
وقال الشيخ المجلسي : « ان الاخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لايقطع
على الله تعالى بصحتها » .

وكذا قال غيرهما من أعلام الطائفة .

على ان كلام هذا المحدث نفسه يدل على أن دعواه تلك بعيدة كل البعد عما
نحن بصدده ، لانه يدعي التواتر في أحاديث التحريف بمختلف معانيه كلاما ومادة
واعرابا .

ومن المعلوم : إن طائفة من الاحاديث جاءت ظاهرة في ان المسلمين حرفوا
القرآن من جهة المعنى دون اللفظه ، وحملوا آياته على خلاف مراد الله تعالى ، وان طائفة
اخرى من الاحاديث جاءت ظاهرة في وقوع التحريف في القرآن نتيجة اختلاف
القراءات ، إلى غير ذلك من طوائف الاحاديث الراجعة إلى تحريف القرآن ، وتبقى
الطائفة الدالة منها على التحريف بمعنى « نقصان القرآن » وهو موضوع بحثنا ، وقد ذكرنا
نحن طائفة من أهم تلك الاحاديث ونبهنا على ما فيها .

2 ـ الشيخ المجلسي في كتابه « مرآة العقول » فانه قال بعد حديث قال انه
موثق : « ولا يخفى ان هذا الخبر وكثير من الاخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن
وتغييره . وعندي ان الاخبار في هذا الباب متواترة معنى ، وطرح جميعها يوجب رفع
الاعتماد على الاخبار رأسا ، بل ظني ان الاخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار
الامامة ، فكيف يثبتونها بالخبر » .

ويرده كلامه هو في « بحار الانوار » وقد تقدم نصه ، على ان قوله : « وكثير من الاخبار
الصحيحة صريحة في نقص القرآن » غريب ، فان السيد المرتضى قال : « نقلوا أخبارا
ضغيفة ظنوا صحتها لايرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته » .

كما أنكر صحتها الطوسي شيخ الطائفة والمحدث الكاشاني ، بل هو نفسه حيث
قال : « إن الاخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لايقطع على الله تعالى بصحتها »
ومن قبلهم قال شيخ المحدثين ما يصه : « إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه
صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين وما في أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذاك . . . ومن
( 249 )
نسب إلينا انا نقول انه أكثر من ذلك فهو كاذب » .

ولو كانت أحاديث النقيصة صحيحة ومقبولة لما قال الصدوق ذلك كما
لايخفى . واما قوله : « وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الاخبار رأسا » ففيه ان
قبول جميعها أيضا يوجب رفع الاعتماد على الاحاديث رأسا ، على انه ـ رحمه الله ـ قد
حكم في أكثر الاحاديث المخرجة في « الكافي » والمفيدة نقص القرآن إما بالضعف واما
بالارسال ، كما تقدم ذلك كله .

ومن العجيب قوله : « بل ظني . . . » إذا إثبات الامامية ليس دليله منحصرا
بالاحاديث حتى يقال ذلك ، وكيف ان تلك الاحاديث لا تقصر عن أحاديث
الامامة · وهل يقصد الكثرة في الورود · أو القوة في الدلالة ، أو الصحة في الاسانيد · !

3 ـ المحدث الحر العاملي ، فانه قال بعد ان روى حديثين عن تفسير العياشي :
« أقول : هذه الاحاديث وامثالها دالة على النص على الائمة عليهم السلام وكذا التصريح
بأسمائهم ، وقد تواترت الاخبار بان القرآن نقص منه كثير وسقط منه آيات لما
تكتب » ، ويكفي لدفع دعوى التواتر هذه نصوص العلماء ، وما تقدم نقله عنه في
الفصل والاول .

ولعل قوله ـ رحمه الله ـ بعد ذلك : « وبعضهم يحمل تلك الاخبار على ان ما
نقص وسقط كان تأويلا نزل مع التنزيل ، وبعضهم على انه وحي لا قرآن » يدل على
انه لا يعتقد بوقوع التحريف في القرآن الشريف .

وكأنه إنما يدعي التواتر في هذه الاحاديث للاحتجاج بها على وجود النصوص
العامة على إمامة الائمة عليهم السلام ولذا فانه قال : « وعلى كل حال فهو حجة في
النص ، وتلك الاخبار متواترة من طريق العامة والخاصة »
(55) .

