قال أبوعبيد : والصواب من ذلك عندي ، والله أعلم ، مذهب فيه تصديق
القولين جميعا . وذلك إن هذه الحروف اصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها
سقطت إلى العرب فأعربتها بألسنتها ، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت
عربية . ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب . فمن قال : إنها عربية
فهو صادق ، ومن قال : عجمية فهو صادق . قال : وإنما فسرنا هذا لئلا يقدم أحد على
الفقهاء فينسبهم إلى الجهل ، ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله جل ثناؤه بغير
ما أراد الله عزوجل ، وهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن .
قال أحمد بن فارس : وليس كل من خالف قائلا في مقالته فقد نسبه إلى
الجهل ، وذلك أن الصدر الاول اختلفوا في تأويل آي من القرآن فخالف بعضهم
بعضا ، ثم خلف من بعدهم من خلف ، فأخذ بعضهم بقول ، وأخذ بعض بقول ، حسب
اجتهادهم ، وما دلتهم الدلالة عليه ، فالقول اذا ما قاله أبوعبيدة ، وإن كان قوم من
الاوائل قد ذهبوا إلى غيره .
فإن قال قائل : فما تأويل قول أبي عبيدة : ( فقد أعظم وأكبر) ، قيل له : تأويله
أنه أتى بأمر عظيم وكبير ، وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شئ لتوهم
متوهم أن العرب إنما عجزت عن الاتيان بمثله لانه أتى بلغات لا يعرفونها ، وفي ذلك ما
فيه .
وإذا كان كذا فلاوجه لقول من يجيز قراءة القرآن في صلاته بالفارسية ، لان
الفارسية ترجمة غير معجزة ، وإنما أمرالله جل ثناؤه بقراءة القرآن العربي المعجز ، ولو
جازت القراءة بالترجمة الفارسية لكانت كتب التفسير والمصنفات في معاني القرآن
باللفظ العربي أولى بجواز الصلاة بها ، وهذا لا يقوله أحد
فأما الحروف التي في كتاب الله جل ثناؤه فواتح سور ، فقال قوم : كل
حرف منها مأخوذ من إسم من أسماء الله : فالالف من إسمه : الله ، واللام من : لطيف ،
والميم من مجيد ، فالالف من آلائه ، واللام من لطفه ، والميم من مجده . يروى ذا عن ابن
عباس ، وهو وجه جيد وله في كلام العرب شاهد ، وهو :
كذا ينشد هذا الشطر ، فعبر عن قولها وقفت ، بقاف .
وقال آخرون ، إن الله جل ثناؤه أقسم بهذه الحروف أن هذا الكتاب الذي
يقرؤه محمد صلى الله عليه وآله ، هو الكتاب الذي أنزله الله جل ثناؤه ، لا شك فيه .
وقال قوم : هذه الاحرف من التسعة وعشرين حرفا ، دارت به الالسنة فليس
منها حرف إلا وهو مفتاح إسم من أسمائه عزوجل . وليس منها حرف إلا وهو في
آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم . فالالف سنة ، واللام
ثلاثون سنة ، والميم أربعون . رواه عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، عن أبيه ، عن الربيع
ابن أنس . وهو قول حسن لطيف ، لان الله جل ثناؤه ، أنزل على نبيه محمد صلى الله
عليه وآله والفرقان فلم يدع نظما عجيبا ، ولا علما نافعا إلا أودعه إياه ، علم ذلك من
علمه ، وجهله من جهله . فليس منكرا أن ينزل الله جل ثناؤه هذه الحروف مشتملة مع
إيجازها على ما قاله هؤلاء .
