|
عـدالة الصـحابة (9) |
الشـيخ محمّـد السـند
ومتابعة لبقية قصاصات واقعة العقبة نتعرّض للبقية منها . .
قول ابن حزم في المحلّى : « ومن طريق
مسلم (1) : نا زهير بن حرب ، نا أحمد الكوفي ، نا الوليد بن جُمَيع ، نا أبو
الطفيل ، قال : كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة ما يكون بين الناس ، فقال : انشدك
الله كم كان أصحاب العقبة ؟ فقال له القوم : أخبره إذ سألك . قال ـ يعني حذيفة ـ : كنّا
نخبر أنّهم أربعة عشر ، فإن كنت فيهم فقد كان القوم خمسة عشر ، وأشهد بالله أنّ اثني
عشر منهم حرب لله ولرسوله ويوم يقوم الأشهاد ، وعذر ثلاثة ؛ قالوا : ما سمعنا منادي
رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ولا علمنا بما أراد القوم » .
إلى أن قال ابن حزم : « وأحاديث موقوفة
على حذيفة ، فيها : أنّه كان يدري المنافقين ، وأنّ عمر سأله : أهو منهم ؟ قال : لا ، ولا
أخبر أحداً بعدك بمثل هذا ، وأنّ عمر كان ينظر إليه فإذا حضر حذيفة جنازة حضرها عمر
وإن لم يحضرها حذيفة لم يحضرها عمر ، وفي بعضها : منهم شيخ لو ذاق
وعن حذيفة ، قال : مات رجل من المنافقين فلم أذهب إلى الجنازة ، فقال : هو منهم ، فقال
له عمر : أنا منهم ؟ قال : لا » .
إلى أن قال : « وعن زيد بن وهب ، قال : كنّا عند حذيفة ـ وهو من طريق
البخاري (1) ـ فقال حذيفة : ما بقي من أصحاب هذه الآية إلاّ ثلاثة ، ـ يعني
قوله تعالى : ( فقاتلوا أئمّة الكفر ) إلى قوله : ( ينتهون ) (2) ـ قال حذيفة :
ولا بقي من المنافقين إلاّ أربعة . فقال له إعرابي : إنّكم أصحاب محمّـد تخبروننا بما
لا ندري ، فما هؤلاء الّذين ينقرون بيوتنا ويسرقون أعلافـنا ؟ قال : أُولئك الفسّاق ،
أجـل لم يـبقَ منـهم إلاّ أربـعة ، شـيخ كبير لو شرب الماء وجد له برداً » .
ثمّ نقل أحاديث بأنّه صلى الله عليه
وآله لا يقتل أصحابه : « لا يتحدّث الناس أنّ محمّـداً يقتل
أصحابه » (3) .
وقال :
« إنّه لا خلاف بين أحد من الأُمّة في أنّه لا يحلّ لمسلم أن يسمّي كافراً معلناً
بأنّه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولا أنّه من أصحاب النبيّ عليه السلام ،
وهو عليه السلام قد أثنى على أصحابه ، فصحّ أنّهم أظهروا الإسلام فحرّمت بذلك
دماؤهم في ظاهر الأمر ، وباطنهم إلى الله تعالى في صدق أو كذب ، فإن كانوا صادقين في
توبتهم فهم أصحابه حقّاً ، عند الناس ظاهرهم وعند الله تعالى باطنهم وظاهرهم ، فهم
الّذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله أنّهم : لو أنفق أحدنا مثل أُحد ذهباً ما
بلغ نصيف مدّ أحدهم . وإن كانوا
وقال : « وأمّا حديث حذيفة فساقط؛
لأنّه من طريق الوليد بن جُميع ، وهو هالك ، ولا نراه يعلم مَن وَضَع الحديث؛ فإنّه
قد روى أخباراً فيها أنّ أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، وسعد بن أبي وقّاص رضي الله
عنهم أرادوا قتل النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم وإلقاءه من العقبة في تبوك ،
وهذا هو الكذب الموضوع الذي يطعن الله تعالى واضعه ، فسقط التعلّق به ، والحمد لله
ربّ العالمين » (2) .
إلى أن قال : « وأمّا الموقوفة على حذيفة فلا تصحّ ، ولو صحّت لكانت بلا شكّ على ما
بيّنا من أنّهم صحّ نفاقهم وعاذوا بالتوبة ولم يقطع حذيفة ولا غيره على باطن أمرهم
فتورّع عن الصلاة عليهم . .