والخلاصة انه لامجال لدعوى التواتر في أحاديث تحريف القرآن بهذا المعنى
المتنازع فيه .
الشبهة الثانية : إختلاف مصحف علي عليه السلام مع المصحف الموجود .

وتفيد طائفة من أحاديث الشيعة ان عليا أمير المؤمنين عليه السلام إعتزل الناس
____________
(55) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات 3 : 43 .
( 250 )
بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ليجمع القرآن العظيم ، وفي حديث رواه الشيخ
علي بن إبراهيم القمي ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيره : إن عمله ذاك كان بأمر من النبي
صلى الله عليه وآله ، وقال : لاأرتدي حتى أجمعه ، حتى روي أنه عليه السلام لم يرتد
رداءه إلا للصلاة إلى أن فرغ من هذه المهمة .

وأضافت تلك الاحاديث ـ ومنها الحديث الثالث من الاحاديث المتقدمة
وحديثان رواهما الشيخ أبومنصور الطبرسي في « الاحتجاج » ـ انه عليه السلام حمل
ذلك المصحف الذي جمعه إلى الناس واخبرهم بانه الذي نزل من عندالله سبحانه على
النبي الكريم صلى الله عليه وآله ، ولكن الناس ردوه واعرضوا عنه زاعمين انهم في
غنى عنه ، فعند ذلك قال الامام عليه السلام : إنكم لن تروه بعد اليوم .

والذي يستنتجه الناظر في هذه الاحاديث مخالفة ما جمعه الامام عليه السلام مع
القرآن الموجود ، ولو لم يكن بعض ما فيه مخالفا لبعض ذلك المصحف لما حمله إليهم ، ولما
دعاهم إلى تلاوته والاخذ به وجعله القرآن المتبع لدى جميع المسلمين .

ومن هنا تأتي الشبهة في هذا المصحف الذي بين أيدينا ، إذا لايشك مسلم في
أعلمية الامام عليه السلام بالكتاب ودرايته بحقائقه واسراره ودقائقه .

ولكن هذه الشبهة تندفع ـ بعد التسليم بصحة هذه الاخبار ـ بما ذكره جماعة من
ان القرآن الكريم كان مجموعا على عهد النبي صلى الله عليه وآله على ما هو عليه الآن ،
ولم يكن في عهده مبثوثا متفرقا هنا وهناك حتى يحتاج إلى جمع ، ويؤيد ذلك ان غاية
ماتدل عليه هذه الاحاديث هو المخالفة بين المصحفين إجمالا ، وهي كما يحتمل أن تكون
بالزيادة والنقصان في أصل الآيات والسور المنزلة ، كذلك يحتمل أن تكون :

أولا : بالاختلاف في الترتيب والتأليف ، كما يدل عليه حديث « روضة
الواعظين » وذهب إليه جماعة ، فقد قال السيد الطباطبائي : « إن جمعه عليه السلام
القرآن وحمله إليهم وعرضه عليهم لايدل على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شئ من الحقائق
الدينية الاصلية أو الفرعية ، إلا أن يكون في شيء من ترتيب السور أو الآيات من السور
التي نزلت نجوما ، بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينية .

ولو كان كذلك لعارضهم بالاحتجاج ودافع فيه ولم يقنع بمجرد إعراضهم عما
( 251 )
جمعه واستغنائهم عنه ، كما روي عنه عليه السلام في موارد شتى ، ولم ينقل عنه
عليه السلام فيما روي من إحتجاجاته انه قرأ في أمر ولايته ولاغيرها آية أو سورة تدل على
ذلك ، وجبههم على إسقاطها أو تحريفها »
(56) .

وثانيا : بالاختلاف بالزيادة والنقصان من جهة الاحاديث القدسية ، بأن
يكون مصحف الامام عليه السلام مشتملا عليها ، ومصحفهم خاليا عنها ، كم
ذهب إليه شيخ المحدثين الصدوق حيث قال : « وقد نزل من الوحي الذي ليس
بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع عشرة ألف آية ، وذلك قول جبرئيل
عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله : ان الله تعالى يقول لك : يامحمد دار خلقي ،
ومثل قوله : عش ما شئت فانك ميت ، واحبب ما شئت فانك مفارقه ، واعمل ما
شئت فانك ملاقيه ، وشرف المؤمن صلاته بالليل وعزه كف الاذي عن الناس » .

