عبّر سيبويه (ت 180 هـ) عن « اسم الجمع » بأنّه : « الاسم الذي لم
يكسّر عليه واحده للجمع » ؛ فقد قال في باب التحقير : « هذا باب تحقير
مالم يكسّر عليه واحده للجمع ، ولكنّه شيء واحد يقع على الجميع ،
فتحقيره كتحقير الاسم الذي يقع على الواحد ؛ لأنّه بمنزلته إلاّ أنّه يعنى به
الجميع ، وذلك قولك في قوم : قويم ، وفي رجل : رُجيل ، وكذلك في النَّفَر
والرَهْط والنِسوة » (1) .
وقال في موضع آخر : « هذا باب ما هو اسم يقع على الجميع لم
يكسّر عليه واحده ، ولكنّه بمنزلة قَوْم ونَفَر وذَوْد ، إلاّ أنّ لفظه من لفظ
واحده ، وذلك قولك : رَكْب وسَفْر ، فالركب لم يكسّر عليه راكب ، ألا ترى
أنّك تقول في التحقير : رُكيب وسُفير ، فلو كان كسّر عليه الواحد رُدَّ إليه ،
____________
(1) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون 3|494 .
( 287 )
فليس (فَعْل) ممّا يكسّر عليه الواحد للجمع » (1) .
وقد حذا ابن السرّاج (ت 316 هـ) حذو سيبويه في التعبير عن اسم
الجمع بأنّه : « اسم يقع على الجميع ولم يكسّر عليه واحد ، وهو من
لفظه » (2) ِ .
ويبدو أنَّ المبّرد (ت 285 هـ) أوّل من عبّر عنه بـ : « اسم الجمع » ؛ إذ
قال : « وأمّا قولهم : خادِم وخَدَم وغائب وغَيَب ، فإنّ هذا ليس بجمع
(فاعل) ... إنّما هي أسماء للجمع ... ولو قالوا : (فُعُل) لكان من أبواب
جمع (فاعل) ... نحو : كتاب وكُتُب » (3) .
وقال في موضع آخر : « أسماء الجمع التي ليس لها واحد من لفظها :
اعلم أنّ مجراها في التحقير مجرى الواحد ؛ لأنّها وضعت أسماءً ، كلّ اسم
منها لجماعة ، كما أنّك إذا قلت : (جماعة) فإنّما هو اسم مفرد وإن كان
المسمّى به جمعاً ... وتلك الأسماء : نَفَر وقَوْم ورَهْط وبَشَر ، تقول : بُشَيْر
وقُوَيْم ورُهَيط » (4) .
وعبّر عنه ابن السرّاج (ت 316 هـ) بـ : « اسم الجميع » قائلاً : « وما كان
اسماً للجميع ، وليس من لفظ واحده فهو كالواحد ويصغّر على لفظه ، نحو :
قَوْم ، تقول فيه : قُوَيم ، ورَهْط تقول فيه : رُهَيْط » (5) .
وإلى هنا لا نجد النحاة يفرّقون في اسم الجمع بين ما لم يكن له
____________
(1) الكتاب 3|624 .
(2) الأُصول في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبد الحسين الفتلي 3|31 .
(3) المقتضب ، محمّد بن يزيد المبّرد ، تحقيق محمّد عبد الخالق عضيمة 2|220 .
(4) المقتضب 2|292 .
(5) الموجز في النحو ، أبو بكر محمّد بن السرّاج ، تحقيق مصطفى الشويمي وبن
سالم دامرجي : 122 .
( 288 )
واحد من لفظه ، وبين ما كان له واحد ، كرَكْب وسَفْر ، ممّا قام الدليل على
أنّه ليس جمع تكسير لمفرده ، إلاّ أنّ أبا الحسن الأخفش المتوفّى أوائل
القرن الرابع (1) ، ذهب إلى أنّ نحو : ركب وسفر جمع « تكسير ، فإذا صُـغِّر
على مذهبه رُدَّ إلى الواحد وصُـغِّر عليه ، ثمّ تلحقه الواو والنون إن كان
مذكّراً ، والألف والتاء إن كان مؤنّثاً ، فتقول في تصغير رَكْب : رُوَيكبون ،
وفي سَفْر : مُسَيفرون ، ورُوَيْكبات ومُسَيْفرات » (2) .
وسيأتي استعراض أدلّة النحاة على بطلان مذهبه .
