورة فلم تقبل ذلك منهم ، ولم
يأخذ بقلبك شيء ممّا أشاروا به عليك ، لأنّ كلّ مشير إنّما يشير بما يدركه
عقله.
وأُعلمك يا أمير المؤمنين إن كتبت إلى الشام أن يقبلوا إليك من
شامهم لم تأمن من أن يأتي هرقل في جميع النصرانية فيغير على بلادهم ،
ويهدم مساجدهم ، ويقتل رجالهم ، ويأخذ أموالهم ، ويسبي نساءهم
وذرّيّتهم.
وإن كتبت إلى أهل اليمن أن يقبلوا من يمنهم أغارت الحبشة أيضاً
على ديارهم ونسائهم وأموالهم وأولادهم ..
(87)
وإن سرت بنفسك مع أهل مكّة والمدينة إلى أهل البصرة والكوفة ثمّ
قصدت بهم عدوّك انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها ، حتّى أنّك
تريد بأن يكون من خلّفته وراءك أهمّ إليك ممّا تريد أن تقصده ولا يكون
للمسلمين كانفة تكنفهم ، ولا كهف يلجؤون إليه ، وليس بعدك مرجع
ولاموئل ؛ إذ كنت أنت الغاية والمفزع والملجأ ، فأقم بالمدينة ولا تبرحها ؛
فإنّه أهيب لك في عدوّك وأرعب لقلوبهم ، فإنّك متى غزوت الأعاجم
يقول بعضهم لبعض : إن ملك العرب قد غزانا بنفسه لقلّة أتباعه وأنصاره.
فيكون ذلك أشـدّ لكلبهم عليك وعلى المسلمين ، فأقم بمكانك الذي أنت
فيه وابعث مَن يكفيك هذا الأمر ، والسلام.
قال : فقال عمر : يا أبا الحسن ! فما الحيلة في ذلك وقد اجتمعت
الأعاجم عن بكرة أبيها بنهاوند في خمسين ومائة ألف ، يريدون استئصال
المسلمين ؟!
قال : فقال له عليّ بن أبي طالب عليه السلام : الحيلة أن تبعث إليهم رجلاً
مجرّباً ، قد عرفته بالبأس والشدّة ؛ فإنّك أبصر بجندك وأعرف برجالك ،
واستعن بالله وتوكّل عليه واستنصره للمسلمين ، فإن استنصاره لهم خير من
فئة عظيمة تمدّهم بها ، فإن أظفر الله المسلمين فذلك الذي تحبّ وتريد ،
وإن يكن الأُخرى وأعوذ بالله من ذلك أن تكون ردءاً للمسلمين ، وكهفاً لهم
يلجؤون إليه ، وفئة ينحازون إليها.
قال : فقال له عمر : نِعم ما قلت يا أبا الحسن ! ولكنّي أحببت أن
يكون أهل البصرة وأهل الكوفة هم الّذين يتولّون هؤلاء الأعاجم ؛ فإنّهم
ذاقوا حربهم وجرّبوهم ومارسوهم في غير موطن.
قال : فقال له عليّ عليه السلام : إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن
(88)
يفترقوا على ثلاث فرق : فرقة تقيم في ديارهم يكونوا حرساً لهم يدفعون
عن حريمهم ، والفرقة الثانية في المساجد يعمرونها بالأذان والصلاة؛ لكي
لا تعطّل الصلاة ، ويأخذون الجزية من أهل العهد ؛ لكي لا ينتقضوا عليك ،
والفرقه الثالثة يسيرون إلى إخوانهم من أهل الكوفة ، ويصنع أهل الكوفة
كصنع أهل البصرة ، ثمّ يجتمعون ويسيرون إلى عدوّهم فإنّ الله عزّ وجلّ
ناصرهم عليهم ومظفرهم بهم ، فثق بالله ولا تيأس من روح الله ، (
إنّه
لاييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون)
(1) .
