ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته حتّى أكل الدهر علينا وشرب ،
ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممّن يعرف ونشأ كثير ممّن
لا يعرف ، وما عسى أن يكون الولد لو كان ؟!
إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقرّبني بما تعلمونه من القرب للنسب
واللحـمة ، بل للجـهاد والنصـيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل
مافعلت ؟! وكذلك لم يكن يقرب ما قربت ، ثمّ لم يكن عند قريش
والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة.
اللّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أرد الاِمرة ولا علوّ الملك والرئاسة ، وإنّما
أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأُمور في مواضعها ،
وتوفير الحقوق على أهلها ، والمضي على منهاج نبيّك ، وإرشاد الضالّ إلى
أنوار هدايتك »
(1) .
فهو عليه السلام يشير إلى أنّ ما دعا قريش إلى البقاء على ظاهر الاِسلام بعد
مـوت النبيّ صلى الله عليه وآله هـو : أنّها لم تكن لتسـود العـرب ، فضلاً عن العجم ،
إلاّ باسم نبوّة النبيّ صلى الله عليه وآله ودينه المبعوث به ، وإلاّ لأبت باقي القبائل عليها
ذلك ، كما هو حال توزّع القدرة بين القبائل في الجاهلية ، وإلاّ فقريش لم
تكن تذعن بقلبها لبعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وما فضّله به الله تعالى من كرامة له
عليها ، كالذي حصل لجميع الأنبياء من قبله مع قومهم ، أو نظير ما حصل
لعيسى عليه السلام مع قومه بني إسرائيل؛ قال تعالى : (
وإذ كففتُ بني إسرائيل
عنك إذ جئتَهم بالبيّنات)
(2) ، و :
(
ورسولاً إلى بني إسرائيل... فلمّا
____________
(1) شرح نهج البلاغة 20 | 298 ـ 299 الحِكم المنسوبة رقم 414.
(2) سورة المائدة 5 : 110.
(57)
أحسّ عيسى منهم الكفرَ قال مَن أنصاري إلى الله
)
(1) .
ثمّ إنّه عليه السلام بيّن عاملاً ثانياً لانشداد قريش لدين النبيّ صلى الله عليه وآله هو :
غنائم الفتوح وما جلبته من ثراء ، وهو يبيّن نوايا أصحاب فتوح البلدان ،
كما أنّه صلى الله عليه وآله يبيّن أنّ خطط فتوح البلدان كانت من تدبير النبيّ عليه السلام
وأوامره وبشاراته في عدّة مواطن ، وتدبيره ورأيه هو صلى الله عليه وآله ..
وأنّ أسباب الفتح ترجع إلى عوامل عدّة لا صلة لها بالخلفاء الثلاثة ،
كيف والثلاثة لا عهد لهم بالحروب وإدارتها وتدبيرها ؟! إذ لم يسبق لهم
خوض يذكر في القتال إلاّ ما في غزوة خيبر؛ فقد ذكر المؤرّخون أنّ الأوّل
والثاني انتدبهما النبيّ صلى الله عليه وآله لفتح الحصن ، كلّ منهما مع سرية ، فرجع كلّ
منهما مع سريّته يجبّن الناس والناس يجبّنونه
(2) .
____________
(1) سورة آل عمران 3 : 49 ـ 52.
(2) المستدرك على الصحيحين 3 | 73؛ وفي كنز العمّال 13 | 122 رقم 36388 : عن
ابن أبي ليلى ، بعد سؤاله عليّاً 7 عن لبسه ثياب الشتاء في الصيف وثياب الصيف
في الشتاء ، قال له عليه السلام : « ما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر ؟!
قلت : بلى والله كنت معكم.
قال : فإن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعث أبا بكر فسار بالناس ، فانهزم
حتّى رجع ، وبعث عمر فانهزم بالناس حتّى انتهى إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، يفتح الله له ، ليس بفرّار.
ـ وهذا تعريض منه عليه السلام بالشيخين في كلا الوصفين ـ.
قال : فأرسل إليّ فدعاني ، فأتيته وأنا أرمد لا أُبصر شيئاً ، فدفع إليّ الراية ،
فقلت : يا رسول الله! كيف وأنا أرمد لا أُبصر شيئاً ؟!
قال : فتفل في عيني ثمّ قال : اللّهمّ اكفه الحرّ والبرد.
قال : فما آذاني بعد حرّ ولا برد ».
ونقله عن ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والبزّار ، وابن جرير وصحّحه ، والطبراني في
الأوسط ، والحاكم ، والبيهقي في الدلائل ، والضياء المقدسي.
(58)
وحظّهم من الفرار في غزوة أُحد والخندق وحنين وغيرها هو الحظّ
الأوفر في مواطن عديدة
(1) .
____________
(1) منها : يوم أُحـد ، كما حكاه تعالى ، قال : (
إذ تُصْعِدون ولا تلوون على أحَد
والرسول يدعوكم في أُخراكم فأثابكم غمّاً بغَمّ ) ـ سورة آل عمران 3 : 153..
قال الطبري وابن الأثير : « وانتهت الهزيمة بجماعة المسلمين وفيهم عثمان بن
عفّان وغيره إلى الأعوص ، فأقاموا بها ثلاثاً ثمّ أتوا النبيّ صلى الله عليه وآله فقال لهم حين
رآهم : لقد ذهبتم فيها عريضة ».
تاريخ الطبري 2 | 203 ، الكامل في التاريخ 2 | 110 ، السيرة الحلبية 2 | 227 ،
البداية والنهاية 4 | 28 ، السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ 3 | 55.
وذكر الطبري وابن الأثير : إنّ أنس بن النضر ـ وهو عمّ أنس بن مالك ـ انتهى إلى
عمر وطلحة في رجال من المهاجرين قد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يحبسكم ؟!