قال : « ومثل هذا كثير ، كله وحي وليس بقرآن ، ولو كان قرآنا لكان مقرونا
به وموصولا إليه غير مفصول عنه ، كما كان أمير المؤمنين عليه السلام جمعه ، فلما جاء به
قال : هذا كتاب ربكم كما أنزل على نبيكم ، لم يزد فيه حرف ولا ينقص منه حرف ،
قالوا : لاحاجة لنا فيه ، عندنا مثل الذي عندك ، فانصرف وهو يقول : فنبذوه وراء
ظهورهم واشتروا به ثمانا قليلا ، فبئس ما يشترون »
(57) .

وثالثا : بالاختلاف بالزيادة والنقصان من جهة التأويل والتفسير ، بأن يكون
مصحفه عليه السلام مشتملا على تأويل الآيات وتفسيرها ، والمصحف الموجود خال عن
ذلك كما ذهب ، إلى ذلك جماعة .

قال الشيخ المفيد : « ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين
عليه السلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتا منزلا ، وإن لم
يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هوالقرآن المعجز ، وقد يسمى تأويل القرآن قرآنا ،
قال الله تعالى : (
ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى اليك وحيه وقل رب زدني
علما ) فسمى تأويل القرآن قرانآ ، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير إختلاف ، وعندي
____________
(56) الميزان 12 : 116 .
(57) الاعتقادات : 93 .
( 252 )
ان هذا القول أشبه »
(58) .

وقال المحدث الكاشاني : « ولا يبعد أيضا أن يقال : ان بعض المحذوفات كان
من قبيل التفسير والبيان ، ولم يكن من أجزاء القرآن ، فيكون التبديل من حيث المعنى ،
أي : حرفوه وغيروه في تفسيره وتأويله ، أعني : حملوه على خلاف ما هو به ، فمعنى قولهم
عليهم السلام : « كذا أنزلت » ان المراد به ذلك ، لاأنها نزلت مع هذه الزيادة في
لفظها ، فحذف منها ذلك اللفظ .

ومما يدل على هذا ما رواه في « الكافي » بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام
انه كتب في رسالته إلى سعد الخير : وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا
حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال بعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم
تركهم للرعاية . . . الحديث .

وما رواه العامة : ان عليا عليه السلام كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ .

ومعلوم ان الحكم بالنسخ لايكون إلا من قبيل التفسير والبيان ، ولايكون جزاءا
من القرآن ، فيحتمل أن يكون بعض المحذوفات أيضا كذلك »
(59) .

وإلى ذلك ذهب السيد الخوئي ـ دام ظله ـ
(60) .

وقال الزنجاني : « ويظهر من بعض الرويات ان عليا أمير المؤمنين عليه السلام
كتب القرآن وقدم المنسوخ على الناسخ . خرج إبن أشته في المصاحف عن ابن سيرين :
ان عليا عليه السلام كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ وان ابن سيرين قال : تطلبت
ذلك وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه . وقال إبن حجر : قد ورد عن علي
عليه السلام انه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي صلى الله عليه وآله
وخرجه ابن أبي داود .

وفي شرح الكافي عن كتاب سليم بن قيس الهلالي : ان عليا عليه السلام بعد
وفاة النبي صلى الله عليه وآله لزم بيته واقبل على القرآن يجمعه ويؤلفه فلم يخرج من
____________
(58) أوائل المقالات في المذاهب المختارات ، وكذا قال في غيره كما سيأتي عن تاريخ القرآن .
(59) الصافي 1 : 46 ، علم اليقين : 130 .
(60) البيان : 197 .
( 253 )
بيته حتى جمعه كله ، وكتب على تنزيله الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه .

ذكر الشيخ الامام محمد بن محمد بن النعمان المفيد في كتاب الارشاد والرسالة
السروية : ان عليا قدم في مصحفه المنسوخ على الناسخ ، وكتب فيه تأويل بعض الآيات
وتفسيرها بالتفصيل .

يقول الشهرستاني في مقدمة تفسيره : كان الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ
متفقين على ان علم القرآن مخصوص لاهل البيت عليهم السلام ، إذ كانوا يسألون علي بن
أبي طالب هل خصصتم أهل البيت دوننا بشئ سوى القرآن · فاستثناء القرآن
بالتخصيص دليل على أجماعهم بان القرآن وعلمه وتنزيله وتأويله مخصوص بهم »
(61) .