وقال الزمخشري (ت 538 هـ) : « ويقع الاسم على الجميع لم يكسر
عليه واحده ، وذلك نحو : رَكْب وسَفْر وأَدَم وعَمَد وحَلَق وخَدَم » (3) .
وتمثيله لاسم الجمع بنحو : ركب وسفر ، واضح في مخالفته لما
ذهب إليه الأخفش ، وقد ساق ابن يعيش (ت 643 هـ) في شرحه لعبارة
الزمخشري أربعة أدلّة على بطلان مذهب الأخفش وهي :
[الأوّل] : « أنّ المسموع في تصغير رَكْب : رُكَيْب ، قال الشاعر :
وأينَ رُكيبٌ واضعون رحالَهم
*
إلى أهلِ نارٍ من أُناسٍ بأَسودا
... وهذا نصٌّ في محلِّ النزاع ؛ إذ لو كان جمعاً مكسّراً لرُدَّ إلى
الواحد ، فأمّا قول أبي الحسن : (رُوَيكبون) ، فهو شيء يقوله على مقتضى
قياس مذهبه ، والمسموع غيره . الثاني : إنّ الجمع المكسّر مؤنّث ، وهذه الأسماء مذكّرة ، تقول : هو
____________
(1) تاريخ وفاته مردّد بين الأعوام 210 ، 215 ، 221 هـ . (المزهر ـ للسيوطي ـ
2|463) .
(2) شرح المفصّل ، ابن يعيش 5|77 .
(3) المفصّل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 197 .
( 289 )
الرَّكْب ، وهذا السَّفْر ، ولو كان مكسّراً لقلت : هي وهذه . الثالث : إنّ (فَعْلاً) لا يكون جمعاً مكسّراً لفاعل ونحوه ؛ لأنّ الجمع
المكسّر حقّه أن يزيد على لفظ الواحد ، وهذا أخفّ من بناء الواحد . الرابع : إنّ هذه الأبنية لو كانت جمعاً صناعياً ، لاطّرد ذلك في ما كان
مثله ، وأنت لا تقول في جالس : جَلْس ، ولا في كاتب : كَتْب .
فثبت بما ذكرناه أنّه : اسم مفرد دالّ على الجمع ، وليس جمعاً على
الحقيقة » (1) .
وقال الشلوبيني (ت 645 هـ) معرّفاً باسم الجمع : « وضعت أسماء
الجموع نحو الرَّهْط والنَّفَر والقَوْم والعُصبة لأداءِ معناها من أوّل وهلة ،
لا أنّها كانت آحاداً ثمّ عطف عليها بالواو آحادٌ مثلها ، ثمّ عوّض من الآحاد
التي عطفت بالواو على الأوّل شيء أُضيف إلى الأوّل المعطوف عليه كما
فعل ذلك في التثنية وجمع السلامة » (2) .
وقال أيضاً : « ولمْ يُقل فيه إنّه مجموع ؛ لأنّه ليس له واحد من لفظه ،
ولا يكون الجمع عندهم إلاّ ما له واحد من لفظه ... وربّما جاءَ ما ظاهره
ذلك ، ولكن يقوم الدليل على أنّه ليس بجمع تكسير ، وعلى أنّه ليس بمبنيّ
على واحدٍ غير الجمع ، كرَكْب » (3) .
ويمكن أن يستفاد من عبارته الأخيرة في صياغة تعريف « اسم
الجـمع » ، بأنّه : ما دلَّ على جماعة وليس بمبني على واحد غير الجمع ،
فهذا أفضل من قولهم : ولم يكن له واحد من لفظه ؛ لأنّ هذا يوهم دخول
____________
(1) شرح المفصّل ، ابن يعيش 5|77 ـ 78 .
(2) شرح المقدّمة الجزولية ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق تركي العتيبي 1|383 .
(3) التوطئة ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق يوسف المطوّع : 125 .
( 290 )
نحو : صَحْب ورَكْب في التعريف ، وإن أمكن إخراجه بما ذكروه .
وقال ابن عصفور (ت 669 هـ) : « اسم الجمع ، ما ليس له واحد من
لفظه ، نحو : قوم ؛ لأنّ واحده رجل ، ونحو : إبل ؛ فإنّ واحده ناقة أو
جـمل » (1) .
وفيه شيء من المسامحة ، وكان ينبغي أن يصدّره بـ : (ما دلَّ على
أكثر من اثنين) ، أو : (ما دلَّ على جماعة) .
