من الّذين اتَّبَعوا ورأوُا العذابَ وتقطّعتْ بهمُ الأسبابُ * وقال الّذين
اتّبَعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّؤوا منّا كذلك يُريهمُ اللهُ أعمالَهم
حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النار) (1) ..
ويلاحظ في هذه الآيات تقنين المحبّة ـ التولّي والبراءة ـ بتحريم
محبّة الأنداد ، والندّ : كلّ من يدعى لغير طاعة الله تعالى ، كما جاء في
الروايات ، ويطابق المعنى اللغوي بقرينة السياق ، وأنّ التبرّي من أهل
العصيان والطغيان فريضة ، وأنّ هذا العصيان في التولّي والتبرّي يوجب
الخلود في النار ؛ وفي ذلك تعظيم لفريضة التولّي والتبرّي ، وأنّها بمثابة
الأُصول الاعتقادية الموجبة للنجاة مع الطاعة ، وللخلود في النار مع
المعصية .
وهذا لسان خامس في هذه الفريضة ؛ قال تعالى : (فلمّا فصل
طالوتُ بالجنود قال إنّ الله مبتليكم بنَهَرٍ فمَن شرِبَ منه فليس منّي ومَن
لم يطْعَمْهُ فإنّه منّي إلاّ مَن اغترفَ غُرْفَةً بيده فشرِبوا منه إلاّ قليلاً
منهم) (2) ، وكان طالوت إماماً لبني إسرائيل وجعل متابعته وعدمها مرتبطة
بالتولّي والتبرّي ..
وكذا قوله تعالى : (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في
القربى) (3) ؛ إذ جعلت المودّة التي هي عماد التولّي لأهل البيت في مصاف
أُصول الدين بمقتضى تعادل الأجر مع العمل في ماهية المؤاجرة
والمعاوضة ، والعمل هو تبليغ الدين ، وهذه الآية جعلت مدار التولّي في
____________
(1) سورة البقرة 2 : 165 ـ 167 .
(2) سورة البقرة 2 : 249 .
(3) سورة الشورى 42 : 23 .
( 78 )
الدين والإسلام والإيمان هو موالاة أهل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ وهو ممّا يقتضي
عصمتهم .
وقال تعالى : (يا أيُّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهودَ والنصارى
أولياءَ بعضهم أولياءُ بعضٍ ومَن يتولّهم منكم فإنّه منهم إنّ الله لا يهدي
القومَ الظالمين * فترى الّذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم يقولون
نخشى أن تصيبنا دائرةٌ فعسى اللهُ أن يأتيَ بالفتح أو أمرٍ من عنده
فيُصْبِحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين * ويقولُ الّذين آمنوا
أهؤلاء الّذين أقسموا بالله جَهْدَ أيْمانِهم إنّهم لمعكم حبِطَتْ أعمالُهم
فأصْبحوا خاسرين * يا أيُّها الّذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه
فسوف يأتي اللهُ بقومٍ يُحبُّهم ويُحبّونَهُ أذلّةٍ على المؤمنين أعزّةٍ على
الكافرين ... إنّما وليُّكُمُ اللهُ ورسولُهُ والّذين آمنوا الّذين يقيمون
الصلوةَ ويؤْتون الزكاةَ وهم راكعون * ومَن يتولّ اللهَ ورسولَهُ والّذين
آمنوا فإنّ حزبَ الله هُمُ الغالبون * يا أيُّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الّذين
اتّخذوا دينَكم هُزُواً ولَعِباً من الّذين أُوتوا الكتاب من قبلكم والكفّارَ
أولياءَ واتّقوا اللهَ إن كنتم مؤمنين) (1) ..
وهذه الآيات كآية مودّة القربى حاصرة للتولّي في الدين بالله والرسول
والأئمّة أوصياء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد اتّفق الفريقان على نزولها في عليّ
عليه السلام وتصدّقه وهو راكع في الصلاة ، كما تدلّ هذه الآيات على كون التولّي
لأئمّة الهدى من أهل البيت والتبرّيّ من الأعداء هو من أُصول الإيمان ..
وتدلّ على أنّ فئة (الّذين في قلوبهم مرض) ـ وهي الفئة التي
نشأت في صفوف المسلمين في أوائل البعثة النبوية في مكّة ، كما تشير إلى
____________
(1) سورة المائدة 5 : 51 ـ 57 .
( 79 )
ذلك سورة المدّثر ، رابع سورة نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تتولّى أهل الكتاب
والكفّار لخوفهم من انقلاب الكفّة لصالحهم على المسلمين ..
كما أنّ الآية تدلّ على أنّ النصرة لهذا الدين ووليّه منحصرة بعليّ
عليه السلام وولده عليهم السلام بتولّيهم ، وأنّهم حزب الله الغالبون ، وأنّ من يرتدّ عن الدين
بترك فريضة التولّي لهم عليهم السلام والتبرّي من الكفّار وبقية أعدائهم فسوف يأتي
الله بقوم يقومون بفريضة التولّي والتبرّي .
وقد روى العامّة بطرق مستفيضة حديثاً بمضمون الآية نفسه عن
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « إنّ الإسلام لا يزال عزيزاً ما مضى فيهم اثنا عشر خليفة ،
كلّهم من قريش » (1) .
وفي روايـة مسـلم : « لا يزال أمـر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشـر
رجـلاً ... كلّهم من قريش » (2) ، وفي لفظ آخر في صحيح مسلم : « لا يزال
هذا الدين عزيزاً متبعاً إلى اثني عشر خليفة ، كلّهم من قريش » (3) .
وفي رواية أبي داود السجستاني : « لا يزال هذا الدين قائماً حتّى
يكون عليكم اثنا عشر خليفة ... كلّهم من قريش » (4) ..
وفي أُخرى : « لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، قال :
فكبّر الناس وضجّوا ... كلّهم من قريش » (5) .
____________
(1) جامع الأُصول 4|440 .
(2) صحيح مسلم 3|1452 ح 6 .
(3) صحيح مسلم 3|1453 ، ح 9 .
(4) سُـنن أبي داود 4|106 ح 4279 .