وقال بعض الاعلام من أهل السنة : ان قرآن علي كان يشتمل على علم
كثير
(62) ، بل عن الامام عليه السلام نفسه انه قال للزنديق : انه أحضر الكتاب كملا
مشتملا على التنزيل والتأويل ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، لم يسقط منه
حرف »
(63) .
الشبهة الثالثة : القرآن في عهد الامام المهدي عليه السلام .

ومن الاحاديث المتقدمة وغيرها ما يفيد ان القرآن الكريم على عهد الامام
الحجة المهدي المنتظر عليه السلام يختلف عما هو عليه الآن ، وهذا يقضي ـ بلا ريب ـ إلى
الشك في هذا القرآن الموجود .

ولكن هذه الشبهة أيضا مندفعة ، لعلمنا بضعف تلك الاحاديث ، ومخالفتها
للكتاب والسنة والاجماع .

على ان المستفاد من هذه الاحاديث اختلاف قراءة أهل البيت عليهم السلام
مع القراءات المشهورة ، إلا إنهم كانوا يمنعون عن تلك القراءة ، ويأمرون شيعتهم
بقراءة القرآن كما يقرأ الناس حتى يظهر المهدي عليه السلام
(64) .
____________
(61) تاريخ القرآن : 25 ـ 26 .
(62) التسهيل لعلوم التنزيل 1 : 3 .
(63) الصافي 1 : 42 .
(64) نص على ذلك فقهاؤنا ـ رضي الله تعالى عنهم ـ في موسوعاتهم الفقهية في مبحث القراءة من كتاب الصلاة ، ولهم هناك بحوث طويلة .
( 254 )

وبعد ، فليس لاصحاب الشبهة إلا أن يزعموا ان القرآن على عهده عليه السلام
هو نفس ما جمعه الامام أمير المؤمنين ـ كما هو ظاهر بعض الاحاديث ـ إذا القول بانه غيره
باطل قطعا ، فالشبهة هذه إذا مبتنية على الشبهة السابقة ، وهي مندفعة باندفاعها .

فالصحيح ان القرآن في عهده لايختلف عن هذا القرآن الموجود من حيث
الالفاظ ، وعلى ذلك علماؤنا ـ رضي الله تعالى عنهم ـ بل قد صرح شارح
« الكافي » بانه : « يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الامام الثاني عشر
ويشهر به »
(65) .
الشبهة الرابعة : كائن في هذه الامة ما كان في الامم السالفة

إن التحريف قد وقع في التوراة والانجيل ، وقد ورد في الاحاديث عن النبي
الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أنه : « كائن في امته ما كان في الامم السالفة » بل
قال المحدث العاملي ـ بعد أن روى طرفا من تلك الاحاديث عن أكابر المحدثين
كالصدوق والكليني ـ : « والاحاديث في ذلك كثيرة متواترة بين الشيعة
والسنة »
(66) .

وقال السيد الطباطبائي : « هي متضافرة أو متواترة »
(67) .

ومقتضى المماثلة المذكورة ينبئ عن وقوع التحريف في القرآن الكريم كما
وقع في العهدين ، وهذا يوجب الشك في هذا القرآن الموجود بين المسلمين . وقد أجاب
السيد الخوئي ـ دام ظلة الشريف ـ
(68) عن هذه الشبهة بوجوه نلخصها فيما يلي :

الاول : « ان هذه الاحاديث أخبار آحاد لاتفيد علما ولا عملا ، ودعوى
التواتر فيها جزافية لا دليل عليها ، ولم يذكر من هذه الروايات شئ في الكتب
الاربعة » ، ولكن إنكار تواتر هذه الاحاديث لايفيد في الشبهة .

وقوله : « لم يذكر . . . »
____________
(65) الفصول المهمة للسيد شرف الدين : 166 .
(66) الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة : 111 ، انظر من لايحضره الفقيه ص : 54 الطبعة القديمة .
(67) الميزان 12 : 120 .
(68) البيان 220 ـ 221 .
( 255 )

فيه : ان منها ما اخرجه الصدوق في (من لايحضره الفقيه) ، فقد قال المحدث
العاملي انه رحمه الله : « قال في باب فرض الصلاة ، قال النبي صلى الله عليه وآله :
يكون في هذه الامة كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، والقذة
بالقذة »
(69) .