قال : فلمّا سمع عمر مقالة عليّ كرّم الله وجهه ومشورته أقبل على
الناس وقال : ويحكم ! أعجزتم كلّكم عن آخركم أن تقولوا كما قال
أبوالحسن ، والله ! لقد كان رأيه رأيي الذي رأيته في نفسي !!!
ثمّ أقبل عليه عمر فقال : يا أبا الحسن ! فأشر علَيّ الآن برجل ترتضيه
ويرتضيه المسلمون أجعله أمير وأستكفيه من هؤلاء الفرس.
فقال عليّ عليه السلام : قد أصبته.
قال عمر : ومَن هو ؟
قال : النعمان بن مقرن المزني.
فقال عمر وجميع المسلمين : أصبت يا أبا الحسن ! وما لها من
سـواه »
(2) .
ومعركة نهاوند تعدّ المعركة المصيرية في مواجهة المسلمين مع دولة
كسرى ؛ ففي
فتوح البلدان للبلاذري : « إنّ ذلك الفتح هو فتح الفتوح »
(3) .
____________
(1) سورة يوسف 12 : 87.
(2) كتاب الفتوح 2 | 295.
(3) فتوح البلدان 2 | 374.
(89)
وفي المصادر التاريخية الأُخرى : إنّ بعد نهاوند لم تقم لدولة الفرس
قائمة بعدها ، وتتالت الفتوح للمدن الأُخرى بكلّ سهولة.
فالباحث يرى مدى خطورة هذه المواجهة على كلّ من دولة كسرى
ودولة المسلمين ؛ إذ لو قُدّر النصر في هذه المعركة للأكاسرة لربّما قضوا
على المسلمين حتّى ألجؤوهم إلى المدينة ، كما ذكر ذلك كتاب أهل الكوفة
إلى عمر ..
وكذلك يرى الباحث مدى خوف وذعر واضطراب الخليفة عمر في
تدبير الأمر ، حتّى أنّ أسنانه أخذت تصطكّ فسمع المسلمون أطيط أضراسه
وأخذته الرعدة والنفضة !! فبالله عليك هل يصلح لقيادة المسلمين رجل
بهذه الأوصاف ، معروف بالفرار إذا اشتدّ البأس في الحروب ، تختلط عليه
الأُمور إذا حمى الوطيس ؟!
وهذه اللقطة التاريخية العظيمة كافية لوقوف الباحث على كون
عليّ عليه السلام قطب الرحى في تدبير أُمور المسلمين والفتوح التي تتالت
عليهم ، وتالله لولا رأيه الثاقب في الأُمور ، المسدّد بالعصمة ، لانتقض نظام
المسلمين ولأكلتهم الدول المحيطة بهم.
ونظير هذه الحادثة حوادث أُخرى ، استعرضنا في ما سبق بعضها.
وقفة مع أصحاب كتب التاريخ :
إنّ الباحث في تاريخ المسلمين يلاحظ مدى التعتيم والتضليل
لحقائق الأحداث الذي مارسه كثير من مؤرّخيهم ، مثل ابن جرير الطبري
(ت 310 هـ) في
تاريخه ، والبلاذري (ت 279 هـ) في
فتوح البلدان ،
وابن الأثـير (ت 630 هـ) في
الكامل في التاريـخ ، وأمثالهم ، عندما يقارن
(90)
ما أرّخـوه بأقلامهم بما كتبه ابن أعـثم الكوفي (ت 314 هـ) في
الفتوح ،
وإن كانت هناك قصاصات كثيرة متناثرة تسرّبت في ما كتبوه رغم ما مارسوه
من حـذف وتعتيم ..