وفي
بعضها : أنّ عمر سأله : أنا منهم ؟ فقال له : لا ، ولا أُخبر أحداً غيرك بعدك . وهذا
باطل ، كما ترى ؛ لأنّ من الكذب المحض أن يكون عمر يشكّ في معتقد نفسه حتّى لا يدري
أمنافق هو أم لا ؟
وكذلك أيضاً
لم يختلف اثنان من أهل الإسلام في أنّ جميع المهاجرين قبل فتح مكّة لم يكن فيهم
منافق ، إنّما كان النفاق في قوم من الأوس والخزرج فقط ، فظهر بطلان هذا
الخبر » (3) .
ثمّ
روى عن البخاري (4) : « نا آدم بن أبي إياس ، نا شعبة ، عن واصل الأحدب ، عن
أبي وائل شقيق ابن سلمة ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : إنّ
أقـول :
ذكر في تهذيب الكمال في ترجمة الوليد
بن جميع : « الوليد بن عبـدالله بن جميع الزهري الكوفي ، والد ثابت بن عبـد الله بن
جميع ، وقد ينسـب إلى جدّه أيضاً . ثمّ نقل عن أحمد بن حنبل وأبي داود قولهما فيه : لا
بأس . وعن يحيى بن معين : ثقة ـ وزاد مصحّح الكتاب حكاية الدارمي عن يحيى بن معين ذلك
عن ابن محرز ، وزاد : مأمون مرضي ـ وكذلك عن العجليّ . وقال أبو زرعة : لا بأس به . وقال
أبو حاتم : صالح الحديث . وقال عمرو بن علي : كان يحيى بن سعيد لا يحدّثنا عن الوليد
بن جميع فلمّا كان قبل موته بقليل حدّثنا عنه . وذكره ابن حبّان في كتاب الثقات ، روى
له البخاري في الأدب ، والباقون سوى ابن ماجة » (2) .
وذكر مثل ذلك في التهذيب ، وقال :
« وذكره ـ اي ابن حبّان ـ في الضعفاء ، وقال : ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث
الثقات ، فلمّا فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به . وقال ابن سعد : كان ثقة ، له أحاديث .
وقال البزار : احتملوا حديثه ، وكان فيه تشيّع . وقال العقيلي : في حديثه اضطراب . وقال
الحاكم : لو لم يخرج له مسلم لكان أوْلى » (3) .
فترى أنّهم مسلّمون بوثاقة الوليد بن
جُمَيع إلاّ أنّ سبب الطعن بوثاقته
وقد ذكر ابن جرير الطبري في المسترشد
بعض تلك الروايات . .
قال :
« وروى عبيد الله بن موسى ، عن الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل ، عن حذيفة أو عمّار ،
قال : تجسّسوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة العقبة : . . . » ، وذكر جماعة من
الصحابة . .
وروى أنّه صلى الله
عليه وآله قال ـ بعد فشل أصحاب العقبة في تنفير راحلته ومطالبة بعض من كان معه بقتل
تلك المجموعة ـ : « إنّي أكره أن يقول الناس : أنّ محمّـداً لمّا انقطعت الحرب بينه
وبين المشركين ، وضع يده في قتل أصحابه . فقال : يا رسول الله ! فإنّ هؤلاء ليسوا
بأصحاب . قال : أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلاّ الله ؟ قال : بلى ، ولا شهادة لهم .
قال : أليس يظهرون أنّي رسول الله ؟ قال : بلى ، ولا شهادة لهم . قال : فقد نهيت عن قتل
أُولئك » (1) .
وأخرج
الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة حذيفة (2) : « وكان النبيّ صلّى الله
عليه [وآله] وسلّم قد أسرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين ، وضبط عنه الفتن الكائنة في
الأُمّة (3) .
وقد
ناشده عمر : أأنا من المنافقين ؟ فقال : لا ، ولا أُزكّي أحداً
بعدك (4) » (5) .
وقال : « حمّاد بن سلمة : أخبرنا علي بن
زيد ، عن الحسن ، عن
خالد ، عن أبي قلابة ، عن
حذيفة ، قال : إنّي لأشتري ديني بعضه ببعض؛ مخافة أن يذهب
كلّه (1) .