الثاني : لو سلم تواتر هذه الاحاديث في السند وصحتها في الدلالة لما ثبت بها
ان التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن ، فلعله يقع في المستقبل زيادة ونقيصة ولكن
تجويز وقوع ذلك سواء الماضى أو المستقبل ، ينافي ما تقدم من الادلة القويمة والشواهد
الرصينة على امتناعه ، لاسيما وان الله سبحانه قد وعد وضمن حفظ القرآن إلى يوم
القيامة .

الثالث : ان المراد بالمماثلة والمشابهة ليس من جميع الوجوه ، وانها المراد بها
المماثله من بعض الوجوه .

وبهذا الجواب اكتفى السيد الطباطبائي
(70) وهو الصحيح ، فان كثير من
القضايا التي وقعت في الامم السالفة لم تقع في هذه الامة ، وبعضها لن يقع أصلا ،
ومنها ما سيقع في المستقبل قطعا .
____________
(69) الايقاظ : 99 .
(70) الميزان 12 : 121 ـ 122 .
( 256 )
الفصل الخامس
الرواة لاحاديث التحريف من
الشيعة

لقد كان بحثنا حتى الآن يدور حول الاحاديث التي وردت في كتب الشيعة
الامامية وهي تفيد ـ بظاهرها ـ تحريف القرآن ، بمعنى نقصانه وضياع شيء مما نزل على
النبي صلى الله عليه وآله .

والآن يجدر بنا أن ننظر في الكتب التي أخرجت تلك الاحاديث فيها ،
والعلماء الذين رووها ، لنرى مدى صحة التمسك بهذه الاحاديث من هذه الجهة .

وقبل الخوض في البحث يجب أن ننبه على امور :

أولا : ان رواية الخبر مطلقا أعم من قبوله والاعتقاد بضمونه ، فقد عني محدثوا
الشيعة منذ القرون الاولى بجمع الروايات الواصلة إليهم عن الائمة ، وتبويبها وتنظيمها ،
صونا لها من الضياع والنسيان وما شابه ذلك ، من غير نظر في متونها وأسانيدها ولذا
تجد في روايات الواحد منهم ما يعارض ما رواه الآخر ، بل تجد ذلك في أخبار الكتابين
بل الكتاب الواحد للمؤلف الواحد ، وترى المحدث يروي في كتابه الحديثي خبرا ينص
على عدم قبول مضمونه في كتابه الاعتقادي ، لذلك ، فالرواية أعم من القبول
والتصديق بالمضمون .

فلا يجوز نسبة مطلب إلى راو أو محدث بمجرد روايته أو نقله لخبر يدل على ذاك
المطلب ، إلا إذا نص على الاعتقاد به أو أورده في كتب التزم بصحة أخباره ، أو ذكره
في كتاب صنفه في بيان إعتقاداته .

وهل يوجد عند الشيعة كتاب التزم فيه مؤلفه بالصحة من أوله إلى آخرة ·
الجواب : لا ، وهذا هو الامر الثاني .

ثانيا : إنه لايوجد كتاب واحد من بين كتب الشيعة وصفت أحاديثه جميعها
بالصحة ، وقوبلت بالتسليم والقبول لدى الفقهاء والمحدثين ، ولذا نجد ان أحديث الشيعة
( 257 )
ـ وحتى الواردة في الكتب الاربعة
(71) ، التي عليها المدار في إستنباط الاحكام الشرعية
قدتعرضت لنقد علماء الرجال وأئمة الجرح والتعديل ، فكل خبر اجتمعت فيه
شرائط الصحة ، وتوفرت فيه مقتضيات القبول اخذ به ، وكل خبر لم يكن بتلك المثابة رد
أيا كان مخرجه وراويه والكتاب الذي اخرج فيه
(72) .

ولنأخذ مثالا على ذلك كتاب « الكافي »
(73) ، الذي هو أهم الكتب الاربعة
واوثقها لدى هذه الطائفة ، وهو الذي أثنى عليه العلماء والمحدثون والفقهاء وتلقوه بيد
الاحترام والتعظيم ، فان العلماء وزعوا أحاديثه وهي (16199) حديثا على أساس
تصنيف الاحاديث إلى الاقسام الخمسة
(74) على النحو التالي :

الصحيح منها : 5072 حديثا .

والحسن : 144 حديثا .

والموثق : 1118 حديثا .

والقوي : 302 حديثا .

