(2)

من عيون شعر العلاّمة البلاغي الّذي سارت به الركبان ، قصيدتهُ التي
نظمها في الردّ على قصيدة أحد علماء بغداد ، المنكرين لوجود الإمام
الحجّة المنتظر وغيبته ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ التي بعثها إلى
علماء النجف الأشرف سنة 1317 هـ ، ومطلعها :
أيا عُلَماءَ العَصْرِ يا مَنْ لَهُمْ خُبْرُ (4) * بِكُلِّ دَقِيقٍ حارَ فـيِ مِثْلِــهِ الــفِكْرُ

فأجابه العلاّمة البلاغي بقصيدة طويلة رائعة
(5) ، ذكرَ فيها عدّة من
____________
(1) المُودِي : المُهْلك . الصحاح 1|80 مادّة « ودأ » .
(2) الغَليلُ : حرارة العطش . الصحاح 5|1784 مادّة مادّة غلل » .
(3) رجلٌ مَعْمودٌ : أي هدَّه العشـق . الصحاح 2|512 مادّة « عـمد » .
(4) الخُبْرُ : العلمُ بالشيء . الصحاح 2|641 مادّة « خـبر » .
(5) طُبعت كاملةً سنة 1343 هـ في المطبعة المرتضويّة في النجف الأشرف ملحقةً
بـ : العقود المفصّلة للعلاّمة البلاغي ، وأوردها كاملةً أيضاً مع إضافة بيتين لها من
القصيدة البغدادية ـ أشرنا إليهما في مكانهما من القصيدة ـ الأُستاذ الخاقاني في
شعراء الغري 2|443 .
وذكر بعض أبياتها كلّ من : الشيخ محمّد حرز الدين (ت 1365 هـ) في معارف
الرجال 1|197 ـ 198 ، والشيخ جعفر محبوبة في ماضي النجف وحاضرها 2|
65 ، والأُستاذ الفكيكي في مقدّمته لكتاب الهدى إلى دين المصطفى 1|17 .
( 146 )
كتب المناقب والسيرة ، التي تعرّضت لذكْرِ الحجّة المنتظر ـ عجّل الله تعالى
فرجه الشريف ـ فقال :
أطَعْتُ الهَوى فِيهمُ وعاصانِيَ (1) الصَبْرُ * فَها أنا مــا لِيَ فيـهِ نَهْـيٌ ولا أمْــرُ
أنِسْتُ بِهــِم سَهْلَ القِفارِ (2) ووَعْرَها * فَما راعَني مِنْهُنَّ سَــهْلٌ ولا وَعْــرُ
أخــا سَفرٍ وَلْهان (3) أغْتَنِمُ السُّرى (4) * مِنَ اللّيلِ تَغْلِيساً (5) إذا عَرَّسَ (6) السَفْـرُ
____________
والعلاّمة البلاغي نفسه ذكر من هذه القصيدة بيتين ـ رقم 39 و40 ـ في
رسالته نسمات الهدى ونفحات المهدي ، التي طُبعت بتحقيق السيّد محمّد علي
الحكيم في هذه المجلّة « تراثنا » العدد 65| لسنة 1422 هـ .
وقد قام بردّ القصيدة البغدادية ـ إضافةً للعلاّمة البلاغي ـ طائفة من العلماء
والشعراء ؛ إذ كتبوا عدّة مصنّفات ونظموا عدّة قصائد في ردّها ..
فممّن ألّف : الشيخ محمّد باقر الهمداني البهاري ، والميرزا حسين النوري (ت
1320 هـ) ، الّذي سمّى ردّه بـ : كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار .
وممّن نظم : السيّد علي محمود الأمين (ت 1328 هـ) ، والشيخ عبد الهادي
ابن الحاج جواد البغدادي ، المعروف بـ : الهمداني (ت 1333 هـ) ، والسيّد رضا
ابن السيّد محمّد الهندي (ت 1362 هـ) ، والسيّد محسن الأمين العاملي ،
والشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (ت 1373 هـ) ، والشيخ رشيد الزيني العاملي .
انظر : الذريعة 10|218 ـ 219 وج 18|11 رقم 429 .
(1) في بعض المصادر : « فعاصاني » .
(2) القِفارُ ، جمع القَفْرُ : مفازة لا ماء فيها ولا نبات . الصحاح 2|797 مادّة « قفر » .