وقول آخر روي عن إبن عباس في (ألم) : أنا الله أعلم . وفي (ألمص) أنا الله
أعلم وأفصل . وهذا وجه يقرب مما مضى ذكره من دلالة الحرف الواحد على الاسم
وقال قوم : هي أسماء للسور فـ (ألم) إسم لهذه ، و(حم) إسم لغيرها . وهذا
يؤثر عن جماعة من أهل العلم . وذلك أن الاسماء وضعت للتمييز ، فكذلك هذه
الحروف في أوائل السور موضوعة لتمييز تلك السور من غيرها . فإن قال قائل : فقد رأينا
(ألم) افتتح بها غير سورة فأين التمييز · قلنا : قد يقع الوفاق بين إسمين لشخصين ، ثم يميز
ما يجيء بعد ذلك من صفة ونعت ، كما يقال : زيد وزيد ، ثم يميز بأن يقال : زيد
الفقيه ، وزيد العربي ، فكذلك إذا قرأ القارئ : ( الم ذلك الكتاب ) (34) فقد ميزها
عن التي أولها : ( الم الله لا إلا إلا هو ) (35) .
وقال آخرون : لكل كتاب سر : وسر القران فواتح السور ، وأظن قائل هذا أراد
أن ذلك من السر الذي لا يعلمه إلا الخاص من أهل العلم والراسخون فيه .
وقال قوم : إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه ، وقال بعضهم لبعض
( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) (36) ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذا النظم
ليتعجبوا منه ، ويكون تعجبهم منه سببا لا ستماعهم ، واستماعهم له سببا لا ستماع ما
بعده ، فترق حينئذ القلوب ، وتلين الافئدة .
وقول آخر : إن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف
التي هي : ، أ ب ت ث ، فجاء بعضها مقطعا ، وجاء تمامها مؤلفا ، ليدل القوم الذين
نزل القرآن فيما بين ظهرانيهم أنه بالحروف التي يعقلونها ، فيكون ذلك تعريفا لهم ،
ودلالة على عجزهم عن أن يأتوا بمثله بعد أن أعلموا أنه منزل بالحروف التي يعرفونها ،
ويبنون كلامهم منها .
وقال أحمد بن فارس : وأقرب القول في ذلك وأجمعه قول بعض علمائنا : إن
أولى الامور أن تجعل هذه التأويلات كلها تأويلا واحدا ، فيقال : إن الله عزوجل
افتتح السور بهذه الحروف إرادة منه الدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لا على
معنى واحد ، فتكون هذه الحروف جامعة لان تكون افتتاحا للسور ، وأن يكون كل
وهذا هو القول الجامع للتأويلات كلها من غير اطراح لواحد منها . وإنما قلنا
هذا لان المعنى فيها لايمكن استخراجه عقلا من حيث يزول به العذر ، ولان المرجع إلى
أقاويل العلماء ، ولن يجوز لاحد أن يتعرض عليهم بالطعن ، وهم من العلم بالمكان الذي
هم به ، ولهم مع ذلك فضيلة التقدم ومزية السبق .
والله أعلم بما أراد من ذلك .
قال أبوالحسين أحمد بن فارس : جمع القرآن على ضربين :
أحدهما : تأليف السور ، كتقديم السبع الطوال ، وتعقيبها بالمئين فهذا الضرب
هو الذي تولاه الصحابة .
والجمع الآخر : وهو جمع الآيات في السور ، فهو توقيفي تولاة النبي صلى الله
عليه وآله وسلم .ما تبقى من كتابه ( المسائل الخمس)
نقلا عن
البرهان للزركشي 1|237 ـ 238
قال أبوالحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب رحمه الله تعالى :
هذه ـ أكرمك الله وأيدك ووفقك ـ مقالة (كلا) ، ومعنى ما جاء من هذا
الحرف في كتاب الله تعالى ، واختلاف أهل العلم في موضعوعه ، وأين تقع نفيا ، ومتى
تقع تحقيقا .
وقد فسرنا مالاح من ذلك واتجه ، ودللنا على الاصح من ذلك بشواهد من
غير إحالة ، وبالله التوفيق .
قال بعض أهل العلم : إن (كلا) تجئ لمعنيين : للرد والاستئناف .
وقال قوم : تجيء كلا بمعنى التكذيب .
وقال آخرون : كلا : ردع وزجر .
