صلةقبل
كلمة العدد :
النجف الأشرف حاضـرة العلم والتراث



بسـم الله الرحمن الرحـيم

    كانت الأيدي على القلوب طوال حكم الطاغية في العراق ، خوفاً على كلّ شيء نفيس .. أرواح الناس ، حرمة المقدّسات ، ووجود الحوزة والعلماء ، وذخائر التراث !
    ورغم ذهاب عصر الطاغية بالكثير منها ، بقي الكثير والحمد لله ..
    وقد بذلت المرجعية والغيارى من أهل الخير والشباب المخلص ، جهوداً لحفظ ما يمكن حفظه من مكتبات النجف ، وعدم إعطاء المبرّر للسلطة أن تضع يدها عليها ، وقاموا سرّاً بتصوير مجموعات من نفائس مخطوطاتها في أقراص ، لحفظ نسختها من عاديات الزمان !
    ومع سقوط الطاغية ، تنفّست النجف ومراكز العلم الصعداء ، مع كلّ ذي روح في العراق ، وفرح الجميع بمن بقي من رجال العلم ، وما بقي تراثه الثمين ، لولا غارة أعداء الأُمّة على متحف بغداد ومكتباتها بالاِحراق والسرقة !


(8)

فقد احتضنت هذه المدينة العريقة ، إضافة إلى ما عُرف باسمها من أماكن مقدّسـة وآثار قديمة ، وعلى مدى تاريخها المضيء ، عشرات المكتبات الخاصّـة والعامّـة ، التي حوت في رفوفها ـ وما زالت ـ أُلوف المخطوطات ومئات النفائس ، رغم أنّها تعرّضت من قديم الزمان وخاصّة في عصرنا إلى أنواع الحوادث ، وتضرّرت كثيراً أو قليلاً ..
    وكنموذج لما في هذه المكتبات من نفائس نذكر فقرات بخصوص إحداها ، وهي : « خزانة الروضة الحيدرية » ، نقتطفها من مقدّمة فهرس مخطوطات خزانة الروضة الحيدرية ، الذي وضعه العلامّة السـيّد أحمد الحسيني ، من شأنها أن تلقي ضوءاً على وضع هذه الخزانة المهمّة ، ومثيلاتها في النجف ، علماً أنّ هذا الكلام كتب سنة 1391 هـ ـ 1977 م ، حينما كانت المكتبات أحسن حالاً منها اليوم ..
    قال : « الخزانة العلوية ثرية بالغة الثراء بما تحويه من الأعلاق النفيسة التي لا تقدّر بثمن ، ذلك لأنّ مرقد الاِمام أمير المؤمنين عليّ بن أبيطالب عليه السلام كان ولا يزال مهوى أفئدة المسلمين ، فلا يخلو في وقت من الأوقات من الوافدين لزيارته من أنحاء العالم ، وكان الملوك والعظماء والأعيان وأرباب الثراء وسائر الطبقات المختلفة يتبارون في إهداء أنفس ما يملكونه من النوادر ، وأعزّ ما يجدونه من التحف للمشهد الشريف ، ومن هنا اجتمع في خزانة المشهد مع مرور السنين المتمادية ، ما يعجز عن تقييمه حتّى الخبراء .
    وفي هذه التحف الشيء الكثير من المجوهرات والآثار الباقية من الشخصيات الكبيرة ، والمصنوعات اليدوية الثمينة ، وأنواع الفرش والستائر


(9)

والمعلّقات والمصابيح وغيرها (1) .
    وبضمن هذه الخزانة الأثرية مكتبة فيها أكثر من سبعمائة وخمسين نسخة مخطوطة من القرآن الكريم ، وكتب الأدعية ، وبعض الكتب القديمة الأُخرى ، هي البقية الباقية من المكتبة الشهيرة التي عرفت عند المؤرّخين بـ : مكتبة الخزانة الغروية ، والتي وصفها بعض المؤرّخين بأنّ فيها عشرات الأُلوف من المخطوطات (2) .
    وليس بين أيدينا ما يحدّد بالضبط المؤسّس الأوّل لهذه الخزانة وتاريخ تأسيسها ، إلاّ أنّ الذي يقال : إنّ عضد الدولة البويهي ، المتوفّى سنة 372 هـ ، كان ممّن عني بها إلى جانب عنايته بعلماء النجف وفقهائها (3) .
    وربّما قيل بأنّ تاريخ تأسيسها يرجع إلى القرن الثالث أو ما بعده على الظنّ القريب (4) .
    ولعلّ أسبق من ذكر هذه الخزانة في مؤلّفاته هو السـيّد رضي الدين علي بن طاووس الحلّي ، المتوفّى سنة 664 هـ ؛ فإنّه ذكر في عدّة موارد من كتبه بعض المصادر العتيقة التي رجع إليها مصرّحاً بأنّها توجد في الخزانة الغروية (5) .
    وفي سنة 755 هـ أُصيب المشهد العلوي بحريق ذهب على أثره كثير
____________
(1) وصفت الدكتورة سعاد ماهر جانباً من المنسوجات والسِجّاد والمعادن الثمينة الموجودة في الخزانة الحيدرية في كتابها مشهد الاِمام عليّ فيالنجف وما به من الهدايا والتحف ، المطبوع في القاهرة سنة 1069 م .
(2) موسوعة العتبات المقدّسـة ، قسم النجف 2 | 227 .
(3) موسوعة العتبات المقدّسـة ، قسم النجف 2 | 241 .
(4) موسوعة العتبات المقدّسـة ، قسم النجف 2 | 217 .
(5) راجع كتاب الطرائف والاِقبال وفلاح السائل وغيرها .