(3) في بعض المصادر : « سيّان » .
(4) السُّـرى : المشي ليلاً . الصحاح 6|2376 مادّة « سـرا » .
(5) التَغْلِيسُ : السير من الليل بِغَلَسٍ : وهو ظُلمة آخر الليل . الصحاح 3|956 مادّة
« غلس » .
(6) التَعريسُ : نزول القوم في السفر من آخر الليل ، يَقعُون فيه وقعة للاستراحة ، ثمّ
( 147 )
بــِذامِلةٍ (1) ما أنْكَرَتْ ألَمَ الوَجـى (2) * وما صَدَّها عَنْ قصدهـا مَهْمَهٌ (3) قَفْـرُ
[5] يَضِيقُ بِهــا صَدْرُ الفَضـا فَكأنّها * بِصَدرِ مُذِيعٍ عَيَّ عن كَتْمــهِ السِــرُّ
تَحِنَّ إذا ذَكّرتُهــا بــِديــــارِها * حَنـينَ مشــوُقٍ هاجَ لَوْعَتَهُ الذِكْــرُ
وشِملالـةٍ (4) أعْـدَيتُهـا بِـصَبـابَتي * إذا هاجَهـا شوقُ الدِيـــارِ فلا نكْـرُ
أروحُ وقَلْبــــي للّواعِـجِ والـجَوى * مُبـاحٌ وأجْفانـي عَلَيْها الكَرى حِجْرُ (5)
وأحْمــِلُ أوْزارَ الــغَـرامِ وأنّــهُ * غَـرامٌ بِهِ يَنْحَطُّ عَن كــاهِلـي الوِزْرُ
[10] وكَمْ لَذَّ لي خَلْعُ العِذارِ وإنْ يَكُـن * ْلحُبّي آل المُصْطفــى فهْـوَ لـي عُذْرُ
عَلِقْتُ بِهــِم طِفْلاً فكانَتْ تَمائِمي (6) * مَوَدّتُهم لا مـا يُقَلَّـدَهُ النَــحْــــرُ
____________
يرحلون . الصحاح 3|948 مادّة « عرس » .
(1) الذَميلُ : ضربٌ من سير الإبل . الصحاح 4|1702 مادّة « ذمل » .
(2) في بعض المصادر : « الجوى » . والوجى عند الفَرس : هو أن يجد وجعاً في
حافره . الصحاح 6|2519 مادّة « وجى » .
(3) المَهْمَهُ : المفازةُ البعيدة الأطراف . الصحاح 6|2250 مادّة « مهه » .
(4) الشِمْلالة : الناقة الخفيفة . الصحاح 5|1740 مادّة « شمل » .
(5) حِجْرُ : حرام . الصحاح 2|623 مادّة « حجر » .
(6) التَميمَةُ : عوذةٌ تُعلّق على الإنسان . ويقال : هي خرزة . الصحاح 5|1878 مادّة
« تمم » .
( 148 )
ومــازَجَ دَريّ (1) حُبُّهم يَوْمَ ســـاغَ لي * ولَوْلا مزاجُ الحُــبّ ما ســاغَ لــي دَرُّ
نَعــِمْتُ بِحُبِّهــم ولــكن بَليّتــــي * بِبَيْنـــــِهِمُ والبَيْــنُ مَطْعَمُهُ مُـــرُّ
ونـائِــينَ تُدْنِيهِــمُ إلَيَّ صَبابَتــي فعَنْ * ناظِــري (2) غابوا وفي خاطِري (3) قَرّوا
[15] فَمِن نازِحٍ قَدْ غَيَّبَ الرَمْسُ (4) شَخْصَهُ * ومِنْ غائِبٍ قَدْ حالَ من دونِـهِ الــسِتْــرُ
أطالَ زَمــانُ البَيْــنِ والصَبْرُ خــانَني * ومــا يَصْنَــعُ الوَلْهانُ إنْ خانَهُ الصَبْـرُ
إلــى مَ وكَمْ تَنْكـــى بقَلْبـي جِراحُـهُ * مـن البَيْـنِ لا يَأْتــي عَلى قَعْرِها سَيْـرُ
فـــكَمْ سائِــلٍ عَنْهُ يُسيــلُ مَدامِعـِي * بتـــِذْكارِهِ وَكْفــاً كما يَـكِفُ القَطْرُ (5)
فيـِا سـائِلاً سَمــْعــاً لآيَةِ مُعـْجِــزٍ * بــآياتِهِ لا مــا يُزَخْرِفُــهُ الـــشِعْرُ
____________
(1) الدَرُّ : اللَبَنُ . الصحاح 2|655 مادّة « درر » .