(5) سُـنن أبي داود 4|106 ح 4280 ، مفتاح المسند عن المسند 5|86 ، 87 ، 107 ،
و7|399 ، و5|33 ـ طبعة مصر القديمة ، وقد ذكر لها اثنا عشـر سـنداً ؛ نقلاً عن
شرح إحقاق الحقّ ـ للسيّد المرعشي ـ 2|354 ، ولاحظ : 13|46 فإنّه نقل مصادر
أُخرى عن فتح الباري وإرشاد الساري .
( 80 )
وفي بعضها : « لا يزال أمر أُمّتي صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر
خليفة ... كلّهم من قريش » ؛ رواه الطبراني في الأوسط (1) والكبير ،
والبزّار (2) ، ورجال الطبراني رجال الصحيح ..
وفي الكبير : « لا يزال الإسلام ظاهراً حتّى يكون اثنا عشر أميراً أو
خليفة ، كلّهم من قريش » (3) .
وفي لفظ آخر : « لا يزال أمر هذه الأُمّة هادياً على من ناواها حتّى
يكون عليكم اثني عشر أميراً ... كلّهم من قريش » (4) .
وفي رواية أُخرى : « لا يزال أمر هذه الأُمّة ظاهراً ... » (5) .
وفي لفظ آخر : « لا يضرّ هذا الدين من ناواه حتّى يقوم اثني عشر
خليفة ، كلّهم من قريش » (6) .
وفي لفظ : « لا تزال أُمّتي على الحقّ ظاهرين حتّى يكون عليهم اثني
عشر أميراً ، كلّهم من قريش » (7) .
وفي لفظ : « لا تبرحون بخير ما قام عليكم اثني عشر أميراً ... كلّهم
من قريش » (8) .
____________
(1) المعجم الأوسـط 6|284 ح 6211 .
(2) المعجم الكبير 22|120 ح 308 ؛ ومسند البزّار ج 5 ح 1584 نقلاً عنه .
(3) المعجم الكبير 2|206 ح 1841 .
(4) المعجم الكبير 2|197 ح 1800 .
(5) المعجم الكبير 2|196 ح 1797 .
(6) المعجم الكبير 2|208 ح 1852 .
(7) المعجم الكبير 2|253 ح 2061 .
(8) المعجم الكبير 2|253 ح 2060 .
( 81 )
وفي لفظ : « لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً ، ينصرون على من ناواهم
عليه إلى اثني عشر ... » .. وفي لفظ : « لن يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً على
من ناوأه ، لا يضرّه من فارقه أو خالفه حتّى يملك اثنا عشر ، كلّهم من
قريش » (1) .
وفي بعضها : « كلّهم من بني هاشم » (2) .
وفي لفظ : « لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم
اثني عشر خليفة ، كلّهم من قريش » (3) .
وفي لفظ : « لا يزال هذا الأمر صالحاً ... » (4) .
و : « لا يزال هذه الأُمّة مستقيماً أمرها ، ظاهرة على عدوّها ، حتّى
يمضي منهم اثني عشر خليفة ، كلّهم من قريش » (5) .
و : « لا يزال هذا الدين قائماً ... » (6) ..
ولاحظ بقية الألفاظ في إحقاق الحقّ (7) .
فتبيّن من آيات سورة المائدة والأحاديث النبوية أنّ عزّة الدين
والإسلام وقوامه بالأئمّة من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كما أنّ صلاح أمر الأُمّة
الإسلامية ومضيّه واستقامته هو بالاثني عشر عليهم السلام ، وأنّ هدي أمر الأُمّة بيدهم
عليهم السلام ..
____________
(1) المعجم الكبير 2|196 ح 1795 وح 1796 .
(2) ينابع المودّة ـ للقندوزي ـ 2|315 ح 908 و3|290 ح 4 .
(3) المعجم الكبير 2|199 ح 1809 .
(4) المعجم الأوسط 4|366 ح 3938 .
(5) المعجم الكبير 2|253 ح 2059 ، المعجم الأوسط 6|345 ح 6382 .
(6) المعجم الكبير 2|199 ح 1808 ، و207 ح 1849 .
(7) إحقاق الحقّ 13|11 ـ 49 .
( 82 )
كما أن غلبة الأُمّة على أعدائها وعزّها وبقاءها على الحقّ هو ببركة
الذي يقوم به أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، سواء الدور البارز على السطح أو الدور
الخفي الذي يتّخذ أشكالاً وصوراً مختلفة ، وسواء العلمي أو الاجتماعي أو
السياسي أو الأمني أو العسكري أو الاقتصادي أو الأخلاقي المعنوي أو باقي
المجالات الأُخرى ..
وسيأتي أنّ بهم عليهم السلام حصل انتشار الإسلام وبأعدائهم حصل توقّف
انتشاره ، وبهم عليهم السلام تفتّقت بنية الاعتقادات والمعارف الحقّة وبأعدائهم تولّد
الزيغ والضلال ، وبهم عليهم السلام شيّد للدين منهاجه الأخلاقي والقانوني وبأعدائهم
دبّت الأهواء والميول وحصلت الفوضى ، وذلك بيّن واضح لمَن أمعن قراءة
التاريخ الاجتماعي طوال الأربعة عشر قرناً .
ومن الآيات الدالّة على التولّي والتبرّي قوله تعالى : (ترى كثيراً
منهم يتولّون الّذين كفروا لبئسَ ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخِطَ اللهُ
عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله وبالنبيّ
وما أُنزِلَ إليه ما اتّخذوهم أولياءَ ولكنّ كثيراً منهم فاسقون * لتَجِدَنَّ
أشدَّ الناس عداوةً للّذين آمنوا اليهودَ والّذين أشركوا ولتجِدنّ أقْرَبَهم
مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسـينَ
ورهباناً وأنّهم لا يستكبرون) (1) ..
وهذه الآيات تقابل بين المودّة والعداوة ، والمودّة مقرّرة بين المؤمنين
والعداوة مع الأعداء ، والولاء مع أهل الحقّ والقطيعة مع أهل الباطل ، وقد
تكون الوظيفة حيثية أو نسبية بقدر ما عند الطرف الآخر من اتّباع للحقّ أو
اتّباع للباطل .
____________
(1) سورة المائدة 5 : 80 ـ 82 .
