بعدقبل

المسجد إلاّ أنا وعليّ (1) .
31 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنا وهذا ـ يعني عليّاً ـ حجّة على أُمّتي يوم القيامة . أخرجه الخطيب من حديث أنس (2) .
وبماذا يكون أبو الحسن حجّة كالنبيّ لولا أنّه وليّ عهده ، وصاحب الأمر من بعده ؟ !
32 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : مكتوب على باب الجنّة : لا إله إلاّ الله ، محمّـد رسول الله ، عليّ أخو رسول الله (3) .
33 ـ قـوله صلّى الله عليه وآله وسـلّم : مكتوب على ساق العـرش : لا إله إلاّ الله ، محمّـد رسول الله ، أيّدته بعليّ ، ونصرته بعليّ (4) .
34 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه ، وإلى آدم في علمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في فطنته ، وإلى عيسى في زهده ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب . أخرجه البيهقي في صحـيحه ، والإمام أحمد بن حنبل في مسـنده (5) .
____________
(1) أورده ابن حجر في صواعقه ، فراجع الحديث 13 من الأربعين التي أوردها في الباب 9 .
(2) وهو الحديث 2632 في ص 157 من الجزء 6 من الكنز .
(3) أخرجه الطبراني في الأوسط ، والخطيب في المتّفق والمفترق ، كما في أوّل ص159 ج 6 من كنز العمّال . وقد أوردناه في المراجعة 34 وعلّقنا عليه ما يفيد الباحث المتتبّع .
(4) أخرجه الطبراني في الكبير ، وابن عساكر عن أبي الحمراء مرفوعاً ، كما في ص158 من الجزء 6 من الكنز .
(5) وقـد نقله عنهما ابن أبي الحـديد في الخبر الرابع من الأخبار التي أوردها في ص449 ج 2 من شرح النهج ، وأورده الإمام الرازي في معنى آية المباهلة من تفسيره الكبير ص 288 ج 2 ، وقد أرسل إرسال المسلّمات كون هذا الحديث موافقاً عند الموافق والمخالف .
وأخرج هذا الحديث ابن بطّة من حديث ابن عبّـاس ، كما في ص 34 من كتاب فتح الملك العليّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ للإمام أحمد بن محمّـد بن الصدّيق الحسني المغربي ، نزيل القاهرة؛ فراجع .
وممّن اعترف بأنّ عليّاً هو الجامع لأسرار الأنبياء أجمعين شيخ العرفاء محيالدين ابن العربي ، في ما نقله عنه العارف الشعراني في المبحث 32 من كتابه اليواقيت والجواهر ص172 .

( 45 )

35 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا عليّ ! إنّ فيك من عيسى مثلاً ، أبغضته اليهود حتّى بهتوا أُمّه ، وأحبّه النصارى حتّى أنزلوه بالمنزلة التي ليس بها . . الحديث (1) .
36 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : السبّق ثلاثة : السابق إلى موسى يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين ، والسابق إلى محمّـد عليّ بن أبي طالب (2) .
37 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار ، مؤمن آل ياسين؛ قال : ( يا قوم اتّبعوا المرسلين ) (3) ، وحزقيل ، مؤمن آل فرعون؛ قال : ( أتقتلون رجلاً أن يقولَ ربّيَ اللهُ ) (4) ، وعليّ بن أبي طالب ، وهو أفضلهم (5) .
____________
(1) أخرجه الحاكم في ص 122 من الجزء 3 من المستدرك .
(2) أخرجه الطبراني وابن مردويه ، عن ابن عبّـاس . وأخرجه الديلمي عن عائشة ، وهو في السُـنن المستفيضة .
(3) سورة يس 36 : 20 .
(4) سورة غافر 40 : 28 .
(5) أخـرجه أبـو نعيم وابـن عساكر عن أبـي ليلى مرفـوعاً ، وأخرجه ابن النجّار عن ابن عبّـاس مرفوعاً؛ فراجع الحديث 30 والحديث 31 من الأربعين حديثاً التي أوردها ابن حجر في الفصل الثاني من الباب 9 من صواعقه ، آخر ص 74 والتي بعدها .