(2) في شعراء الغري : « أعْيُني » .
(3) في شعراء الغري : « كبدي » .
(4) الرَمْسُ : تراب القبر . الصحاح 3|936 مادّة « رمس » .
(5) وَكَفَ الدمعُ والماء والمطر : سالَ . لسان العرب 9|362 مادّة « وكف » .
( 149 )
[20] إذا رُضْـتَ صَعْبَ الفِكْرِ تُهْدى فَقَدْ كَبا * (لَعاً لَكَ) (1) في دَحْضِ العثـار بِكَ الـكُفْرُ
فَمـــا الحَجْــرُ في التَقلــيدِ إلاّ حِجارَةٌ * ولَيْسَ بغَيــْرِ الجِدّ يَصْفو لَكَ الـحِجْرُ (2)
لِتُدرِكَ فيـــهِ الــحُسْنَ والقُبْـحَ مِثْلَ ما * يُحَسُّ بحـسِّ الذائِقِ الـــحُلوُ والــمُرُّ
فـإنْ قُلْتَ بـالعَـدلِ الّذي قـال ذو النُهـى * بــــهِ ولَـهُ يَهْدي بمُحْكَـــمِهِ الذِكْرُ
ودِنْـتَ بتَنْزيــهِ الإلـــــــهِ وأنّـهُ * غَنيٌّ فــــــلا يلجيهِ فـي فِعْلِهِ فَقْـرُ
[25] وأقْـرَرْتَ للهِ اللطـــيـفِ بـأنّـه * حَكـيـمٌ لَــهُ في كُلِّ أفْعــالِـهِ سِرُّ (3)
وجــــانَبْتَ قولَ الجَبْرِ عِلمـــاً بأنّهُ * يَنـوبُ أُصولَ الــدِين من وَهْمِـهِ كَسْرُ
وأوْجَبْـتَ بــاللّطـفِ الإمــامَ وأنّــهُ * بِهِ من عُصاةِ الخَلْقِ يَنَقـطعُ الــــعُذْرُ
وعايَنْتَ في مَنْ مــاتَ فهـوَ لِذي الحِجـى * شَفــاءُ إذا أعْيــى بــأدْوائهِ الصَـدْرُ
____________
(1) يقال للعاثر : لَعاً لَـكَ ؛ وهو دعاء له بأن ينتعش . الصحاح 6|2483 مادّة « لعا » .
(2) الحِجْر : العقل . الصحاح 2|623 مادّة « حجـر » .
(3) في شعراء الغري ورد هذا البيت مؤخَّراً عن الّذي يليه .
( 150 )
تُؤسِّسُ بُنْيــانَ الصَــوابِ على التُقى * ويَطْلُــعُ مِنْ أُفُقِ اليَقــينِ لكَ الفَجْـرُ
[30] وفي خَبَرِ الثِقْلَيْنِ (1) هادٍ إلى الّذي * تَنــازَعَ فيـهِ الناسُ والْتَبَسَ الأمْــرُ
إذْ قالَ خَيْــرُ الرُسْلِ : « لَنْ يَتَفَرّقا » * فكَيْفَ إذاً يَخْلُــو مِنَ العِتْـرَةِ الـعَصْرُ
« ومــــا إن تَمَسَّكْتُمْ » بِتَيْنِكَ إنّهُـمْ * هُـمُ الســادَةُ الهــادُونَ والقـادَةُ الغُرُّ
ولمّا انْطَوى عَصْرُ الخِلافَــةِ وانْتهى * ولُفَّ بســاطُ العَــدْلِ وابـتَدَأ الشَرُّ
وزادَ يَزيــدُ (2) الدِيــنَ نَقْصاً وبَعْدَهُ * دهى بالوليــد (3) القردِ أُمّ الهُدى عقرُ
[35] تَنـادى لاِحياءِ الهُدى عِتْرَةُ الهُدى * فَما عاقَهُــمُ قَتْلٌ ولا هــالَهُمُ ضُــرُّ
____________
(1) إشارة لقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الشريف المتواتر بين عامّة المسلمين : « إنّي
تاركٌ (مخلّف) فيكم الثِقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى
يردا عليّ الحوض » .