والضعيف : 9485 حديثا
(75) .

فقد لوحظ ان أكثرها عددا الاحاديث الضعيفة ، ويمكن الاطلاع على ذلك
بمراجعة كتاب « مرآة العقول في شرح الكافي »
(76) للشيخ المجلسي ، فانه شرح الكتاب
المذكور على اساس النظر في أسانيده ، فعين الصحيح منها والضعيف والموثق والمرسل
على ضوء القواعد المقررة لتمييز الاحاديث الصحيحة من غيرها .
____________
(71) هي : الكافي للكليني ، من لايحضره الفقيه للصدوق ، التهذيب والاستبصار للطوسي .
(72) مقباس الهداية في علم الرواية .
(73) يقع في ثمانية أجزاء : إثنان منها في الاصول ، وخمسة منها في الفروع والثامن الروضة .
(74) وهي علي أقسام ، ويراجع للوقوف على تعريف كل قسم واقسامه كتب الدراية لدى الشيعة ككتاب
الدراية للشيخ الشهيد الثاني ، والوجيزة للشيخ البهائي وشروح الوجيزة ، ومقباس الهداية لشيخنا الجد المامقاني
وغيرها .
(75) دراسات في الكافي والصحيح للحسني ، عن المستدرك للمحدث النوري 3 : 541 .
(76) وكذا فعل المحدث الجزائري في شرح التهذيب ، قال المحدث النوري : « والعجب من العلامة المجلسي
وتلميذه المحدث الجزائري مع عدم اعتمادهما بهذا النمط الجديد خصوصا الثاني ، وشدة إنكاره على من أخذه
بينا في شرحيهما على التهذيب والاول في شرحه على الكافي أيضا على ذلك فصنعا بهما ما أشار اليه في
الرواشح ، ولم أجد محملا صحيحا لما فعلا » المستدرك 3 : 771 .
( 258 )

وهذا كله دليل على ان أحاديث « الكتب الاربعة » غير قطعية الصدور عن
النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام عند الامامية ، إلا انه يبدو انه هناك
جماعة قليلة ذهبوا إلى القول بذلك ، ولكنه قول مردود :

قال المحقق الشيخ الانصاري : « ذهب شرذمة من متأخري الاخباريين فيما
نسب إليها إلى كونها قطعية الصدور » .

قال : « وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه إلا التحرز عن حصول هذا
الوهم لغيرهم كما حصل لهم ، والا فمدعى القطع لايلزم بذكر ضعف مبنى قطعه ، وقد
كتبنا في سالف الزمان في رد هذا القول رسالة تعرضنا فيها لجميع ما ذكروه وبيان
ضعفها بحسب ما أدى إليه فهمي القاصر »
(77) .

وقال شيخنا الجد المامقاني : « وما زعمه بعضهم من كون أخبارها ـ أي الكتب
الاربعة ـ كلها مقطوعة الصدور ، إستنادا إلى شهادات
(78) سطرها في مقدمة الحدائق ،
لاوجه له كما أو ضحناه في محله »
(79) .

وتبعهما السيد الخوئي حيث قال : « ذهب جماعة من المحدثين إلى ان روايات
الكتب الاربعة قطعية الصدور وهذا القول باطل من أصله ، إذا كيف يمكن دعوى
القطع لصدور رواية رواها واحد عن واحد ولاسيما ان في رواة الكتب الاربعة من هو
معروف بالكذب والوضع على ما ستقف عليه قريبا وفي موارده إنشاء الله تعالى »
(80)

ومن قبلهم قال السيد المجاهد الطباطبائي بعد كلام طويل : « وبالجملة :
دعوى قطعية ما في الكتب الاربعة مما لاريب في فسادها »
(81) . فهذه الكلمات
وغيرها صريحة في عدم قطعية صدور أحاديث الكتب الاربعة ، واما بالنسبة إلى تاريخ
تصنيف الاحاديث ، فقد قال المحدث البحراني : (قيل : ان أول من نوع الاخبار هو
(العلامة) أو شيخه (إبن طاووس) ـ رحمهما الله ـ واما المتقدمون فكانوا يأخذون بجميع
____________
(77) الرسائل : 67 .
(78) أجاب عنها السيد حسن الصدر في شرح الوجيزة في علم الدراية .
(79) مقباس الهداية الطبوع في آخر تنقيح المقال في علم الرجال .
(80) معجم رجال الحديث 1 : 36 .
(81) مفاتيح الاصول للسيد محمد الطباطبائي الحائري .
( 259 )
الاخبار المدونة في (الكتب الاربعة) وغيرها من (الاصول) معتقدين بصحتها أجمع .
وهذا مما دعا إلى الخلاف بين الاخباريين والمجتهدين »
(82) .