( 46 )

38 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ : إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي ، وأنت تعيش على ملّتي ، وتقتل على سُـنّتي ، مَن أحبّك أحبّني ، ومَن أبغضك أبغضني ، وإنّ هذه ستخضب من هذا . يعني لحيته من رأسـه (1) . .
وعن عليّ إنّه قال : إنّ ممّا عهد إليّ النبيّ أنّ الأُمّة ستغدر بي بعده (2) .
وعن ابن عبّـاس قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ : أما إنّك ستلقى بعدي جهداً . قال : في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك .
39 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر ، قال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : لا . قال عمر : أنا هو ؟ قال : لا ، ولكن خاصف النعل . يعني عليّاً . . قال أبو سعيد الخدري : فأتيناه فبشّرناه ، فلم يرفع به رأسه كأنّه قد كان سمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (3) . .
____________
(1) أخرجه الحاكم ص 147 من الجزء 3 من المستدرك وصحّحه ، وأورده الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحّته .
(2) هذا الحديث والذي بعده ، أعني حديث ابن عبّـاس ، أخرجهما الحاكم في ص140 من الجزء 3 من المستدرك ، وأوردهما الذهبي في التلخيص ، وصرّح كلاهما بصحّتهما على شرط الشيخين .
(3) أخرجه الحاكم في آخر ص 122 من الجزء 3 من المستدرك ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، واعترف الذهبي بصحّته على شرط الشـيخين ، وذلك حـيث أورده في التلخـيص . .
وأخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد في ص 82 وفي ص 33 من الجزء 3 من مسـنده ، وأخرجه البيهقي في شـعب الإيمان ، وسعيد بن منصور في سُـننه ، وأبو نعيم في حليته ، وأبو يعلى في السُـنن ، وهو الحديث 2585 في ص 155 من الجزء 6 من الكنز .

( 47 )

ونحوه حديث أبي أيّوب الأنصاري في خلافة عمر؛ إذ قال (1) : أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين . .
وحديث عمّار بن ياسر؛ إذ قال (2) : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا علي ! ستقاتلك الفئة الباغية ، وأنت على الحقّ ، فمن لم ينصرك يومئذ فليس منّي . .
وحديث أبي ذرّ؛ إذ قال (3) : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : والذي نفسي بيده ، إنّ فيكم لرجلاً يقاتل الناس من بعدي على تأويل القرآن ، كما قاتلت المشركين على تنزيله . .
وحـديث محمّـد بـن عبيد الله بـن أبـي رافـع ، عن أبيه ، عن جدّه أبي رافع ، قال : قال رسول الله : يا أبا رافع ! سيكون بعدي قوم يقاتلون عليّاً ، حقّ على الله جهادهم ، فمَن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه ، فمَن لم يستطع بلسانه فبقلبه . . الحديث (4) . .
وحديث الأخضر الأنصاري (5) ، قال : قال رسول الله : أنا أُقاتل على
____________
(1) في ما أخرج عنه الحاكم من طريقين ، في ص 139 والتي بعدها من ج 3 من المستدرك .
(2) في ما أخرجه ابن عساكر ، وهو الحديث 2588 في ص 155 ج 6 من الكنز .
(3) في ما أخرجه الديلمي ، كما في آخر ص 155 ج 6 من الكنز .
(4) أخرجه الطبراني في الكبير ، كما في ص 155 ج 6 من الكنز .
(5) هو ابن أبي الأخضر ، ذكره ابن السكن ، وروى عنه هذا الحديث من طريق الحارث ابن حصيرة ، عن جابر الجعفي ، عن الإمام الباقر ، عن أبيه الإمام زين العابدين ، عن الأخضر ، عن النبيّ . وقال ابن السكن : هو غير مشهور في الصحابة ، وفي إسناد حديثه نظر؛ نقل ذلك كلّه العسقلاني في ترجمة الأخضر من الإصابة . .
وأخرج الدارقطني هذا الحديث في الأفراد ، وقال : تفرّد به جابر الجعفي ، وهو رافضي .

( 48 )

تنزيل القرآن ، وعليّ يقاتل على تأويله .
40 ـ قـوله صلّى الله عـليه وآله وسـلّم : يا عـلي ! أخصمك بالنبوّة فلا نبوّة بعـدي ، وتخصم الناس بسبع : أنت أوّلهم إيماناً بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر الله ، وأقسمهم بالسوية ، وأعدلهم في الرعية ، وأبصرهم بالقضية ، وأعظمهم عند الله مزية (1) . .
وعن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا عليّ ! لك سبع خصال لا يحاجّك فيها أحد : أنت أوّل المؤمنين بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر الله ، وأقسمهم بالسوية ، وأعدلهم في الرعية ، وأبصرهم بالقضية ، وأعظمهم عند الله مزية . .
وعن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا عليّ ! لك سبع خصالٍ لا يحاجّك فيهنّ أحد يوم القيامة : أنت أوّل المؤمنين بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر الله ، وأرأفهم بالرعية ، وأقسمهم بالسوية ، وأعلمهم بالقضية ، وأعظمهم مزية . .
إلى ما لا يسع المقام استقصاؤه من أمثال هذه السُـنن المتضافرة المتناصرة باجتماعها كلّها على الدلالة على معنىً واحد هو : إنّ عليّاً ثاني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذه الأُمّة ، وإنّ له عليها من الزعامة بعد النبيّ ما كان له صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فهي من ناحية السُنن المتواترة في معناها وإنْ لم يتواتر لفظها ، وناهيك بهذا حجةً بالغة . والسلام .
____________
(1) أخـرجه أبو نعـيم من حـديث معاذ ، وأخرج الحديث الذي بعده ، أعني حديث أبي سعيد ، في حلية الأولياء ، وهما موجودان في ص 156 ج 6 من الكنز .