انظر : صحيح البخاري 4|1873 ، سُـنن الترمذي 5|662 ح 3786 ، مسند
أحمد بن حنبل 3|14 ، سُـنن الدارمي 2|432 ، معالم التنزيل 4|464 ، السيرة
الحلبيّة 3|336 .
(2) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأُموي (ت 64 هـ) ، لعنة الله عليهم جميعاً .
(3) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم (ت 126 هـ) ، لعنة الله عليهم
جميعاً .
( 151 )
وكَمْ بَذَلوا في الوَعْظِ والزَجْــرِ جُهْدَهُمُ * ولَمْ يُجْــدِ بالغاويــنَ وَعْظٌ ولا زَجْرُ
وكَـــــمْ نَدَبــوا اللهَ سِرّاً وجَهْرَةً * وقَدُ خَلُصــا منهم لَهُ السِرُّ والجَــهْرُ
إلـى أنْ تَفــانَوْا كابِـراً بَعْــدَ كابِرٍ * وما دَوْلَــةٌ إلاّ وفيهـــا لَــهُمْ وِتْرُ
ولا مِثْـلَ يَــوْمِ الطّفِ يومُ فَجِيعَــةٍ * لِذِكْــراهُ في الأيّامِ يَنْقَصِمُ الظَـــهْرُ
[40] يُذيبُ سُوَيْدا القَلْبِ (1) حُزْناً فعاذِرٌ * إذا سَفَحَتْ مِنْ ذوْبِهـا الأدْمعُ الحُمْــرُ
ومُذْ أعْذَروا بـالنُصْــح في اللهِ والدعا * إليهِ وآذانُ الـورى صَكَّهــا وَقْرُ (2)
وشـاءَ إلهُ العَرْشِ أنْ يَعْضِـدَ الهُـدى * ويُظْهِـرَ مِنْ مَكْنـونِ أسْمائِـهِ الـسِّرُ
تَــألَّبَ أحــزابُ الضَلالِ لِقَتْلِــهِ * عَصائِبُ يُغْريهـا بهِ البَغْـيُ والـغَدْرُ
وهَمّــوا بـهِ خبطاً كموسى وجَدِّه الـ * ـخليــلِ فَأضْحى رِبْحُ همِّهِمُ الـخُسْرُ
____________
(1) سويداء القلب : حبّته . الصحاح 2|492 مادّة « سود » .
(2) الوَقْرُ : الثِقْلُ في الأُذن . الصحاح 2|848 مادّة « وقـر » .
( 152 )
[45] فأغْشاهُمُ عَنْــــهُمُ وغشّــاهُ نـورُهُ * وكــانَ بِمــــا همّـوا لِجَدّهم (1) العَثْرُ
وقـــــــامَ لِخَمْــسٍ بالإمامَـةِ آيـةً * كعيســى ويَحيـى آيـةً ولَــــهُ الفَخْرُ
إذا أمَّ مَـعْـصــومٌ مِــنَ الآلِ زاخِــرٌ * مِنَ العِلْمِ لاساجي (2) العُباب (3) ولانَزْرُ (4)
وكـــانَ كداوُودَ (5) فَسَـلْ هَيْتَمِيّكُـم (6) * أهَلْ بَعْدَ هذا في إقـــــامَتِهِ نُكْــرُ ؟!
وغـــابَ بـــأمْرِ اللهِ للأجـلِ الّــذي * يَــراهُ لَهُ فـي عِلْمِهِ ولَــــــهُ الأمْرُ
[50] وأوْعَدَهُ (7) أنْ يُحْيِيَ الــدينَ سَيْفُـهُ * وفيهِ لِدينِ (8) المُصْطفــى يُدْرَكُ الـوِتْـرُ
____________
(1) الجَدُّ : الحَظُّ والبختُ : الصحاح 2|452 مادّة « جدد » .
(2) الساجي : أي الساكن الهادئ . والمقصود به هنا : القليل ؛ انظر : الصحاح
6|2372 مادّة « سجا » .
(3) عُبابُ الماء : أوّلهُ ومُعظمهُ . لسان العرب 1|573 مادّة « عبب » .
(4) النزرُ : القليل التافه . الصحاح 2|826 مادّة « نزر » .