أبو
نعيم : حدّثنا سعد بن أوس ، عن بلال بن يحيى ، قال : بلغني أنّ حذيفة كان يقول : ما
أدركَ هذا الأمر أحد من الصحابة إلاّ قد اشترى بعض ديـنه ببعض . قالـوا : وأنـت ؟
قال : وأنا والله ، إنّي لأدخـل على أحدهـم ـ وليس أحد إلاّ فيه محاسن ومساوئ ـ
فأذكر من محاسنه وأُعرض عمّا سوى ذلك » (2) .
وروى الديلمي في إرشاد القلوب حادثة
أُخرى مشابهة ـ هي المحاولة الثانية لأصحاب عقبة تبوك ـ وقعت عقب بيعة غدير خمّ
وتنصيب الرسول صلى الله عليه وآله الإمام عليّ عليه السلام خليفة من بعده؛ إذ
اجتمعوا « ودار الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب ، وأجالوا الرأي فاتّفقوا على أن
ينفروا بالنبيّ صلى الله عليه وآله ناقته على عقبة الهريش ، وقد كانوا صنعوا مثل ذلك
في غزوة تبوك ، فصرف الله الشرّ عن نبيّه صلى الله عليه وآله . .
فاجتمعوا في أمر رسول الله من القتل
والاغتيال واستقاء السمّ على غير وجه ، وقد اجتمع أعداء رسول الله صلى الله عليه
وآله من الطلقاء من قريش والمنافقين من الأنصار ، ومَن كان في قلبه الارتداد من
العرب في المدينة ، فتعاقدوا وتحالفوا على أن ينفروا به ناقته ، وكانوا أربعة عشر
رجلاً ، وكان من عزم رسول الله أن يقيم عليّاً عليه السلام وينصبه للناس بالمدينة
إذا قدم ، فسار
وقال : « قال حذيفة : ودعاني رسول الله
ودعا عمّار بن ياسر وأمره أن يسوقها وأنا أقودها حتّى إذا صرنا في رأس العقبة ثار
القوم من ورائنا ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة فذعرت وكادت أن تنفر برسول
الله . . . » ، ثمّ ذكر تفاصيل الحدث قريب ممّا جرى في عقبة تبوك . .
« قال حـذيفة : فقلت ـ أي لرسول الله
صلى الله عليه وآله ـ : ومَن هؤلاء المنافقون يا رسول الله ! أمن المهاجرين أم
الأنصار ؟ فسمّاهم لي رجلاً رجلاً حتّى فرغ منهم ، وقد كان فيهم أُناس أكره أن
يكونوا منهم فأمسكت عن ذلك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا حذيفة ! كأنّك شاكّ في بعض مَن سمّيت لك ؟ !
ارفع رأسك إليهم . فرفعت طرفي إلى القوم وهم وقوف على الثنية ، فبرقت برقة فأضاءت
جميع ما حولنا وثبتت البرقة حتّى خلتها شمساً طالعـة ، فنظرت والله إلى القوم
فعرفتهم رجلاً رجلاً ، وإذا هم كما قال رسـول الله ، وعدد القوم أربعة عشـر رجلاً ،
تسـعة من قريش وخمسـة من سائـر الناس . . . » (1) .
وقد ذكرنا في حلقات سابقة ما رواه
مسلم في صحيحه عن قيس بن عبّاد : « قال : قلت لعمّار : أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من
أمر عليّ ، أرأياً رأيتموه أو شيئاً عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وآله
؟ !
فقال : ما عهد إلينا رسول
الله صلى الله عليه وآله شيئاً لم يعهده إلى الناس كافّة ، ولكن حذيفة أخبرني عن
النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : في أصحابي اثنا عشر منافقاً ، منهم ثمانية لا
يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سمّ
الخياط » (2) .
ومن الواضح أنّ حكاية عمّار عن
حذيفة حديث النبيّ صلى الله عليه وآله عن الاثني عشر منافقاً ـ عدد أصحاب العقبة
الّذين نفروا دابّة رسول الله صلى الله عليه وآله ـ في ذلك الوقت ، تعريض بأنّ بعض
الصحابة كانوا من جملة الاثني عشر ، لاسيّما وأنّ عمّار وحذيفة هما اللّذان كانا مع
الرسول صلى الله عليه وآله حينها ، وأنّ تعبيره صلى الله عليه وآله كان : « في
أصحابي » ، الذي يعطي اختصاصهم القريب بالصحبة لـه صلى الله عليه وآله .
وروى مسلم في صحيحه أيضاً في كتاب
صفات المنافقين روايات أُخرى فيهم نقلناها في الحلقات المتقدّمة ، فلتلحظ .