وقال ابن مالك (ت 672 هـ) في التعريف بالجمع واسم الجمع ،
وبيان الفارق بينهما : « كلّ اسـم دلّ على أكثر من اثنين ولا واحد له من
لفظه ، فهو جمع واحد مقدّر إن كان على وزن خاصّ بالجمع أو غالب فيه ،
وإلاّ فهو اسم جمع ، فإن كان له واحد يوافقه في أصل اللفظ دون الهيئة
وفي الدلالة عند عطف أمثاله عليه فهو جمع ، ما لم يخالف الأوزان الآتي
ذكرها ، أو يساوِ الواحد دون قبح في خبره ووصفه والنسبة إليه ... فإن كان
كذلك فهو اسم جمع ... لا جمع ، خلافاً للأخفش في رَكْب ونحوه » (2) .
ويستفاد من كلامه أنّ من شروط كون الاسم الدالّ على أكثر من اثنين
جمعاً اصطلاحياً : * أوّلاً : أن يكون على وزن خاصّ بالجمع أو غالب فيه . * ثانياً : أن لا يكون مساوياً للمفرد في خبره ووصفه والنسبة إليه .
وعليه يثبت أنّ مثل : (ركب) اسم جمع وليس جمعاً لراكب ؛ لأنّه لم
يأتِ على وزن خاصّ بالجمع أو غالب فيه ، ولأنّه مساوٍ للمفرد في خبره
____________
(1) شرح جُمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1|147 .
(2) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّد كامل بركات : 267 .
( 291 )
ووصفه والنسبة إليه ؛ إذ يقال فيه : الركب سائر ، كما يقال : الراكب سائر ،
بينما لا يقال في الجمع : الرجال سائر ؛ فإنّ فيه قبحاً .
ويستخلص منه تعريفه لاسم الجمع بأنّه : ما دلّ على أكثر من اثنين ،
ولم يكن على وزن خاصّ بالجمع أو غالب فيه ، ولم يساوِ المفرد في خبره
ووصفه والنسبة إليه .
ومن الجدير بالذكر هنا ما لاحظه أبو حيّان الأندلسي على ابن مالك
من أنّه أورد « في أسماء الجـموع جملة ممّا بينه وبين المفرد تاء التأنيث
وياء النسب ، وأصحابنا لا يسمّون هذا النوع اسم جمع بل يسمّونه اسم
جنس » (1) .
وقال ابن الناظم (ت 686 هـ) : « الموضوع لمجموع الآحاد هو اسم
الجمع ، سواء كان له واحد من لفظه كرَكْب وصَـحْب ، أو لم يكن كقوم
ورهط ... وممّا يعرف به اسم الجمع كونه على وزن الآحاد ، وليس له
واحد من لفظه ... وكونه مساوياً للواحد في تذكيره والنسبة إليه » (2) .
فهو يرى أنّ حقيقة اسم الجمع تتقوّم بكونه موضوعاً أوّل وهلة
للدلالة على مجموع الآحاد ، وأنّها ليست من قبيل دلالة تكرار الواحد
بالعطف كما هي الحال في الجمع الاصطلاحي ، وأمّا كونه على وزن
الآحاد ... إلى آخر ما ذكره ، فهي علامات يعرف بها اسم الجمع .
وقال الرضيّ (686 هـ) : « اسم الجمع نحو : إبل وغنم ؛ لأنّها وإن
____________
(1) ارتشاف الضرب من لسان العرب ، أبو حيّان الأندلسي ، تحقيق رجب عثمان
محمّد 1|482 .
(2) شرح الألفية ، ابن الناظم : 14 ـ 15 .
( 292 )
دلّت على آحاد ، لكن لم يقصد إلى تلك الآحاد بأن أُخذت حروف مفردها
وغُيّرت بتغيير ما ، بل آحادها ألفاظ من غير لفظها ، كبعير وشاة » (1) .
ثمّ ردّ القول بأنّ نحو ركب في راكب وطَلَب في طالب جمع ،
بدعوى أنّ آحادها من لفظها ، وأنّ (راكب) مثلاً قد غُيّرت حروفه فصار
(ركباً) بقوله : ليس راكب بمفرد ركب ، وإن اتّفق اشتراكهما في الحروف
الأصلية ؛ لأنّها لو كانت جموعاً لهذه الآحاد ، لم تكن جموع قلّة ؛ لأنّ
أوزانها محصورة ... بل جموع كثرة ، وجمع الكثرة لا يُصغّر على لفظه ، بل
يُردّ إلى واحده ... وهذه لا تردّ ، نحو : رُكَيب ... وأيضاً لو كانت جموعاً
لردّت في النسب إلى آحادها ، ولم يُقل : ركبيّ » (2) .