(5) في أنّه أُوتي الحكمة وفصل الخطاب ، كما اعترف به الهيتمي ابن حجر في
صواعقه ، ثمّ اعترض بأنّه كيف يكون إماماً وهو ابن خمس سنوات ؟! فتدافع
كلامه . « منه دام ظلّه » .
(6) أحمد بن حجر الهيتمي المكّي (ت 974 هـ) .
(7) في بعض المصادر : « وواعَدَهُ » .
(8) في بعض المصادر : « لآل » .
( 153 )
ويُخْدِمُــــهُ الأمْلاكَ جُنْـداً وإنّــهُ * يُشَّدُ لَهُ بالروحِ فــي مُلْكِــــهِ أزْرُ
(وإنّ جَميـــعَ الأرْضِ تَرْجِـعُ مُلكَـهُ * ويَملأُهـا قِسْطاً ويَرْتَفِـــعُ المَكْرُ) (1)
فأيْقَـــنَ أنّ الــوَعْـدَ حَـقُّ وأنّــهُ * إلـى وَقْتِ عيـسى يَسْتَطيلُ لَهُ الــعُمْرُ
فَسلَّـمَ تَفْويضــاً إلـى اللهِ صابِـــراً * وعَـنْ أمـرِهِ مِنْهُ النُهــوضُ أو الصَبْرُ
[55] ولَمْ يَكُ مِنْ خَـوفِ الأذاةِ اخْتِفـاؤهُ * ولكــنْ بأمْرِ اللهِ خِيرَ لَــهُ الـــسِتْرُ
(وحــاشاهُ مِنْ جُبْنٍ ولكْن هـو الّــذي * غَداً يَخْتَشيهِ مَنْ حَوى الـبَرُّ والبَحرُ) (2)
أكُلَّ اخْتِفـاءٍ خِلْـتَ مِـن خيفَــةِ الأذى * فَـرُبَّ اخْتِفاءٍ فيهِ يُسْتَنْزَلُ النَــــصْرُ
وكُلَّ فِـــرارٍ خِلْــتَ جُبْنــاً فَرُبّما * يَفِرُّ أخُـو بَـــــــأْسٍ لِيُمْكِنَهُ الكَرُّ
فَكَمْ قَدْ تَمــــادَتْ للنَبيّيــنَ غَيَبَــةٌ * على مَوْعِــدٍ فيــــها إلى رَبِّهِمُ فَرّوا
____________
(1) في شعراء الغري ورد بعده أحد أبيات القصيدة البغدادية ، وهو :
وأنْ لَيْسَ بَيْنَ الناسِ مَنْ هوَ قادِرٌ * على قَتْلِهِ وهوَ المُؤَيّدُهُ النصرُ
(2) في
شعراء الغري ورد بعده أحد أبيات القصيدة البغدادية ، وهو :
ويَرْهبُ مِنْهُ الباسِلونَ جَميعُهـُم * وتَعْنوا لَـهُ حتّى المثقفة السّمرُ
( 154 )
[60] وإنّ بِيَوْمِ الغارِ (1) والشِعْبِ (2) قَبْلَهُ * غَناءً كما يُغْني عــن الخَبـَرِ الخُبْــرُ
ولــــَمْ أدرِ لِــمَ أنكَرْتَ كَوْنَ اخْتفائِهِ * بأمْــرِ الّذي يعْيى بحـــكمتِهِ الفِكْرُ ؟!
أتَـــحصُرُ أمـرَ اللهِ في العَجْزِ أمْ لَدى * إقامَـةِ ما لَفّقْتَ أقْعـــدَكَ الحَصْـرُ ؟!
(فذلكَ أدهــــى الداهِيــاتِ ولَمْ يَقُلْ * بهِ أحَـدٌ إلاّ أخـــو السَفَهِ الغِمْـرُ) (3)
ودونَكَ أمــــرَ الأنْبيــاءِ وما لَقُـوا * ففيــهِ لذِي عَيْنَيْـنِ يتّضــــِحُ الأمْرُ
[65] فَمِنْهُمْ فَرِيـقٌ قَـدْ سَقاهُـمْ حِمامَهُمْ * بكَـأْسِ الهَوانِ القـــتلُ والذَبحُ والنَشْرُ
(أيَعْجَزُ ربُّ الخَلْـقِ عَــنْ نَصْرِ حِزْبِهِ * على غَيْــرِهِمْ كَلاّ فهـــذا هُوَ الكُفْرِ)
وكَمْ مُخْتَفٍ بَـــيْنَ الشِعـابِ وهارِبٍ * إلى اللهِ فـي الأجبالِ يَأْلَفُهُ النَــــسْرُ
(فهَلاّ بَـــــدا بَيْــنَ الوَرى مُتَحمِّلاً * مَشَقّةَ نُصْــحِ الخَلْقِ مَنْ دَأْبُهُ الصَبْرُ) ؟!