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده
عن زيد بن وهب الجهني ، يحدّث عن حذيفة : « قال : مرّ بي عمر بن الخطّاب وأنا جالس في
المسجد فقال : يا حذيفة ! إنّ فلاناً قد مات فاشهده . قال : ثمّ مضى حتّى إذا كاد أن
يخرج من المسجد التفت إليّ فرآني وأنا جالس فعرف ، فرجع إليّ فقال : ياحذيفة ! أنشدك
الله أمن القوم أنا ؟ قال : قلت : اللّهمّ لا ، ولن أُبرّئ أحداً بعدك ، قال : فرأيت
عيني عمر جاءتا » (1) .
وروى هذه الرواية ابن العديم في بغية
الطلب في تاريخ حلب بسنده (2) .
وجواب حذيفة في هذه الرواية يتضمّن
التعريض الشديد ، كما هو طافح من ألفاظه ؛ إذ ما معنى : « ولن أُبرّئ أحداً بعدك » ؟ !
فإنّ أيّ فرد من الناس إذا لم يكن من المنافقة أصحاب العقبة فلا معنى لامتناع حذيفة
من الجواب . .
والتعبير بـ : « لن أُبرّئ أحداً
بعدك » يعطي : لن أُبرئ أحداً من الجماعة الخاصّة التي هي أصحاب العقبة ؛ فالتعبير
« أُبرّئ » أي : أُثبت له البراءة مع كونه متورّطاً في عملية الاغتيال المدبّر في
العقبة؛ ولذلك قال بعد ذلك : « فرأيت عيني عمر جاءتا » أي : وقع في دهشة وهلع شديد ،
وذلك لكون جواب حذيفة صريح بالتخلّص الذكي؛ وهو لا يعني تبرئة صافية عن شوب التعريض
بالنفي .
مضافاً إلى أنّ الرجل
الميت الذي كنّى عنه حذيفة بـ : « فلان » لا بُدّ أن يكون من رجالات الدولة البارزين؛
حتّى سبّب حصول التساؤل لدى عمر عن حاله عند حـذيفة ، وعن مـدى معرفة حذيفة بجميع
أصحاب العقبة ، وإلاّ فكيف لا يعرف ـ و( الإنسان على نفسه
بصيرة ) (1) ـ أنّه كان منهم أم لم يكن ؟ ! !
فلا بُدّ وأن يكون مصبّ السؤال هو عن
مدى معرفة حذيفة بتمام المجموعة .
ومثل هذا التساؤل قد يوحي ويقضي
بتورّط السائل؛ لأنّ البريء لايحصل لديه الشكّ في كونه من مجموعة العقبة . .
والسبب في الشكّ بمعرفة حذيفة
بالمجموعة هو أنّ وقت تنفيذ العملية في العقبة كان ليلاً مظلماً ، وكانت الجماعة
ملثّمة ، وعندما تصدّى لهم حذيفة وعمّار ورجعوا واختفوا في الناس ظنّوا وحسبوا أنّ
حذيفة وعمّار لم يعرفوهم ، لاسيّما وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله نبيّ الرحمة لم
يفصح ولم يشهّر بهم بأمر من الله تعالى ، كما جاء في كتب حديث الفريقين
وكتب
وروى ابن عساكر عن النزّال بن سبرة
الهلالي : « قال : وقفنا من عليّ ابن أبي طالب ذات يوم طيب نفس ومراح فقلنا : يا أمير
المؤمنين ! حدّثنا عن أصحابك ـ إلى أن قال : ـ فحدّثنا عن حذيفة ، قال : فذاك امرؤ علم
المعضلات والمفصّلات ، وعلم أسماء المنافقين ، إن تسألوه عنها تجدوه بها
عالماً » (3) . .
وقد تكرّر تسمية علم أسماء المنافقين بعلم المعضلات في الأحاديث الواردة في حذيفة ،
وذلك إشارة إلى خطورة الأسماء المندرجة في تلك القائمة بحيث أنّ ذلك معضل يصعب
إفشاؤه علناً أمام عامّة الناس .
وروى في بغية الطلب في تاريخ حلب
بسنده عن النمري : « وكان عمر بن الخطّاب يسأله عن المنافقين ، وهو معروف في الصحابة
بصاحب سرّ رسول الله ، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم فإن لم يشهد جنازته
حذيفة لم يشهدها عمر » (4) .
