|
الشواهد الشعرية في مؤلّفات المحقّق الكركي المحقق الكركي |
الشيخ محمّد الحسون
المحقّق الكركي علي
بن الحسين بن عبـد العالي (ت 940 هـ) علمٌ من أعلام الطائفة الحقّة ، وشخصية سياسية
بارزة في النصف الأوّل من القرن العاشر الهجري .
ولا يستطيع الدارس لتلك الفترة
الزمنية المهمّة والحساسة بأحداثها وتحوّلاتها السياسية أن يتجاوز الكركي دون أن
يقف على مكانته العلمية المرموقة ودوره في تطوير العلوم الإسلامية ـ خصوصاً الفقه
ـ بما توصّل إليه من نظريّات جديدة صهرها في بودقة مؤلّفاته الكثيرة .
لقد استطاع الكركي أن يرفد المكتبة
الإسلامية بثمانين مُؤلَّفاً تقريباً ، مختلفة في مواضيعها وحجمها وأساليبها ، فمنها
الكتب الاستدلالية المطوّلة ، كـ : جامع المقاصد ، وحواشيه على شرائع الإسلام وإرشاد
الأذهان ومختلف الشيعة ، ومنها الرسائل الصغيرة التي خصّص كلّ منها لبحث مسألة
علمية واحدة .
وقد جَمعتْ هذه
المؤلّفات بين سهولة العبارة وبلاغتها ، وبين متانة محتواها وقوّة دلالتها على
المطلوب .
ونظرة سريعة لآثار
هذا الرجل الفذّ المتمثّلة بمؤلّفاته وإجازاته ، يتّضح لنا جليّاً القدرة البلاغية
العالية التي كان يتّصف بها .
ولا عجب في ذلك؛ فقد نشأ وترعرع ودرس في جبل عامل ، وهو آنذاك مدرسة علميّة تتّصف
بقوّة بلاغتها ، ثمّ سافر إلى عواصم البلدان الإسلامية كمصر ودمشق وبيت المقدس
وتتلمذ على كبار علمائها .
وقد
استشهد الكركي في مصنّفاته بمجموعة من الأبيات الشعريّة ، فقمتُ بجمعها بعد
استقراءٍ كاملٍ لمؤلّفاته جميعها ، سواء المطبوع منها والمخطوط ، فأوردتُ الشاهد
الشعري مرتّباً حسب القافية ، وأوضحت كيفية الاستشهاد به ، وتحدّثت قليلاً عن قائله ،
والمناسبة التي قيل فيها .
والحمد لله ربّ العالمين .
*
*
استشهد به المحقّق الكركي في رسالته نفحات اللاهوت ، عند كلامه على وجوب موالاة
أولياء الله تعالى ومودّتهم ، ومعاداة أعدائه والبراءة منهم ، وذكر عدّة آيات دالّة
على ذلك ، ثمّ قال : فهذه الآيات ناطقة بوجوب معاداة أعداء الله ، بل دالّة على أنّ
ذلك جزء من الإيمان ، فإنّ مخالف ذلك لا يمكن أن يكون مؤمناً ، وقاعدة لسان العرب
تقتضي ذلك أيضاً ، قال الشاعر : . . . ـ وذكر البيت ـ .
ثمّ قال : فمودّة العدوّ خروج عن ولاية
الوليّ ، فكما يحرم الخروج عن موالاة الله وأوليائه ، كذلك يحرم الدخول في موالاة
أعداء الله وأعداء أوليائه . وقد روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول :
« اللّهمّ لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة ، فإنّي وجدت في ما أوجبته : ( لا تَجِدُ قَوماً يُؤمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ
مَنْ حادَّ اللهَ ) (1) .
والبيت الذي يأتي بعد هذا
الشاهد :
وقائل هذين البيتين هو
كلثوم بن عمرو بن أيوب بن عبيد ، المعروف بالعتّابي ، من شعراء الدولة العبّـاسـية ،
اتّصل بالبرامكة فترة من الزمن ، فوصفوه للرشيد ، ووصلوه به ، فبلغ عنده كلّ مبلغ ،
وعظمت فوائده منه .
كان شاعراً مترسّلاً
بليغاً ، مطبوعاً في فنون الشعر ، تتلمذ عليه وأخذ منه وروى شعره منصور
النمري (1) .
