|
باب « من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام » في كتاب « الرجال » للشيخ الطوسي |
السيد محمد رضا الحسيني

* هل عد الرجل في هذا الباب ،
يناقض عدة في أبواب الرواة عنهم 
( عليهم السلام ) ؟
كما يتصوره الأكثر !!
* ومدى صواب التوجيهات المطروحة 
لحله ؟
* وبيان الحل الصحيح لهذه المشكلة .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلائق محمد رسول الله
خاتم النبيين ، وعلى آله الائمة المعصومين ، وعلى ذريتهم الاطهار ، وشيعتهم الابرار ، ما
بقي الليل والنهار .
وبعد ، فقد كان يدور في خلدي التصدي بالتفصيل لهذا الاشكال المشهور ،
والذي استقطب من العلماء جهودا وفيرة لحله .
وضمن مطالعتي تنبهت إلى حل مبتكر لم يعرض من ذي قبل على طول المدة
منذ طرح المشكلة ، فأحببت أن أعرضه في هذا البحث ، وقطع شأفة النزاع حوله .
وصادف اشتغالي به أيام هجوم أعداء الاسلام على المدن الآمنة وقصفها
بالطائرات الغادرة الخائنة ، وقد استشهد على أثر ذلك الآلاف من أبناء الاسلام
الابرياء ، تغمدهم الله برحمته ورضوانه .
ونسأله أن يجعل لولينا إمام العصر المهدي عجل الله فرجه سلطانا ينتقم
لدمائهم من الظالمين .
ونهدي ثواب هذا الجهد إلى أرواحهم الطاهرة .|
بقم المشرفة ، في شهر جمادى الاولى سنة 1407 هـ |
كتاب « الرجال » للشيخ الطوسي محمد بن الحسن (385 ـ 460) واحد من
الاصول الرجالية الخمسة .
ويمتاز مؤلفه الشيخ الطوسي ـ بين مؤلفي تلك الكتب ـ بأنه مؤلف لثلاثة من
تلك الاصول الخمسة ، وهي كتاب « الفهرست » وكتاب « اختيار معرفة الرجال »
وكتاب « الرجال » هذا الذي نتحدث عنه .
كما يمتاز الشيخ الطوسي ـ بين المؤلفين القدماء في علم الرجال ـ بأنه الوحيد
الذي له مزاولات فقهية واصولية ، بالمستوى الرفيع في ذلك العصر ، حيث أصبح
مرجعا للامة وشيخا للطائفة وزعيما في الفتوى والعلم ، وفي خصوص علم الرجال
استحق ـ بجدارة ـ أن يكون : « إمام هذا الشأن » (1) .
وبما أن علم الرجال يبدو تأثيره الايجابي المباشر في علم الفقه ، في طريق
استنباط الاحكام الشرعية من دليل الحديث الشريف ، فإن انعكاس ذلك على الشيخ
الطوسي في أعماله الفقهية واضح ، وينعكس مثل ذلك على محاولاته الرجالية ، حيث لم
تكن مجرد نظريات علمية صرفة ، بل إنها ـ بفرض المزاولة الفقهية ـ أصبحت واردة في
المجال العملي بتطبيقاتها في الحديث والفقه ، فكانت عملية ملموسة ، مما جعل الشيخ
« أشد مراسا في ذلك» (2) .
وتختلف كتب الشيخ الرجالية ، من حيث المنهج والعرض ، وكذلك من
حيث الفائدة والنتائج المتوخاة .
ويمتاز كتاب « الرجال » من بينها بأنه :
1 ـ أوسعها من حيث تعداد الاسماء .
2 ـ ترتيبه على الطبقات .
3 ـ تأخره في التأليف عن الفهرست ، لارجاع الشيخ في كتاب « الرجال » إلى
الفهرست كثيرا ، وخاصة في الباب الاخير (3) .
وتأخره عن رجال الكشي ، لان الشيخ كان واقفا على كتاب الكشي ، لانه
ذكره في الفهرست (4) وفي الباب الاخير من الرجال (5) .
وبذلك يكون كتاب « الرجال » من أهم الكتب الرجالية للشيخ ، حيث
أخذ فيه ـ بنظر الاعتبار جميع ما في الكتابين الآخرين (*) .