( 83 )
ومثل هذه الآيات طائفة أُخرى دالّة على اتّخاذ العداوة مع الأعداء :
قوله تعالى : (مَن كان عدوّاً لله وملائكته ورسلِهِ وجبريلَ وميكالَ
فإنّ اللهَ عدوٌّ للكافرين) (1) .
وقال تعالى على لسان إبراهيم : (قال أفراءيْتُم ما كنتم تعبدون *
أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنّهم عدوٌّ لي إلاّ ربَّ العالمين) (2) .
وقال تعالى : (وإذا رأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجسامُهم وإن يقولوا تسمعْ
لقولهم كأنّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبون كلّ صيحةٍ عليْهِم همُ العدوُّ
فاحْذَرْهُم قاتَلَهم اللهُ أنّى يُؤْفَكون) (3) .
وقال تعالى : (إنّ الشيطان لكم عدوٌّ فاتّخِذوهُ عدوّاً إنّما يدعو
حزبَهُ ليكونوا من أصحاب السعير) (4) .
وقد مرّ قوله تعالى : (قد كانت لكم أُسوة حسنة في إبراهيم
والّذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم وممّا تعبدون من دون الله
كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتّى تؤمنوا بالله
وحدَه) ..
هذا مضاف إلى آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
قوله تعالى : (ولتكن منكم أُمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون
بالمعروف وينهَوْن عن المنكر) (5) .
وقوله تعالى : (المؤمنون والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعضٍ يأمرون
____________
(1) سورة البقرة 2 : 98 .
(2) سورة الشعراء 26 : 75 ـ 77 .
(3) سورة المنافقون 63 : 4 .
(4) سورة فاطر 35 : 6 .
(5) سورة آل عمران 3 : 104 .
( 84 )
بالمعروف وينهَوْن عن المنكر) (1) .
وقال تعالى : (لُعِنَ الّذين كفروا من بني إسرائيلَ على لسان داودَ
وعيسى ابنِ مريمَ ذلك بما عَصَوْا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهَوْن
عن منكرٍ فعلوه) (2) ..
ولا ريب في أنّ النهي عن منكر تبرّي منه ، والواجب في النهي عن
المنكر أن يكون بنكرانه في القلب أوّلاً وبالسعي في إزالته ثانياً ، كما أنّ
الواجب في الأمر بالمعروف برضاه وحبّه في القلب أوّلاً وبالسعي لاِقامته
ثانياً ، ومن أحبّ عمل قوم أُشرك معهم ؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم : « مَن شهد أمراً فكرهه
كان كمَن غاب عنه ، ومَن غاب عن أمر فرضيه كان كمَن شهده » (3) .
فالتولّي للمعروف بالقلب والعمل فريضة ركنية ، والتبرّي من المنكر
بالقلب والعمل فريضة ركنية ، ومن أعظم المعروف معرفة الحقّ ، ومن
أعظم المنكر جحود الحقّ والإقرار بالباطل ؛ فظهر أنّ باب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر قائم على التولّي والتبرّي ..
ولا يخفى أنّ لتولّي المعروف والحقّ والأمر به ، وللتبرّي من الباطل
والمنكر والنهي عنه ، درجات وأساليب ومقامات مشروحة في محالّها ،
فليس النهي عن المنكر والتبرّي من الباطل يعني أُسلوب الحدّة والشدّة بل
قد يكون اللين والموعظة الحسنة أنفع وأنجع في إزالة الباطل والمنكر ،
إلاّ أنّ الخلط والتشويش يقع بين كيفية أُسلوب اللين وبين استحسان المنكر
واستنكار المعروف ، أو بين المداراة وبين الرضا بالباطل ، وكذلك بين مقام
____________
(1) سورة التوبة (براءة) 9 : 71 .
(2) سورة المائدة 5 : 78 ـ 79 .
(3) وسائل الشيعة : أبواب الأمر والنهي ب 2 ح 5 .
( 85 )
التعامل مع الطوائف الأُخرى وبين مقام الحقيقة الدينية الواقعية وفي ما هو
داخل الطائفة .
وبعبارة أدقّ : الخلط في الموازنة بين المحافظة على حقائق الدين
وبين تجنّب الفرقة في زمن الهدنة .
وقد مرّ موقف هارون عليه السلام من ضلال بني إسرائيل وتبرّيه من زيغهم
في حين عدم تفريطه بوحدتهم وأنّ ردعه عن منكرهم اقتصر فيه على ذلك
لعدم قدرته على ما هو أشدّ درجة ..
كذلك مرّ موقف سيّد الشهداء عليه السلام من الانحراف في حين كان
عليه السلام يجعل مصير الأُمّة والمسلمين من مسؤوليّته ..
وكذلك موقف سيّد الوصيّـين في حروب الجمل وصفّين والنهروان ؛
فهو لم يعر أهمّية لما اقترح عليه جملة ممّن زعم الحرص على وحدة
المسلمين من عدم قتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، إذ أنّه عليه السلام ـ برواية
الفريقين ـ مأمور من النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يقاتل الفئات الثلاث ، وأنّه يقاتل
على التأويل في الشريعة والقرآن كما قاتل صلى الله عليه وآله وسلم على تنزيله ، وأنّ القتال الثاني
عين القتال الأوّل في الأهمّية والضرورة لبناء صرح الدين ..
بل نشاهد عليّاً عليه السلام لم يقـبل البـيعة لنفسه ـ بعد قتل عمر ـ
عندما اشتُرط فيها الأخذ بسنّة الشيخين ، كما أنّه لم يشارك في حروبهم
رغم أنّ بسيفه فتح الله على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وبه قام الإسلام في ربوعه أُمّة وملّة
ودولة .
كذلك موقف الصدّيقة البتول التي شهد القرآن بطهارتها وعصمتها ،
ثالثة أصحاب الكساء ، التي احتجّ الله تعالى بشهادتها لصدق النبوّة على أهل
الكتاب في واقعة المباهلة ، وروى الفريقان أنّها سيّدة نساء أهل الجنّة ؛ إذ
( 86 )
قامت بالمعارضة الشديدة حتّى استنهضت الأنصار للانقلاب على حكم
السقيفة ، مع أنّ الأوضاع بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كانت مضطربة حسب زعم أهل
السقيفة ، وقد أعلن عليّ عليه السلام بطلان مشروعية الحكم بامتناعه عن بيعتهم ،
كما روى ذلك البخاري .