قالوا : قتل النبيّ.
قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟! موتوا على ما مات عليه النبيّ. ثمّ استقبل
القوم فقاتل حتّى قتل.
(قالوا :) وسمع أنس بن النضر نفراً من المسلمين ـ الّذين فيهم عمر وطلحة ـ
يقولون لمّا سمعوا أنّ النبيّ عليه السلام قُتل : ليت لنا من يأتي عبـد الله بن أبي سلول
ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان قبل أن يقتلونا.
فقال لهم أنس : يا قوم! إن كان محمّـد قد قُتل فإنّ رب محمّـد لم يقتل ،
فقاتلوا على ما قاتل عليه محمّـد ، اللّهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء وأبرء إليك
ممّا جاء به هؤلاء. ثمّ قاتل حتّى استُشهد رضوان الله وبركاته عليه.
شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 14 | 276 وج 15 | 20 ـ 25 ، لباب
الآداب : 179 ، حياة محمّـد صلى الله عليه وآله ـ لهيكل ـ : 265 ، تفسير الرازي 9 | 67 ، الدرّ
المنثور 2 | 80 ـ 88 ، كنز العمّال 2 | 242 ، حياة الصحابة 3 | 497 ، المغازي
ـ للواقدي ـ 2 | 609 ، الكامل في التاريخ 2 | 108.
وفرار أبي بكر يوم أُحد؛ عن عائشة : كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد بكى.
شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 15 | 23 ـ 24 ، الطبقات ـ لابن سعد ـ
3 | 155 ، السيرة النبوية ـ لابن كثير ـ 3 | 58 ، تاريخ الخميس 1 | 431 ، البداية
والنهاية 4 | 29 ، كنز العمّال 10 | 268 ـ 269 ، حياة الصحابة 1 | 272 ، المستدرك
على الصحيحين ـ للحاكم ـ 3 | 27 ، مجمع الزوائد 6 | 112 ، لباب الآداب : 179 ،
حياة محمّـد صلى الله عليه وآله ـ لهيكل ـ : 265 ، الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم 4 | 244.
(59)
وقد روى فرار عمر في غزوة حنين البخاري في
صحيحه باب قول
الله تعالى : (
ويومَ حُنَيْنٍ إذ أعجبَتْكم كثرَتُكم...
)
(1) .
وذكر الفخر الرازي أنّ من المنهزمين : عمر وعثمان
(2) .
____________
(1) سورة التوبة 9 : 25.
(2) صحيح البخاري 3 | 67.
(3) مفاتيح الغيب 9 | 52.
(60)
وذكر مصحّح كتاب
المغازي أنّ صاحب
شرح نهج البلاغة ذكر عنه :
أنّ من الفارّين ممّن ولّى : عمر وعثمان ، وأُبدلت النسخة بـ : فلان
(1) .
وذكر فرارهما الآلوسي
(2) .
وفي
الدرّ المنثور روى عن عمر بن الخطّاب قوله : فلقد رأيتني أنزوِ
كأنّني أُروى
(3) . والطبري
(4) .
وفي غزوة خيبر روي : « أنّه بعث رسول الله أبا بكر فرجع منهزماً
ومن معه ، فلمّا كان من الغد بعث عمر فرجع منهزماً يجبّن أصحابه ويجبّنه
أصحابـه »
(5) .
وقد عيّر وأعاب سعيد بن العاص ـ أخ خالد بن سعيد بن العاص ـ
عمر بن الخطّاب خوفه وجبنه عن قتال الروم. وكان عمر يقول ـ إذا ذكر
الروم ـ : « والله لوددت أنّ الدرب جمرة بيننا وبينهم ، لنا ما دونه وللروم
ماوراءه »؛ لِما كان يكره قتالهم
(6) .
وفـي معـركة بـدر كان مـوقف أبو بكر وعمر معروفاً من تثبيط
رسـول الله صلى الله عليه وآله عن حرب قريش؛ إذ قالا : « إنّها والله قريش وعزّها ،
والله ما ذلّت منذ عزّت ، والله ما آمنت منذ كفرت ، والله لا تسلّم عزّها أبداً
ولتقتلّنك ، فاتّهب لذلك أُهبَته ، وأعدّ لذلك عدّته »
(7) .
____________
(1) المغازي ـ للواقدي ـ 1 | 18.
(2) روح المعاني 4 | 99.
(3) الدرّ المنثور 2 | 88.
(4) تاريخ الطبري 4 | 95 ـ 96.
(5) مجمع الزوائد 9 | 124 ، المستدرك على الصحيحين ـ للحاكم ـ 3 | 37.
(6) تاريخ اليعقوبي 2 | 133 وص 155.
(7) المغازي ـ للواقدي ـ 1 | 48.
(61)
وروى مسلم : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله شاور أصحابه حين بلغه إقبال
أبي سفيان فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه ، ثمّ تكلّم عمر فأعرض عنه ، فقام
سعد بن عبادة... »
(1) .
ثمّ قال المقداد بن عمرو : « يا رسول الله! امض لأمر الله فنحن معك ،
والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيّها... ولكن اذهب أنت وربّك
فقاتلا إنّا معكما مقاتلون...
وقال سعد : لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك.
وأخذ عمر في الهجر أمام رسول الله صلى الله عليه وآله »
(2) .
وسنبيّن عدّة عوامل أُخرى لاحقاً هي الدخيلة في تحقّق فتح البلدان ،
كـ : مبادىَ وشعارات الاِسلام ، من : العدالة ، ونفي الطبقية ، والحرية للأفراد
أمام السلطة الحاكمة..
وسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله خلقاً وزهداً وهدياً..