( 49 )

أقـول :
قبل الورود في البحث عن الأحاديث المذكورة وما قيل فيها :
أوّلاً : هذه الأحاديث مرويّة في كتبنا وبطرق أصحابنا عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، وإذا كانت مخرّجة في كتب المخالفين لهم ، فهي ممّا اتّفق عليه الفريقان وأطبق عليه الطرفان ، ولا ريب أنّ الوثوق بصدور المتّفق عليه أقوى ، والاعتماد عليه أكثر .
وثانياً : إنّ عدّة من هذه الأحاديث صحيحٌ على أُصول القوم ، بالإضافة إلى تصريح علمائهم بذلك ، فلا مناصّ لهم من القبول .
وثالثاً : إنّ السـيّد ـ رحمه الله ـ إنّما ذكر هذه الأحاديث تأييداً للنصوص ، ولا شكّ في أنّها صالحة لذلك حتّى لو كان كلّها ضعيفاً .
وبعدُ ، فهذا موجز الكلام على أسانيد جملة من هذه الأحاديث :
الحديث « 1 » :
صحّحه الحاكم ، وقد وصفه الذهبي بـ : « الإمام الحافظ الناقد العلاّمة شـيخ المحدّثين . . . صنّف وخرّج وجرح وعدّل وصحّح وعلّل ، وكان من بحـور العلم ، على تشـيّع قليلٍ فيه . . . أُنبئت عن أبي سـعد الصفّار ، عن عبـد الغافر بن إسماعيل ، قال : الحاكم أبو عبـد الله هو إمام أهل الحديث في عصره ، العارف به حقّ معرفته » (1) .
إذاً ، يجوز لنا التمسّك بروايته والاحتجاج بتصحيحه وإلزام الخصوم المعاندين بذلك .
____________
(1) سير أعلام النبلاء 17|162 ـ 177 .
( 50 )

الحديث « 2 » :
صحّحه الحاكم كذلك . . وأخرجه جماعة من الأئمّة الحفّاظ ، كأبي يعلى ، والطبراني ، وأبي نعيم وابن مندة وأبي موسى ، وابن عبـد البرّ ، وابن عساكر ، وابن الأثير ، وغيرهم . . . . (1) .
قـيل :
« 2 ، 3 ، 4 ـ حديث : أُوحي إليَّ في علي ثلاث . . . الحديث ، قال الذهبي : أحسبه موضوع ، وفي سنده : عمرو بن الحصين وشيخه متروكان » .
أقـول :
أوّلاً : إنّ هذا الكلام إنّما قاله الذهبي بعد الحديث : « أُوحي إليَّ . . . » وهو الحديث رقم (2) فقط ، فإضافة (3) و(4) تدليس . .
وممّا يؤكّد ذلك أنّ المتّقي الهندي ذكر الحديث المرقّم (2) تحت الرقم (33010) وأورد كلام الذهبي وغيره من أجل الرجلين .
ثمّ ذكر الحديث المرقَّم (3) تحت الرقم (33011) عن ابن النجّار ، عن عبـد الله بن أسعد . . . ولم يتكلّم على سنده أصلاً .
وثانياً : مجرّد « أحسبه موضوع » دعوىً بلا دليل .
وثالثاً : إنّ « عمرو بن الحصين » من رجال سُـنن ابن ماجة ، وشيخه « يحيى بن العلاء » من رجال سُـنن أبي داود و سُـنن ابن ماجة . وهذان
____________
(1) تاريخ دمشق 42|302 ، المعجم الصغير 2|88 ، أُسد الغابة 3|116 الطبعة القديمة .
( 51 )