(10)

من التحف ، وكان من جملة ما أصابه الحريق المكتبة الموجودة في الصحن الشريف ، ومن التحف النادرة التي أتى عليها الحريق المذكور مصحف في ثلاثة مجلّدات بخطّ الاِمام أمير المؤمنين عليه السلام (1) .
    وهذا الحريق مع أنّه أتلف نفائس كبيرة الأهمّية ، إلاّ أنّه لم يأت على كلّ المكتبة ، فقد يوجد فيها الآن طائفة من الكتب أُوقفت عليها قبل هذا التاريخ ، ومن بينها كتب ابن كمونة التيأوقفت في القرن السابع الهجري .
    للخزانة غرفة في الصحن الشريف وعمل لها مخازن ونضد الكتب وأصلح بعضها ، وحفظ بعمله هذا النتف الباقية من تلك الكتب النادرة (2) .
    وقد سعى في فهرسة هذه الخزانة اثنان من الباحثين المعاصرين هما :
    1 ـ المغفور له الشيخ آغا بزرك الطهراني ؛ فإنّ الخزانة فتحت له في حدود سنة 1350 هـ ففهرس ما فيها من الكتب ليدرجها في كتابه القيّم الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، وهناك بعض الكتب الموجودة في الخزانة ، ولم توجد في الذريعة ، وحدّثني صديق أنّه رأى عند الشيخ أوراقاً كان يكتبها داخل الخزانة ليوزّعها بعد ذلك في كتابه ، ولكن فاته توزيع بعض الأسماء الموجودة في تلك الأوراق في موسوعته .
    كما أنّنا نجد كتباً يصرّح الشيخ بأنّها توجد فى الخزانة وهي غير موجودة الآن ، وظنّنا أنّها تلفت بعد اطّلاع الشيخ على محتويات الخزانة .
    2 ـ الدكتور حسين علي محفوظ ؛ فإنّه زار الخزانة في سنة 1377 هـ ساعات قليلة وسجّل بعض المعلومات عن مخطوطات 82 كتاباً في مجلّة معهد المخطوطات المجلّد الخامس الجزء الأوّل ص 23 ـ 30 بتاريخ شهر
____________
(1) موسوعة العتبات المقدّسـة ، قسم النجف 2 | 225 .
(2) ماضي النجف وحاضرها 1 | 152 .

(11)

ذي القعدة 1378 هـ ، وصرّح بأنّه استعان بما كتبه الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة » .
    ومن المناسب أن نذكر نموذجين من مخطوطات النجف الأشرف : كتاب مشكاة الأنوار في غرر الأخبار ، وكتاب ضياء العالمين ..
    وعن الأوّل قال العلاّمة الطهراني ؛ في الذريعة 21 | 54 : « للشيخ أبي الفضل علي ابن الشيخ رضي الدين أبي نصر الحسن بن أبي علي المفسّر الطبرسي ، الملقّب بـ : أمين الاِسلام الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي ، وهو ممّا ينقل عنه في البحار ... يوجد عند الميرزا محمّـد علي الأُردوبادي في النجف ... » . انتهى .
    وقد حقّقت الكتاب ونشرته مؤسّـسة آل البيت : لاِحياء التراث .


صورة الصفحة الأُولى والأخيرة من كتاب مشكاة الأنوار


(12)

وعن الثاني قال ؛ في الذريعة 15 | 124 : « في الاِمامة ، للشريف العدل المولى أبي الحسن بن محمّـد طاهر الفتوني النباطي العاملي الأصفهاني الغروي ، المتوفّى حدود 1140 ... في مجلّدين في أكثر من 65000 بيت ، يوجد في مكتبة الاِمام أمير المؤمنين العامّة بالنجف ، والمكتبة الجعفرية في كربلاء ، ومكتبة آل كاشف الغطاء ، والمكتبة (التسترية) ، وهو مرتّب على مقدّمة ومقصدين وخاتمة ... » . انتهى .
    والكتاب قيد التحقيق في مؤسّـسة آل البيت : لاِحياء التراث .


صورة الصفحة الأُولى والثانية من كتاب ضياء العالمين