وقال آخرون : كلا ، تكون بمعنى حقا .
وقال قوم : كلا ، رد وإبطال لما قبله من الخبر ، كما أن (كذلك ) تحقيق
وإثبات لم قبله من الخبر ، قال : والكاف في قوله (كلا) كاف تشبيه ، و(لا) نفي
وتبرئة .
وقال بعضهم : كلا ، تنفي شيئا ، وتوجب غيره .
فهذا ما قيل في (كلا) .
وأقرب ما يقال في ذلك : أن (كلا) تقع في تصريف الكلام على أربعة
أو جه :
أولها : الرد ، والثاني : الردع . والثالث : صلة اليمين وافتتاح الكلام بها كألا ،
والوجه الرابع : التحقيق لما بعده من الاخبار .
وسأذكر ما جاء منها في كتاب الله عزوجل ، على ترتيب هذه الوجوه الثلاث
حكاية لمقالة من زعم : أن (كلا) منحوتة من كلمتين وأن الكاف للتشبيه والرد على
قائل ذلك إن شاء الله تعالى .
زعم بعض المتأخرين أن (كلا) رد وإبطال لما قبله من الخبر ، كما أن
(كذلك) تحقيق ، وإثبات لم قبله من الخبر ، والكاف في (كلا) كاف تشبيه ، وزعم
أن أصل (كلا) : التخفيف ، إلا أنهم كانوا يكررون (لا) فيقولون : هذا الشيء
كلا ولا . ثم حذفوا إحداهما ، وشددوا الباقي طلبا للتخفيف ، قال : ومنه قول الشاعر :
قال : وربما تركوه على خفته ولم يثقلوه ، وذلك كقول ذي الرمة :
ومنه قول جرير :
وهذا كلام مدخول من جهتين :
إحداهما : أنه غير محفوظ عن القدماء من أهل العلم بالعربية .
والثانية : أنه مما لا يتأيد بدليل .
وهو برواية (يكون نزول الركب . . .) في الديوان 2 | 949 .
والفرق ما بين (كلا) ، مشددة و(كلا) مخففة بين جدا (40) . وذلك أن
قول القائل : هذا شئ كلا ، وإنما هو تشبيه الشيء ، وحقارته ، وقلته وأنه لا محصول
له ب (لا) ، وذلك أن (لا) كلمة نفي . وأما (كلا) فكلمة مشددة بعيدة التشبيه
بلا .
وبإعتبار (41) ما قلناه : أنك لو حملت قوله تعالى ( كلا والقمر ) (42) على
معنى أنه : كلا ولا القمر ، لكنت عند أهل العربية كلهم مخطئا . لان (كلا ولا)
ليس بموافق لقوله : والقمر .
فإن قال قائل فما الاصل فيها · قلنا : أن (كلا) كلمة موضوعة للمعاني التي قد
ذكرناها مبنية هذا البناء ، وهي مثل : أن ولعل وكيف ، وكل واحدة من هذه مبني
بناء يدل على معنى ، فكذا (كلا) كلمة مبنية بناء يدل على المعاني التي نذكرها .
وهذا قول لا إستكراه فيه .
إعلم أنك إذا أردت رد الكلام ب (كلا) جاز لك الوقف عليها ، لان المعنى
قد تم عند الرد ، وذلك أن تقول : كلا ، لقائل : أكلت تمرا (43) أي : إني لم آكله .
فقولك : كلا ، مبني على خبر قد ذكره غيرك ، ونفيته أنت .
قال الله عزوجل في قصة من قال : ( لا وتين مالا وولدا . اطلع الغيب أم
اتخذ عند الرحمن عهدا . كلا . . . ) (44) أي : إنه لم يطلع الغيب ، ولم يتخذ العهد ،
وأصوب ما يقال في ذلك أن (كلا) رد للمعنيين جميعا وذلك أن الكافر ادعى (45)
وأما قوله تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا . . . ) (46) .