له
كلمات أدبيّة يجريها بعض الأُدباء مجرى الحِكم . .
منها : الأُخوان ثلاثة أصناف : فرع
بائن من أصله ، وأصل متّصل بفرعه ، وفرع ليس له أصل .
فأمّا الفرع البائن من أصله ، فإخاء
بُني على مودّة ثمّ انقطعت ، فحفظ على ذمام الصحبة .
وأمّا الأصل المتّصل بفرعه ، فإخاء
أصله الكرم وأغصانه التقوى .
وأمّا الفرع الذي لا أصل له ، فالمموّه الظاهر الذي ليس له
باطن (2) .
ومنها :
ما رأيتُ الراحة إلاّ مع الخلوة ، ولا الأُنس إلاّ مع
الوحشة (3) .
ومنها :
ببكاء القلم تبتسم الكتب (4) .
ومنها : الأقلام مطايا
الفِطَن (5) .
قال : وفي كلام أمير
المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة مواضع متعدّدة هي كالصريحة في المطلوب ، وفيها
من التوجّع والتألّم ما يفتّ الكبد ويوهي الجلد ، أحببتُ أن أُورد منها نبذة؛ لأنّ
أكثر ذلك مروي من طرق أهل السُـنّة ، وما من شـيء إلاّ وقـد ذكر الشيخ عزّ الدّين
عبـد الحميد بن أبي الحديد إسناده من طرقهم ومَن أورده منهم ، فمن ذلك الخطبة
المعروفة بالشقشقية .
وبعد
ذكره لها قال : ومن كلامه عليه السلام : « يا عجباً ! أن تكون الخلافة بالصحابة ولا
تكون بالصحابة والقرابة ! ! » ويروى له عليه السلام شعر في هذا المعنى : . . . ـ وذكر
البيتين ـ .
ثمّ قال : ومن
كلامه عليه السلام من هذا النمط شيء كثير لمن تتبّعه ، ولسنا بصدد حصره؛ لأنّ
اليسير منه كافٍ في الدلالة على ما نحن بصدده لمن كان طالباً للحقّ ومتحرّياً
للصواب . ولعمري من وقف على ما أثبتناه من الدلائل ، واطّلع على ما أوردناه من الحجج ،
فلم يعرف الحقّ من كلّ واحد منها ، ولا تبيّن له طريق الهدى من جملتها ، لسقيم
الفؤاد ، وشديد المرض بداء العناد ، مأيوس من برئه بعلاج الكلام ، إذ لا دواء له بعد
إلاّ الضرب بالحسام ، والمؤاخذة بعظيم الانتقام (1) .
وشرح ابن أبي الحديد المعتزلي كلامه
عليه السلام قائلاً : حديثه عليه السلام في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر
وعمر . .
أمّا النثر فإلى عمر
توجيهه؛ لأنّ أبا بكر لمّا قال لعمر : امدد يدك ، قال له عمر : أنت صاحب رسول الله
صلى الله عليه وآله في المواطن كلّها ، شدّتها
وأمّا
النظم فموجّه إلى أبي بكر؛ لأنّ أبا بكر حاجّ الأنصار في السقيفة فقال : نحن عترة
رسول الله صلى الله عليه وآله ، وبيضته التي تفقّأت عنه . فلمّا بويع احتجّ على
الناس بالبيعة ، وأنّها صدرت عن أهل الحلّ والعقد . فقال عليّ عليه السلام : أمّا
احتجاجك على الأنصار بأنّك من بيضة رسول الله صلى الله عليه وآله ومن قومه ، فغيرك
أقرب نسـباً منك إليه ، وأمّا احتجاجك بالاختيار ورضى الجماعة بك ، فقد كان قوم من
جـملة الصحابة غائبين لم يحضـروا العقد ، فكيف يثبت (1) ؟ !
ذكره في
كتابه جامع المقاصد في بحث النكاح ، مُستشهداً به على حرمة ترك وطء الزوجة أكثر من
أربعة أشهر . .
قال : يدلّ على
ذلك ما رواه صفوان بن يحيى ، أنّه سأل الرضا عليه السلام عن رجل يكون عنده المرأة
الشابّة ، فيمسك عنها الأشهر والسنة لا يقربها ، ليس يريد الإضرار بها ، يكون لهم
مصيبة ، أيكون في ذلك آثماً ؟ قال : « إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك ، إلاّ أن
يكون بإذنها » (2) .