وفي قتل عثمان لم يمانع عليه السلام وقوعه ، وإنّما كان ينكر على الثوّار هذا
الأُسلوب من جهة أنّه يعطي الذريعة لمعاوية وبني أُمية وغيرهم لزعم
مظلومية عثمان ، بخلاف حصره ومطالبته بخلع نفسه وتسليم مَن سبّب
الفتنة ممّن كان في جهته ، فإنّ ذلك كان قد ارتضاه عليه السلام ، وهو مفاد الوساطة
التي قام عليه السلام بها في المرّة الأُولى ، إلاّ أنّ عثمان اتّهمه بأنّه السبب في كلّ
ذلك فاعتزل عليه السلام .
وقد منع السيّد المرتضى في الشافي (1) والشيخ في تلخيصه (2) ثبوت
إرسال أمير المؤمنين الحسن عليه السلام للذبّ عن عثمان من طرقنا ؛ ولو سلّم
فليس للذبّ عنه بل للوساطة درءاً عن تشعّب الفوضى ..
وإلى ذلك يشير ما رواه الشريف المرتضى (3) عن الواقدي ، عن
الحكم بن الصلت ، عن محمّد بن عمّار بن ياسر ، عن أبيه ، قال : « رأيت
عليّاً على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قتل عثمان وهو يقول : ما أحببت قتله ولا
كرهته ، ولا أمرت به ولا نهيت عنه » .
وروى البلاذري عنه عليه السلام أنّه قال : « والله الذي لا إله إلاّ هو ما قتلته
____________
(1) الشافي 4| 242 .
(2) تلخيص الشافي 3|100 .
(3) الشافي 4|307 ـ 308 ؛ ورواه البلاذري في الأنساب 5|101 .
( 87 )
ولا مالأت على قتله ولا سائني » (1) .
وروي بطرق كثيرة عنه عليه السلام أنّه قال : « من يسائلي عن دم عثمان فإنّ
الله قتله وأنا معـه » (2) ، وفُسّر بأنّ حكم الله هو قتله وأنّه عليه السلام راض بحكم الله
تعالى .
وفي خطبه له جواباً لاعتراض الأشعث بن قيس قال عليه السلام : « ولو أنّ
عثمان لمّا قال له الناس : اخلعها ونكفّ عنك ، خلعها ، لم يقتلوه ، ولكنّه
قال : لا أخلعها ، فقالوا : فإنّا قاتلوك ، فكفّ يده عنهم حتّى قتلوه ، ولعمري
لخلعه إيّاها كان خيراً له ؛ لأنّه أخذها بغير حقّ ، ولم يكن له فيها نصيب ،
وادّعى ما ليس له ، وتناول حقّ غيره ..
ويلك يا ابن قيس ! إنّ عثمان لا يعدوا أن يكون أحد رجلين : إمّا أن
دعا الناس إلى نصرته فلم ينصرونه ، وإمّا أن يكون القوم دعوه إلى أن
ينصروه فنهاهم عن نصرته ؛ فلم يكن يحلّ له أن ينهى المسلمين عن أن
ينصروا إماماً هادياً مهتدياً ، لم يحدث حدثاً ولم يؤوِ محدثاً ، وبئس ما صنع
حين نهاهم ، وبئس ما صنعوا حين أطاعوه ، فإمّا أن يكونوا لم يروه أهلاً
لنصرته ؛ لجَوْره وحكمه بخلاف الكتاب والسُنّة ... » (3) .
وهكذا مواقف حواريّيه عليه السلام تجاه عثمان ، مثل أبي ذرّ وما جرى
بينهما ، وموقف عمّار مع عثمان ، بل إنّ مصادر القوم تنسب تدبير خلع
عثمان في الدرجة الأُولى إلى عمّار ومحمّد بن أبي بكر .
____________
(1) الأنساب 5|98 .
(2) الغدير ـ للأميني ـ : |69 ـ 77 ـ 315 ـ 375 ، والشافي 4|308 ـ 309 .
(3) كتاب سليم بن قيس الكوفي 2|666 ضمن ح 12 ، بحار الأنوار 29|469 ضمن
ح 55 ، ولها مصادر كثيرة أُخرى ؛ لاحظ : هامش هذه الخطبة في بحار الأنوار .
( 88 )
وغير ذلك من مواقفهم عليهم السلام ومواقف أصحابهم ـ رضي الله عنهم ـ التي
قد يُتخيّل أنّ فيها مصادمة مع الوحدة ، ولم يجدوا في الوحدة معنىً يطغى
على الأمر بالحقّ والمعروف والنهي عن الباطل والمنكر ، أي على تولّي
الحقّ والتبرّي من الباطل .
معنى وقوام الوحدة :
ويشير عليه السلام إلى الوحدة المعنية التي هي محلّ أهمّية في قوله عليه السلام :
« وأيم الله لولا مخافة الفُرقة من المسلمين أن يعودوا إلى الكفر ويعود
[يبور] الدين لكنّا قد غيّرنا ذلك ما استطعنا » (1) ، فهو عليه السلام يفسّر الفُرقة
بمعنى اختلاف المسلمين عن الدين باختيار جملة منهم الخروج عن
الإسلام واعتناق الكفر أو ديانة أُخرى ..
وبيانه عليه السلام هذا يفسّر قول هارون عليه السلام : (إنّي خشِيتُ أن تقولَ فرّقْتَ
بين بني إسرائيلَ ولم ترقُبْ قَوْلي) (2) ، أنّه بمعنى تفرّق بني إسرائيل عن
دين النبيّ موسى عليه السلام لو اصطدم هارون معهم بالسلاح أو قاطعهم بمفارقتهم
والخروج عنهم ، وهذا يوجب شدّة تعصّبهم وارتدادهم عن دين موسى
عليه السلام ؛ إذ أنّ عبادتهم للعجل بتسويل السامري كانت بخداعه أنّ ذلك من
شرع موسى عليه السلام : (فأخرجَ لهم عجلاً جسداً له خُوارٌ فقالوا هذا إلهُكم
وإله موسى فنسي) (3) .
أمّا السبّ ، فقد تقدّم افتراقه عن اللعن ؛ إذ هو الفحش من القول
____________
(1) الأمالي ـ للشيخ المفيد ـ : 154 ـ 156 ح 6 .