____________
(1) هو غار ثَوْر ، اختفى فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر ثلاثة أيام ، عند هجرته من مكّة
المكرّمة إلى المدينة المنوّرة ؛ انظر : الكامل في التاريخ 2|104 .
(2) هو شِعْب أبي طالب ، دخله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون عند مقاطعة قريش لهم ، وقد
مكثوا فيه ثلاث سنين ؛ انظر : الكامل في التاريخ 2|87 .
(3) الغِمْرُ : الحقدُ والحسد . الصحاح 2|773 مادّة « غمـر » .
( 155 )
وإنْ كُنْتَ فـي ريَــبٍ لطُولِ بَقائِهِ فَهَلْ * رابَكَ الدَجّال (1) والصالحُ الخِضْرُ (2) ؟!
[70] أيَرْضى لَبِيـبٌ أنْ يُعَمَّـرَ كافِــرٌ * ويأبـاهُ في باقٍ لِيُمْحى بـــــهِ الكُفْرُ
ودونَكَ أنْبـــــاءَ النَّبـي بهِ تُــزَدْ * بآحادِهــا خُبُـراً وآحادُهـــــا كُثْرُ
فَكَمْ في ينــابيــعُ المَـودّةِ (3) مَنْهَلٌ * نَميــرٌ بـهِ يَشْفى لــــوارِدِهِ الصَدْرُ
وفي غَيْــرِهِ كَـمْ مِـنْ حَدِيثٍ مُسَلْسَلٍ * بِهِ يَفْطِــنُ الساهِـي ويسْتَبْصِرُ الغِرُّ (4)
ومِنْ بَيْــنِ أسْفارِ (5) التَوارِيخِ عِنْدَكُم * يُؤلَّــفُ في تـــــأريخِ مَوْلِدِهِ سِفْرُ
[75] وكَمْ قالَ مِنْ أعْلامِكُم مِثلَ قَولِنا بهِ * عارِفُ بَـــحْرٍ وذُو خُبْرةٍ حَبْــرُ (6)
____________
(1) هو ابن صيّاد ، الأعور الدجّال ، الذي ولد في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ويبقى حتّى يخرج
لقتال الحجّة المهدي المنتظر ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ فيقتله النبيّ عيسى
عليه السلام ؛ انظر تفصيل ذلك في كتاب : عقيدة المسيح الدجال : 383 وما بعدها .
(2) الكامل في التاريخ 1|160 ـ 163 ؛ وفيه ما يتعلّق بالخضر عليه السلام ، وقصّته مع النبيّ
موسى بن عمران عليه السلام ، وكيفيّة طول عمره وشربه من ماء الحياة .
(3) ينابيع المودّة ، للشيخ سليمان بن إبراهيم الحسينيّ البلخي القندوزي الحنفي
(ت1294 هـ) .
(4) رجلٌ غِرٌ : أي غير مُجرِّب . الصحاح 2|768 مادّة « غرر » .
(5) أسْفار ، جمع سِفْر : وهو الكتاب . الصحاح 2|686 مادّة « سفـر » .
(6) الحَبْرُ : العالِم . الصحاح 2|620 مادّة « حـبر » .
( 156 )
فكَمْ في يَواقيـتِ (1) البَيـانِ (2) كِفـايةٌ (3) * يُقَلَّدُ مِنْ فَصْـلِ الخِطـابِ (4) بهــا النَحْرُ
وذِي رَوْضةُ الأحْبابِ (5) فيهــا مَطالبُ الـ * ـسؤولِ (6) وفي كُلِّ الفُصُولِ (7) لها نَشْرُ
مَناقِـب (8) آلِ المُصْطَفــى لِـ شَواهِدِ الـ * ـنُبوّةِ (9) فيها وهـيَ تَذْكــرةٌ (10) ذِكْرُ
وذا الشـيخُ أضْحــى في فُتوحاتِهِ (11) لَـهُ * على كُــلِّ تأريـخٍ بتأرِيخِــــهِ نَصْرُ
____________
(1) اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ، لعبد الوهّاب بن محمّد بن يوسف
الشعراني (ت 973 هـ) .