ففي وقعة نهاوند ـ مثلاً ـ ترى الطبري يحذف مقدّمة أحداث المعركة
بجملتها ، واقتصر على خصوص إجمال المعركة من دون تفصيل هَوْلها
وشدّة العناء الذي لاقاه المسلمون ، حتّى كادوا أن ينهزموا في كلّ وقعات
المعركة حتّى جاء الظفر ، وما عرض على الخليفة عمر من أحوال وغير
ذلك ممّا مرّ ، كما لم يذكر اسم من أشار عليه بالمكث ، كما هي عادته في
موارد عديدة يتابعها الباحث ، ومشورة عليّ عليه السلام على أبي بكر وعمر ؛ فإنّه
لا يأتي بالاسم ولا ينوّه بالقائل ، بل قد لا يتعرّض لحصول المشورة ويسند
الرأي إلى أبي بكر وعمر ، كما أنّه لم يذكر ما جرى من مقالات بين أبي بكر
ورؤوساء القبائل المتمرّدة على استخلافه ، كلّ ذلك لتغطية الحقائق وحقيقة
الأُمور في الأحداث.
وأمّا البلاذري فقد ذكر مسلسل الأحداث في ما يخص معركة نهاوند
موجزاً
(1) ، ناسباً ذلك كلّه إلى عمر دون أن يفصح بالمشير على عمر
ولاحال اضطراب عمر ، مع أنّه يصرّح بوجود الروايات المفصّلة
للأحداث
(2) ، ولكنّه لم يأت بمتنها بل بشيء من ألفاط صدرها وذيلها
باقتضاب شديد ، مع أنّه روى أنّ الفتح فيها هو : فتح الفتوح ، ورغم ذلك
فهو يوجز الحديث عنها ويعرض عن ذكر ما ورد من روايات بشأنها ..
____________
(1) فتوح البلدان 2 | 371.
(2) فتوح البلدان 2 | 373.
(91)
ولكن من بعض قصاصات
فتوح البلدان للبلاذري ، وأُخرى من
كتاب
أخبار أصبهان (1) للحافظ الأصبهاني (ت 034 هـ) ، وثالثة من كتاب
الكامل (2) لابن الأثير ، وغيرها من المصادر ، ومن مجموع كلّ تلك
القصاصات يقف الباحث على صـدق الحقيقة عند ابن أعثم الكوفي في
كتابه
الفتوح ، وأنّ كلّ ما ذكره له جذور في ما كتبوه ، واعترفوا ببعض
خيوط الحدث.
فعلى الأُمّة الاِسلامية السلام إن كان باحثوها ينساقون وراء ظاهر
ماكتبه هؤلاء المؤرّخون ممّن كانت له نزعات أُموية أو عبّاسية أو سقيفية ؛
إذ لا تجري على لسانه ولا على قلمه أي حقيقة تاريخية تتّصل بعليّ بن
أبيطالب عليه السلام ، ولا يقرّ بحقيقة ما كان عليه الشيخان من تشتّت الأمر في
التدبير ، إلاّ ما تداركه عليّ عليه السلام بالمشورة عليهما ، واشتداد الفتن بسبب
استخلاف أبي بكر ، ونشوب الظواهر المنتكسة عن هدي الدين الحنيف ،
التي زُرعت في المسلمين ثمّ تورّمت وانفجرت في عهد عثمان ، فجاء
عليّ عليه السلام إلى سـدّة الحكم والقيح والقروح منتشرة في جسم الأُمّة.
الملاحم التي أنبأ عليه السلام بها ودورها في الفتوح :
وذكر ابن أعثم في
الفتوح : إنّ أبا موسى أراد التقدّم إلى بلاد خراسان
بعد فتح المسلمين بلدان فارس وكرمان ، فنهاه عمر عن ذلك وقال : ما لنا
ولخراسان وما لخراسان ولنا ، ولوددت أنّ بيننا وبين خراسان جبالاً من
حديد وبحاراً وألف سـدّ ، كلّ سـدّ مثل سـدّ يأجوج ومأجوج.
____________
(1) أخبار أصبهان 1 | 19 ـ 20.
(2) الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير ـ 3 | 8.
(92)
قال : فقال له عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه : ولم ذلك يا أمير
المؤمنين ؟!