وقال : « وقتل صفوان وسعيد ابنا حذيفة
بصفّين ، وكانا قد بايعا عليّاً بوصية أبيهما بذلك
إياهما » (5) .
وروى الذهبي
بسـنده ، وغـيره ، عن بلال بن يحـيى : « إنّ حـذيفة أُتي وهو ثقيل بالموت فقيل له : قتل
عثمان فما تأمرنا ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : أبو اليقظان على
الفطرة ، ثلاث مرّات ، لن يدعها حتّى يموت أو يلبسه الهرم » (1) . والذيل لم
يسلم من تصرّف بعض الرواة .
وروي عن حذيفة بأسانيد مختلفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « عليّ خير
البشر فمن أبى فقد كفر » (2) .
هذا ، والمتصفّح لترجمة حذيفة بن
اليمان في كتب السير والتراجم ، ولرواياته في كتب الحديث يستشرف أنّ ولاءه وهواه مع
عليّ عليه السلام وأصحابه كعمّار بن ياسر ، وقد آخى النبيّ صلى الله عليه وآله بينه
وبين عمّار ، وأنّه كان يتحفّظ في تعامله مع أصحاب السقيفة ، وقد مرّ لوم عثمان بن
عفّان له على كلام تحدّث به فلمّا أحضره أنكر حذيفة ذلك ، كعادته في التحفّظ ، كما
مرّ ذلك في كلامه المروي عنه .
وروى البخاري في التاريخ الكبير عن قيس بن رافع ، أنّه : « سمع حذيفة قال : كيف لا يضيع
أمر أُمّة محمّـد صلّى الله عليه [وآله] وسلّم إذا ملك أمرهم من لا يزن عند الله
جناح بعوضة » (3) .
وروى ابن عدي بسنده عن حذيفة ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله ، قال : « يكون لأصحابي
بعدي زلّة فيغفر الله لهم بسابقتهم معي ، يعمل قوم بها بعدهم
والحديث قد اشتمل على معنىً متدافع ،
وهو إنّ الزلّة تُغفر لجماعة وتُدخل النار جماعة أُخرى ، والظاهر أنّ الجملة
المتوسّطة ـ وهي الغفران بسبب الصحبة السابقة ـ زيادة من يد الوضع ، كما في مقولة :
« المغفرة للصحابي وإن بلغ عمله الطالح ما بلغ » ، والتي تعرّضنا لزيفها في الحلقات
السابقة بدلالة آيات « الأنفال » في واقعة بدر وآيات « آل عمران » في واقعة
أُحـد . .
والحديث وإن اشتمل
على هذه الزيادة ، وعلى هذا المعنى المتدافع ، إلاّ أنّ أصله متطابق مع الأحاديث
المستفيضة الواردة وجملة من الآيات الدالّة على الإحداث والتبديل .
ولنعم ما قال الإمام أمير المؤمنين
عليّ عليه السلام : « إنّ العرب كرهت أمر محمّـد صلى الله عليه وآله ، وحسدته على ما
آتاه الله من فضله ، واستطالت أيامه حتّى قذفت زوجته ، ونفرت به ناقته مع عظيم إحسانه
إليها ، وجسيم مننه عندها ، وأجمعت مذ كان حيّاً على صرف الأمر عن بيته بعد موته ،
ولولا أنّ قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة ، وسلّماً إلى العزّ والإمرة لَما
عبدت الله بعد موته يوماً واحداً » (2) .
*
*
* الثانية :
أمّا الواقعة الخطيرة الثانية التي
وقعت من بعض خواصّ الصحابة ، فهي المظاهرة والمؤازرة على الرسول الأمين صلى الله
عليه وآله ، والتي أشار إليها القرآن الكريم في سورة التحريم بالخصوص ، وكذلك في بعض
آيات من سورة محمّـد صلى الله عليه وآله ، وآية من سورة البقرة . .
قال تعالى في سورة التحريم : ( وإذ أسرّ النبيّ إلى بعض أزواجه حديثاً فلمّا نبّأت به وأظهره الله
عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعضٍ فلمّا نبّأها به قالت مَن أنبأك هذا قال نبّأنيَ
العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغتْ قلوبُكُما وإن تظاهرا عليه فإنّ اللهَ
هو مولاهُ وجبريلُ وصالحُ المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ * عسى ربُّهُ إن
طلّقكُنّ أن يُبدِلَهُ أزاوجاً خيراً منكنّ مسلماتٍ مؤمنات قانتات تائبات عابدات
سائحات ثيّباتٍ وأبكاراً ) .