(2) سورة طه 20 : 94 .
(3) سورة طه 20 : 88 .
( 89 )
القذر الذي يمارسه حثالى وأسافل الناس ، قال تعالى : (ولا تسُبّوا الّذين
يدعون من دون الله فيسُبّوا اللهَ عدْواً بغير علم) (1) ، وهو يفترق عن ذكر
حقائق الأُمور والأحداث الواقعة في تاريخ المسلمين ، فالسبّ لا يرتبط بها ،
وخلط العناوين مثار مغالطة ..
قال عليّ عليه السلام ـ وقد سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام
حربهم بصفّين ـ : « إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وصفتم
أعمالهم ، وذكرتم حالهم ، كان أصوب في القول ، وأبلغ في العذر ، وقلتم
مكان سبّكم : اللّهمّ احقنْ دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ،
واهدهم من ضلالتهم ، حتّى يعرف الحقّ مَن جهله ، ويرعوي عن الغي مَن
لهج به » (2) .
فتراه عليه السلام في الوقت الذي ينهى عن السبّ ، يحثّ على وصف
أعمالهم وذكر حالهم ، أي استعراض حقائق الأُمور وما عليه أهل الباطل من
رداءة العمل ورذيلة الحال ، وبيّن عليه السلام الغاية من ذلك : « حتّى يعرف الحقّ
مَن جهله » أي : ليتبيّن طريق الحقّ وأهله وطريق الباطل وأهله ، وتفيق
الأجيال من رقدتها وسباتها ، وتبصر الحقّ والهدى ، ولا يصيبها العمى
والهذيان ، « ويرعوي عن الغي والعدوان مَن لهج به » أي : ينقطع المسلمون
السالكون طريق الغي والعدوان ، ولئلاّ يُدعوْن إلى ذلك الطريق الضال ..
____________
(1) سورة الأنعام 6 : 108 .
(2) نهج البلاغة : خطبة 206 ؛ ومن الأمانة عند بعضهم أن يورد هذه الخطبة مقتطعاً
منها ما يروق له ، وينقلها بهذه الصورة : « إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين ، ولكنّكم
لو قلتم مكان سبّكم إيّاهم : اللّهمّ احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ،
واهدهم من ضلالتهم ... كان أصوب في القول » . فحذف الوسط والذيل وأخّر
جملة : [كان أصوب في القول] . « هفت آسمان » ، عدد 12 ـ 13 ص 217 .
( 90 )
قال ابن أبي الحديد ـ في ذيل الخطبة في شرح النهج ـ : « الذي
كرهه عليه السلام منهم أنّهم كانوا يشتمون أهل الشام ، ولم يكن يكره منهم لعنهم
إيّاهم » (1)
كما أنّه عليه السلام يبيّن قواعد وضوابط الوحدة الإسلامية ، بقوله عليه السلام : « اللّهمّ
احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم ،
حتّى يعرف الحقّ ... » ؛ فالقاعدة الأُولى هي : حقن الدماء وسيادة الأمن
بين طوائف المسلمين ..
والقاعدة الثانية : إنّ إصلاح ذات البين بين طوائف المسلمين يجب
أن يكون على مسير الهداية والحقيقة والابتعاد عن الضلال ، ولغاية معرفة
الحقّ ورجوع صاحب الغي عن غيّه ورجوع صاحب العدوان عن اعتدائه
وصاحب الدعوة الضالّة عن ترويجه للضلال .
وكلامه عليه السلام طبق هدى الآية : (وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا
فأصلحوا بينهما فإنْ بَغَتْ إحداهما على الأُخرى فقاتلوا التي تَبْغي
حتّى تفيءَ إلى أمر الله فإنْ فاءَتْ فأصلحوا بينهما بالعدل وأقْسِطوا إنّ
الله يُحبُّ المقسطين) (2) .
فقد دلّت الآية على أنّ إصلاح ذات البين ورفع اختلاف المسلمين
ووحدتهم يجب أن يرسو على العدل والقسط والحقّ والهدى ، لا على
الظلم وإغماط الحقّ ، وأنّ الإصلاح والوحدة يجب أن تكون على أساس
الفيء والرجوع إلى أمر الله تعالى ، لا إلى الأهواء والميول والضلالات .
ثمّ إنّ في الآية الناهية عن سبّ الّذين يدعون من دون الله نكتة
____________
(1) شرح نهج البلاغة 21|11 .
(2) سورة الحجرات 49 : 9 .
( 91 )
ظريفة ، وهي : أنّ علّة النهي هي تمادي أهل الضلال في ضلالهم وغيّهم
وابتعادهم عن سبيل الله ، ولم يعلل النهي بترك مباغضة المؤمنين لأهل
الضلال والتبرّي من غيّهم ، ولو على مستوى القلب أو على مستوى السلوك
الداخلي في ما بين المؤمنين ، كما أنّ مورد آية النهي عن السبّ هو صعيد
التعامل مع أهل الضلال ، وصعيد دعوتهم للهداية .
وحيث اتّضح الفرق بين السبّ واللعن موضوعاً ، فالمناسب الإشارة
إلى حكم اللعن للظالمين والمعتدين ، فإنّه خُلق إلهي ، استعرضه القرآن
الكريم في ما يزيد على الثلاثين مورداً في السور القرآنية (1) ، وكذلك هو
خُلق الأنبياء ، كما في قوله تعالى في آية المباهلة : (ثمّ نبْتَهِلْ فنجعلْ
لعْنَتَ الله على الكاذبين) (2) ، وقوله تعالى : (لُعنَ الّذين كفروا من بني
إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا
يعتدون) (3) ..
بل في قوله تعالى : (إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات
والهدى من بعد ما بيّنّاه للناس في الكتاب أُولئك يلعنهم الله ويلعنهم
اللاعنون) (4) دعوة وندب إلى التبرّي من الكاتمين لحقائق الدين والشرائع
ولهداية السماء بتوسّـط اللعن هذا ، فضلاً عن عشرات الموارد التي لعن
فيها سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم أشخاصاً بأسمائهم ، مثل لعنه أصحاب العقبة
____________
(1) سورة البقرة 2 : 89 ، سورة النساء 4 : 46 و47 و93 و118 ، سورة المائدة 5 :
13 و60 ، سورة الأحزاب 33 : 64 ، وغيرها ؛ فلاحظ مادّة « ل ع ن » في المعجم
المفهرس لألفاظ القرآن الكريم .