فقال عمر : لأنّها أرض بعدت عنّا جدّاً ، ولا حاجة لنا بها
(1) .
قال : فقال عليّ كرّم الله وجهه : فإن كنت قد بعدك عنك خراسان فإنّ
لله عزّ وجلّ مدينة بخراسان يقال لها : مرو ، أسّسها ذو القرنين ، وصلّى بها
عزير...
ثمّ ذكر عليه السلام أسماء عدّة مدن ، والملاحم التي تقع في كلّ مدينة منها ،
فذكر مدن : خوارزم ، بخارا ، سمرقند ، الشاش ، فرغانة ، أبيجاب ، بلخ ،
طالقان ـ وذكر أنّ لله عزّ وجلّ فيها كنوز لا من ذهب ولا من فضّة ، يكونون
أنصاراً للمهدي عليه السلام في آخر الزمان ـ الترمذ ، واشجردة ، سرخس ،
سجستان ، ياسوج ، نيسابور ، جرجان ، قومس ، الدامغان ، سمنان ، الري ،
والديلم. ثمّ سكت عليه السلام ولم ينطق بشيء.
فقال عمر : يا أبا الحسن! لقد رغّبتني في فتح خراسان.
قال عليّ عليه السلام : قد ذكرت لك ما علمت منها ممّا لا شكّ فيه ، فالْهَ
عنها وعليك بغيرها؛ فإنّ أوّل فتحها لبني أُمية وآخر أمرها لبني هاشم ،
ومالم أذكر منها لك هو أكثر ممّا ذكرته ، والسلام
(2) .
ولم يقدم عمر على فتحها.
وهذا النصّ التاريخي وأمثاله ممّا تقدّم وممّا هو منتشر في كتب السير
والتواريخ دالّ بوضوح على أنّ مخطّط الفتوح في تفاصيله المهمّة المحورية
____________
(1) لاحظ : تاريخ الطبري 4 | 264 ، الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير ـ 2 | 199 ،
البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ 7 | 143.
(2) كتاب الفتوح 2 | 319 ـ 321.
(93)
عهد معهود من النبيّ صلى الله عليه وآله إلى عليّ عليه السلام ، فضلاً عن الخطوط العامّة الكلّية
التي أخبر عامّة أصحابه والمسلمين بها.
وقد وقعت وصدقت جملة ممّا أخبر به عليه السلام من الملاحم بعده ، بل
وبعض منها بعد عصر مؤلّف كتاب
الفتوح ، أي ما بعد القرن الرابع ،
وبعضها يقارب ظهور المهدي من آل محمّـد :..
وقد رصدت كثير من الكتب الملاحم التي أخبر بها عليّ عليه السلام ،
ككتاب
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ، و
الفتوح لابن أعثم
الكوفي ، وغيرها من الكتب.
دوره عليه السلام في النظام الاقتصادي للفتوح :
وقد شاور عمر أصحاب رسول الله في سواد الكوفة فقال له بعضهم :
تقسمها بيننا. فشاور عليّاً فقال : إنّ قسَمْتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا
شيء ، ولكن تقرّها في أيديهم يعملونها فتكون لنا ولمَن بعدنا.
فقال : وفّقك الله! هذا الرأي
(1) .
وأنت ترى هذه السُـنّة من عليّ عليه السلام ، لولاها لضاع نظام التوزيع
والتقسيم في الفيء والأراضي.
* * *
____________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 | 151 ـ 152.
(94)
أخلاقيات الفتوحات وانتشار الدين
ومع كلّ ما تقدّم من كون الفتوح الاِسلامية عهد من الرسول صلى الله عليه وآله
ووصيّه حملها المسلمون ، وأنّ تفاصيلها الخطيرة المؤثّرة في الظفر والنصر
كان صلى الله عليه وآله قد أودعها عليّاً عليه السلام بتوسّط العلوم اللدنية التي ورّثها إيّاه :
« علّمني رسول الله ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب » ..