إلى قوله تعالى : ( يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنّمُ
وبئس المصيرُ * ضرب الله مثلاً للّذين كفروا امرأتَ نوحٍ وامرأتَ لوطٍ كانتا تحت
عبدينِ من عبادنا صالحيْنِ فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا
النارَ مع الداخلينَ ) (1) .
والقراءة المبتدأة للسورة ،
والتدبّر للوهلة الأُولى في سياق آياتها وأُسلوب خطابها يوقف الناظر على أنّ هناك
حديثاً أسرّه النبيّ صلى الله عليه وآله إلى بعض أزواجه فقامت بإفشاء سرّ النبيّ
صلى الله عليه وآله إلى زوجة أُخرى ، أو بالإضافة إلى جماعة أُخرى . .
واستعقب هذا الحديث مأرباً لزوجتي
النبيّ صلى الله عليه وآله ، والقيام بتدبير مناهض له ، ومكيدة واحتيالاً في غاية
الخطورة على وجود النبيّ صلى الله عليه وآله ، ممّا استدعى نفيراً إلهياً عامّاً ،
وتعبئة شاملة لجنود الرحمن ، وأوجب تحذيراً وتهديداً معلناً من قبله تعالى لأصحاب
المؤامرة .
ولا يعقل في الحكمة
العقلية ، فضلاً عن الحكمة الإلهية ، أن يكون كلّ هذا الاستعراض للقوّة الإلهية في
قبال خلاف في الأُمور الزوجية حدث بينه صلى الله عليه وآله وبين زوجتيه ، بل لا
محالة أنّ الحدث وإن ابتدأ بذلك إلاّ أنّه انتهى إلى المواطأة الدهياء على النبيّ
صلى الله عليه وآله .
ومن
المنطقي اتّصال هذه المواطأة بأصحاب مصلحة في إجرائها ، وأنّهم على مكمن إعداد
وتهيّئ لتنفيذها ، فهي على اتّصال محتمل بقوّة مع الحادثة الخطيرة الأُولى الواقعة
في عقبة تبوك .
وقـد توصّلنا
ثمّـة إلى تجـميع العديد من خـيوط المجموعة التي قامت بارتكاب محاولة الاغتيال ،
والملفت للنظر أنّ تلك المجموعة على اتّصال وثيق بزوجتي النبيّ صلى الله عليه وآله
، اللتين نزلت السورة فيهما ، وكشفت هول ما عزمتا عليه تواطئاً على النبيّ صلى الله
عليه وآله ، هذا هو المتراءى البدوي من ألفاظ السورة .
ولنستعرض أقوال المفسّرين ، والروايات
الواردة من الفريقين في ذيل السورة ، ثمّ نرجع إلى متن السورة ونمعن النظر في
معانيها مرّة أُخرى؛
قال في الدرّ المنثور : « أخرج ابن سعد ،
وعبـد بن حميد ، والبخاري ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، عن عائشة : إنّ رسول الله صلّى
الله عليه [وآله] وسلّم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً ، فتواصيت أنا
وحفصة أن أيّتنا دخل عليها النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم فلتقل : إنّي أجد منك
ريح المغافير ، أكلت مغافير ؟
فدخل على إحداهما فقالت ذلك له ، فقال : لا ، بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ، ولن
أعود . فنزلت : ( يا أيّها النبيّ لم تحرّمُ ما أحلّ الله لك ) إلى : ( إن تتوبا إلى
الله ) لعائشة وحفصـة » (1) .
وقال أيضاً : « وأخرج النسائي ، والحاكم
وصححّه ، وابن مردويه ، عن أنس : إنّ النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم كانت له أمَة
يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتّى جعلها على نفسه حراماً ، فانزل الله هذه
الآية . . .
وأخرج الترمذي ،
والطبراني ، بسند حسن صحيح ، عن ابن عبّـاس ، قال : نزلت : ( يا أيّها النبيّ لم
تحرّمُ ) . . الآية ، في سريّته .
وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن عبّـاس (رض) ، قال : قلت لعمر بن الخطّاب (رض) :
مَن المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ ! قال : عائشة وحفصـة .
وكان بدء الحديث في شأن مارية أُمّ
إبراهيم القبطية ، أصابها النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم في بيت حفصة في يومها ،
فوجدت حفصة ،
فقال : ألا ترضين أن
أحرّمها فلا أقربها . قالت : بلى .
فحرّمها ، وقال : لا تذكري ذلك لأحد .