(2) سورة آل عمران 3 : 61 .
(3) سورة المائدة 5 : 78 .
(4) سورة البقرة 2 : 159 .
( 92 )
وأبي سفيان في سبعة مواطن (1) ، ولعن رسول الله قاتل الحسين عليه السلام ، كما
رواه الفريقان (2) ..
وقد قال : سعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية : « وإنّما اختلفوا
في يزيد بن معاوية ؛ حتّى ذكر في الخلاصة وغيرها : أنّه لا ينبغي اللعن
عليه ولا على الحجّاج ؛ لأنّ النـبيّ صلّى الله عليه [ وآله ]] وسلّم نهى عن
لعن المصلّين ومَن كان من أهل القبلة ، وما نقل عن لعن النبيّ صلّى الله
عليه [ وآله ]] وسلّم لبعض مـن أهل القبلة فلِما أنّـه يعلم من أحوال الناس
ما لا يعلمه غيره .
وبعضـهم أطلق اللعـن عليه لِما أنّـه كفر حـين أمر بقتل الحسين
رضي الله عنه ، واتّفقوا على جواز اللعن على مَن قتله ، وأمر به ، وأجازه ،
ورضي به .
والحقّ أنّ رضا يزيد بقتل الحسين رضي الله عنه ، واستبشاره بذلك ،
وإهانته أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، ممّا تواتر معناه ، وإن
كان تفاصيله آحاداً ، فنحن لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه ، لعنة الله عليه
وعلى أنصاره وأعوانه » (3) .
ولا يخفى أنّ المناط والضابطة التي ذكرها التفتازاني تنطبق على كثير
ممّن عادى أهل بيت النبوّة .
____________
(1) الخصال : 397 ـ 398 ح 105 .
(2) تاريخ بغداد 3|290 ، أُسد الغابة 2|22 ؛ ولاحظ ما رواه في الدرّ المنثور
4|191 من الروايات في ذيل الآية : (والشجرة الملعونة) ، وما رواه الخوارزمي
في مقتل الحسين 1|176 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق 4|339 ، وابن حجر في
لسان الميزان 5|377 ، والسيوطي في ذيل اللآلئ : 76 .
(3) شرح العقائد النسفية ـ بتحقيق محمّد عدنان درويش ـ : 247 ـ 248 .
( 93 )
وقال الغزّالي : « الصفات المقتضية للّعن ثلاثة : الكفر والبدعة
والفسق » (1) .
وقد ألّف أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً في لعن يزيد سمّاه : الردّ على
المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد ، ونسب فيه اللعن إلى العلماء
الورعين (2) .
كما حكى القاضي أبو يعلى الفرّاء في كتاب المعتمد عن أحمد بن
حنبل ـ وكذا الشبراوي (3) في الإتحاف ـ أنّه جوّز لعن يزيد (4) ، واستدلّ
بقوله تعالى : (فهل عسيْتُم إن تولّيْتُم) (5) .
وحكى الدمـيري (6) ذلك عن أبي حنيفة ومالك وأحمد .
ومثله ابن كثير (7) ، والطبري (8) ، والآلوسي (9) .
وحكي كذلك عن الحنفية (10) .
وقد وقع أهل السُنّة في حيص بيص من لعن النبيّ جماعة بأسمائهم ،
فأخذوا في توجيه ذلك بما يضحك الثكلى (11) مع أنّهم رووا عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه
____________
(1) إحياء علوم الدين 3|106 .
(2) الردّ على المتعصّب العنيد : 13 .
(3) الإتحاف بحبّ الأشراف : 64 .
(4) الردّ على المتعصّب العنيد : 16 ـ 17 .
(5) سورة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم 47 : 22 .
(6) حياة الحيوان 2|175 .
(7) البداية والنهاية 8|154 و163 و179 .
(8) تاريخ الطبري 4|537 .
(9) روح المعاني 26|73 .
(10) الدرّ المنتقى 1|692 ، فيض القدير 1|205 ؛ ولاحظ الكثير من المصادر الأُخرى
في نشرتنا هذه « تراثنا » العدد 50 ـ 51 ، لسنة 1418 هـ ، ص 191 ـ 253 .
(11) لاحظ : الانتصار ـ للعاملي ـ 3|110 ـ 112 .
( 94 )
كان يلعنهم في صلاته ويقنت عليهم (1) .
وروى الحاكم عن عائشة أنّه قال صلى الله عليه وآله وسلم : « ستّة لعنتهم ، لعنهم الله وكلّ
نبيّ مجاب : الزائد في كتاب الله ، والمكذّب بقدر الله تعالى ، والمتسلّط
بالجبروت ؛ فيُعزّ بذلك مَن أذلّ الله ويُذلّ مَن أعزّ الله ، والمستحلّ لحرم
الله ، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله ، والتارك لسنّّتي » (2) .
وقال المحقّق الكركي في نفحات اللاهوت : « لا ريب أنّ اللعن هو
الطرد والإبعاد من الرحمة ، وإنزال العقوبة بالمكلّف ، وكلّ فعل أو قول
اقتضى نزول العقوبة بالمكلّف من فسق أو كفر فهو مقتضي لجواز
اللعن » (3) .
نعم هذا حكم اللعن للظالمين والمعتدين في نفسه أو في الوسط
الداخلي ، وأمّا أُسلوب دعوة الآخرين وإرشادهم فلا ريب أن يُتحرّى فيه
مالا يثير عصبية الطرف الآخر ، كما ينبغي الالتفات إلى فلسفة اللعن في
نفسه أو في الوسط الداخلي ؛ إذ أنّه مصداق لطبيعة التولّي والتبرّي ، التي مرّ
أنّها فريضة قرآنية اعتقادية ، كما أنّه مصداق لطبيعة إنكار المنكر ـ ولو
بالقلب واللسان ـ وكراهة الباطل ، وبالتالي فإنّه أُسلوب تربوي للنفوس
يقيمها على الحقّ ويبعدها عن استحسان الباطل ، فإنّه من أكبر الأدواء في
المجتمعات استنكار الحقّ واستحسان الباطل والأمر بالمنكر والنهي عن
المعروف .