وهذا الكتاب ـ بعد ذلك ـ يحتوي على أمور كانت سببا للتحامل عليه من قبل
بعض الممارسين لهذا العلم ، لعدم وقوفهم على ما تميز به هذا الكتاب الجليل
من خصوصيات ، ولعدم اطلاعهم على منهج تأليفه ، ولا على الهدف من تأليفه ، ولعدم
وقوفهم على كثير من المصطلحات التي استخدمها الشيخ فيه .
لكن المتمرسين في العلم يربأون بالشيخ وبكتابه الجليل عن أن تتجه إليه حملة
طائشة أو انتقاد باهت .
ونعتقد أن الشيخ في جلالته وقدمه الراسخة في العلم ، قد وضع كل كلمة من
كلمات هذا الكتاب ، في موقعها المناسب ، حسب منهجية علمية مدروسة ، وطبق قواعد
ومن أمثلة ذلك : ما صنعه الشيخ في الباب الاخير من كتاب « الرجال »
الذي عونه بباب « من لم يرو عن واحد من الائمة عليهم السلام» .
حيث أورد فيه أسماء مجموعة من الرواة الذين أورد هو ـ رحمه الله ـ أسماءهم في
الابواب السابقة المعقودة لذكر « من روى عن واحد من الائمة عليهم السلام » ، فبرز
أمام الباحثين تناقض في عد الشيخ هؤلاء الرواة في بابين « باب من روى » و« باب
من لم يرو » ، وطرح هذا السؤال نفسه :
كيف يكون الشخص روايا ، ويعد في « من لم يرو » ؟ ، أو كيف يكون غير
راو ، وقد عد في « من رواى » ·
ولنسمع المشكلة من حديث بعض الاعلام :
قال السيد بحر العلوم : من الاشكال المشهور أن الشيخ رحمه الله في كتاب
« الرجال » قد يذكر الرجل في باب « من لم يرو عنهم عليهم السلام » ، وفي غيره من
الابواب . (6) .
وقال الشيخ المامقاني ـ بعد أن نقل كلام الشيخ في مقدمة الرجال ـ : عقد
بابا . . . ثم بابا ، لكل من روى عن إمام إمام ، على الترتيب ثم بابا لمن لم يرو عن
أحد من الائمة عليهم السلام ، وقد اتفق له في هذا الكتاب ذكر الرجل في باب من لم
يروعنهم عليهم السلام ، مع ذكره له بعينه في بعض أبواب من روى عنهم
عليهم السلام وهذا من التناقض البين ، وقد أشكل على أساتيذ الفن حل ذلك (7) .
أنظر البحث منشورا في نشرة « تراثنا » الفصلية التي تصدر من مؤسسة آل البيت عليهم السلام ، العدد
الثالث (ص 99 ـ 154) ـ السنة الاولى 1405 هـ .
(6) رجال السيد بحر العلوم (ج 4 ص 141) .
وقال السيد الخوئي دام ظله : وقد اتفق في غير مورد أن الشيخ ذكر اسما في
أصحاب المعصومين عليهم السلام ، وذكره في من لم يرو عنهم عليهم السلام أيضا ، وفي
هذا جمع بين المتناقضين ، إذ كيف يمكن أن يكون شخص واحد أدرك أحد المعصومين
عليهم السلام وروى عنه ، ومع ذلك يدرج في من لم يرو عنهم عليهم السلام .
والافضل تقديم كلام الشيخ الطوسي رحمه الله في مقدمة كتابه ، لعرض المشكلة
من خلاله ، ومعرفة مدى دلالته عليها .
قال : . . . كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم ، وعن الائمة عليهم السلام من بعده ، إلى زمن القائم .
ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الائمة عليهم السلام من رواة الحديث
أو من عاصرهم ولم يرو عنهم (9) .
والذي يدل عليه هذا الكلام بوضوح ، هو :
أولا : أن الشيخ يهدف إلى ضبط أسماء خصوص الرواة عن المعصومين
عليهم السلام ، وسردها على ترتيب الطبقات ، من دون أن يقصد ذكر مطلق أصحابهم ،
أو الذين شاهدوهم ، أو كان لهم مجرد لقاء بهم عليهم السلام ، بل الكتاب خاص بتعديد
رواة الحديث عنهم عليهم السلام (10) .