فكلا : رد لما قبله ، وإثبات لما بعده ، لانهم زعموا أن الآلهة تكون لهم عزا ، وذلك
لقولهم : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) (47) . فقيل لهم : كلا ، أي : ليس
الامر على ما تقولون ، ثم جيء بعد بخبر ، وأكد بكلا وهو قوله : ( سيكفرون
بعبادتهم ) [ مريم 82 ] .
وأما قوله في سورة المؤمنين : ( لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا ) (48) فلها
مواضع ثلاثة :
أولها : رد لقوله : إرجعون ، فقيل له : كلا ، أي لا يرد (49) .
والثاني : قوله تعالى ( أعمل صالحا ) فقيل له : كلا ، أي لست ممن يعمل
صالحا ، وهو لقوله تعالى : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) (50) .
والموضع الثالث : تحقيق لقوله : ( إنها كلمة هو قائلها ) (51) .
وأما قوله في الشعراء : ( ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ، قال كلا ) (52)
فهو : رد في حالة ، وردع في اخرى . فأما الردع (53) فقوله : ( أخاف أن يقتلون ) (54) .
فقيل له (كلا) ، أي : لا تخف ، فذا ردع . وأما الرد ، فقوله : ( أن يقتلون ) فقيل له :
لا يقتلونك ، فنفى (أن يقتلون) (55) واعلم أنهم لا يصلون إلى ذلك .
وأما قوله في هذه السورة : ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، قال كلا ) (56)
فهو نفي لما قبله ، واثبات لما بعده .
وأما قوله في سورة سبأ : ( قل : أروني الذين الحقتم به شركاء كلا ) (57) فلها
تثلاثة مواضع :
أحدها أن تكون ردا على قوله : ( أروني ) ، أي أنهم : لا يرون ذلك وكيف
يرون شيئا لا يكون · !
والموضع الثاني : قوله : ( ألحقتم به شركاء ) فهو رد له ، أي : لا شريك له .
والثالث : أنها تحقيق لقوله : ( بل هوالله العزيز الحكيم ) .
وقال بعض أهل التأويل : إنما رد على قوله : ( ألحقتم به شركاء ) دون أن
يكون ردا على قوله ( أروني) . وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله ، لما أمر بأن يقول
لهم : ( أروني) قال لهم ذلك . فكأنهم قالوا : هذه هي الاصنام التي تضرنا وتنفعنا
فأروه إياها فرد عليهم ذلك بقوله : بل هو ، أي : أن الذي يضركم وينفعكم ويرزقكم
ويمعنكم هو الله . ومعنى قوله : (أروني) هاهنا : أعلموني .
وأما قوله ـ عزوجل ـ في سورة سأل سائل :( لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ،
وصاحبته وأخيه ، وفصيلته ألتي تؤويه ، ومن في الارض جميعا ثم ينجيه ، كلا ) (58) فرد
لقولهم ( ثم ينجيه) أو رد لقوله (لويفتدي) .
وقال في هذه السورة : ( أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم · كلا إنا
خلقناهم مما يعلمون ) (59) من نطفة ، كما خلقنا بني آدم كلهم ، ومن حكمنا في بني
آدم أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالايمان والعمل الصالح فلا (60) يطمع كل
امرئ منهم ليس بمؤمن ولا صالح أن يدخل الجنة ولا يدخلها ، إلا مؤمن صالح العمل .
وأما قوله في سورة المدثر : ( ثم يطمع أن أزيد ؟ كلا )(61) فهو رد (أن
وكذلك قوله : ( فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول : ربي
أكرمن . . . إلى قوله : أهانن ، كلا ) (63) .
ومن الرد قوله : ( بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ، كلا ) (64)
أي : لامفر أكد ذلك بقوله : (لاوزر) تأكيدا لقوله كلا .
ومنه : ( إذا تتلى عليه آياتنا قال : أساطير الاولين ، كلا ) (65) فهورد ، أي :
أنها ليست بأساطير الاولين .