وتقدم عن المحدث النوري تعبيره عن هذا التنويع بـ « النمط الجديد » فهذان
المحدثان وغيرهما يزعمان ان هذا التنويع يختص بالمتأخرين المجتهدين وان قدماء
الاصحاب كانوا يعتقدون بصحة أحاديث « الاصول الاربعمائة » التي منها الفت
« الكتب الاربعة » .

ولكن الظاهر ان هذه الدعوى لا أساس لها من الصحة ، فقد أجاب عنها
شيخنا الجد ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله : « وقد زعم القاصرون من الاخباريين إختصاص
هذا الاصطلاح بالمتأخرين الذين أولهم (العلامة) رحمه الله علي ما حكاه جمع منهم
الشيخ البهائي رحمه الله في (مشرق الشمسين) أو (ابن طاووس) كما حكاه بعضهم ،
فاطالوا التشنيع عليهم بانه اجتهاد منهم وبدعة .

ولكن الخبير المتدبر يرى أن ذلك جهل منهم وعناد ، لوجود أصل الاصطلاح
عند القدماء ألا ترى إلى قولهم : لفلان كتاب صحيح ، وقولهم : أجمعت العصابة على
تصحيح ما يصح عن فلان ، وقول الصدوق رحمه الله : كلما صححه شيخي فهو عندي
صحيح ، وقولهم : فلان ضعيف الحديث ، ونحو ذلك .

فالصادر من المتأخرين تغيير الاصطلاح إلى ما هو أضبط وانفع تسهيلا للضبط
وتمييزا لما هو المعتبر منها عن غيره »
(83) .

وأما قول المحدث البحراني : « فاما المتقدمون . . . » ففيه : ان الامر ليس
كذلك ، بل ربما طعن الشيخ المفيد والشيخ الصدوق في بعض أحاديث الشيخ
الكليني ، وطعن الشيخ الطوسي في بعض أحاديث الصدوق والكليني
(84) .
____________
(82) تلخيص مقدمات الحدائق للمؤلف .
(83) مقباس الهداية في علم الدراية .
(84) راجع : مفاتيح الاصول ، واوثق الواسائل ، وقد بحث صاحب هذا الكتاب الموضع من جميع جوانبه من ص
122 إلى ص 136 فراجعه فانه جدير بالملاحظة .
هذا وذهب السيد الخوئي في (رجاله) إلى ان أخبار الكتب الاربعة ليس قطعية الصدور ، بل ليس كلها
صحيحا ، واثبت ان المتقدمين ، من المحدثين أيضا كانوا يعتقدون نفس هذا الاعتقاد بالنسبة إلى (الاصول)
و(الكتب الاربعة) ، واستنتج من جميع ذلك : أن أخبار هذا الكتاب لابد من النظر في سند كل منها ، فان
( 260 )

فإذا كان الامر كذلك فيما بينهم ـ وهم أصحاب الكتب الاربعة ـ فكيف
بالمتأخرين منهم المجددين لفكرة تنويع الاحاديث ، والنظر في الاسانيد الواردة في كافة
الكتب .

وهذا بحث واسع متشعب الاطراف نكتفي منه بهذا المقدار بمناسبة المقام فمن
أراد التوسع فيه فيلراجع مظانه من كتب الدراية والرجال .

والخلاصة : إن المحققين من الامامية على ان وجود أي حديث في أي كتاب
من كتب الشيعة لايبرر بمجرده الاخذ به والاعتقاد بصحة مدلوله ، إذ ليس عندهم
كتاب التزم فيه مؤلفه بالصحة أبدا ، بحيث يستغني بذلك الباحث عن النظر في
أسانيد أحاديثه والفحصة عن رجاله وما قيل فيهم من الجرح والتعديل .

وهذا بخلاف أهل السنة فان لهم كتبا سموها بـ « الصحاح » واهمها عند
أكثرهم « صحيح البخاري » إعتقد جمهورهم بصحة ما أخرج فيها ، وقالوا في كتبهم
الرجالية : من خرج له في الصحيح فقد جاز القنطرة ، كما التزم أصحابها وبعض
أصحاب « المسانيد » في كتبهم بالصحة .