ومع كون أصل الفتوح انتشاراً لصـورة الدين في أرجاء المعمورة إلى
الحدود الجغرافية التي انتهت إليها الفتوح ، إلاّ أنّ الممارسات التي اعتمدتها
خلافة الشـيخين ـ فضلاً عن العيث والعبث والخضم الذي مارسه الثالث ،
وفضلاً عمّا فعله بني أُمية وبني العبّـاس ـ في كيفية فتوح البلدان ، وما تلاها
من كيفية إقامة نظام الحكم فيها ، حالت دون مواصلة انتشار الاِسلام إلى
غيرها من البلدان ، وإلى باقي أرجاء المعمورة.
وكان هذان البعدان وهاتان السياستان حائلاً أمام وصول الاِسلام
لشعوب الأرض كافّة وتحقّق الوعد الاِلهي : (
ليظهره على الدين كلّه) ،
وسـدّاً كثيفاً مانعاً من نفوذ شعاع نوره إلى نفوس البشرية ، فكانت الكيفيّتان
سدوداً اقترنت بالفتوحات.
فهنا محطّات لا بُدّ من الوقوف عندها؛ كي يُستوفى الاِمعان والتدبّر
في تحليل هذه الحقبة وما عليه المسلمون حالياً من أوضاع ..
(95)
المحطّة الأُولى
أسباب وعوامل الظفر في الفتوحات
فإنّ جمهرة من محقّقي الأديان والتاريخ قد عزوْها إلى أُمور :
* الأوّل : انجذاب أهل البلدان إلى مبادىَ الدين الاِسلامي
العالية :
فالعدل والقسط الذي نادى به القرآن الكريم والنبيّ العظيم صلى الله عليه وآله ،
والمساواة بين البشر ، وكرامة الاِنسان ، والكمالات الروحية والنفسية من
المعرفة والعلم ، التي يسعى الدين لاِيصال الاِنسان إليها ، وتأمين الحياة
الأُخروية الخالدة ؛ ممّا يستحسنه الاِنسان ويميل إليه بفطرته ..
لا سيّما وأنّ أهداف الجهاد قد حددّها الخالق جلّ وعلا ، بقوله تعالى :
(
وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء
والولدان الّذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالمِ أهلُها واجعلْ
لنا من لدُنك وليّاً واجعلْ لنا من لدُنك نصيراً * الّذين آمنوا يقاتلون
في سبيل الله والّذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياءَ
الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً)
(1) .
فأهداف الجهاد والقتال من أجلها هي رسالات الله تعالى وما تسعى
لتحقيقه ، من إقامة العدل في الأرض ، ورفع الظلم عن الناس ، واستتباب
الأمن بإقامة حكم الله تعالى ، لا القتال من أجل السيطرة الاستعلائية لتلبية
____________
(1) سورة النساء 4 : 75 ـ 76.
(96)
الغرائز الشهوية للحاكم من العلوّ والاستكبار ، أو الاِفساد بالقوة الفاشية من
الحكّام بتوسّط القتال ..
فالغاية من الجهاد هي إقامة حكم الله في الأرض ، والحقّ والعدل ،
وهدم الباطل والظلم ، لا أن يستبدل باطل بلون آخر من الباطل ، والظلم
بنمط آخر من الظلم ؛ بأن يخرج المستضعفين في العقيدة أو المستضعفين
في الحقوق المدنية والسياسية من كفر إلى قسم آخر من الكفر ، أو من
الاضطهاد الحقوقي المدني والسياسي إلى اضطهاد من شكل آخر ؛ إذ للكفر
أبواب وأقسام ، كما أنّ للظلم أنواع وألوان ، بل يتحرّر الضعيف في المعرفة
إلى قوي في الاِيمان والبصيرة ، والضعيف في المعيشة إلى قوي في أسباب
المعاش ..