ورزح شعوب البلدان المجاورة لبلاد المسلمين تحت نير الملوكيات
المستبدّة الغاشمة طوال قرون ، وتطلّعهم إلى متنفّس للحرية ، ولتبديل
نظامهم السياسي والاجتماعي..
مضافاً إلى تيقّن المسلمين من صدق بشارات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله ،
التي هي تدبير وبرمجة منه لوظائف الدولة الآتية بعده صلى الله عليه وآله ..
مضافاً إلى تدبير عليّ عليه السلام في الموارد الحرجة التي وقع المسلمون
فيها؛ وإلاّ فممارسات الحزب الحاكم كانت تفتّ في عضد الأُمّة ، وهي التي
سبّبت وقوف انتشار الاِسلام في ما بعد.
____________
(1) صحيح مسلم 3 | 1404 ، البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ 3 | 321.
(2) دلائل النبوّة ـ للبيهقي ـ 3 | 107 ، المغازي ـ للواقدي ـ 1 | 48.
(62)
ويشير إلى السياسة التي مارسها الحزب القرشي لاختراق صفوف
المسلمين ما تعاقدت عليه : فئة الّذين في قلوبهم مرض ، والطلقاء من
قريش ، والمنافقين من الأنصار ، ومن كان في قلبه الارتداد من العرب في
المدينة وما حولها؛ من تنفير ناقة الرسول صلى الله عليه وآله لاغتياله ، ثمّ لم يتمّ لهم
ذلك ، فكرّروا المحاولة مرّة أُخرى ، ولمّا لم يُفلحوا تعاقدوا في صحيفة
كتبوها على إزواء الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عن أهل بيته وعن أمير
المؤمنين عليه السلام ، واستودعوها أحدهم ، وجعلوه « الأمين » عليها ، وشهدها
جماعة آخرون ، وكاتبها هو سعيد بن العاص الأُموي..
وكان المتعاقدون : أصحاب العقبة (الجماعة الّذين أرادوا تنفير ناقة
رسـول الله صلى الله عليه وآله واغتياله) وهم أربعة عشر رجلاً ، وعشـرون رجلاً آخر ،
فكان مجموعهم أربعة وثلاثين رجلاً.
وكانوا هؤلاء رؤساء القبائل وأشرافها ، وما من رجل من هؤلاء
إلاّومعه خلق عظيم من الناس يسمعون له ويطيعون ، وقد اتّفق هواهم على
عدم وصول الاِمارة لعليّ عليه السلام ، ولا تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم ،
فاتّفقت كلمتهم على تقاسم القدرة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وتولية أبو بكر
الخلافة كواجهة ، وتوزيع المناصب الأُخرى في ما بينهم
(1) .
____________
(1) قد ذكرت مصادر عديدة مقاطع متعدّدة من هذه الأحداث ، وأوردت أسماء
الجماعة المتعاقدة بالتفصيل ، منها : إرشاد القلوب ـ للديلمي ـ 2 | 112 ـ 135 ،
المسترشد ـ لابن جرير الاِمامي ـ ، كشف اليقين ـ للعلاّمة الحلّي ـ : 137؛ نقلاً عن
حجّة التفضيل ـ لابن الأثير ـ بسنده عن ربيعة السعدي ، عن حذيفة. وكتاب
اليقين ، وكتاب الاِقبال ـ لابن طاووس ـ : 454 ـ 459 عن كتاب النشر والطي.
وقد روى ابن أبي الحديد ، عن أُبيّ بن كعب : « ما زالت هذه الأُمّة مكبوبة على
وجهها منذ فقد نبيّهم ».
(63)
(64)
وهناك شواهد تاريخية عديدة على وجود العلاقة بين فئة الّذين في
قلوبهم مرض ، وهم المجموعة التي اخترقت صفوف المسلمين في الأيام
الأُولى من البعثة النبوية ، وبين كفّار قريش ، الّذين تحلّوا في ما بعد إلى
الطلقاء..
(65)
منها : ما رواه الواقدي ، قال : « حدّثني ابن أبي سبرة ، عن أبي بكر بن
عبـد الله بن أبي جهم ، واسم أبي جهم : عبيد ، قال : كان خالد بن الوليد
يحدّث وهو بالشام ، يقول : الحمد لله الذي هداني للاِسلام! لقد رأيتني
ورأيت عمر بن الخطّاب حين جالوا وانهزموا يوم أُحد وما معه أحد ، وإنّي
لفي كتيبة خشناء فما عرفه منهم أحد غيري ، فنكبت عنه وخشيت إن
أغريت به من معي أن يصمدوا له ، فنظرت إليه موجّهاً ـ أي فارّاً ـ إلى
الشِعب »
(1) .
فيا تـرى لماذا لا يريد خالد يوم أُحد قتل عمر بن الخطّاب ،
ويخشـى على حياته!!! مع أنّ خالد يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وعليّاً
وحـمزة ؟!!!
ومنها : ما رواه المفيد في
الاِرشاد عن أبي بكر الهذلي ، عن الزهري ،
عـن صالح بـن كيسان : « إنّ العاص بن سـعيد بن أُمية عرض له عمر يوم
بدر ولـم يقتله ، وكان عمر ينفي عن نفسـه قتل العاص ويقول : إنّ قاتله
عليّ عليه السلام »
(2) .
ومنها : ما رواه الواقدي وغيره في غزوة الخندق ، قال : « وحمل
ضرار بن الخطّاب على عمر بن الخطّاب بالرمح ، حتّى إذا وجد عمر مسّ
الرمح رفعه عنه وقال : نعمة مشكورة فاحفظها يا بن الخطّاب! »
(3) .
وفي
السيرة الحلبية : « ثمّ حمل ضرار بن الخطّاب وهبيرة بن
أبيوهب على عليّ كرّم الله وجهه ، فأقبل عليّ عليهما ، فأمّا ضرار فولّى
____________
(1) المغازي 1 | 237.