ثالثا : انه على فرض وجود هكذا كتاب لدى الشيعة فانه لايجوز أن ينسب
معتقد مؤلفه إلى الطائفة كلها لانه قد يكون قوله بصحة تلك الاخبار أو ذهابه إلى أحقية
ذاك المعتقد مبنيا على اسس غير صحيحة لدى غيره كالقول بقطعية صدور أخبار
الكتب الاربعة المذكورة سابقا والمنسوب إلى مجموعة من متأخري الاخباريين وهو
باطل كما عرفت وستعرف ، فانه يستلزم القول بالتحريف ـ لوجود ما يدل عليه فيها ، بعد
عدم قبول حملها على بعض الوجوه ـ إذن لايجوز إضافة معتقد لاحد العلماء وان كان في
غاية الشهرة والجلالة إلا في حال موافقة جمهور علماء الطائفة معه فيه أو قولهم بصحة كل
ماورد في ذلك الكتاب كما هو الحال عند أهل السنة بالنسبة إلى الصحاح الستة
والصحيحين بصورة خاصة .

رابعا : ان مما لاريب فيه وجود أحاديث مزورة باطلة تسربت إلى الآثار
____________
توفرت فيه شروط لحجية أخذ به والا فلا ، كما فعل الشيخ المجلسي والمحدث الجزائري بالنسبة إلى (الكافي)
و(التهذيب ) .
( 261 )
الاسلامية بصورة عامة ، فقد تهاون الصحابة ـ إلا القليل منهم ـ في صدرالاسلام في
تدوين الاحاديث النبوية ، بل قد امتنع بعضهم من ذلك وكرهه ومنع الآخرين
بالاساليب المختلفة ، لاغراض مذكورة ليس هذا موضع إيرادها .

ثم لما أخذوا بالتدوين خبطوا خبط عشواء ، وخلطوا الغث بالسمين ، الصحيح
بالسقيم واخذوا من أفواه اناس مشبوهين ، وكتبوا عن أفراد كذابين ، حتى كثرت
الاحاديث المدسوسة والموضوعة على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الامر الذي
اضطر علماء الحديث من أهل السنة إلى وضع كتب تمكنوا فيها من جمع مقدار كبير من
تلك الموضوعات ، ومن ناحية اخرى ألفوا كتبا أوردوا فيها الاحديث الصحيحة
فحسب ، وذلك بحسب إجتهاداتهم وآرائهم في الرجال وغير ذلك .

ولكن الواقع ان أولئك وهؤلاء لم يكونوا موفقين كل المتوفيق في عملهم ذاك
ولم يكونوا معصومين من الخطأ ، بل لم يكن بعضهم مخلصا في قيامه بتلك المهمة ، إذا لم
تخل الكتب التي وضعوها لجمع « الموضوعات » من الاحاديث الصحيحة ، كما لم
تسلم الكتب التي سموها بـ « الصحاح » من الاحاديث الموضوعة هذا حال الاحاديث
لدى أهل السنة باختصار .

وكذا الحال في أحاديث الامامية ، فما أكثر الاحاديث المدسوسة في كتبهم من
قبل المخالفين واصحاب المذاهب والآراء الفاسدة ، ولقد كان في زمن كل إمام من الائمة
عليهم الصلاة والسلام من يضع الاحاديث على لسان وينسبها إليه وينشرها بين الشيعة
ويضعها في متناول أيدي روايتهم حتى تسربت إلى مجاميعهم الحديثية ، فقد قال الامام
الصادق عليه السلام : « ان لكل رجل منا رجل يكذب عليه »
(85) .

ولذا فانهم عليهم السلام جعلوا الكتاب والسنة ميزانا لاحاديثهم يعرض
عليهما ما روي عنهم فما وافقهما اخذ به ، وما خالفهما رد على صاحبه .

فالذي نريد أن نقوله هنا هو : ان إحتمال الدس والتزوير يدفع حجية كل خبر
ويمنع من الاعتماد عليه ويفسد اعتباره « حتى ما كان منها صحيح الاسناد ، فان صحة
النسد وعدالة رجال الطريق انما يدفق تعمدهم الكذب دون دس غيرهم في اصولهم
____________
(85) المعتبر في شرح المختصر للمحقق الحلي .