فالخطاب للمؤمنين بأن يقوموا بمسؤولية النصرة والتولّي للضعفاء ؛
لتحلّيهم بالقوّة والاِيمان والعدالة ، فالقتال والجهاد ليس هويته في الدين هو
العنف والبطش الغاشم ، بل هو العنف الهادم للظلم والاستبداد ؛ محبّةً
ورحمةً بالضعفاء ، لا ما يعود إلى الوازع الشخصي للمقاتل ، والنوازع
الشهوية والغضبية والطغيان لبناء طواغيت بشرية جديدة ، أو لاِقامة شريعة
محرّفة وسُـنن باطلة وأهواء ضالّة ، بل الخلوص من كلّ الدواعي الضيّقة إلى
الداعي الوسيع ، وهو سبيل الله ، الذي يعمّ خيره الجميع ؛ فلا بُدّ في حال
القتال والجهاد في سبيل الله من تحديد : ما هو المطلوب إقامته بعد هدم
أركان الباطل ؟!
ففي صحيحة يونس بن عبـد الرحمن ، قال : « سأل أبا الحسن عليه السلام
رجلٌ ـ وأنا حاضر ـ فقال له : جعلت فداك ! إنّ رجلاً من مواليك بلغه أنّ
رجلاً يعطي سيفاً وفرساً في سبيل الله ، فأتاه فأخذهما منه [ وهو جاهل
(97)
بوجه السبيل ] ، ثمّ لقيه أصحابه فأخبروه أنّ السبيل مع هؤلاء ـ أي
بني العبّـاس ـ لا يجوز ، وأمروه بردّهما ؟!
قال : فليفعل.
قال : قد طلب الرجل فلم يجده ، وقيل له : قد قضى [ مضى ] الرجل.
قال : فليرابط ولا يقاتل.
قلت : في مثل قزوين وعسقلان والديلم ، وما أشبه هذه الثغور ؟!
فقال : نعم.
قال : فإن جاء العدوّ إلى الموضع الذي هو فيه مرابط ، كيف يصنع ؟
قال : يقاتل عن بيضة الاِسلام [ لا عن هؤلاء ].
قال : يجاهد ؟
قال : لا ، إلاّ أن يخاف على دار المسلمين.
قلت : أرأيتك لو أنّ الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغ [ يسع ] لهم
أن يمنعوهم ؟
قال : يرابط ولا يقاتل ، فإن خاف على بيضة الاِسلام والمسلمين قاتَل
لنفسه لا للسلطان ؛ لأنّ في دروس الاِسلام دروس ذكر محمّـد صلّى الله
عليه وآله »
(1) .
وفي رواية طلحة بن زيد ، عن أبي عبـد الله عليه السلام ، قال : « سألته عن
رجل دخل أرض الحرب بأمان فغزا القوم الّذين دخل عليهم قوم آخرون ؟
قال : على المسلم أن يمنع نفسه ويقاتل عن حكم الله وحكم
رسوله ، وأمّا أن يقاتل الكفّار على الجور وسُنّتهم فلا يحلّ له ذلك »
(2) .
____________
(1) وسائل الشيعة ـ أبواب جهاد العدوّ ب 6 ح 2 ، التهذيب 6 | 125 ح 219.
(2) وسائل الشيعة ـ أبواب جهاد العدوّ ب 6 ح 3.
(98)
وفي رواية الحسن بن محبوب ، عن بعض أصحابه ، قال : « كتب
أبوجعفر عليه السلام في رسالته إلى بعض خلفاء بني أُميّة : ومن ذلك : ما ضيّع
الجهاد الذي فضّله الله عزّ وجلّ على الأعمال ... اشترط عليهم فيه حفظ
الحدود ، وأوّل ذلك : الدعاء إلى طاعة الله من طاعة العباد ، وإلى عبادة الله
من عبادة العباد ، وإلى ولاية الله من ولاية العباد ... وليس الدعاء من طاعة
عبد إلى طاعة عبد مثله » .. الحديث
(1) .