وقد نُقل أنّ عمر سأل
نساء أهل المدينة ـ لمّا أخرج أزواجهن إلى الجهاد ، وسـمع امرأة تنشـد أبياتاً من
جـملتها : . . . وذكر البيت ـ عن أكثر ما تصبر المرأة عن الجماع ؟ فقيل : أربعة أشهر .
فجعل المدّة المضروبة للغيبة أربعة أشهر (1) .
وهذا البيت جزء من مقطوعة شعريّة
قالتها امرأة مجهولة . .
حكى
السيوطي عن الحافظ أبي بكر بن أبي الدنيا في كتابه الأشراف ، قال : حـدّثني أبـي ، عن
محمّـد بن إسـحاق ، عن سليمان بن جبير مولى ابن عبّـاس ـ وقد أدرك أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وآله ـ قال : ما زلتُ أسمع حديث عمر هذا أنّه خرج ذات ليلة يطوف
بالمدينة ، وكان يفعل ذلك كثيراً ، فمرّ بامرأة مغلقة عليها بابها وهي تقول ـ فاستمع
لها عمر ـ : | تَطاوَلَ هذا اللَّيلُ تَسْـري كَواكِبُهْ | * | وأرَّقَني أنْ لا ضَجِـــيعَ أُلاعِبُهْ |
| فواللهِ لَوْلا اللهُ لا شــيءَ غَيْرُهُ | * | لحَرَّكَ مِن هــذا السَّريرِ جوانِبُهْ |
| وبِـتُّ أُلاهي غَيْرَ بِدْعِ مُلَعَّــنٍ | * | لَطِيفِ الحَشـا لا يَحتويهِ مُصاحِبُهْ |
| يُلاعبنُــي طَوْراً وَطَوْراً كأنّما | * | بَدَا قَمرَاً في ظُلْمـةِ اللَّيْلِ حـاجِبُهْ |
| يُسَرُّ مَنْ كانَ يَلْهــــو بِقُرْبِهِ | * | يُعَاتِبُنـــــي في حُبِّهِ وَأُعاتِبُهْ |
| وَلكِنَّني أخْشَـــى رَقِيباً مُوَكَّلاً | * | بِأنْفُسِــــنا لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتِبُهْ |
ثمّ تنفّست الصعداء
وقالت : لهانَ على ابن الخطّاب وحشتي في بيتي ، وغيبة زوجي عنّي ، وقلّة
نفقتي ؟
فقال عمر : يَرحمك
الله . فلمّا أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة ، وكتب إلى عامله يُسرّح إليها
زوجها (2) .
وأخرج المتّقي الهندي
عن ابن عمر أنّه قال : خرج عمر بن الخطّاب فسمع أمرأة تقول :
فقال عمر لحفصة : كم
أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها ؟ فقالت : ستّة أو أربعة أشهر ، فقال عمر : لا أحبس الجيش
أكثر من هذا (1) .
أوردهما في رسالته
نفحات اللاهوت ، عند حديثه عن واقعة خيبر ، وما أبداه الإمام عليّ عليه السلام من
الشجاعة والصبر في فتح هذا الحصن وقتل مرحب وانهزام اليهود . .
قال : وروى الثعلبي في تفسير قوله
تعالى : ( ويَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً
مُسْتَقِيماً ) (2) : فإنّ ذلك في فتح خيبر ، بإسناده قال : حاصر رسول
الله صلى الله عليه وآله أهل خيبر حتّى أصابتنا مخمصـة (3) شديدة ، وأنّ
رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى اللواء عمر بن الخطّاب ونهض من نهض معه من
الناس ، وتلقّوا أهل خيبر ، فانكشف عمر وأصحابه ، ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه
وآله يُجَبّنهُ أصحابه ويُجبّنهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخذته
الشقيقة فلم يخرج إلى الناس .
فأخذ أبو بكر راية
رسول الله صلى الله عليه وآله ثمّ نهض فقاتل ثمّ رجع ، فأخذها عمر فقاتل ثمّ رجع ،
فأُخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : « أما والله لأُعطينّ الراية غداً
رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، يأخذه عنوة » ، وليس ثمة عليّ عليه
السلام .