ثانيا : أن الباب الاخير ، يحتوي على صنفين من الرجال :
1 ـ الذين تأخر زمانهم عن زمان حضور الائمة عليهم السلام ، ممن ولد في
زمان الغيبة ، أو قبلها بقليل ، أو بدأ نشاطه العلمي بعد دخول الغيبة ، وهم أكثر علماء
النصف الثاني من القرن الثالث الهجري .
2 ـ من عاصر الائمة عليهم السلام وكان له نشاط علمي في زمانهم ، لكنه لم
يرو عنهم عليهم السلام .
وظاهر أن هؤلاء ـ الذين لم يعاصروا ، والذين عاصروا ولم يرووا ـ لابد أن
لا تكون لهم رواية عن الائمة عليهم السلام حتى يصح أن يقال في حقهم أنهم « لم
يرووا عنهم عليهم السلام» .
فظاهر كلامه رحمه الله يقتضي ـ بوضوح ـ أن رواية الراوي عن أحد الائمة
عليهم السلام يخرجه عن هذا العنوان ، فالتناقض بين ، بين من لم يرو ، ومن روى .
لكن الشيخ عنون الباب الاخير ، الذي عقده لاحتواء هؤلاء ، بقوله : « باب
ذكر أسماء من لم يرو عن واحد من الائمة عليهم السلام» (11) .
وقد يتصور أن مراده : من لم يرو عن واحد ، وإن روى عن غيره من الائمة
عليهم السلام ، فيكون باعتبار عدم روايته عن ذلك الواحد ، مذكورا في باب من لم يرو
وباعتبار روايته عن غيره مذكورا في باب الرواة .
لكن من الواضح أن عنوان هذا الباب أيضا يدل على نفس ما ذكره الشيخ في
المقدمة صراحة ، لان المقصود هنا أيضا عدم رواية الرواي عن أي واحد من الائمة
عليهم السلام ، بحيث تنافيه روايته حتى عن واحد منهم ، ويدل على ذلك :
1 ـ القاعدة التي تنص على أن النكرة بعد النفي تفيد العموم .
2 ـ مطابقة مدلول العنوان بهذا الشكل لما صرح به في المقدمة ، كما أوضحنا .
3 ـ مناسبة هذا المعنى في من عاصرهم ، للصنف الاول المشمولين في هذا الباب
وهم من تأخر عنهم ، فإن المقصود فيهما واحد ، وهو أن لا يعد المذكورون في الباب من
الرواة عن الائمة عليهم السلام .
4 ـ أن الهدف من عقد باب مستقل هو احتواؤه على من يتميز عن المذكورين
سابقا بشكل من الاشكال ، والمائز بين الابواب السابقة هو اختلاف الامام المروي عنه
في كل باب باب ، ولم تبق ميزة لهذا الباب الاخير سوى عدم الرواية عن السابقين ، وإلا
كان عقد باب منفصل أمر لغوا لفرض عدم الميزة الموجبة لاستقلاله .
وإذا كانت ميزة هذا الباب هي عدم الرواية عن المعصومين عليهم السلام فمن
الواضح تنافيه مع الرواية عن واحد منهم .
فقد اتضح أن التصور البدوي ، للعنوانين هو التنافي في ما لو ذكر الرجل فيهما
معا .
واعلم أن بعض الرجاليين نقل عبارة مقدمة الشيخ بلفظ : « أو من عاصرهم
ولم يرهم» (12) .
ولا يخفى فساده :
أولا : لمخالفته لاكثر النسخ المصححة الموجودة ، منها المطبوعة المعتمدة على نسخة
الشيخ ابن إدريس الحلي (13) ومنها المخطوطة المسموعة من ابن الشيخ (14) .
وكذلك مخالفته لنسخ أكثر أعلام الفن الذين نقلوا عنها مثل القهپائي (15)
والتفريشي (16) وغيرهما .
ثانيا : إن كلمة « لم يرهم » لا معنى لها في المقام ، لان الرؤية وعدمها لا دخل
لهما في ترتيب كتاب الرجال ، ولا أن الشيخ رتب في كتابه أثرا عليهما بل الدخيل هو
الرواية .