____________
(1) صحيح البخاري 5|35 باب : ليس لك من الأمر شيء .
(2) المستدرك على الصحيحين ـ للحاكم ـ 1|91 ح 102 .
(3) نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت : 44 ـ 45 .
( 95 )
وقال عليه السلام في خطبة له : « وإنّي لعالِم بما يُصلحكم ويُقيم أودكم ولكنّي
لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي » (1) ..
وهذا أصل بالغ الأهمّية لطريقة إصلاح الآخرين : أن لا تكون على
حساب فساد المصلح نفسه ؛ فقد يداري المصلح الطرف الآخر لدرجة
يضيّع فيها على نفسه وطائفته موقف الثبات على الحقّ ، ويؤدّي إلى ذوبانه
في الباطل والانحراف باسم المداراة للإصلاح ، وبادّعاء أنّ الإصلاح قد
يستلزم تخلّي الطائفة المحقّة عن بعض مبادئها وضرورياتها لتربية الطائفة
نفسها .
إنّ لمعرفة الأهمّية البالغة للأمر بالمعروف والحقّ والنهي عن المنكر
والباطل دور كبير في ثبات هوية المجتمع الديني ، ونظامه الاجتماعي ،
وحصانته أمام الغزو الثقافي والعقائدي الأجنبي الدخيل ، الموجب للتحلّل
الخلقي ولعدم التزام أفراد المجتمع تجاه مقدّسات الملّة والأُمّة
والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم ..
الوحدة وشعائر المذهب :
وهذه الوظيفة التي تؤدّيها فريضة التولّي والتبرّي والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ـ من إيجاد الغيرة الدينية وحسّ المسؤولية الاجتماعية
الدينية ـ تتأدّى بآليات عديدة ، عمدتها الشعائر الدينية ، ومن هنا يُتفطّن
لأهمّية الشعائر وعدم التفريط بها ، ولا سيّما الشعائر الإيمانية المذهبية ؛ فإنّ
التفريط بها يوجب التفريط بكيان المذهب وذوبانه أمام هوية المذاهب
الإسلامية الأُخرى ، القائمة على فـقه واعتقادات السلاطين ، المصنوعة من
____________
(1) نهج البلاغة : خطبة 69 .
( 96 )
سياسات السلطات الحاكمة ، كالجبرية ، والقدرية ، والمجسّمة ، واجتهاد
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالظنّ وإلقاء الشيطان في أُمنيّته ، وأنّ يد الله ـ والعياذ بالله ـ
مقطوعة عن الأرض ، ومشروعية ولاية الحاكم المتغلّب بالقوّة ، وإطلاق
الاجتهاد بالرأي ، والتأوّل ، والقياس ، والاستحسان ، وغيرها من الأُصول ،
ويؤكّد علماء الاجتماع كذلك على أهمّية الشعائر ـ الطقوس ـ الدينية
وفلسفتها .
ونظير الخلط السابق بين العناوين ، الخلط في الموازنة بين إقامة
الشعائر الإيمانية وبين عنوان التقية ، مع أنّ موضوع التقية « الخوفية » حيث
لا سلطة قائمة للمؤمنين ، وكونهم أقلّية قليلة ونحو ذلك ، أو الخلط بين
التقية « المداراتية » وبين إقامة المعرفة الحقّة في نفوس أبناء الطائفة ؛ فإنّ
التقية إنّما شُرّعت لحفظ الحقّ وأهله لا لطمسهما في المجتمع .
الوحدة وطوائف الشيعة :
وإنّ التساؤل الجادّ المطروح في مشروع سياسة الوحدة هو عن
الاهتمام ببقيّة طوائف ومذاهب الشيعة غير الإمامية ـ كالإسماعيلية والزيدية
ومذهب العلويّين ـ نظير الاهتمام بالطوائف السنّّية ، مع أنّ الملاحظ قلّة
العناية بهم ، بل اللازم أولوية الاهتمام بهم لعدّة أسباب :
الأوّل : إنّ تحالفهم السياسي مع الطائفة مضمون ؛ نظراً لقرب أُصولهم
الاعتقادية لنا .
الثاني : قوّة وأقربيّة احتمال هدايتهم بالمقارنة مع الطوائف السنّّية .
الثالث : كبر حجمهم العددي والخطورة الاستراتيجية لأماكن
تواجدهم .
( 97 )
فالعلويّون ـ مثلاً ـ يصل تعدادهم في جنوب تركيا إلى 13 مليون
نسمة حسب الإحصائيات الرسمية ، ولكن بعض التقارير المحلية تصل
بعددهم إلى 22 مليون نسمة ، فضلاً عن تواجدهم في سوريا ولبنان وشمال
العراق .
ومثلهم الإسماعيلية ، فهم منتشرون في لبنان وسوريا والعراق
وأفغانستان وپاكستان والهند واليمن ، وفي جنوب السعودية يشكّلون
الأكثرية في المحافظات الجنوبية ، والغريب أنّه في مؤتمرات الوحدة لم
توجّه إلى الآن ـ حسب ما قيل ـ أي دعوة لعلماء الإسماعيلية في سوريا أو
في المناطق الأُخرى ، والظاهر أنّ الحال كذلك بالنسبة إلى العلويّـين ؛ إذ لم
توجّه لهم دعوة .
وأمّا الزيدية فهم الأكثرية في اليمن .
وكذلك الحال بالنسبة إلى الأشراف السادة من نسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فإنّ
انتشارهم في الأصقاع كوثر كاثر ، ولهم نقابات في أكثر البلدان ، وهم على
محبّة وولاء قلبي لأئمّة أهل البيت عليهم السلام أشـدّ من غيرهم ..
ففي بلاد المغرب العربي والجزائر وتونس ما يقرب من 5 ملايين
حسني ، فضلا عن مصر وليبيا ، وكذلك في المدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة
وأندونسيا .
والحاصل قلّما يخلو بلد من البلدان الإسلامية من هذا النسل الطيّب ،
وهم أوْلى بإقامة الجسور معهم من أتباع بني أُمية ومروان ، بل إنّ صوفية
السُنّة وفرقهم أوْلى بإقامة العلاقة معهم من بقية طوائف السُنّة ؛ إذ أنّ
غالبيّتهم يعتقدون باطناً بإمامة الاثني عشر عليهم السلام ، ولذلك تتخوّف الطوائف
السنّّية الظاهرية الرسمية منهم .