(2) الاِرشاد 1 | 76.
(3) المغازي 1 | 471 ، البداية والنهاية 3 | 107 ، طبقات الشعراء ـ لابن سلام ـ : 63.
(66)
هارباً ، وأمّا هبيرة... فكرّ ضرار راجعاً وحمل على عمر بالرمح ليطعنه ، ثمّ
أمسك وقال : هذه نعمة مشكورة أُثبتها عليك ، ويدٌ لي عندك ـ أي : نعمة
أُخرى سابقة ـ غير مجزىً بها ، فاحفظها. أي : ووقع له مع عمر مثل ذلك
في أُحد؛ فإنّه التقى معه ، فضرب عمر بالقناة ، ثمّ رفعها عنه وقال له :
ماكنت لأقتلك يا بن الخطّاب »
(1) !!!!
ومنها : رثاء عمر وأبي بكر قتلى كفّار قريش في بدر :
وكأيّن بالقليب قليب بدرمن الفتيان والعرب الكرامِ
أيوعدني ابن كبشة أن سنحياوكيف حياة أصداء وهامِ ؟!
إلى آخر الأشعار التي قالاها بعد شربهما الخمر ، لا سيّما وأنّ السكر
يخرج خبايا النفس والضمير
(2) .
ومنها : الرسائل المتبادلة بين أصحاب السقيفة وقريش في مكّة ،
كالتي جرت بين عبـد الرحمن بن عوف وأُمية بن خلف
(3) .
ومنها : ما تقدّم في اشتراك قريش الطلقاء وأصحاب السقيفة لاغتيال
النبيّ صلى الله عليه وآله.
سبب الردّة وحقيقتها :
روى أبان بن تغلب
(4) قال : قلت لأبي عبـد الله جعفر بن محمّـد
____________
(1) السيرة الحلبية 2 | 321.
(2) فلاحظ : جامع البيان ـ للطبري ـ 2 | 203 وص 211 ، والمستطرف 2 | 260.
(3) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن عساكر ـ 4 | 76 ، البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ
3 | 350 و4 | 77.
(4) الاحتجاج ـ للطبرسي ـ : 47 ـ 50 ، وذُكر اعتراض هؤلاء على بيعة أبي بكر في
عدّة مصادر أُخرى؛ فقد ذكر ذلك : ابن الأثير في أُسد الغابة : ترجمة خالد بن سعيد
ابن العاص ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 | 17 ، وأبي الفداء في
المختصر في أخبار البشر ، واليعقوبي في تاريخه 2 | 114.
(67)
الصادق عليهما السلام : جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
أنكر على أبي بكر وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ؟!
فقال : « نعم ، كان الذي أنكر على أبو بكر اثني عشر رجلاً ، من
المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص ، وكان من بني أُمية ، وسلمان
الفارسي ، وأبو ذرّ الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وعمّار بن ياسر ، وبريدة
الأسلمي ، ومن الأنصار : أبو الهيثم بن التيهان ، وسهل وعثمان ابنا حنيف ،
وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأُبيّ بن كعب ، وأبو أيّوب الأنصاري..
ـ إلى أن قال عليه السلام : ـ إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لهم : فانطلقوا
بأجمعكم إلى الرجل فعرّفوه ما سمعتم من قول رسولكم صلى الله عليه وآله ؛ ليكون
ذلك أوكد للحجّة وأبلغ للعذر ، وأبعد لهم من رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلّم إذا وردوا عليه. فسار القوم حتّى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله
وكان يوم الجمعة...
ـ إلى إن قال عليه السلام : إنّ القـوم المعترضـين تكلّم واحـد تلو الآخر
منـهم ـ فأوّل مـن تكلّم به خالد بن سعيد بن العاص ، وذكَّرهم بحديث
النبيّ صلى الله عليه وآله : « ألا إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام أميركم بعدي وخليفتي فيكم ،
بذلك أوصاني ربّي ، ألا وإنّكم إن لم تحفظوا فيه وصيّتي وتؤازروه
وتنصروه اختلفتم في أحكامكم ، واضطرب عليكم أمر دينكم ، ووليكم
شراركم...
فقال له عمر بن الخطّاب : اسكت يا خالد! فلست من أهل
(68)
المشورة
(1) ولا ممّن يُقتدى برأيه.
فقال خالد : اسكت يا ابن الخطّاب! فإنّك تنطق عن لسان غيرك ،
وأيم الله لقد علمت قريش أنّك من ألأمها حسباً ، وأدناها منصباً ، وأخسّها
قدراً ، وأخملها ذكراً ، وأقلّهم غناء عن الله) ، وأنّك لجبان في
الحروب ، بخيل بالمال ، لئيم العنصر ، ما لك في قريش من فخر ، ولا في
الحروب من ذكر...
وقال سلمان الفارسي :... يا أبا بكر! إلى مَن تسند أمرك إذا نزل بك
ما لا تعرفه؟! وإلى مَن تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلمه ؟!
وقام أبو ذرّ فقال : يا معشـر قريش! أصبتم قباحة ، وتركتم قرابة ،
والله لترتدّن جماعة من العرب ، ولتشكّن في هذا الدين ، ولو جعلتم الأمر
في أهل بيت نبيّكم ما اختُلف عليكم سيفان ، والله لقد صارت لمن غلب ،
ولتطمعنّ إليها عين من ليس من أهلها ، وليسفكنّ في طلبها دماء كثيرة.
فكان كما قال أبو ذرّ.
وقال المقداد بن الأسود :... ولا تغررك قريش وغيرها...
وقال : أُبيّ بن كعب :... ولا تكن أوّل من عصى رسول الله صلى الله عليه وآله
في وصيّه وصفيّه وصدف عن أمره ، اردُد الحقّ إلى أهله تسلم ...