ثالثا : إن الرواية قد جعلت في كلام الشيخ محورا لابواب السابقة ، ومن
الواضح أن عدمها هو المحور للباب الاخير ، وهذا واضح بأدنى تأمل على أساس دلالة
الايماء والتنبيه .
ومن الغريب أن بعض الاعلام جعل هذه النسخة : « لم يرهم » مدارا لبعض
ما أورده من النقض والابرام ، مع وضوح التصحيف فيها .
لم أجد من تعرض لذكر هذه المشكلة قبل الشيخ الرجالي ابن داود الحلي
صاحب الرجال ، المتوفى بعد (707) ، فهو أول من تعرض لها بصراحة في رجاله في
ترجمة « القاسم بن محمد الجوهري» (17) .
وتعرض لها بعد ذلك علماء الفن ، ومن المؤلفين فيه السيد التفريشي في كتابه
« نقد الرجال » الذي ألفه سنة (1015) .
وأما المتأخرون عنهم فقد فصلوا الحديث عنها مثل السيد بحر العلوم الكبير
ـ المتوفى (1212) ـ في رجاله .
وأخيرا تعرض لها المؤلفون في علم الرجال من أعلام العصر ، في كتبهم في
المقدمات ، وحيثما ذكرت موارد المشكلة ، واحدا واحدا ، وآخرهم سيدنا الاستاد السيد
الخوئي دام ظله في معجمه .
بأن يتحفظ في كل من الموردين على ظاهر كلامه ، فيلتزم بالتعدد ، وأن من
ذكر في أصحاب أحد المعصومين عليهم السلام مغاير لمن ذكر في من لم يرو عنهم
عليهم السلام (18) .
التزم بهذا التوجيه الشيخ ابن داود الحلي (19) وقال الكاظمي : استظهر
المصنف [ أي السيد التفريشي صاحب نقد الرجال ] (20) . والميرزا [ أي الاسترابادي
في منهج المقال ] التعدد .
وأضاف : وكأن استظهارهما من حيث أنه لو بني على الاتحاد لزم التناقض
فلابد من التعدد .
وقال : ولا يبعد أن يقال : إن ذلك دليل ظهور التعدد فتأمل (21) .
أقول : قال الاسترابادي في بعض الموارد مثل بكر بن صالح الرازي ـ : إن
إيراده في « لم » (* * *) « يقتضي التعدد» (22) .
ونقل الكاظمي عن الشيخ محمد حفيد الشهيد الثاني في شرحه على
الاستبصار للشيخ الطوسي ، في ترجمة عبد الغفار [ المورد 31 ] (* * * *) ، قوله : وانت
خبير بان الشيخ الرجل ، في من لم يرو لايخلو من غرابة ، فربما يتخيل لتعدد ، إلا أن
العتماد على ذلك من كلام الشيخ مشكل (23) .
وعلق عليه الكاظمي بقوله : والغرابة في محلها ، لوقوع روايته عن أبي عبد الله
عليه السلام في الاستبصار (24) .
واختاره بعض المعاصرين فقال : إن الشيخ الطوسي وضع كتاب رجاله على
قسمين . . . ولازم هذا ثبوت التغاير بين الرواة المذكورين في القسم الاول والمذكورين في
القسم الثاني ، وإن اشتركوا في الاسماء (25) .
وأضاف : إن استبعاد اشتراك شخص مع آخر في اسمه واسم أبيه ولقبه
حاصل ، إلا أنه لايوجب الوثوق بالاتحاد بعد وجود ما يقتضي التعدد مثل ذكرهما في
ذينك القسمين من رجال الشيخ ، ويضعف ذلك الاستبعاد عند اختلافهما في
اللقب (26) .
أقول : إن العمدة في دليل هذا التوجيه هو تعدد الباب واختلاف العنوان في
البابين ، وقد اعتبر بعضهم هذا (دالا) على تعدد الروايين ، وجعله بعضهم ( مقتضيا)
للتعدد ، وبعضهم (ظاهرا) فيه ، وبعضهم (متخيلا) منه ، وجعله الآخر (ملزوما) له .