وقال أبو حيّان (ت 745 هـ) : « واسم الجمع قسمان : قسم ليس له
واحد من لفظه ، كقَوْم ورَهْط ونَفْر ، وقسم له واحد من لفظه ، نحو :
صَحْب ، وسبق ذكر الخلاف فيه ، وإنّ الأخفش يذهب إلى أنّه جمع
تكسير » (3) .
وقال ابن الفخّار (ت 754 هـ) : « اسم الجمع ، وهو : ما ليس له واحد
من لفظه لا تحقيقاً ولا تقديراً ، أو له واحد من لفظه ولم يثبت في أبنية
الجموع ، خلافاً للأخفش » (4) .
وقال الأشموني (ت 900 هـ) في شرحه على الألفية : « الفرق بين
الجمع واسم الجمع من وجهين ، معنوي ولفظي :
____________
(1) شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3|365 ـ 366 .
(2) شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3|365 ـ 366 .
(3) ارتشاف الضرب من لسان العرب 1|480 .
(4) شرح جُمل الزجّاجي ، ابن الفخار الخولاني ، مصوّرتي عن مخطوطة الخزانة
العامّة بالرباط : 29 .
( 293 )
أمّا المعنوي ، فهو : أنّ الاسم الدالّ على أكثر من اثنين إمّا أن يكون
موضوعاً لمجموع الآحاد المجتمعة ، دالاًّ عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف ،
وإمّا أن يكون دالاًّ عليها دلالة المفرد على جملة أجزاءِ مسمّاه ... فالأوّل
هو الجمع ، سواء كان له واحد من لفظه مستعمل ، كرجال وأسود ، أو لم
يكن ، كأبابيل (1) ، والثاني هو اسم الجمع ، سواء كان له واحد من لفظه ،
كرَكْب وصَحْب ، أم لم يكن ، كقوم ورهط ...
وأمّا اللفظي ، فهو : أنّ الاسم الدالّ على أكثر من اثنين إن لم يكن له
واحد من لفظه ، فإمّا أن يكون على وزن خاصّ بالجمع ، نحو : أبابيل
وعباديد (2) ) ، أو غالب فيه ، نحو : أعْراب ، فهو جمع واحدٍ مقدّر ، وإلاّ فهو
اسم جمع ، نحو : رهط وإبل » (3) .
وعليه يمكن طرح تعريفين لاسم الجمع ، يقوم أحدهما على أساس
الفارق المعنوي بينه وبين الجمع الاصطلاحي ، فيقال : إنّه ما كان موضوعاً
لمجموع الآحاد ، دالاًّ عليها دلالة المفرد على جملة أجزاء مسمّاه ، ويقوم
الآخر على أساس الفارق اللفظي بينهما ، فيقال : إنّه ما دلّ على أكثر من
اثنين ولم يكن على وزن خاصّ بالجمع أو غالب فيه .
وقد أخذ الفاكهي (ت 972 هـ) بالنحو الأوّل ؛ فقال في تعريف اسم
الجمع : إنّه « الاسم الموضوع لمجموع الآحاد دالاًّ عليها دلالة المفرد على
جملة أجزاء مسمّاه ... فمدلوله مجموع الأفراد ، وكلّ منها جزء مدلوله ،
____________
(1) الأبابيل : جماعة في تفرقة ، واحدها إبّيل وإبّول ، وذهب أبو عبيدة إلى أنّ الأبابيل
جمع لا واحد له من لفظه . لسان العرب ، مادّة « أبل » .
(2) العباديد : الخيل المتفرّقة ، لا واحد له ، ولا يقال : عبديد . لسان العرب ، مادّة
« عبد » .
(3) شرح الأشموني على الألفية ، تحقيق حسن حمد 3|412 .
( 294 )
ودلالته على أحدها بالتضمّن ؛ لأنّه جزء المدلول ، كالتخت اسم لذي أجزاء
مدلوله مجموعها » (1) .
* * *
____________
(1) الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّد الطيّب الإبراهيم : 90 ـ 91 .