وفي رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون ،
قال : « والجهاد واجب مع الاِمام العادل [ العدل ] »
(2) .
وفي صحيح علي بن مهزيار ، قال : « كتب رجل من بني هاشم إلى
أبي جعفر الثاني عليه السلام : إنّي كنت نذرت نذراً منذ سنين أن أخرج إلى ساحل
من سواحل البحر إلى ناحيتنا مّما يرابط فيه المتطوّعة ، نحو مرابطتهم بجدّة
وغيرها من سواحل البحر ؛ أفترى جعلت فداك ! أنّه يلزمني الوفاء به أو
لايلزمني ، أو أفتدي الخروج إلى ذلك بشيء من أبواب البرّ لأصير إليه إن
شاء الله ؟
فكتب إليه بخطّه وقرأته : إن كان سمع منك نذرك أحد من المخالفين
فالوفاء به إن كنت تخاف شنعته ، وإلاّ فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب
البرّ ، وفّقنا الله وإيّاك لِما يحبّ ويرضى »
(3) .
وفي رواية أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبـد الله عليه السلام ، قال : « قلت له :
أخبرني عن الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله ، أهو لقوم لا يحلّ إلاّ لهم ،
____________
(1) وسائل الشيعة ـ أبواب جهاد العدوّ ب 1 ح 8.
(2) وسائل الشيعة ـ أبواب جهاد العدوّ ب 1 ح 24.
(3) وسائل الشيعة ـ أبواب جهاد العدوّ ب 7 ح 1.
(99)
ولا يقوم به إلاّ مَن كان منهم ، أم هو مباح لكلّ مَن وحّد الله عزّ وجلّ وآمن
برسوله صلى الله عليه وآله ؟ ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله عزّ وجلّ وإلى طاعته ،
وأن يجاهد في سبيل الله ؟
فقال : ذلك لقوم لا يحلّ إلاّ لهم ، ولا يقوم به إلاّ مَن كان منهم.
فقلت : مَن أُولئك ؟
فقال : من قام بشرائط الله عزّ وجلّ في القتال والجهاد على
المجاهدين فهو المأذون له في الدعاء إلى الله عزّ وجلّ ، ومن لم يكن قائماً
بشرائط الله عزّ وجلّ في الجهاد على المجاهدين فليس بمأذون له في
الجهاد والدعاء إلى الله حتّى يحكم في نفسه بما أخذ الله عليه من شرائط
الجهاد.
قلت : بيّن لي يرحمك الله.
فقال : إنّ الله عزّ وجلّ أخبر في كتابه الدعاء إليه ، ووصف الدعاة إليه ،
فجعل ذلك لهم درجات يعرّف بعضها بعضاً ، ويستدلّ ببعضها على بعض ؛
فأخبر أنّه تبارك وتعالى أوّل من دعا إلى نفسه ودعا إلى طاعته واتّباع أمره ،
فبدأ بنفسه؛ فقال : (
والله يدعو إلى دار السلام ويهدي مَن يشاء إلى
صراطٍ مستقيم)
(1) .
ثمّ ثنّى برسوله ؛ فقال : (
ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة
الحسنة وجادِلْهم بالتي هي أحسنُ)
(2) ـ يعني : القرآن ـ ولم يكن داعياً
إلى الله عزّ وجلّ مَن خالف أمر الله ويدعو إليه بغير ما أمر في كتابه الذي
أمر أن لا يُدعى إلاّ به ، وقال في نبيّه صلى الله عليه وآله : (
وإنّك لتهدي إلى صراطٍ
____________
(1) سورة يونس 10 : 25.
(2) سورة النحل 16 : 125.
(100)
مستقيم)
(1) ـ يقول : تدعو ـ .
ثمّ ثلّث بالدعاء إليه بكتابه أيضاً ؛ فقال تبارك وتعالى : (
إنّ هذا
القرآن يهدي للتي هي أقوم ـ أي : يدعو ـ ويبشّر المؤمنين)
(2) .