والجواب عنه :
أما نقضا فبالقطع بالاتحاد في بعض هذه الموارد ، وظهوره في بعض آخر . قال
الكلباسي : مع ظهور الاتحاد ، بل القطع به في غير مورد ، فما جرى عليه ابن داود ـ من
استظهار التعدد ـ غير سديد .
ونقل عن الاسترابادي والتفريشي القطع بالاتحاد (27) .
وقال المامقاني : واعترضه الميرزا [ الاسترابادي ] في منهج المقال : بأن الاتحاد
واضح عند التأمل (28) .
أقول : قال الميرزا الاسترابادي في بكربن صالح : إن إيراده في « لم » يقتضي
التعدد ، ولعل الاتحاد ، أظهر (29) .
وقال التفريشي في القاسم بن محمد الجوهري : إن مثل هذا كثير مع قطعنا
بالاتحاد (30) .
وقال السيد الخوئي دام ظله : إن هذا وإن أمكن الالتزام به في الجملة إلا أنه لم
يمكن الالتزام به في جملة منها ، فإنه لاشك في عدم تعدد بعض المذكورين في كلا
الموردين ، كفضالة بن أبوب (31) .
وأما حلا : فلأَن البابين ، غير مرتبطين حتى يدل أحدهما على المقصود في
الآخر . إلا بنحو دلالة الايماء والتنبيه ، فإن الشيخ إنما عقد كتابه لذكر الرواة من
الشيعة ، دون مطلق الرجال ، انظر إلى كلامه في المقدمة حيث يقول : كتاب يشتمل على
أسماء الرجال الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الائمة
عليهم السلام من بعده . . . ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الائمة عليهم السلام
من رواة الحديث (32) .
فجميع المذكورين في الابواب السابقة أو باب من لم يرو ، لابد أن يكونوا من
رواة الحديث ، لكن المذكور في الابواب السابقة روى عن الائمة ، والمذكور في هذا
الباب لم يروعنهم .
وليس مجرد ذكر شخص في باب منافيا لذكره في باب آخر ، إلا أن الباب
الاخير لما قيد بقيد « لم يرو عن الائمة عليهم السلام » كان منافيا للابواب السابقة
وبعبارة أخرى : إن اقتضاء الذكر في بابين للتعدد غير صحيح ، لكثرة من تكرر
في أكثر من باب من الابواب السابقة .
وأما الجهة المنافية فهي فقط التنافي بين « روى » و« لم يرو » فاذا كان
الشخص في الباب السابق راويا ولم يقصد في الباب الخير نفي روايته بل قصد التعبير
بذلك عن بعد طبقته في سند خاص ، كفى في رفع التنافي مع اتحاد الشخص في
البابين .
وسيأتي عند توضيح الرأي المختار الاستدلال على هذا مفصلا ونوضح أن
المذكورين في باب « لم » من الذين جاء اسمهم سابقا أيضا ، كيف أدرجوا في باب
« لم » مع أنهم من الرواية ·
إن الراوي إنما يذكر في البابين باعتبار الامرين ، أي انه قد يروي عن الائمة
عليهم السلام بلا واسطة ، فيذكره الشيخ في أبواب من روى عنهم عليهم السلام وقد
يروي بواسطة فيذكره في باب « من لم يرو » ، فيذكره في البابين .
وأقدم من ذكر هذا الوجه هو الشيخ عبدالنبي الكاظمي في تكملة الرجال
ناسبا له إلى « قيل » (33) .
وقال الشيخ المامقاني : والذي ظهرلي بلطف الله سبحانه بعد فضل الغوص في
التراجم والالتفات إلى نكات كلمات الاعاظم من دون تصريح أحد منهم بذلك : أن
الرجال أقسام :
فقسم منهم يروي عن الامام دائما بغير واسطة .
وقسم منهم لم يرو عن إمام عليه السلام أصلا إلا بالواسطة ، لعدم دركه أزمنة
وقسم منهم له روايات عن الامام عليه السلام بلا واسطة ، وروايات عنه
عليه السلام بواسطة غيره .