ومن الرد قوله : ( أيحسب أن ماله أخلده ، كلا ) (66) أي : ليس كما يظن ،
فإن ماله لن يخلده .
فذا ما في القرآن من النفي والرد بكلا .
وما كان في أشعار العرب منه ، وهو كثير ، قول القائل :
فنفى بذلك قولهم : قد بكيت ، وقال ابن الدمينة :
وقال آخر :
وصف النظرة بالقلة ، ثم تدارك فنفى أن تكون نظرته إليها قليلة .
وذلك قولك : كلا ، لاضربنك ، ومنه في كتاب الله : ( كلا إنها
تذكرة ) (70) إن : يكون تأكيدا ، وكلا : زيادة تأكيد : ومثل : ( كلا سيعلمون ، ثم
كلا سيعلمون ) (71) . وكان بعض أهل التأويل يقول : هو رد شئ قد تقدم إلا إنه لم
يذكر ظاهرا ، وذلك قوله ( الذي هم فيه مختلفون ) [ النبأ : 3 ] . ثم قال : (كلا) فهو
رد على قوله : مختلفون ، ومعناها : لا اختلاف فيه .
ومن التحقيق قوله : ( كلا لما يققض ما أمره ) (72) ، أي : أنه لم يقض ما أمر
به ، وكان بعضهم يقول : معناها (إن ) .
ومثله : ( كلا إنه تذكرة ) (73) . ومنه : ( كلا بل تكذبون بالدين ) (74) وهو
تحقيق لما بعده ومنه : ( كلا إن كتاب الفجار ) (75) . و( كلا إن كتاب الابرار ) (76)
و: ( كلا إن الانسان ليطغى ) (77) و: ( كلا لئن لم ينته ) (78) .
وأما ما كان ردعا فقوله ـ جل ثناؤه ـ ( الهيكم التكاثر ، حتى زرتم المقابر ،
كلا سوف تعلمون ، ثم كلا سوف تعلمون . كلا لو . . . ) (79) ردعهم عن التكاثر ، ثم
أعاد اخرى فقال : كلا ، أي أنكم افتخرتم وتكاثرتم ، وظننتم أن هذا ينفع شيئا ،
ثم أكد ذلك بقوله : كلا ثم كلا ، إبلاغا في الموعظة .
ومنه قوله ـ عزوجل : ( فأنت عنه تلهى ، كلا ) (80) أي : لا تفعل ذلك .
ومنه ( كلا ، لا تطعمه ) (81) .
وأما ما كان من صلة اليمين فقوله : ( كلا والقمر ) (82) فهو صلة اليمين
وتأكيد لها ويقال : إن معناها ألا والقمر ، أي : والقمر كذا كان أبوزكريا
الفراء (83) يقول .
هذا ما في القرآن .
فإن سأل سائل عن (كلا) فقل : هي في كتاب الله على أربعة أوجه يجمعها
وجهان : رد ، وردع ، وهما متقاربان ، وتحقيق وصلة يمين ، وهما متقاربان .
فالرد مثل : ( ليكونوا لهم عزا ، كلا ) (84) وهو الذي يوقف عليه .
والردع : مثل قوله : ( كلا سيعلمون ) (85) .
والتحقيق ، مثل : ( كلا ، إن كتاب الابرار لفي عليين ) (86) .
وصلة اليمين : مثل قوله : ( كلا والقمر ) (87) .
واعلم أنه ليس في النصف الاول من كتاب الله ، عزوجل ، كلا . وما كان
منه في النصف الآخر فهو الذي أوضحنا معناه بحسب مالاح واتجه .
والله ولي التوفيق ، وله الحمد وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وسلم .
(. . . وقال ابن فارس في كتاب (الافراد) : كل ما في كتاب الله من ذكر
(الاسف ) فمعناه : الحزن ، كقوله تعالى في قصة يعقوب : ( يا أسفا على يوسف ) ، إلا
قوله تعالى : ( فلما آسفونا ) فإن معنا : أغضبونا . وأما قوله في قصة موسى ( غضبان
أسفا ) ، فقال ابن عباس ، مغتاظا .