وقام عثمان بن حنيف فقال : فلا تكن يا أبا بكر (
أوّل كافر به
)
(2)
و(
لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون
)
(3) ... ».
____________
(1) ذكر ابن الأثير في أُسـد الغابة أنّ خالد بن سعيد من السابقين إلى الاِسلام ثالثاً أو
رابعاً ، أي أسلم قبل أبي بكر وعمر.
(2) سورة البقرة 2 : 41.
(3) سورة الأنفال 8 : 27.
(69)
وما تخوّف منه هؤلاء الاثنا عشر من المهاجرين والأنصار من تمرّد
القبائل العربية مسلمة الوفود بسبب تمرّد قريش نفسها وأصحاب السقيفة
على وصيّة النبيّ وأمر الله ورسوله ، قد تحقّق؛ فإنّ عصيانهم في الوصاية
وارتدادهم عن عهد الله ورسوله في خلافة عليّ عليه السلام فتح الباب لسائر
القبائل للارتداد عن أداء الزكاة..
بل إنّ نصـوص كتب التواريخ ـ كما سيأتي استعراضـها ـ تنصّ على
أنّ تمرّد القبائل في الجزيرة العربية كان بسبب إبائها خلافة أبي بكر ،
واستهجانها مكانته ولآمة حسبه ونسبه ، وأنّهم قالوا : كما خانت قريش نبيّها
في وصيّه فلِمَ نطيع قريش وأبا بكر في بغيهم؟!
فالزلزلة التي أصابت الاِسلام بسبب خلافة أبي بكر هي أكبر شؤم
على الاِسلام ، وقد سبّبت هلاك الحرث والنسل ، كما تنبّأ القرآن الكريم
بذلك ، وأشارت إليه سورة المدّثر المكّية ، رابع سورة نزولاً؛ فقد قال تعالى
في فئة الّذين في قلوبهم مرض ، وهي الفئة التي اندسّت في صفوف
المسلمين في أوائل البعثة ، والتي كانت على ارتباط مع قريش الطلقاء في
الخفاء : (
فهل عسيْتُم إن تولّيْتم أن تُفسدوا في الأرض وتُقطّعوا
أرحامكم)
(1) ، في سياق آيات (
الّذين في قلوبهم مرض) ..
وكذلك قوله تعالى : (
وإذا تولّى سعى في الأرض ليُفسد فيها
ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحبّ الفساد)
(2) ؛ فقد خفرت كثير من
الذمم والعهود.
____________
(1) سورة محمّـد 6 47 : 22.
(2) سورة البقرة 2 : 205.
(70)
قال ابن أعثم ـ عند ذكر ارتداد أهل حضرموت من كندة ـ : « فلمّا فرغ
أبو بكر من حرب أهل البحرين ـ وسيأتي أنّ عصيانهم هو لأبي بكر
وخلافته ـ عزم على محاربة أهل حضرموت من كندة ، وذلك أنّ عاملهم
زياد بن لبيد الأنصاري كان ولاّه عليهم النبيّ صلى الله عليه وآله ، كان مقيماً بحضرموت
يصلّي بهم ويأخذ منهم ما يجب عليهم من زكاة أموالهم ، فلم يزل كذلك
إلى أن مضى رسول الله صلى الله عليه وآله لسبيله وصار الأمر إلى أبي بكر ، فقال له
الأشعث بن قيس : يا هذا! إنّا قد سمعنا كلامك ودعاءك إلى هذا الرجل فإذا
اجتمع الناس إليه اجتمعنا.
قال له زياد بن لبيد : يا هذا! إنّه قد اجتمع المهاجرون والأنصار.
فقال له الأشعث : إنّك لا تدري كيف يكون الأمر بعد ذلك.
قال : فسكت زياد بن لبيد ولم يقل شيئاً ، ثمّ قام إلى الأشعث بن
قيس ابن عمّ له يقال له : امرؤ القيس بن عابس من كندة ، فقال له :
ياأشعث! انشدك بالله وبإيمانك وبقدومك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إن
نكصت أو رجعت عن دين الاِسلام ، فإنّك إن تقدّمت تقدّم الناس معك ،
وإنّ هذا الأمر لا بُدّ له من قائم يقوم به فيقتل مَن خالف عليه ، فاتّق الله في
نفسك؛ فقد علمت ما نزل بمَن خالف أبا بكر ومنعه الزكاة »
(1) .
ويظهر من هذا النصّ التاريخي أنّ أصحاب السقيفة قد حكموا بالكفر
والردّة على مجرّد مخالفة تنصيب أبا بكر وعدم تمكينه من الزكاة ، وهذا
التكفير والحكم بالردّة هو بنفسه وبدوره سبباً لتطوّر مخالفة خلافة أبي بكر
إلى التشكيك في الدين والرجوع حقيقه عنه.
____________
(1) كتاب الفتوح 1 | 45.
(71)
ومن تناقضات أصحاب السقيفة وتلاعبهم في الدين ، أنّهم كفّروا
مخالفي استخلاف أبي بكر ومانعيه من التسلّط على رقاب المسلمين وعلى
الأموال العامّة ـ كالزكاة ـ وحكموا بإسلام عائشة وطلحة والزبير وأصحاب
الجمل ، الّذين نكثوا بيعة عليّ عليه السلام وقاموا بمحاربته ، وقالوا : بأنّهم تأوّلوا
واجتهدوا وأخطؤوا..
وكذلك حكموا بإسلام معاوية وأهل الشام القاسطين في محاربتهم
أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، وقالوا : بأنّهم اجتهدوا وتأوّلوا وأخطؤوا..
وكذلك حكموا بإسلام خالد بن الوليد مع استحلاله لقتل مالك بن
نويرة وقومه ـ كما سيأتي بيانه ـ مع بقاء مالك وقومه على إسلامهم
وإيمانهم ، واستباحة خالد التزويج بزوجة مالك..