فالذي يذكره الشيخ في باب « من روى عن أحدهم عليهم السلام » تارة ،
وفي باب « من لم يرو عنهم عليهم السلام » أخرى ، يشير بذلك إلى حالتيه ، فباعتبار
روايته عنه عليه السلام بغير واسطة أدرجه فيمن روى عنه عليه السلام ، وباعتبار
روايته عنه عليه السلام بواسطة آخر أدرجه في باب « من لم يروعنهم
عليهم السلام » (34) .
أقول : ما ذكره من عدم تصريح أحد بذلك ، غريب إذ قد سبقه غيره كما
نقلناه عن الكاظمي ، والاغرب أن الشيخ المامقاني قد نقل أيضا ذلك عنه ، قبل
سطرين من ادعائه هذا .
وما ذكره الشيخ المامقاني سادس الوجوه وحكاه عن الميرزا في « الوسيط » ـ في
ترجمة بكر بن محمد الازدي من قوله : « ما في « لم » إما سهو ، او بناء على أن العباس لم
يرو عن بكر الا ما رواه عن غير هم عليهم السلام » (35) ـ قريب من هذا التوجيه .
ويشترك معه في أن المذكور في باب « لم » إنما يروي عن غير الائمة
عليهم السلام ، فالرواية بالواسطة تعني الرواية عن غير الائمة عليهم السلام ، فلاحظ .
وقد اختار التوجية بعض الفضلاء المحققين (36) .
وقد أجيب عن هذا التوجيه :
أولا : أن وجود رواية شخص عن المعصوم عليه السلام مع الواسطة لايصحح
ذكره في من لم يرو عنهم عليهم السلام بعد ما كانت له رواية عنهم عليهم السلام فان
المصحح لذكر أحد في من لم يرو عنهم عليهم السلام هو عدم روايته عنهم بلاواسطة ،
مع كونه من رواة الحديث ، لا روايته عن المعصوم عليه السلام مع الواسطة ، ولو كان
وثانيا : إن أكثر الرواة عن الائمة عليهم السلام قد رووا عن غير الائمة
عليهم السلام من أصحابهم ، من غيرهم ، فلو صح ما ذكر « لزم ذكر جميع أصحاب
الائمة في « من لم يرو عنهم السلام » إلا من شذ وندر ، فانه قل في أصحابهم
عليهم السلام من لم يرو عن غير المعصومين » (38) .
قال السيد بحر العلوم : قد يحتمل أن يكون المراد في القسم الثاني من عاصرهم
ولم يرو عنهم أوروى عنهم وبقي بعدهم ، بأن يكون المراد من تأخر زمانه أعم ممن
وجد بعدهم ، أو بقي بعدهم وإن روى عنهم (39) .
وقال السيد حسن الصدر ـ وهو يتحدث عن الترجيح بين النجاشي والشيخ
في أمر الجرح والتعديل ـ ما نصه : الشيخ أشد مراسا في ذلك من النجاشي ، وربما
صحب الرجل الواحد إمامين أو ثلاثة ، فيذكره في رجال الكل وربما صحب ولم يرو ،
فيذكره في الاصحاب وفيمن لم يرو .
قال : وهذا وإن كان خلاف الظاهر ، إلا أنه تأويل يصار اليه عند
الضرورة (40) وقال السيد الخوئي : أن يراد بذكره في أصحاب أحد المعصومين
عليهم السلام مجرد المعاصرة وان لم يره ولم يرو عنه ، فيصح حينئذ ذكره في « من لم يرو
عنهم عليهم السلام » أيضا (41) .
ويظهر منه ـ دام ظله ـ اختياره هذا الوجه في بعض الموارد .
فقد قال في بكر بن صالح : لا مناقضة بين عد الشيخ الرجل من أصحاب
الرضا عليه السلام وعده في من لم يرو عنهم عليهم السلام إذ لا تنافي بين أن يكون
الرجل من أصحاب أحد الائمة عليهم السلام ولا يروي عنهم عليهم السلام (42) .