( 98 )
والحاصل : إنّ سياسة الوحدة لم تبن على بصيرة منهجية ، آخذة في
عين الاعتبار درجات وأقسام الطوائف الإسلامية الموجودة ، وإرساء منهج
يستند على أولويات مدروسـة .
وكم فرق بين مَن يُبطن المحبّة لك وبين مَن يُبطن العداوة والبغضاء ؛
قال تعالى : (يا أيُّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا بطانةً من دونكم لا يأْلونَكم
خبالاً ودّوا ما عنتّم قد بدت البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صدورهم
أكبرُ قد بيّنّا لكم الآياتِ إنْ كنتم تعقلون * ها أنتم أُولاءِ تحبّونهم
ولايحبّونكم وتؤمنون بالكتاب كلّه ...) (1) ..
وقال تعالى : (كيف وإن يظهروا عليكم لا يَرْقُبوا فيكم إلاًّ
ولا ذمّةً يُرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ...) (2) .
ولا يخفى أنّ الآيات المزبورة ليست في صدد تخشين العلاقة
الخُلقية مع الآخرين المتّصفين بذلك كي يُتوهّم معارضتها بنظير قوله تعالى :
(وقولوا للناس حسناً) (3) ، وقوله تعالى : (ادفَعْ بالتي هيَ أحسنُ
السيئةَ) (4) ، بل هي في صدد بيان سياسة الانفتاح وبناء العلاقات الأساسية
المعتمدة لبناء خطوات المستقبل من التحالفات في المجالات المختلفة .
الوحدة وحديث الفرقة الناجية :
إنّ الحديث المتواتر بين الفريقين عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ أُمّتي ستفترق
____________
(1) سورة آل عمران 3 : 118 ـ 119 .
(2) سورة التوبة 9 : 8 .
(3) سورة البقرة 2 : 83 .
(4) سورة المؤمنون 23 : 96 .
( 99 )
بعدي على ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة منها ناجية واثنتان وسبعون في
النار » (1) يلزم الباحث المسلم الطالب للنجاة الاخروية الفصح عن
خصوص تلك الفرقة الناجية ، والتمسّك بها دون بقية فرق المسلمين ؛ لأنّ
مؤدّى الحديث النبوي أنّ الاختلاف الواقع ليس في دائرة الظنون والاجتهاد
المشروع ، بل هو في دائرة الأُصول والأركان من الأُمور القطعية واليقينية ،
أي ممّا قام الدليل القطعي واليقيني عليها ، وإن لم تكن ضرورية في زمن أو
أزمان معيّنة نتيجة التشويش أو التعتيم الذي تقوم به الفرق الأُخرى .
والحـديث ـ مضافاً إلى كونه ملحـمة نـبوية ـ يحدّد معالم الوحدة
التي يجب أن تقيمها الأُمّة الإسلامية بأن تكون على منهاج الحقّ والهدى
الذي تسير عليه الفرقة الناجية ، وإنّ الأُمّة وإن اشتركت في الإقرار
بالشهادتين والانتماء إلى الملّة الواحدة إلاّ أنّ ذلك لا يعدو الأحكام بحسب
ظاهر الإسلام في النشأة الدنيوية ، إلاّ أنّها مفترقة بحسب واقع الإسلام
والإيمان الذي به النجاة الأُخروية ؛ فهناك ديانة بحسب إقرار اللسان تترتّب
عليها أحكام المواطنة في النظام الاجتماعي السياسي ، وهناك ديانة بحسب
القلب والأعمال تترتّب عليها أحكام الآخرة من النجاة من النار وإعطاء
الثواب .
وهذه الأُمور المستفادة من الحديث الشريف المتواتر إنّما هي بلحاظ
الإنسان البالغ العاقل المكلّف ، الذي قد اجتمعت فيه شرائط التكليف ، أمّا
الصبي والمجنون والجاهل القاصر أو المعتوه أو الأبله وحديث العهد
بالإسلام ونحوهم ممّن لم تقم عليه الحجّة وتتمّ شرائط التكليف لديه ، فهم
____________
(1) بحار الأنوار 28|2 ـ 36 .
( 100 )
معذورون ، وعاقبة المعذور ـ كما سيأتي ـ موقوفة على المشيئة الإلهية
الأُخروية ، التي فُسّرت في الروايات بإقامة امتحان إلهي له يوم القيامة إن
أطاع فيه نجا وإن عصى هلك .
وقـد أُطلق على أفراد المعـذور في الكتاب والسُنّة عدّة تسميات ،
كـ : (المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة
ولايهتدون سبيلاً) (1) ، و(مُرْجَوْن لأمر الله) (2) ، و(أصحاب
الأعراف) (3) ، والّذين (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً) (4) ،
و (المؤلّفةِ قلوبُهُم) (5) ، وأُطلق عليهم أيضاً : « الضلاّل » ، بمعنى : الضالّ
« القاصر » ؛ إذ هذا أحد معانيه ، وإلاّ فهو يطلق على « المقصّر » المخلّد في
النار أيضاً ..
لذلك لا مفرّ لهذا الإنسان ـ المكلّف المختار ـ ولا مخلص ولا نجاة له
إلاّ بالفحص عن الفرقة الناجية من فرق المسلمين ، وليس له أن يتعامى عن
عمد ويسلك طريق الضلال والغواية ويرجو مع ذلك النجاة ، كما أنّ البحث
الجادّ بين فرق المسلمين في إطار الوحدة لا بُدّ أن يُتحرّى فيه ـ بمقتضى
الحديث الشريف والتوصية النبوية ـ عن الحقّ الذي تسلكه الفرقة الناجية
لكي تتّبعها بقيّة الفرق ، فإنّ منهاج الهدى لا يرسم بضلال القاصر
المستضعف .
____________
(1) سورة النساء 4 : 98 .
(2) سورة التوبة 9 : 106 .
(3) سورة الأعراف 7 : 48 .
(4) سورة التوبة 9 : 102 .
(5) سورة التوبة 9 : 60 .