فلمّا كان الغد
تطاول رجال من قريش ، ورجا كلّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك ، فأرسل رسول الله صلى
الله عليه وآله ابن الأكوع إلى عليّ فدعاه ، فجاء على بعير له حتّى أناخ قريباً من
رسول الله ، وهو أرمد قد عصب عينيه بشـقّة بردٍ قطريٍ .
قال سلمة : فجئتُ به أقوده إلى رسول
الله ، فقال صلى الله عليه وآله : « ما لك » ؟
قال عليّ عليه السلام :
« رمدت » .
فقال صلى الله عليه
وآله : « ادن منّي » ، فدنا منه ، فتفل في عينيه ، فما شكا وجعهما بعد حتّى مضى
لسبيله .
ثمّ أعطاه الراية
فنهض بالراية وعليه حلّة أرجوان حمراء قد أخرج كمّيها ، فأتى مدينة خيبر ، فخرج مرحب
صاحب الحصن وعليه مِغْفَر (1) مصفّر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ،
وهو يرتجز ويقول : . . . ـ وذكر البيتين ـ .
فبرز إليه عليّ عليه السلام
فقال :
واعلم
أنّ حديث الكرامة التي منحها الله تعالى للإمام عليّ عليه السلام يوم خيبر ، من فتح
هذا الحصن على يديه ، حديث متواتر أخرجه علماء المسلمين كافّة : المؤرّخون يذكرونه في
مصنّفاتهم التأريخية في الغزوات التي جرت في السنة السابعة للهجرة ، وعلماء الحديث
يروونه في موسوعاتهم الحديثية بعنوان « حديث الراية » ، والأُدباء يذكرون الشعر الذي
قيل فيه .
قال الواقدي في حديث
غزوة خيبر : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : « لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً
يُحبّه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ، ليس بفرّار ، أبشر يا محمّـد بن مسلمة ،
غداً إن شاء الله يُقتل قاتل أخيك وتولّي عادية (2) اليهود » فلمّا أصـبح
أرسلَ إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو أرمد ، فقال : « ما أُبصر سهلاً ولا
جبلاً » ، قال : فذهب إليه فقال : « افتح عينيك » ففتحهما ، فتفل فيهما ، قال عليّ عليه
السلام : « فما رمدت حتّى الساعة » .
ثمّ دفع إليه اللواء ودعا له ومن معه
من أصحابه بالنصر ، فكان أوّل من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته ، فانكشف
المسلمون وثبت عليّ عليه السلام ، فاضطربا ضربات فقتله عليّ عليه السلام ، ورجع
أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه وأغلقوا عليهم ، فرجع المسلمون إلى موضعهم ، وخرج مرحب
وهو يقول : . . . ـ وذكر البيتين ـ .
ثمّ قال : فحمل عليه
عليّ عليه السلام فقطره (1) على الباب وفتح الباب (2) .
وأخـرج الطبري في أحداث السـنة
السابـعة للهجرة ، بسنده عن بريدة الأسلمي أنّه قال : لمّا كان حين نزل رسول الله
صلى الله عليه وآله بحصن أهل خيبر ، أعطى رسـول الله صلى الله عليه وآله اللواء عمر
بن الخطّاب ، فنهض من نهض معه من الناس ، فلقوا أهل خيبر ، فانكشف عمر وأصحابه ، فرجعوا
إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يُجبّنهُ أصحابه ويجبّنهم ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله : « لأُعطينّ اللواء غداً رجلاً يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله
ورسوله » .
فلمّا كان من الغد
تطاول لها أبو بكر وعمر ، فدعا عليّاً عليه السلام وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه
اللواء ، ونهض معه الناس مَنْ نهض . قال : فلقي أهل خيبر فإذا مرحب يرتجز ويقول : ـ
وذكر البيتين ، وفيهما : إذا الليوثُ أقْبَلَتْ تَلَهَّبُ ـ فاختلف هو وعليّ عليه
السلام ضربتين ، فضربه عليّ على هامته حتّى عضّ السيف منها بأضراسه ، وسمع أهل العسكر
صوت ضربته ، فما تتامّ آخر الناس مع عليّ عليه السلام حتّى فتح الله له
ولهم .
ثمّ ذكره بطريق آخر ،
وفيه : فقال عليّ عليه السلام :
وأخرجه ابن
الأثير في تاريخه (4) ، وهو مطابق لما في تاريخ الطبري .