وفي الفضل بن أبي قرة ـ بناءا على عدم صحة روايته عن الصادق عليه السلام
لضعف طريقها ـ قال : وعلى ما ذكرناه صح عده من أصحاب الصادق عليه السلام
باعتبار مصاحبته عليه السلام ، وعده في « من لم يرو عنهم عليهم السلام » باعتبار عدم
ثبوت روايته عن الصادق عليه السلام ، وأما قول النجاشي : « روى عن ابي عبد الله
عليه السلام » فلعله ينظر إلى مطلق الرواية عنه عن أبي عبد الله عليه السلام وإن لم تكن
الرواية صحيحة ، فإنه قد ورد في الكتب الاربعة في (25) موردا (43) .
وذكر نحوه في محمد بن عبد الجبار (44) .
والظاهر من مقدمة الكتاب أن السيد عدل عن هذا ، واختار التوجيه العاشر
التالي .
وقد اختار هذا التوجيه الثالث جمع من المتأخرين (45) .
والجواب عنه بوجوه :
الاول : أن الظاهر من قوله « من تأخر زمانه عن الائمة عليهم السلام » عدم
إدراكه لزمانهم ، إما لعدم وجوده في ذلك الزمان ، أو لصغره وعدم قابليته للرواية
عنهم (46) .
أقول : في تمامية هذا الجواب نظر :
أما أولا : فلان موارد النقض لا تدخل في هذا النوع وهو من تأخر زمانه عنهم ،
بل هو داخل في النوع الاخر وهو من عاصرهم ولم يروعنهم كما صرح به الشيخ في
« الرجال » في المقدمة ، وقد فصلناه .
ثانيا : أن الامر لاينحصر فيما ذكره من الصغر وعدم القابلية ، بل الملاك عدم
الرواية بأي وجه كان ، ولو كان قابلا للرواية ، كما إذا كان بعيدا عن مكان وجود
الامام عليه السلام أو كان عاميا غير معتقد بالامام ثم اعتقد بعد زمان الامام ، أولم يكن
من أهل الحديث والفقه ، ثم صار منهم بعد فوات عصر الامام ، فانه يصدق على جميع
الثاني : أنه خلاف صريح عبارته من أنه يذكر أولا من روى عنه النبي
صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد المعصومين عليهم السلام ، ثم يذكر من تأخر عنهم أو
عاصرهم ولم يَرَهُم .
هكذا أجاب السيد الخوئي عن هذا التوجيه (47) .
أقول : قوله : « ولم يرهم » غير صحيح ، فإن « الرؤية » وعدمها لادخل لهما في
عد الرجل من باب من روى أو لم يرو ، بل الدخيل في ذلك هي « الرواية » وعدمها ،
وقد أشرنا إلى ذلك في ماسبق ، وقد ذكرنا أن المراد من الاصحاب في الكتاب هم
أصحاب الرواية لا الرؤية أو اللقاء .
فالصحيح : أن الشيخ إنما التزم بذكر الرواة في الابواب الاولى ، وخصص
الباب الاخير بمن لم يرو عن اي واحد منهم مطلقا ، فمجرد روايته عن اي إمام يدرجه
في الرواة ، ولا يصح حينئذ عده فيمن لم يرو عنهم ، للتنافي بين النفي والاثبات .
الثالث : أن الشيخ في بعض الموارد ذكر المعاصرين الائمة عليهم السلام في
أبواب رواتهم وصرح بعدم روايتهم عنهم ، ليكون كلمعتذر لذكرهم في تلك الابواب ،
فيقول : رآه أو لقيه أو لحقه ولم يرو عنه (48) .
فلو كان جميع المذكورين في « لم » ممن سبق ذكره من هذا القبيل ، لصرح
معهم بمثل ذلك ، ولم يقتصر على تلك الموراد القليلة .
الرابع : أنه لايتم في كثير من الموارد ، فان من ذكره في من لم يرو عنهم
عليهم السلام أيضا قد روى عنهم ، ولم يقتصر على مجرد المعاصرة (49) .
الخامس : أنه منقوض بمجموعة من الرواة عن إمام عليه السلام ممن ذكرهم
الشيخ في بابه ، وقد امتدت أعمارهم وبقوا إلى أعصر الائمة المتأخرين ولم يرو واعنهم ،
ومع ذلك لم يدرجهم الشيخ في باب « من لم يرو » ، مثل :
حماد بن راشد الازدي البزاز أبوالعلاء الكوفي ، ذكره في أصحاب الباقر