وكل ما في القرآن من ذكر (البروج ) فإنها الكواكب ، كقوله تعالى :
( وسماء ذات البروج ) إلا التي في سورة النساء ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) فإنها
القصور الطوال ، المرتفعة في السماء ، الحصينة .
وما في القرآن من ذكر (البر) و(البحر) فإنه يراد بالبحر : الماء وبالبر :
التراب اليايس ، غير واحد في سورة الروم : ( ظهر الفساد في البر والبحر ) فإنه بمعنى
البرية والعمران . وقال بعض علمائنا : في البر قتل ابن آدم أخاه ، وفي البحر أخذ
الملك كل سفينة غصبا .
و(البخس) في القرآن : النقص ، مثل قوله تعالى : ( فلا يخاف بخسا ولا
رهقا ) إلا حرفا واحدا في سورة يوسف : ( وشروه بثمن بخس ) ، فإن أهل التفسير قالوا :
بخس : حرام .
وما في القرآن من ذكر (البعل) فهو الزوج ، كقوله تعالى : ( وبعلوتهن أحق
بردهن ) إلا حرفا واحدا في سورة الصافات : ( أتدعون بعلا ) فإنه أراد صنما .
وما في القرآن من ذكر (البكم) فهو الخرس عن الكلام بالايمان كقوله :
( صم بكم ) إنما أراد بكم عن النطق بالتوحيد مع صحة ألسنتكم ، إلا حرفين : أحدهما
وكل شيء في القرآن (جثيا) فمعنا : جميعا ، إلا التي في سورة الشريعة
(الجاثية) : ( وترى كل أمة جاثية ) فإنه أراد : تجثو على ركبتيها .
وكل حرف في القرآن (حسبان) فهو من العدد ، غير حرف في سورة الكهف
( حسبانا من السماء ) فإنه بمعنى العذاب .
وكل ما في القران (حسرة) فهو الندامة ، كقوله ـ عزوجل ـ ( يا حسرة على
العباد ) . إلا التي في سورة آل عمران : ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ) فإنه يعني به
حزنا .
وكل شيء في القرآن (الدحض) و(الداحض) فمعناه الباطل كقوله :
( حجتهم داحضة ) إلا التي في سورة الصافات ( فكان من المدحضين ) .
وكل حرف في القرآن من (رجز) فهو العذاب ، كقوله تعالى في قصة بني
إسرائيل : ( لئن كشف عنا الرجز ) إلا التي في سورة المدثر ( والرجز فاهجر ) فإنه يعني
الصنم فاجتنبوا عبادته .
وكل شيء في القرآن من (ريب) فهو شك ، غير حرف واحد ، وهو قوله
تعالى : ( نتربص به ريب المنون ) فإنه يعني : حوادث الدهر .
وكل شيء في القرآن (نرجمنكم) أو (يرجمونكم) فهو القتل ، غير التي في سورة
مريم ( لارجمنك ) يعني لاشتمنك .
وكل شيء في القرآن من (زور) فهو الكذب ، ويراد به الشرك ، غير التي في
المجادلة ( منكر من القول وزورا ) فإنه كذب غير شرك .
وكل شيء في القرآن من (زكاة) فهو المال ، غير التي في سورة مريم ( وحنانا
من لدنا وزكاة ) فإنه يعني تعطفا .
وكل شيء في القرآن من (زاعوا) و(لا تزغ ) فإنه من (مالوا) و(لا تمل) غير
واحدة في سورة الاحزاب ( وإذ زاغت الابصار ) بمعنى شخصت .
وكل شيء في القران من (يسخرون) وسخرنا) فإنه يراد فإنه يراد به الاستهزاء غير
التي في سورة الزخرف : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) فإنه أراد : أعوانا وخدما .
وكل شيء في القرآن من ذكر (السعير) فهو النار والوقود إلا قوله ـ عزوجل ـ :
( إن المجرمين في ضلال وسعر ) فإنه المعناد .