فذكرته لعائشة (رض) ، فأظهره الله عليه ، فأنزل الله : ( يا أيّها
النبيّ لم تحرّمُ ما أحلّ الله لك ) ، الآيات كلّها ، فبلغنا أنّ رسول الله
صلّى الله عليه [وآله] وسلّم كفّر عن يمينه وأصاب جاريته » (1) .
وقال : « وأخرج ابن سعد ، وابن مردويه ،
عن ابن عبّـاس (رض) ، قال : كانت عائشة وحفصة متحابّتين ، فذهبت حفصة إلى بيت أبيها
تحدّث عنده ، فأرسل النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم إلى جاريته . . . » .
ثمّ ذكر بقية القصّة ، وفيها : « فأسرّت
إليها ـ أي حفصة لعائشة ـ : أن أبشري إنّ النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم قد
حرّم عليه فتاته ، فلمّا أخبرت بسرّ النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم أظهر الله
النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم عليه ، فأنزل الله : (ياأيّها . . . ) . . . » (2) .
وقال : « وأخرج ابن مردويه ، عن أنس : أنّ
النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم أنزل أُمّ إبراهيم منزل أبي أيوب ، قالت : عائشة
(رض) : فدخل النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم بيتها يوماً فوجد خلوة ، فأصابها
فحملت بإبراهيم . قالت عائشة : فلمّا استبان حملها فزعت من ذلك ، فمكث رسول الله صلّى
الله عليه [وآله] وسلّم حتّى ولدت ، فلم يكن لأُمّه
فقلت : أنا غَيْرَى ما أدري شبهاً .
فقال : ولا باللحم ؟ !
فقلت :
لعمري لَمن تغذّى بألبان الضان ليحسن لحمه .
قال : فجزعت عائشة (رض) وحفصة من ذلك ،
فعاتبته حفصة ، فحرّمها ، وأسرّ إليها سرّاً فأفشته إلى عائشة (رض) ، فنزلت آية
التحريم ، فاعتق رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم
رقبة » (1) .
ويتبيّن
من هذه الرواية الأخيرة التي أوردها السيوطي أنّ السرّ الذي أفشـته حفصـة لعائشة
ليس هو تحريم مارية على نفسه صلى الله عليه وآله ، بل هو أمر آخـر . .
كما يتبيّن من الروايات السابقة التي
أوردها أنّ هناك تحالفاً شديداً بين حفصـة وعائشة ، وأنّهما كانتا تغاران بشدّة من
مارية ومن ولادتها إبراهيم ابناً للنبيّ صلى الله عليه وآله ، وأنّهما كانتا
تمانعان من الشبه له به صلى الله عليه وآله ، وهذه بصمات لحديث الإفك .
والعمـدة : أنّ الرواية الأخيرة دالّة
على أنّ السرّ وراء التحريم الذي تحلّل منه صلى الله عليه وآله هو أمر ما ، وأنّ
تسميته في الآية والرواية بـ : « السـرّ » يقتضي خطورة المعلومة التي ذكرها النبيّ صلى
الله عليه وآله لحفصـة ، وأنّ هذه المعلومة لا ريب في ارتباطها الوثيق مع التظاهر
الخفي المدبّر من ضـدّه صلى الله عليه وآله .
ثمّ إنّ السيوطي روى روايات عديدة عن
ابن مردويه ، وابن عساكر ،
ففي بعضها :
« قال : أسرّ إلى عائشة في أمر الخلافة بعده ، فحدّثت به حفصـة » .
وفي بعضها : « إنّ إمارة أبي بكر وعمر
لفي الكتاب : ( وإذ أسرّ النبيّ إلى بعض أزواجه حديثاً ) ، قال لحفصة :
أبوك وأبو عائشة واليان الناس بعدي ، فإيّاك أن تخبري أحداً » .
وفي بعضها : « أنّه صلى الله عليه وآله
قال لحفصة : لا تخبري عائشة حتّى أُبشّرك بشارة ، فإنّ أباك يلي الأمر بعد أبي بكر
إذا أنا متّ . فذهبت حفصة فأخبرت عائشة ، فقالت عائشة للنبيّ صلّى الله عليه [وآله]
وسلّم : ( من أنبأك هذا ) ؟ قال : ( نبّأنيَ العليم
الخبير ) » (1) .