الكتابان من الصحاح السـتّة عند القوم ، فالقول بأنّهما : « متروكان » باطل .
ورابعاً : إنّه قد روى ابن عساكر هذا الحديث بأسانيد ، أحدها : من طريـق الحافظ ابن مـندة . . والثانـي : من طريـق الحافظ أبي يعلى ، عن عبـد الله بن أسعد بن زرارة ، وليس فيهما الرجلان المذكوران أصلاً . . والثالث : من طريق أبي يعلى ، وفيه الرجلان . .
والطعن في حديثٍ من أصله ، لأجل وجود المناقشة في بعض أسانيده ، تعصّبٌ قبيح .
الحديث « 3 » :
أخرجه ابن النّجار ، وعنه المتّقي الهندي (1) .
وبصدد تصحيح هذا الحديث نقول :
أوّلاً : ليس الرجلان المذكوران في سنده ، كما سيأتي .
وثانياً : قد جعل الحافظ محبّ الدين الطبري مفاد هذا الحديث من خصائص الإمام عليه السلام ؛ إذ قال : « ذكر اختصاصه بسيادة المسلمين وولاة المتّقين » ، فقال : « عن عبـد الله بن أسعد بن زرارة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : ليلة أُسري بي انتهيت إلى ربّي عزّ وجلّ ، فأوحى إليّ ـ أو : أمرني . شكّ الراوي في أيّهما ـ في عليّ ثلاثاً : أنّه سـيّد المسلمين ووليّ المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين . أخرجه المحاملي ، وأخرجه الإمام عليّ بن موسى الرضا من حديث عليّ ، وزاد : ويعسوب الدين » (2) .
فقد ظهر أنّ الحديث من روايات الإمام الرضا عليه السلام ، ومن
____________
(1) كنز العمّال 11|620 الطبعة الحديثة .
(2) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : 70 .

( 52 )

روايات المحاملي ، وابن النجّار ، والمحبّ الطبري ، كما أنّه من روايات ابن عساكر ، كما ستعلم .
وثالثاً : إنّ إسناد المحاملي صحيح قطعاً؛ فإنّه أخرجه عن : « علي بن أبي حرب ، عن يحيى بن أبي بكير ، عن جعفر بن زياد الأحمر ، عن هلال الصيرفي ، عن أبي كثير الأنصاري ، عن عبـد الله بن أسعد بن زرارة ، عن رسول الله . . . » (1) .
* فأمّا « المحاملي » ، وهو أبو عبـد الله الحسين بن إسماعيل ، المتوفّى سنة 330 هـ؛ فقد قال الخطيب : « كان فاضلاً ديّناً » (2) ، ووثّقه الذهبي وغيره (3) .
* وأمّا « عيسى بن أبي حرب » فهو : « عيسى بن موسى بن أبي حرب » أبو يحيى الصفّار البصري ، المتوفّى سنة 267 هـ؛ قال الخطيب : « قدم بغداد ، وحدّث بها عن يحيى بن أبي بكير الكرماني . . . روى عنه : . . . والقاضي المحاملي . . . وكان ثقةٌ . . . » (4) .
* وأمّا « يحيى بن أبي بكير » الكرماني ، المتوفّى سنة 209 هـ؛ فمن رجال الصحاح السـتّة (5) .
* وأمّا « جعفر بن زياد » الأحمر ، المتوفّى سنة 167 هـ؛ فمن رجال أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وقال ابن حجر : « صـدوق ، يتشـيّع » (6) .
____________
(1) تاريخ دمشق ـ ترجمة أمير المؤمنين ـ 42|302 .
(2) تاريخ بغداد 8|19 ـ 23 .
(3) سير أعلام النبلاء 15|258 .
(4) تاريخ بغداد 11|165 .
(5) تقريب التهذيب 2|344 .
(6) تقريب التهذيب 2|130 .

( 53 )

* وأمّا « هلال الصيرفي » ؛ فمن رجال البخاري ، ومسلم ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وقال ابن حجر : « ثـقة » (1) .
* وأمّا « أبو كثير الأنصاري » التابعي؛ فقد ترجم له الخطيب وأخرج عنه حديثاً من طريق أحمد بن حنبل (2) .

الحديث « 4 » :
ليس فيه الرجلان المذكوران ، وإنّما رواه الحافظ أبو نعيم قائلاً : « أنبأنا عمر بن أحمد القصباني ، أنبأنا علي بن العبّـاس البجلي ، أنبأنا أحمد بن يحيى ، أنبأنا الحسن بن الحسين ، أنبأنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن الشعبي ، قال : قال عليّ : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : . . . » (3) .
وأخرجه ابن عساكر عن طريق أبي نعيم ، قال : « أنبأنا أبو علي الحدّاد ، أنبأنا أبو نعيم الحافظ . . . » (4) .

الحديث « 5 » :
رواه الحافظ أبو نعيم ، قال : « حدّثنا محمّـد بن أحمد بن علي ، ثنا محمّـد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا إبراهيم بن محمّـد بن ميمون ، ثنا علي ابن عياش ، عن الحارث بن حصيرة ، عن القاسم بن جندب ، عن أنس ،
____________
(1) تقريب التهذيب 2|323 .
(2) تاريخ بغداد 14|362 .
(3) حلية الأولياء 1|66 .
(4) كنز العمال 11|619 برقم 33009 الطبعة الحديثة .