وابن كثير في البداية والنهاية
والسيرة النبوية ، والشعر فيه هكذا :
وفي شعر عليّ عليه
السلام هكذا : أكيلكْمُ بالصّاعِ كَيْلَ السَّنْدرهْ .
وفي رواية أُخرى له فيها : (كريهِ
المَنْظَرَهْ) و (أوفِيهُمُ بالصّاعِ) (1) .
وأخرجه الحلبي في السيرة ، وفيه :
(ضُرْغامِ آجامٍ وَلَيْثٍ قَسْوَرَهْ) ثمّ قال : فإنّ أُمّ عليّ سمّته أسداً باسم
أبيها ، وكان أبوه أبو طالب غائباً ، فلمّا قدم كره ذلك وسمّاه عليّاً .
ومن أسماء الأسد : حيدره ، والحيدره :
الغليظ القوي .
وقيل : لقّب
بذلك في صغره ؛ لأنّه كان عظيم البطن ممتلأً لحماً ، ومن كان كذلك يقال له
حيدرة .
ويقال : إنّ ذلك كان
كشفاً من عليّ ، فإنّ مرحباً كان رأى في تلك الليلة في المنام أنّ أسداً افترسه ،
فذكّره عليّ بذلك ليخيفه ويضعف نفسه .
ويروى أنّ عليّاً ضرب مرحباً فتترّس
فوقع السيف على الترس فقدّه ، وشقّ المغفر والحجر الذي تحته والعمامتين ، وفلق هامته
حتّى أخذ السيف في الأضراس ، وإلى ذلك يشير بعضهم ـ وقد أجاد ـ بقوله :
وذكر السيوطي شطر
البيت الأوّل من شعر الإمام عليّ عليه السلام
(4) .
ذكرهما في رسالته نفحات اللاهوت ، عند إيراده خطبة الزهراء عليها السلام في
المسجد . .
قال : ثمّ التفتت إلى
قبر أبيها فتمثّلت بقول هند ابنة أثاثة شعراً : . . . ـ وذكر البيتين
ـ (2) .
وحكى ابن
أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج عن أبي بكر أحمد ابن عبـد العزيز الجوهري في
كتابه السقيفة ، خطبة الزهراء عليها السلام ، وذكر هذين البيتين بشكل آخر ، مضيفاً
لهما بيتاً ثالثاً :
وحكى الإربلي هذه
الأبيات عن المصدر نفسه ـ السقيفة ـ ولكن بشكل آخر :
وزاد في بعض الروايات
هنا :
وقائلة هذه الأبيات هند بنت أثاثة بن عباد بن المطّلب بن
عبـد مناف ، أُمّها أُمّ مسطح بنت أبي رهم بن المطّلب . وهي شاعرة من شواعر العرب ،
أسـلمت وبايـعت الرسـول صلى الله عليه وآله وحسـن إسلامها ، وتوفّـيت حـدود سـنة 10
هـ (2)) .
وهي التي أجابت هند بنت عتبة حينما قالت في واقعة أُحد :
فأجابتها قائلةً :
استشهد به في حاشيته
على كتاب مختلف الشيعة ، على جواز حذف أداة الاستفهام . .
قال معلّقاً على كلام العلاّمة الحلّي
في استدلاله بحديث علي بن جعفر : ( يتوضّأ منه للصلاة ؟ قال : « لا ، إلاّ أن يكون الماء
كثيراً قدر كرّ من ماء » ) (2) : الاستفهام في قوله : ( يتوضأ ) لطلب
التصديق ، وأداته ـ وهي الهمزة ـ محـذوفة ، على حـدّ قولـه : بسَبْعٍ رَمِينَ الجَمْر
أمْ بِثَمانِ ، وقوله : ولا لَعِباً منّي وذو الشيبِ يَلْعَبُ .
وقد وجد التصريح بالهمزة في بعض نسخ
الكتاب ، لكنّ الموجود في نسخة معتبرة من التهذيب الحذف (3) .
وهذا الشاهد عبارة عن عجز بيت قاله
الكميت الأسدي من قصيدة له يمدح فيها أهل البيت عليهم السلام ، مطلعها :
ومنها قوله :
ومنها قوله :
والشاعر هو الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد ، أبو سهل الأسدي ، ولد في الكوفة ، وقضى
حياته فيها متّصلاً بضروب المعرفة والثقافة ، وأشهر شعره « هاشمياته » التي قالها في
بني هاشم مدافعاً عن حقّهم في الخلافة .