فلماذا لا يُحكم بكفر وردّة أبي بكر وأصحاب السقيفة ، الّذين أنكروا
النصّ على خلافة عليّ عليه السلام ، وخالفوا عهد الله ورسوله في الوصية ؟!
حكى ابن أبي الحديد عن السـيّد المرتضى في
الشافي قول الجاحظ :
« وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً وللخصومة معتاداً أن
يظهر كلام المظلوم وذلّة المنتصف ، وحدب الوامق ومِقة المحقّ »
(1) .
وقال ابن أعثم : « ثمّ تكلّم الأشعث بن قيس فقال : يا معشر كندة! إن
كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة ، والزموا بلادكم وحوّطوا حريمكم
وامنعوا زكاة أموالكم؛ فإنّي أعلم أنّ العرب لا تقرّ بطاعة بني تميم بن مرّة
وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيره ، فإنّها لنا أجود ، ونحن لها
أجرى وأصلح من غيرنا؛ لأنّا ملوك من قبل أن يكون على وجه الأرض
____________
(1) شرح نهج البلاغة 16 | 264.
(72)
قريشي ولا أبطحي »
(1) .
ويرى الباحث صدق ما أخبر به أبو ذرّ وبقية المهاجرين والأنصار
الاثني عشر من تسبّب خيانة أبي بكر وأصحاب السقيفة ، وضعة مكانة
أبيبكر في تمرّد القبائل وطمعها في الخلافة ، واسترابتها في الدين.
ثمّ قال ابن أعثم : « جاء لزياد بن لبيد الأنصاري العامل على كندة
رجل يقال له : الحارث بن معاوية ، فقال لزياد : إنّك لتدعو إلى طاعة رجل
لم يُعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد.
فقال له زياد بن لبيد : يا هذا! صدقت ، فإنّه لم يُعهد إلينا ولا إليكم
فيه عهد ، ولكنّا اخترناه لهذا الأمر.
فقال له الحارث : أخبرني لمَ نحّيتم عنها أهل بيته وهم أحقّ الناس
بها؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول : (
وأُولوا الأرحام بعضُهم أوْلى ببعضٍ في
كتاب الله)
(2) ؟!
فقال له زياد بن لبيد : إنّ المهاجرين والأنصار أنظر لأنفسهم منك.
فقال له الحارث بن معاوية : لا والله ، ما أزلتموها عن أهلها إلاّ حسداً
منكم لهم ، وما يستقرّ في قلبي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خرج من الدنيا ولم
ينصب للناس علماً يتّبعونه ، فارحل عنّا أيّها الرجل؛ فإنّك تدعو إلى غير
الرضا.
ثمّ أنشأ الحارث بن معاوية يقول :
كان الرسول هو المطاع فقد مضىصلّى عليه الله لم يستخلف
____________
(1) كتاب الفتوح 1 | 47.
(2) سورة الأنفال 8 : 75.
(73)
قال : فوثب عرفجة بن عبـد الله الذهلي فقال : صدق والله الحارث بن
معاوية ، أخرجوا هذا الرجل عنكم فما صاحبه بأهل للخلافة ولا يستحقّها
بوجه من الوجوه ، وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الأُمّة من نبيّها
محمّـد صلى الله عليه وآله.
قال : ثمّ وثب رجل من كندة يقال له : عدي بن عوف ، فقال : يا قوم!
لا تسمعوا قول عرفجة بن عبـد الله ولا تطيعوا أمره؛ فإنّه يدعوكم إلى الكفر
ويصدّكم عن الحقّ ، اقبلوا من زياد بن لبيد ما يدعوكم إليه وارضوا
بمارضى المهاجرون والأنصار؛ فإنّهم أنظر لأنفسكم منكم »
(1) .
فيظهر من هذا النصّ التاريخي أنّ منطق أصحاب السقيفة هو : الحكم
بالكفر والردّة على المعترضين على أبي بكر وأصحابه بخيانة عهد الله
ورسوله في وصيّه ، وإنّ حروب الردّة هي ضدّ تلك القبائل التي تمرّدت
على استخلاف أبي بكر عدا تلك التي ظهر فيها الكذّابين المدّعين للنبوّة ،
كمسيلمة الكذّاب وسجاح ، وِانّ الردّة شعار رفعه أصحاب السقيفة ضدّ
تلك القبائل لتبرير قتالهم ، وإخماداً للمعارضة على تنصيب أبي بكر ،
وساعد هذا التمويه والاِغراء والخداع تقارن هذه المعارضة مع دعاوى
الكذّابين الدجّالين للنبوّة ، كمسيلمة وسجاح وطليحة بن خويلد ، فحصل
اختلاط في الأوراق وهرج في تصفية الحسابات ومعادلة المواجهات.
وفي نصّ آخر ذكره ابن أعثم : « عندما وصل كتاب أبي بكر للأشعث
ابن قيس وفيه : وأنهاكم أن لا تنقضوا عهده ، وأن لا ترجعوا عن دينه إلى
غيره فلا تتّبعوا الهوى فيضلّكم عن سبيل الله ...
____________
(1) كتاب الفتوح 1 | 47.
(74)
فأقبل الأشعث على الرسول فقال : إنّ صاحبك أبا بكر هذا يلزمنا
الكفر بمخالفتنا له ولا يلزم صاحبه ـ أي : زياد بن لبيد ـ الكفر بقتله قومي
وبني عمّي !
فقال له الرسول : نعم يا أشعث ! يلزمك الكفر؛ لأنّ الله تبارك وتعالى
قد أوجب عليك الكفر بمخالفتك لجماعة المسلمين »
(1) .