( 54 )

قال : قال رسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا أنس ! اسكب لي وضوءاً . ثمّ قال : فصلّى ركعتين ، ثمّ قال : يا أنس ! أوّل من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين ، وسـيّد المسلمين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وخاتم الوصيّين .
قال أنس : قلت : اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار . وكتمته .
إذ جاء علي فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : عليّ .
فقام مستبشراً فاعتنقه ، ثمّ جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ويمسح عرق عليّ بوجهه . قال علي : يا رسول الله ! لقد رأتيك صنعت شيئاً ما صنعت بي من قبل .
قال : وما يمنعني وأنت تؤدّي عنّي ، وتسمعهم صوتي ، وتبيّن لهم ما اختلوا فيه بعدى .
رواه جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن أنس نحوه » (1) .

فقـيل :
« 5 ، 6 ـ أوّل من يدخل في هذا الباب إمام المتّقين . . . رواه أبو نعيم في الحلية . وقال في الميزان : هذا الحديث موضوع . وقد روى هذا الحديث جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن أنس . قال زائدة : كان جابراً (2) كذّاباً . وقال أبو حنيفة : ما لقيت أكذب منه . وفي صحيح مسلم : إنّ جابر الجعفي كان يؤمن بالرجعة . وقال ابن حبّان : إنّ جابر الجعفي كان سبئيّاً من أصحاب عبـد الله بن سبأ ، كان يقول : إنّ عليّاً يرجع إلى الدنيا . (رياض الجنّة : 158 ، 159) » .
____________
(1) حلية الأولياء 1|63 .
(2) كذا .

( 55 )

أقـول :
قـد روى الحـديث عـن أبـي نعـيم كذلك جماعـة ، منهم : الحافظ ابن عساكر؛ إذ أخرجه : « أخبرنا أبو علي المقري ، أنبأنا أبو نعيم الحافظ . . . » (1) .
وأخـرجه ابن عساكر بطريق آخر؛ إذ قال : « أخبرنا أبو الحسن الفرضـي ، أنا أبو القاسـم بن أبي العلاء ، أنا أبو بكر محمّـد بن عمر بن سليمان بن المعدل العريني النصيبي ـ بها ـ وأبو بكر الحسين بن الحسن بن محمّـد ، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد ، نا أبو جعفر محمّـد ابن عثمان بن أبي شيبة ، نا إبراهيم بن محمّـد ، نا علي بن عائش ، عن الحارث بن حصيرة ، عن القاسم بن جندب ، عن أنس بن مالك . . . » (2) .
فأوّلاً : لفظ الحديث فيه : « أمير المؤمنين » ، إلاّ أنّ السـيّد نقله بواسطة ابن أبي الحديد لا عن الحلية رأساً ، ولفظه في شرح النهج : « إمام المتّقين » (3)حچ .
وثانياً : في لفظ الحديث عن أنس : « قلت : اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار . وكتمته » ، وقد حرّفت كلمة : « وكتمته » في شرح النهج إلى : « وكتبت دعوتي » (4) .
والسبب في هذا التحريف ـ إذ أُبدلت : « كتمت » إلى : « كتبت » ،
____________
(1) تاريخ دمشق 42|386 .
(2) تاريخ دمشق 42|303 .
(3) شرح نهج البلاغة 9|169 .
(4) شرح نهج البلاغة 9|169 .

( 56 )

وأُضيفت كلمة : « دعوتي » ـ هو « التكتّم » على واقع حال أنس بن مالك وأمثاله من الصحابة ، من الحسد والبغض لأمير المؤمنين عليه السلام . .
لكنّ الله سبحانه شاء أن يفتضح أنس ويكشف حاله في قضية الطائر المشوي؛ إذ أنّه بعدما دعا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال أنس : « اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار » ، وحاول أن يكتم دعاء النبيّ ، وحال دون دخول الإمام عليه ، إلاّ أنّ الله استجاب دعاء رسوله في عليّ ، ودخل عليه الدار وأكل معه من الطير ، ولو اتّسع المجال لفصّلت الكلام ، وأشرت إلى صحّة الحديث وإن حاول القوم « التكّتم » عليه ، فراجع المجلّد المختصّ به من كتابنا الكبير (1) .
وأيضاً : فقد فضح الله حال أنس لمّا « كتم » الشهادة بحديث الغدير ، ودعا عليه الإمام عليه السلام وابتلي بالبرص ، والقضية مشهورة .
وعـلى كـلٍّ ، فإنّ هذا الحـديث الذي أورده السـيّد ـ رحمه الله ـ يعـدّ من أسمى مناقب سيّدنا أمير المؤمنين وفضائله الدالّة على إمامته بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهو من أثبت الأحاديث في الباب ، وقد رويت مقاطع منه أيضاً بأسانيد مستقلّة بعضها معتبر .
ومن هنا ، فقد بذل المتعصّبون جهودهم في الطعن في الحديث المذكور ، واضطربت كلماتهم في الردّ عليه ، وإليك بعض الكلام في ذلك :
لقد روى الحافظ أبو نعيم هذا الحديث بطريقين ، أحدهما : عن القاسم بن جندب ، عن أنس ، والآخر : عن جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن أنس . .
____________
(1) انظر : نفحات الأزهار في إمامة الأئمّة الأطهار ج 13 ـ 14 .
( 57 )