(2) البيان في أخـبار صاحـب الزمـان ، لمحمّد بن يوسف الگنجي الشافعي (ت
658 هـ) .
(3) كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، للگنجي الشافعي .
(4) فصـل الخـطاب لوصـل الأحـباب ، لمحمّد بن محمّد البخاري الحنفي (ت
822هـ) .
(5) روضة الأحباب في سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله والآل والأصحاب ، للسيّد جمال الدين عطاء الله
ابن فضل الله الحسيني الدشتكي ، من أعلام القرن التاسع .
(6) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ، لمحمّد بن طلحة النصيبي الشافعي (ت
652 هـ) .
(7) الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة عليهم السلام ، لعلي بن محمّد ابن الصبّاغ المالكي
(ت 855 هـ) .
(8) مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، لأخطب الخطباء الموفّق بن أحمد المكّي
الخوارزمي (ت 568 هـ) .
(9) شواهد النبوّة ، لعبد الرحمن بن أحمد الجامي (ت 898 هـ) .
(10) تذكرة الخواصّ ، لسبط ابن الجوزي يوسف بن فرغلي البغدادي الحنبلي ثمّ
الحنفي (ت 654 هـ) .
(11) الفتوحات المكيّة في معرفة أسرار المالكيّة والملكيّة ، لمحيي الدين محمّد بن
( 157 )
[80] وَلاحَ بـ مرْقاةِ (1) الهِدايَةِ (2) في المُكا * شَفــاتِ (3) لَــدى مرآة أسرارِهِ (4) السِرُّ
وللـــــحَسَنِ الشَيْــخِ العِراقيِ (5) قِصّةٌ * بسَبْــعِ لَياليها لَهُ ارْتَفَعَ الـــــسِتْرُ (6)
وصَدَّقَــهُ الـخَــوّاصُ (7) في ما يَقولُهُ (8) * وكلٌّ لَدَيْكُم عـــــــارِفٌ ثِقَــةٌ بَــرُّ
وعَنْهُ شَفــاهاً قَـدْ رَوى أحمــدُ البـــلا * ذريُّ وفـي أخْبارِهِ لَكــم خُـــــــبرُ
ومــــا أسْعَـدَ السِرْدابَ حَظّاً ولا تَقُــلْ * (لَهُ الفَضْــلَ عَـنْ أُمِّ القُرى ولَهُ الــفَخْرُ)
____________
علي ، المعروف بـ : « ابن العربي » (ت 638 هـ) .
(1) المرقاة في شرح المشكاة ، للمحدّث الملاّ علي القارئ .
(2) هداية السعداء ، للقاضي شهاب الدين أحمد بن شمس الدين الزوالي الهندي (ت
848 هـ) .
(3) المكاشفات ، لعلي بن أسـد الله .
(4) مرآة الأسرار ، للعارف عبد الرحمن .
(5) الشيخ حسن العراقي ، من كبار الصوفيّة ، ولد بدمشق ، وساح في الأرض خمسين
عاماً ، فذهب إلى الهند والصين وبلاد العجم والروم ، ثمّ استقرّ في مصـر ، وتوفيّ
في نيف وثلاثين وتسعمائة ؛ انظر : الطبقات الكبرى ـ للشعراني ـ : 475 .
(6) وخلاصتها : أنّ الشيخ حسن العراقي اجتمع بالإمام المهدي ـ عجّل الله تعالى
فرجه الشريف ـ في سبع ليالٍ ، وقد سمعها منه الشيخ عبد الوهّاب بن أحمد
الأنصاري الشافعي ، المعروف بـ : الشعراني ، وأثبتها في كتابه : الطبقات الكبرى .
(7) هو الشيخ علي الخوّاص ، من كبار الصوفيّة (ت القرن العاشر) .
(8) أي أنّ الشيخ علي الخوّاص صدَّقَ دعوى الشيخ حسن العراقي باجتماعه بالإمام
المهدي عليه السلام ، كما ذكر ذلك مفصّلاً الشعراني في اليواقيت والجواهر 2|487 .