وهذا النصّ يوضّح أنّ مبنى أصحاب السقيفة أنّ الدين يتمثّل في
جماعـتهم ، وأنّهم جماعة المسلمين وما عداهم من المهاجرين والأنصار
وبني هاشم وسعد بن عبادة وسائر القبائل ليسوا بجماعة المسلمين ، وأنّ
خيانة الله ورسوله في عهد الوصاية والاِمامة وإنكار ما جاء به الرسول في
ذلك ليس يوجب الكفر ، فهم قد جعلوا جماعة السقيفة عدل القرآن وبديل
النبوّة ، وهذا ممّا يكشف أوراق حروب الردّة ويفضح دَجليّة شعارها.
وقال ابن أعثم : إنّ أبا بكر لمّا وصله خبر كندة وعصيانها له وضعف
الجيش الذي أرسله عن مقاومة كندة استشار جماعته « ثمّ انصرف أبو بكر
إلى منزله وأرسل إلى عمر بن الخطّاب فدعاه ، وقال : إنّي عزمت على أن
أُوجّه إلى هؤلاء القوم عليّ بن أبي طالب ؛ فإنّه عدل رضا عند أكثر الناس؛
لفضله وشجاعته وقرابته وعلمه وفهمه ورفقه بما يحاول من الأُمور.
قال : فقال له عمر بن الخطّاب : صدقت يا خليفة رسول الله! إنّ عليّاً
كما ذكرت وفوق ما وصفت ، ولكنّي أخاف عليك خصلة منه واحدة.
قال له أبو بكر : وما هذه الخصلة التي تخاف علَيّ منها منه ؟
فقال عمر : أخاف أن يأبى القتال فلا يقاتلهم ، فإن أبى ذلك فلن تجد
____________
(1) كتاب الفتوح 1 | 54.
(75)
أحداً يسير إليهم إلاّ على المكروه منه ، ولكن ذر عليّاً يكون عندك بالمدينة؛
فإنّك لا تستغني عنه وعن مشورته ، واكتب إلى عكرمة بن أبي جهل »
(1) .
ويظهر من هذا النصّ التاريخي أنّ عمر يتخوّف من إباء عليّ عليه السلام
قتال كندة ، مّما يدلّل على عدم تكفير عليّ عليه السلام لكندة وعدم قوله عليه السلام
بردّتهم..
ويظهر القول بإسلام كندة أيضاً من أبي أيوب الأنصاري عندما
استشاره أبي بكر في كندة؛ قال : « لو صرفت عنهم الخيل في عامك هذا
وصفحت عن أموالهم لرجوت أن ينيبوا إلى الحقّ وأن يحملوا الزكاة إليك
بعد هذا العام طائعين غير مكرهين ، فذاك أحبّ إليّ من محاربتك
إيّاهم »
(2) ، ولكنّ أبا بكر أبى ذلك ، ولعلّه فطن إلى أنّ أبا أيوب الأنصاري
من أنصار عليّ عليه السلام .
بل إنّ عمر اعترف بإسلام أهل « دَبا » ، الّذين ناصروا كندة في
تمرّدهم ؛ إذ همّ أبو بكر بقتل المقاتلة وقسمة النساء والذرّيّة ، فقال له عمر
ابن الخطّاب : يا خليفة رسول الله! إنّ القوم على دين الاِسلام ، وذلك أنّي
أراهم يحلفون بالله مجتهدين : ما كنّا رجعنا عن الاِسلام. ولكن شحّوا على
أموالهم »
(3) ، والحقيقة أنّهم أبوا إمارة أبي بكر.
وتظهر هذه الحقيقة التاريخية أيضاً من بكر بن وائل في البحرين؛ إذ
أنّ سبب تمرّدهم وردّتهم في قولهم لكسرى : « إنّه قد مضى ذلك الرجل
الذي كانت قريش وسائر مضر يعتزّون به ـ يعنون بذلك الرسول صلى الله عليه وآله ـ
____________
(1) كتاب الفتوح 1 | 57.
(2) كتاب الفتوح 1 | 56.
(3) كتاب الفتوح 1 | 59.
(76)
وقد قام من بعده خليفة له ، ضعيف البدن ضعيف الرأي »
(1) .
ويظهر أنّ سبب تمرّد وردّة بني أسـد وغطفان وفزارة ، ومناصرتهم
لطليحة بن خويلد الكذّاب هو ضعة أبي بكر ، وقولهم بعدم أهليّته للخلافة؛
إذ نادوا : « لا نبايع أبا الفصيل ـ يعنون أبا بكر ـ »
(2) ، وهذه التكنية تحقيراً
لأبي بكر ، وإشارة إلى عمله في الجاهلية ، وهو الدلالة في بيع وشراء الاِبل.
هذه لمحة خاطفة تدلّل على أنّ تدبير الفتوحات وخططها لا تعزى
إلى الثلاثة !! كيف ولا مراس لـهم بالحروب وإدارتها وأُمور الجيوش ؟!
وقـد ولّى رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم أُسامة بن زيد في جيش المسلمين
لمحاربة الروم في آخر أيّام حياته ، وأنّ خطط الفتوح وتدبيرها راجعة إلى
أسباب وعوامل أُخرى ..
* * *
____________
(1) كتاب الفتوح 1 | 34.
(2) كتاب الفتوح 1 | 14.
(77)
تدبـير الاِمام عليّ عليه السلام
في ظفر المسلمين في الفتوحات
هناك نصوص تاريخية عديدة تبيّن تدبير عليّ عليه السلام في المنعطفات
الخطيرة التي عصفت بالمسلمين ودولتهم وجيوشهم ، وكاد نظام المسلمين
أن يتقوّض لولا حنكته وبصيرته في تدبير الأُمور العامّة ، وإعزاز الاِسلام ،
ونصر الدين ، ورتقه ، ولولا ذلك أيضاً لتشتّت أوضاع المسلمين ؛ بسبب
استخلاف أبي بكر ونبْذ أصحاب السقيفة عهد الله ورسوله في الاِمامة ،
ممّادعا سائر القبائل للتمرّد والريبة في الدين ، واضطرار أبي بكر وعمر
وعثمان وبقية الصحابة لاستشارته عند اضطراب الأمر عليهم في تدبير
الأحوال الخطيرة ..