ذكره السيوطي قائلاً : شعره أكثر من
خمسة آلاف بيت ، روى عن الفرزدق ، وأبي جعفر الباقر عليه السلام ، ومذكور مولى زينب
بنت جحش ، وعنه والبة بن الحبّاب الشاعر ، وحفص بن سليمان القاضوي ، وأبان بن تغلب
وآخرون . وحديثه في البيهقي في نكاح زينب بنت حجش ، ووفد على يزيد وهشام ابني عبـد
الملك .
قال أبو عبيدة : لو لم
يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم .
وقال أبو عكرمة الضـبّي : لولا شـعر
الكمـيت لم يكن للّغة ترجمان ولا للبيان لسان . أخرجه ابن عساكر .
وأخرج عن محمّـد بن عقير ، قال : كانت
بنو أسد تقول : فينا فضيلة ليست في العالم منزلاً منّا إلاّ وفيه بركة وراثة الكميت؛
لأنّه رأى النبيّ صلى الله عليه وآله
ويقال : ما جمع أحدٌ من
علم العرب ومناقبها ومعرفة أنسابها ما جمع الكميت ، فمَن صحّح الكميتُ نسبه صـحّ ،
ومَن طعن فيه وهن .
وقال
بعضهم : كان في الكميت عشر خصال ، لم تكن في شاعر : كان خطيب بني أسد ، وفقيه الشيعة ،
وحافظ القرآن ، وثبت الجنان ، وكان كاتباً حسن الخطّ ، وكان نسّابة ، وكان جدلاً وهو
أوّل من ناظر في التشيّع ، وكان رامياً لم يكن في بني أسد أرمى منه ، وكان فارساً ،
وكان شجاعاً ، وكان سخيّاً ديّناً . أخرجه ابن عساكر ، وقال : ولد سنة ستّين ، ومات سنة
ستّ وعشرين ومائة (1) .
وذكره حنّا الفاخوري جاعلاً اسم جدّه
(الأخنس) بدل خنيس (2) .
استشهد به في رسالته
نفحات اللاهوت على مظلوميّة أهل البيت عليهم السلام : عـبر التاريخ ، وأنّ أساس هذا الظلم ناشىَ
ممّا جرى في السقيفة من بيعة أبي بكر ، وأمير المؤمنين عليه السلام في بيت النبيّ
صلى الله عليه وآله مشغول بتغسيله وتكفينه (3) .
وهذا الشاهد جزء من قصيدة شعرية تائية
رائعة ، قالها دعبل الخزاعي
وتعتبر هذه القصيدة من أحسن الشعر
وأسنى المدائح المقولة في أهل البيت عليهم السلام (1) .
وقد ذكر العلاّمة الأميني رحمه الله أنّ عدد
أبياتها هو مائة وواحد وعشرون بيتاً (2) ، والموجود في ديوانه المطبوع
مائة وخمسة عشر بيتاً فقط (3) .
علماً بأنّ كثيراً من المصادر لم تذكر
القصيدة كاملة ، بل من البيت الثلاثين منها : (مَدَارِسُ آياتٍ . . . ) ؛ لأنّ دعبل
أنشدها الإمام الرضا عليه السلام من هذا البيت ، ولم ينشدها من أوّلها ، والذي هو في
التشبيب والغزل .
قال ابن
شهرآشوب : قيل لدعبل : لِمَ بدأت بـ : (مَدَارِسُ آياتٍ . . . ) ؟
قال : استحييتُ من الإمام أن أنشده
التشبيب فأنشدته المناقب (4) .
وقد وصفت الكثير من الموسوعات
التاريخية والأدبية كيفية إنشادها ، وما حصل للإمام عليه السلام حين سماعها ، وما
جرى لدعبل بعد ذلك من أحداث . .
قال الأصفهاني : قال دعبل : دخلتُ على علي بن موسى الرضا عليه السلام بخراسان ، فقال
لي : « أنشدني شيئاً ممّا أحدثت » ، فأنشدته : (مدارسُ آياتٍ . . . ) حتّى انتهيت إلى
قولي :
فبكى الإمام حتّى
أُغمي عليه ، وأومأ إليّ خادم كان على رأسه : أن اسكت . فسكتُّ ساعة . .