فقال ابن الجـوزي ـ بعد أن رواه بالطريـق الأوّل ـ : « هـذا حديث لايصـحّ . قال يحيى بن معين : علي بن عابس ليس بشيء . وقد روى هذا الحديث جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن أنس . قال زائدة : كان جابر كذّاباً ، وقال أبو حنيفة : ما لقيت أكذب منه » (1) .
فأمّا الطريق الأوّل ، فقد طعن فيه من أجل : « علي بن عابس » ، ولم يقل إلاّ : قال يحيى بن معين : « ليس بشيء » ؛ ممّا يدلّ على أنْ لا إشكال في هذا الطريق إلاّ من ناحية « علي بن عابس » ، وأمّا الطريق الثاني ، فالكلام في : « جابر الجعفي » .
أمّا الذهبي ، فلم يذكر الحديث بترجمة « جابر » أصلاً . . وإنّما ذكره بالطريق الأوّل ، لكن لا بترجمة : « علي بن عابس » ، بل بترجمة : « إبراهيم » ، ثمّ اضطرب الأمر عليه؛ فعنون تارة : « إبراهيم بن محمّـد بن ميمون » ، وأُخرى : « إبراهيم بن محمود بن ميمون » ، فقال في الأوّل : « إبراهيم بن محمّـد بن ميمون : من أجلاء الشيعة . روى عن علي بن عابس خبراً عجيباً . روى عنه أبو شيبة بن أبي بكر وغيره » (2) . .
ثـمّ قال فـي الصـفحة اللاحـقة : « إبراهيم بن محمود بن ميمون : لاأعرفـه . روى حـديثاً موضـوعاً فاسـمعه : فروى محمّـد بن عثمان بن أبي شيبة ، عن علي بن عابس ، عن الحارث بن حصيرة ، عن القاسم بن جندب ، عن أنس : إنّ النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم قال لي : أوّل من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين ، وسـيّد المسلمين ، وقائد الغرّ
____________
(1) الموضوعات 1|377 .
(2) ميزان الاعتدال 1|63 .

( 58 )

المحجّلين ، وخاتم الوصيّين . . الحديث بطوله » .
فهل هو : « إبراهم بن محمّـد بن ميمون » ، أو : « إبراهيم بن محمود ابن ميمون » ؟ !
الأوّل : « من أجلاد الشيعة » ، الثاني : « لا أعرفه » ! !
وهل الحديث : « عجيب » أو : « موضوع » ؟ !
وعندما نرجع الى لسان الميزان نجد أنّ ابن حجر يقول : « إبراهيم بن محمّـد بن ميمون : من أجلاد الشيعة . روى عن علي بن عابس خبراً عجيباً . روى عنه أبو شيبة بن أبي بكر وغيره . انتهى .
والحديث : قال هذا الرجل : حدّثنا علي بن عابس ، عن الحارث بن حصيرة ، عن القاسم بن جندب ، عن أنس ـ رضي الله عنه ـ : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لي : . . . الحديث بطوله . رواه عنه أيضاً : محمّـد بن عثمان بن أبي شيبة . وذكره الأزدي في الضعفاء ، وقال : إنّه منكر الحديث . وذكره ابن حبّان في الثقات ، وقال إنّه : كندي .
وأعاده المؤلّف في ترجمة إبراهيم بن محمود ، وهو هو ، فقال : لاأعرفه . روى حديثاً موضوعاً ، فذكر الحديث المذكور . ونقلتُ من خطّ شـيخنا أبي الفضـل الحافـظ : إنّ هذا الرجـل ليس بثقة . وقال إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة : سمعت عمّي عثمان بن أبي شيبة يقول : لولا رجلان من الشيعة ما صحّ لكم حديث . فقلت : من هما يا عمّ ؟ قال : إبراهيم بن محمّـد بن ميمون ، وعبّاد بن يعقوب . وذكره أبو جعفر الطوسي في رجال الشيعة » (1) .
____________
(1) لسان الميزان 1|206 الطبعة الحديثة .

( 59 )

ووقع اختلاف واضطراب في اسم الراوي : هل هو « علي بن عابس » ، كما ذكروا ، أو : إنّه « علي بن عياش » ، كما في حلية الأولياء ، وقال مصحّحه : « الصحيح ما أثبتناه » ، أو : « علي بن عبّـاس » ، أو : « علي بن عائش » ، كما في روايتي ابن عساكر ؟ ! !