ثمّ إنّ عمدة ما حصل من الفتوحات ، وطرد الروم والقضاء على مُلك
كسرى كان ببركة إشرافه وتسديده ومشورته ، بل في بعض الموارد صدرت
منه المعجزات لاِنقاذ الموقف ؛ لحكمة إلهية ، وزيادة في الامتحان لهذه
الأُمّة ، مع ما مر من ضعف الثلاثة في مراس التدبير ، لا سيّما وأنّ الدولة
الاِسلامية تعيش حالة استنفار عسكري ، أي ما يُصطلح عليه حالياً : « دولة
حرب » ، وهم أبعد ما يكونون وزناً عن التأثير في معادلة القوى في
الحروب ، كما مرّ ..
ومن ثمّ قال صلى الله عيه وآله ـ في ما مرّ من رواية ابن أبي الحديد ـ : « ... ثمّ
نسبت ـ أي قريش ـ تلك الفتوح إلى آراء ولاتها وحسن تدبير الأُمراء
القائمين بها ، فتأكّد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنّا نحن ممّن
(78)
خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته حتّى أكل الدهر علينا
وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير ممّن يعرف ـ أي
فضائله ومناقبه وركنيته بعد الرسول في بنيان الدين وانتظام الاِسلام ـ ونشأ
كثير ممّن لا يعرف... »
(1) .
وقد جاءت عدّة نصوص تاريخية في ذلك :
منها : ما قاله أبو بكر لعمر عندما فشل الجيش الذي بعثه أبو بكر
لقتال كندة ، ولم يفلح المدد أيضاً ، فاضطرب لذلك أبو بكر وقال : إنّي
عزمت على أن أُوجّه إلى هؤلاء عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه عدل رضا عند
أكثر الناس لفضله وشجاعته وقرابته وعلمه وفهمه ، ورفقه بما يحاول من
الأُمـور... »
(2) ..
فهذا النصّ سواء في فقرة كلام أبي بكر أو كلام عمر يكشف النقاب
عن دور عليّ عليه السلام ومكانته في نفسية المسلمين وسائر القبائل المتمرّدة على
استخلاف أبي بكر كما فيه إقرار واعتراف من أبي بكر بالاِحكام في تدبير
عليّ عليه السلام للأُمور ، لا سيّما هذا الأمر الذي استعصى حلّه على أبي بكر ،
وجزع من شدّة الورطة فلم يجد بُدّاً من الكتابة إلى الأشعث بن قيس
بالرضا
(3) ـ .
كما أنّ في كلام عمر ؛ إذ قال : « أخاف أن يأبى القتال فلا يقاتلهم ،
فإن أبى ذلك فلن تجد أحداً يسير إليهم إلاّ على المكروه منه ، ولكن ذر
عليّاً يكون عندك بالمدينة فإنّك لا تستغني عنه وعن مشورته » إقرار بما
____________
(1) شرح نهج البلاغة 20 | 298 رقم 414.
(2) مرّ الحديث وتخريجه في ص 74 وص 75.
(3) كتاب الفتوح 1 | 53.
(79)
ذكره صاحبه وزيادة : إنّ عليّاً عليه السلام إذا أبدى قوله في عدم قتال كندة فإنّ
البقية سـيتأثّروا به ويمتنعوا عن مقاتلة كندة إلاّ بالاِكراه ، وإنّ دولة السـقيفة
لم تستطع إدارة الأُمور بدون مشورة عليّ عليه السلام. وسيأتي في بقية النصوص
الكثير ممّا يعضـد ذلك.
ومنها : « وأراد أبو بكر أن يغزو الروم فشاور جماعة من الأصحاب ،
فقدّموا وأخّروا ، فاستشار عليّ بن أبي طالب ، فأشار أن يفعل ، فقال : إن
فعلت ظفرت. فقال : بُشّرت بخير!
فقام أبو بكر في الناس خطيباً ، وأمرهم أن يتجهّزوا إلى الروم »
(1) .
وفي
فتـوح ابن أعـثم : « فسأل أبو بكر : ومن أين علمت ذلك؟!
فقال عليه السلام : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ... »
(2) ، وفي مكان آخر : « تسامع
هرقل بأنّ نبيّ الاِسلام أخبرهم بالنصر »
(3) .
ويظهر من هذا النصّ ، ومن الذي قبله ، وممّا يأتي من نصوص
متعدّدة طمع السلطة في فراسة عليّ عليه السلام الغيبية ، وإخباره بالملاحم وعلم
المنايا والبلايا ، وهي من العلوم اللدنية للأوصياء ، وما عنده عليه السلام من عهد
النبيّ صلى الله عليه وآله بمصير الأُمور وأحوال البلدان ، فإنّه نُقل ذلك عنه بكثرة في
كتب السير والتواريخ ، واستخبار أبي بكر وعمر عليّاً عليه السلام ، واستحفاؤهما
إيّاه أحوال الأوضاع ، وفي الفتوح : تهديد وفد المسلمين جبلة ـ حليف
هرقل بالشام ـ ببشارة النبيّ صلى الله عليه وآله بالنصر
(4) ؛ كلّ ذلك يصبّ في النهاية في
____________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 | 132 ـ 133.
(2) كتاب الفتوح 1 | 80.
(3) كتاب الفتوح 1 | 83.
(4) كتاب الفتوح 1 | 103.