ثمّ قال لي : « أعـد » . فأعدت حتّى
انتهيت إلى هذا البيت أيضاً ، فأصابه مثل الذي أصابه في المرّة الأُولى ، وأومأ
الخادم إليّ : أن اسكت . فسكتُّ ، ومكثت ساعة أُخرى . .
ثمّ قال لي : « أعـد » . فأعدتُ حتّى
انتهيت إلى آخرها .
فقال لي :
« أحسـنت » ثلاث مرّات .
ثمّ أمر
لي بعشرة آلاف درهم ممّا ضُرب باسمه ، ولم تكن دفعت إلى أحدٍ بعد ، وأمر لي مَن في
منزله بحليّ كثير أخرجه إليّ الخادم ، فقدمتُ العراق فبعتُ كلّ درهم منها بعشرة
دراهم اشتراها منّي الشيعة ، فحصل لي مائة ألف درهم .
قال ابن مهرويه : وحدّثني حُذيفة بن
محمّـد : أنّ دعبلاً قال له : إنّه استوهب من الرضا عليه السلام ثوباً قد لبسه؛
ليجعله في أكفانه ، فخلع جبّة كانت عليه فأعطاه إيّاها . .
فبلغ أهل قم خبرها ، فسألوه أن يبيعهم
إيّاها بثلاثين ألف درهم ، فلم يفعل ، فخرجوا عليه في الطريق فأخذوها منه غصباً ،
وقالوا له : إن شئت أن تأخذ المال فافعل ، وإلاّ فأنت أعلم .
فقال لهم : إنّي والله لا أُعطيكم
إيّاها طوعاً ، ولا تنفعكم غصباً ، وأشكوكم إلى الرضا عليه السلام .
فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين ألف
درهم وفرد كُمٍّ من بطانتها ، فرضي بذلك ، فأعطوه فرد كُمّ ، فكان في أكفانه .
وكتب قصيدة : (مدارسُ آياتٍ . . . ) في ما
يقال على ثوب وأحرم
وفي مكان آخر من الأغاني قال : قال
دعبل : لمّا هربتُ من الخليفة ، بتُّ ليلة بنيسابور وحدي ، وعزمتُ على أن أعمل قصيدة
في عبـد الله بن طاهر في تلك الليلة ، فإنّي لفي ذلك إذ سمعتُ ـ والباب مردود علَيَّ
ـ : السلام عليكم ورحمة الله ، أُنج يرحمك الله .
فاقشعرّ بدني من ذلك ونالني أمر
عظيم .
فقال لي : لا تجزع عافاك
الله ، فإنّي رجل من إخوانك من الجنّ ، من ساكني اليمن ، طرأ إلينا طارئ من أهل
العراق فأنشدنا قصيدتك : (مدارسُ آياتٍ . . . ) فأحببتُ أن أسمعها منك .
قال : فانشدته إيّاها ، فبكى حتّى
خرَّ .
ثمّ قال : رحمك الله ،
ألا أُحدّثك حديثاً يزيد في نيّتك ويعينك على التمسّك بمذهبك ؟
قلت : بلى .
قال : مكثتُ حيناً أسمع بذكر جعفر بن
محمّـد عليه السلام ، فصرتُ إلى المدينة فسمعته يقول : « حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن
جدّه ، أنّ رسول الله قال : عليّ وشيعته هم الفائزون » .
ثمّ ودّعني لينصرف ، فقلت له : يرحمك
الله إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل .
قال : أنا ظبيان بن
عامر (2) .
وقال
ياقوت الحموي ـ بعد أن ذكر قريباً ممّا في الأغاني ـ : كتب
وحكى
العلاّمة الأميني في الغدير عن الحافظ ابن عساكر في تاريخه قوله : إنّ المأمون لمّا
ثبتت قدمه في الخلافة وضرب الدنانير باسمه ، أقبل يجمع الآثار في فضائل آل الرسول ،
فتناهى إليه ـ في ما تناهى ـ من فضائلهم قول دعبل : (مدارسُ آياتٍ . . . ) فما زالت
تردّد في صدر المأمون حتّى قدم عليه دعبل ، فقال له : أنشدني قصيدتك التائية ولا بأس
عليك ، ولك الأمان من كلّ شيء فيها ، فإنّي أعرفها وقد رويتها ، إلاّ أنّي أُحبّ أن
أسمعها من فيك .