أقـول :
إنّي أظنّ أنّ هذا التصحيف مقصود وليس بصدفة :
فإن كان : « ابن عياش » ، فهو من رجال البخاري والسنن الأربعة (1) . .
وإن كان : « ابن عابس » ، فهو من رجال الترمذي ، وقد اختلفت كلماتهم فيه . .
فعن جماعة ، كالجوزجاني والأزدي : ضعيف . وعن يحيى بن معين في رواية : كأنّه ضعيف ، وفي أُخرى : ليس بشيء . وعن ابن حبّان : فحش خطأُه فاستحقّ الترك . وعن الدارقطني : يعتبر به . وعن أبي زرعة والساجي : عنده مناكير . وعن ابن عدي : لعلي بن عابس أحاديث حِسان ، ويروي عن أبان بن تغلب ، وعن غيره ، أحاديث غرائب ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه (2) .
وقد أورد ابن عدي روايته الحديث عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : لمّا نزلت : ( وآت ذا القربى حقّه ) (3)دعا رسول الله صلّى الله عليه [وآله]
____________
(1) تقريب التهذيب 2|42 .
(2) الكامل ـ لابن عدي ـ 6|322 ، تهذيب الكمال 20|502 ، تهذيب التهذيب 7|301 .
(3) سورة الإسراء 17 : 26 .

( 60 )

وسلّم فاطمة فأعطاها فدكاً (1) .
فمن يروي مثل حديثنا ـ وهذا الحديث في فدك ـ فلا بُدّ وأن يُترك عند الجوزجاني وأمثاله من النواصب ! !
هذا تمام الكلام على الطريق الأوّل .
وقـد عرفت أنّ « إبراهيم بن محمّـد بن ميمون » من الثقات عند ابن حبّان وغيره ، ولم ينقل ابن حجر تضعيفاً له إلاّ عن الأزدي ، وهذا من عجائب ابن حجر؛ لأنّه تعقّب تضعيفات الأزدي غير مرّة قائلاً : « ليت الأزدي عرف ضعف نفسه » و « لا يعتبر تجريحه لضعفه هو » (2) . .
ولم يتكلّم فيه الذهبي إلاّ بقوله : « من أجلاد الشيعة » ، وهذا ليس بطعنٍ؛ فقد قدّمنا غير مرّة عن الذهبي نفسه وعن ابن حجر أنّ التشيّع غير مضرّ بالوثاقة .
وأمّا الطريق الثاني ، فقد تكلّموا فيه لـ « جابر بن يزيد الجعفي » ، ويكفي أن نورد نصّ كلام الذهبي فيه في ميزان الاعتدال ؛ إذ قال :
« جابر بن يزيد [د ، ت ، ق] بن الحارث الجعفي الكوفي ، أحد علماء الشـيعة ، له عن أبي الطفيل ، والشـعبي ، وخـلق . وعنه : شعبة ، وأبوعوانة ، وعدّة .
قال ابن مهدي ، عن سفيان : كان جابر الجعفي ورعاً في الحديث ، مارأيت أورع منه في الحديث .
وقال شعبة : صدوق؛ وقال يحيى بن أبي بكير ، عن شعبة : كان جابر إذا قال أخبرنا وحدّثنا وسمعت ، فهو من أوثق الناس .
____________
(1) الكامل 6|324 .
(2) هدي الساري في مقدّمة شرح البخاري : 430 .

( 61 )

وقال وكيع : ما شككتم في شيء فلا تشكّوا أنّ جابراً الجعفي ثقة .
وقال ابن عبـد الحكم : سمعت الشافعي يقول : قال سفيان الثوري لشعبة : إنّ تكلّمت في جابر الجعفي لأتكلّمنّ فيك . . . » (1) .
فإذا كان جابر من رجال ثلاثة من الصحاح ، ثمّ من مشايخ أئمّةٍ ، كالثوري وشعبة وأبي عوانة ، وأنّهم قالوا هذه الكلمات في توثيقه . . . فإنّه يكفينا للاحتجاج قطعاً؛ إذْ ليس عندهم من المحدّثين من أجمعوا على وثاقته إلاّ الشاذ النادر ، فهم لم يجمعوا على وثاقة مثل البخاري صاحب الصحيح .
على أنّ ما ذكروه جرحاً فيه فليس من أسباب الجرح والقدح؛ لأنّ كلمات الجارحين تتلخّص في أنّه : « كان من علماء الشيعة » ، وأنّه كان : « يحدّث بأخبار لا يُصبر عنها » في فضل أهل البيت ، وأنّه : « كان يؤمن بالرجعة » . . . ولا شيء من هذه الأُمور بقادح ، لا سيّما بالنظر إلى ما تقدّم عن أئمّة القوم من التأكيد على ورعه في الحديث ، والنهي عن التشكيك في أنّه ثقة ، حتّى أنّ مثل سفيان يقول لمثل شعبة : « إن تكلّمت في جابر الجعفي لأتكلّمن فيك » !
وبما ذكرناه كفاية ، لمن طلب الرشاد والهداية .
وبه تتبيّن مواضع الزور والدجل والتدليس في كلام المفتري .