وكل شيء في القرآن من ذكر (شيطان) فإنه إبليس وجنوده وذريته ، إلا
قوله تعالى في سورة البقرة : ( وإذا خلو إلى شياطينهم ) فإنه يريد كهنتهم مثل كعب بن
الاشرف وحيي بن أخطب ، وأبي ياسر أخيه .
وكل شهيد في القرآن ـ غير القتلى في الغزو ـ فهم الذين يشهدون على امور الناس
إلا التي في سورة البقرة قوله عزوجل : ( وادعو شهداء كم ) فإنه يريد شركاء كم .
وكل ما في القرآن من (أصحاب النار) فهم أهل النار إلا قوله : ( وماجعلنا
أصحاب النار إلا ملائكة ) فإنه يرد خزنتها .
وكل (صلاة ) في القرآن فهي عبادة ورحمة إلا قوله تعالى : ( وصلوات
ومساجد ) فإنه : يريد بيوت عبادتهم .
وكل (صمم) في القرآن فهو عن الاستماع للايمان ، غير واحد في بني إسرائيل ،
قوله : ـ عزوجل ـ : ( عميا وبكما وصما ) معناه : لا يسمعون شيئا .
وكل (عذاب) في القرآن فهو التعذيب إلا قوله ـ عزوجل ـ : ( وليشهد
عذابهما ) فإنه يريد الضرب .
والقانتون : المطيعون ، لكن قوله ـ عزوجل ـ في البقرة : ( كل له قانتون ) معناه :
مقرون يعني : مقرون بالعبودية .
وكل ( كنز) في القرآن فهو المال إلا الذي في سورة الكهف : ( وكان كنز لهما )
فإنه أراد صحفان وعلما .
وكل (مصباح) في القرآن فهو الكوكب إلا الذي في سورة النور ( المصباح في
زجاجة ) فإنه السراج في نفسة
(النكاح) في القرآن : التزويج ، إلا قوله ـ جل ثناؤه ـ : ( حتى إذا بلغوا النكاح )
فإنه يعني الحلم .
و(النبأ) و(الانبياء) في القرآن : الاخبار ، إلا قوله تعالى : ( فعميت عليهم
(الورود) في القرآن : الدخول إلا في القصص ( ولما ورد ماء مدين ) يعني هجم
عليه ولم يدخله .
وكل شيء في القرآن من ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) يعني عن
العمل إلا التي في سورة النساء ( إلا ما آتاها ) يعني النفقة .
وكل شئ في القرآن من (يأس) فهو القنوط ، إلا التي في الرعد ( أفلم ييأس
الذين آمنوا ) أي : لم يعلموا : قال ابن فارس : أنشدني أبي فارس بن زكريا .
وكل شئ في القرآن من ذكر (الصبر) محمود إلا قوله عزوجل : ( لولا أن
صبرنا عليها) و( اصبروا على آلهتكم ) .
*
*
* الحمد الله رب العالمين (1|2) .
قال قوم : سمي العالم لاجتماعه . والمراد بالآية : الخلائق أجمعون . وكل
جنس من الخلق في نفسه معلم ، وعلم . جمعه : العالمون (88) .
* مالك يوم الدين (1|4) .
أي : يوم الحكم . وقال قوم : الحساب والجزاء . وأي ذلك كان فهو أمر ينقاد
له (89) .
* إياك نعبد وإياك نستعين (1|5 )
معناه : فأعنا على عبادتك (90) .
* صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (1|7) .
وهو الاستثناء بغير ، تقول العرب : عشرة غير واحد ، ليس هو من العشرة (91) .
و(لا) من حروف الزوائد لتتميم الكلام ، والمعنى : إلغاؤها (92) .
* ذلك الكتاب لا ريب فيه (2|2) .
الريب : الشك (93) .
* سواء عليهم أانذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (2|6) .
الهمزة للاستفهام ، ومعناها : التسوية (94) .
* في قلوبهم مرض (2|10) .