( 158 )
[85] لَئِنْ غــابَ في السِرْدابِ يَوْماً فإنّما * على النــاسِ مِنْ أُمِّ القُرى يَطْلَـعُ البَدْرُ
ولَـــــمْ يَتّخِذْهُ البَدْرُ بُرجـاً وإنّمــا * غَــدا أُفُقَـاً مِن خَطّه يُضْرَبُ الــسِتْرُ
وهــا هُوَ بَيْنَ الناسِ كالشَمْسِ ضَمَّهــا * سَحــابٌ ومِنْها يُشْرِقُ البَـرُّ والــبَحْرُ
بــهِ تُدْفَعُ الجُلّى (1) ويُسْتَنْزَلُ الحَيا (2) * وتُسْتَنْبَتُ الغبرا ويُسْتَــكْشَفُ الضُــرُّ
كمـــا قيــلَ في الأبْدالِ والقطبِ إنّهم * بهِمْ تُدْفَعُ الجُلّى ويُسْتَنْــزَلُ الـــقَطْرُ
[90] ولا عَجَبٌ إنْ كانَ في كُــلِّ حِجَّـةٍ * يَحِــجُّ وفيـهِ يَسْعُد النَحْرُ والــــنَفْرُ
ويَعْرِفُــــهُ البَيْتُ الحَــرامِ ورُكْنُـهُ * وزَمْزَمُ والأسْتــارُ والخِيفُ والــحِجْرُ
ولـــــكنّـهُ عَنْ أعْيُنِ الناسِ غائِبٌ * كَمـا غابَ بَيْنَ الناسِ إلْياسُ والخِضْرُ (3)
وقَوْلُكَ : « هــــذا الوَقْـتُ داعٍ لِمِثْلِهِ * ففيــهِ تَوالى الظُلْمُ وانْتَشَرَ الـــشَرُّ »
____________
(1) الجُلّى : الأُمور العظيمة ؛ انظر : المصباح المنير 1|105 مادّة « جَـلَّ » .
(2) الحَيا : المطرُ . الصحاح 6|2324 مادّة « حيا » .
(3) انظر : الكامل في التاريخ : 1|160 ـ 163 ؛ وفيه ما يتعلّق بالخضر عليه السلام وغيبته
وطول عمره .
( 159 )
يَعيـــــبُكَ فيهِ السامِعـونَ فإنّـه * لَعَمْري « قولٌ عَنْ معـــائِبٍ يَفْتَرُّ »
[95] فَمـا أنْتَ والداعِي ؟! فَدَعْهُ مُسَلِّماً * لِعِلْمِ عَليمٍ عَنْهُ لا يَعْزُبُ الـــــذَرُّ
وقَدْ جــــاءَ في الآثارِ أنّ ظُهـورَهُ * يكـونُ إذا ما جاءَ بالعَجِبِ الـــدَهْرُ
ويَعْرو (1) أُناساً قَدْ تَمــادَوْا بِغَيِّهــم * منَ القَذْفِ بَعْدَ المَسْخِ والخَسْفِ ما يَعْروُ
وتَغْدو الـوَرى إذْ كـانَ يَقْتادُها العَمى * ويَحْمِلُهـا مِنْ جَهْلِها المَرْكَبُ الـوَعْرُ
حَيـارى بلا دِينٍ وذوُ الدِينِ قابِــضٌ * على دِينِهِ ضَعْفاً كما يُقْبَضُ الجَمْرُ (2)
[100] وكَيْفَ وهذا الدِينُ يَزْهُرُ رَوْضُهُ * ويَنْفَحُ مِنْ حافاتِ زاهِـرِهِ الـــنَشْرُ
وهـــذِي ثُغـورُ المُسلمينَ مَنيعَةٌ (3) * بِكُلِّ رِباطٍ فيـهِ يَبْتَسِمُ الـــــثَغْرُ
وذي رايَــــةُ التَوْحيدِ يَخْفُقُ ظِلُّهـا * فَيَنْكَصُ رُعْباً دونَها الشِرْكُ والكُفْرُ (4)
____________
(1) يَعْرو : يُصيبُ . المصباح المنير 2|406 مادّة « عـرو » .
(2) إشارة لقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « يأتي على الناس زمانٌ الصابر على دينه مثل القابض على
الجمرة بكفّه » . مستدرك الوسائل 12|330 ح 2 .
(3) في شعراء الغري : « وها هم ملوك المسلمين وعدلهم » .
(4) في شعراء الغري : « حميداً ومن (عبد الحميد) لها نشر » .