والغريب في صياغات هذه الأحاديث
أنّها تعبّر عن هذا السرّ بأنّه : « بشارة » ، أو أنّه : « عهد من الباري تعالى » ، وأنّه :
« من فضائل الصديق والفاروق » ؛ فإذا كان جوّ المحيط ومناخ هذه المعلومة أنّها « بشارة »
و« عهد إلهي » و« فضيلة عظمى » فلمَ تتظاهرا وتتآزرا في تدبير أمرٍ خفيّ خطير على
النبيّ صلى الله عليه وآله ، إلى درجة تستدعي النفير الإلهي ، والتعبئة الشديدة
المحال ، والإرباك الأمني ؟ ! !
من البيّن الشاهر أنّ المناخ الذي تصوّره السورة هو جوٌّ ملبّدٌ بظلمة
وقد روى في الدرّ المنثور عن مجاهد ،
قال : كنّا نرى أنّ ( صغت قلوبكما ) شيء هيّن ، حتّى سمعناه بقراءة
عبـد الله : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) .
وفي التمثيل والتعريض في ذيل السورة
بامرأتي نوح ولوط ، وأنّهما مثلاً للّذين كفروا ، قال الرازي في تفسيره : « وفي ضمن
هذين التمثيلين تعريض بأُمّي المؤمنين ، وهما : حفصة وعائشة ، لِما فرط منهما ، وتحذير
لهما على أغلظ وجه وأشـدّه ؛ لِما في التمثيل من ذكر الكفر » (1) . .
وإنّ الخيانة التي ارتكبتها امرأتي
نوح ولوط كانت في الدين ، وعداوتهما للنبيّيْن العظيميْن كانت في رسالتيهما
الإلهيّتين ، فكيف يكون كلّ هذا المسار الذي ترسمه الآية هو عن بشارة خلافة والدي
عائشة وحفصة ؟ !
بل لو كان
الحـال حـال بشارة لاقتضـى طبـع الحـال تعاونهما مع النبيّ صلى الله عليه وآله ؛
لِما جبلت عليه الطباع من الميل إلى نفع الرحم ، ولو كان الحال حال عهد إلهي بخلافة
أبي بكر وعمر لاقتضى انشداد الابنتين إلى ذلك ، مديحاً منه تعالى وعطفاً ربّانياً
على ما قد أتيتاه؛ لأنّه ذوبان في الإرادة الإلهية ومسارعة في الغاية
الدينية .
وكيف يكون ما فعلتاه
مضادّة لدين النبيّ صلى الله عليه وآله على حذو مضادّة امرأة نوح وامرأة لوط ، لو
كان خبر خلافة أبي بكر وعمر عهد معهود من رضا
ثمّ كيف يتلائم كون
خلافتهما عهداً في الكتاب ويصرّ النبيّ صلى الله عليه وآله على إخفائه وعدم تبليغه
للناس ، ويكون إفشاؤه من ابنتيهما مضادّة لله ولرسوله وخيانة في الدين ؟ !
ولمَ لا ينزل الكتاب بذلك ، كما نزلت
في عليّ عليه السلام عشرات الآيات ، كقوله تعالى : ( إنّما وليُّكم اللهُ
ورسولُه والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولّ
اللهَ ورسولَه والّذين آمنوا فإنّ حزب الله هم
الغالبون ) (1) . .
وقوله تعالى : ( يا أيّها
الرسولُ بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من
الناس إنّ الله لا يهدي القومَ الكافرينَ ) (2) ، الذي نزل في
غدير خمّ .
نعم ، كون الخبر
وصول أبويهما إلى سدّة الحكم هو ظاهر اتّفاق روايات الفريقين ـ كما ستأتي بقيّتها ـ
لكن هل أنّه بشارة وعهد أم أنّه نذارة وتغلّب ونزاع مع الحقّ وأهله ؟ ! فهذا ما
اختلفت فيه الروايات . .
وسياق
السـورة صدراً وذيلاً يتنافـى مع الأوّل ويتوافـق مع الثاني؛ وهو ما سيتبين من
مواصلة البحث في بقية فقرات السورة .
روى في الدرّ المنثور ، عن الطبراني في
الأوسط ، وابن مردويه : « ( فلمّا نبّأت به ) : يعنى عائشة ، ( وأظهره الله عليه ) : أي
بالقرآن ، ( عرّف بعضه ) : عرّف حفصة ما أظهر من أمر مارية ، ( وأعرض عن بعض ) : عمّا أخبرت
به من أمر أبي بكر وعمر ، فلم يبده ، (فلمّا نبّأها