ثمّ ذكر من أذِن له في الدعاء إليه بعده وبعد رسوله في كتابه ، فقال :
(
ولتكن منكم أُمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهَوْن عن
المنكر وأُولئك هم المفلحون)
(3) .
ثمّ أخبر عن هذه الأُمّة وممّن هي ، وأنّها من ذرّيّة إبراهيم صلى الله عليه وآله وذرّيّة
إسماعيل عليه السلام من سكّان الحرم ، ممّن لم يعبدوا غير الله قطّ ، الّذين وجبت
لهم الدعوة ـ دعوة إبراهيم وإسماعيل ـ من أهل المسجد ، الّذين أخبر عنهم
في كتابه أنّه أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، الّذين وصفناهم قبل
هذه في صفة أُمّة إبراهيم ، الّذين عناهم الله تبارك وتعالى في قوله : (
أدعو
إلى الله على بصيرة أنا ومَن اتّبعني)
(4) ..
يعني : أوّل من اتّبعه على الاِيمان به والتصديق له بما جاء من عند
الله عزّ وجلّ من الأُمّة التي بُعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق ، ممّن لم
يشرك بالله قط ولم يلبس إيمانه بظلم ، وهو الشرك.
ثمّ ذكر أتباع نبيّه صلى الله عليه وآله وأتباع هذه الأُمّة التي وصفها في كتابه بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعلها داعية إليه ، وأذِن له في الدعاء إليه ،
فقال : (
يا أيّها النبيُّ حسْبُك اللهُ ومَن اتّبعك من المؤمنين
)
(5) .
____________
(1) سورة الشورى 42 : 52.
(2) سورة الاِسراء 17 : 9.
(3) سورة آل عمران 3 : 104.
(4) سورة يوسف 7 12 : 108.
(5) سورة الأنفال 8 : 64.
(101)
ثمّ وصف أتباع نبيّه صلى الله عليه وآله من المؤمنين؛ فقال عزّ وجلّ : (
محمّـدٌ
رسول الله والّذين معه أشدّاءُ على الكفّار رحماء بينهم تراهم رُكعّاً
سُجّداً)
(1) .. الآية.
وقال : (
يوم لا يخزي الله النبيّ والّذين آمنوا معه نورهم يسعى
بين أيديهم وبأيْمانهم)
(2) ـ يعني : أُولئك المؤمنين ـ .
وقال : (
قد أفلح المؤمنون
) ، ثمّ حلاّهم ووصفهم كيلا يطمع في
اللحاق بهم إلاّ مَن كان منهم ؛ فقال ـ في ما حلاّهم به ووصفهم ـ : (
الّذين
هم في صلاتهم خاشـعون * والّذين هم عن اللغو معرضون *...
أُولئك هم الوارثون * الّذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
)
(3) .
وقال في صفتهم وحليتهم أيضاً : (
والّذين لا يدعون مع الله إلهاً
آخَرَ)
(4) ـ وذكر الآيتين ـ ، ثمّ أخبر أنّه اشترى
كان على مثل صفتهم (
أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجَنّة
)؛ قام رجل إلى
رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : أرأيتك يا نبيّ الله ! الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتّى
يقتل إلاّ أنّه يقترف من هذه المحارم ، أشهيد هو ؟
فأنزل الله عزّ وجلّ على رسوله : (
التائبون ـ من الذنوب ـ العابدون
ـ الّذين لا يعبدون إلاّ الله ولا يشركون به شيئاً ـ الحامدون ـ الّذين يحمدون
الله على كلّ حال في الشدّة والرخاء ـ السائحون ـ وهم الصائمون ـ
الراكعون الساجدون ـ وهم الّذين يواظبون على الصلوات الخمس
____________
(1) سورة الفتح 48 : 29.
(2) سورة التحريم 66 : 8.
(3) سورة المؤمنون 23 : 1 ـ 11.
(4) سورة الفرقان 25 : 68.