قال : فأنشدته حتّى صرتُ إلى هذا الموضع :
فبكى المأمون حتّى اخضلّت
لحيته وجرت دموعه على نحره (2) .
وعن شيخ الإسلام أبي إسحاق الحموي ،
عن أحمد بن زياد ، عن دعبل ، قال : أنشدتُ قصيدة لمولاي علي الرضا عليه السلام (مدارسُ
آياتٍ . . . ) فلمّا وصلت إلى :
قال لي الرضا : « أفلا
أُلحق بيتين بقصيدتك » ؟ !
قلت :
بلى يا بن رسول الله .
فقال :
قال دعبل : ثمّ قرأت باقي
القصيدة ، فلمّا انتهيت إلى قولي :
بكى الرضا بكاءً شديداً ، ثمّ قال : « يا
دعبل ! نطقَ روح القدس بلسانك ، أتعرف من هذا الإمام ؟ ! » .
قلت : لا ، إلاّ أنّي سمعتُ بخروج إمام
منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً .
فقال : « إنّ الإمام بعدي محمّـد ، وبعد
محمّـد ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم ، وهو المنتظر
في غيبته المطاع في ظهوره ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً . أمّا
متى يقوم فإخبارٌ عن الوقت ، لقد حدّثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه
وآله ، قال : مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلاّ بغتةً » (1) .
والشاعر هو أبو علي ، وقيل : أبو جعفر ،
دعبل بن علي بن رزين الخزاعي ، وقيل : إنّ دعبلاً لقبه واسمه الحسن ، وقيل : عبـد
الرحمن ، وقيل : محمّـد .
وهو
شاعر مطبوع مفلّق ، من أهل الكوفة ، ولد فيها سنة 148 هـ ،
كان رحمه الله متفانياً في
حبّ أهل البيت عليهم السلام ، وهو الذي يقول : حملتُ خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة
لستُ أجد أحداً يصلبني عليها (1) .
أخذ الشعر عن أُستاذه صريع الغواني
مسلم بن الوليد واستقى من بحره ، وله عدّة مؤلّفات ، منها : كتاب الواحدة (في مناقب
العرب ومثالبها) ، وكتاب طبقات الشعراء ، وله ديوان شعر
مجـموع (2) .
ذكر
النجاشي في رجاله عن ابن أخيه أنّه رأى الإمام الكاظم عليه السلام ، ولقي الإمام
الرضا عليه السلام (3) .
وعدّه ابن شهر آشوب في المعالم من
أصحاب الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام (4) .
وذكره العلاّمة الحلّي وابن داود في
القسم الأوّل من رجاليهما (5) .
أمّا وفاته فـقد ورد في المصادر أنّه
قـتل وهو شـيخ كبير في سنة 246 هـ بعد أن عاش سبعاً وتسعين سنة وعدّة شهور من السنة
الثامنة ، وسبب قتله أنّ مالك بن طوق بعث رجلاً ليقتله وأعطاه عشرة آلاف درهم ، فلحقه
إلى الأهواز وقتله هناك (6) .
ونذكر هنا عدّة أبيات
من هذه القصيدة الرائعة ، مع ترقيم كلّ بيت حسب التسلل الوارد في ديوانه :
استشهد به في رسالته نفحات
اللاهوت ، في بيان معنى قول النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله : « يرد عليّ الحوض
رجالٌ من أُمّتي فيحلاَّون عنه » أي يُطردون عنه ، وذلك عند ردّه على القائلين بعدالة
جميع الصحابة . .
قال : لا ريب
أنّ الصحابي مَن لقي النبيّ صلى الله عليه وآله ، ولا ريب أنّ الإيمان والعدالة لا
يكونان فيهم باعتبار أصل الجبلّة ، بل هما مكتسبان ، فكما لايثبت إيمان غير الصحابي
وعدالته إلاّ بحجّة فكذلك الصحابي .
وممّا يدل على بطلان ذلك أنّه عُلم
ضرورة أنّ المنافقين كانوا في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وبلده ، يجلسون في
مجلسه ويخاطبهم ويخاطبونه