الحديث « 6 » :
قال أبو نعيم : « حدّثنا محمّـد بن حميد ، ثنا علي بن سراج المصري ، ثنا محمّـد بن فيروز ، ثنا أبو عمرو لاهز بن عبـد الله ، ثنا معتمر بن سليمان ،
____________
(1) ميزان الاعتدال 1|379 ـ 384 .
( 62 )

عن أبيه ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : ثنا أنس بن مالك ، قال : بعثني النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أبي برزة الأسلمي ، فقال له وأنا اسمع : يا أبا برزة ! إنّ ربّ العالمين عهد إليّ عهداً في عليّ بن أبي طالب فقال : إنّه راية الهدى ، ومنار الإيمان ، وإمام أوليائي ، ونور جميع من أطاعني . . يا أبا برزة ! عليّ بن أبي طالب أميني غداً في القيامة ، وصاحب رايتي في القيامة على مفاتيح خزائن رحمة ربّي .
حدّثنا أبو بكر الطلحي ، ثنا محمّـد بن علي بن دحيم ، ثنا عباد بن سعيد بن عباد الجعفي ، ثنا محمّـد بن عثمان بن أبي البهلول ، حدّثني صالح ابن أبي الأسود ، عن أبي المطهّر الرازي ، عن الأعشى الثقفي ، عن سلام الجعفي ، عن أبي برزة ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّ الله تعالى عهد إليّ عهداً في عليّ ، فقلت : يا ربّ بينّه لي ؟ فقال : اسمع : فقلت : سمعت ، فقال : إنّ عليّاً راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور من أطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين ، من أحبّه أحبنّي ومن أبغضه أبغضني ، فبشّره بذلك . فجاء عليّ فبشّرته . . . » (1) .
وأخرجه ابن عساكر عن أبي علي الحداد ، عن أبي نعيم الحافظ (2) . .
وأخرجه بإسناد له غيره فقال : « أخبرنا أبو البركات عمر بن إبراهيم ابن محمّـد الزيدي ، أنا أبو الفرج الشاهد ، أنا أبو الحسن محمّـد بن جعفر النجّار النحوي ، أنا أبو عبـد الله محمّـد بن القاسم المحاربي ، نا عبّاد بن يعقوب ، أنا علي بن هاشم ، عن محمّـد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن عون بن عبيد الله ، عن أبي جعفر وعن عمر بن علي ، قالا : قال رسول الله
____________
(1) حلية الأولياء 1|66 ـ 67 .
(2) تاريخ دمشق 42|290 .

( 63 )

صلّى الله عليه وآله وسلّم : . . .
( قال ابن عساكر : ) هذا مرسل » (1) .
ولم يتكلّم ابن عساكر على الإسناد السابق .
وأمّا قوله في الإسناد الأخير : « مرسل » فيردّه أنّ الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام لا يروي إلاّ عن آبائه ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وعمر بن علي إنّما رواه عن عليّ أمير المؤمنين عليه السلام . .
ولو كان في الحديث مطعن لذكره ابن عساكر ، لكنّه حديث معتبر بلاريب؛ لأنّ رجاله ثقات بلا كلام . .
و« عبـاد بن يعقوب » الرواجـني من رجال البخاري ، والترمذي ، وابن ماجة؛ قال ابن حجر : « صدوق رافضي ، حديثه في البخاري مقرون ، بالغ ابن حبّان فقال : يستحقّ الترك » (2) . .
و« علي بن هاشم » بن البريد من رجال البخاري في المتابعات ، ومسلم ، والأربعة؛ وقال ابن حجر : « صدوق يتشيّع » (3) .
فالحقّ مع السـيّد في قوله :
« وأنت ترى هذه الأحاديث السـتّة نصوصاً صريحة في إمامته ولزوم طاعته عليه السلام » .

الحديث « 7 » :
أخرجه طب عن سلمان وأبي ذرّ معاً . هق ، عد عن حذيفة . كذا قال
____________
(1) تاريخ دمشق 42|270 .
(2) تقريب التهذيب 1|394 .
(3) تقريب التهذيب 2|45 .

( 64 )

المتّقي (1) .
وسند الحديث عند الطبراني هكذا : « حدّثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ، حدّثنا إسماعيل بن موسى السدّي ، ثنا عمر بن سعيد ، عن فضيل بن مرزوق ، عن أبي سخيلة ، عن أبي ذرّ وعن سلمان ، قالا : أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيد عليّ رضي الله عنه فقال : إنّ هذا . . . » (2) .
وعند ابن عساكر بإسناده . . . أنا عمرو بن سعيد البصري ، عن فضيل ابن مرزوق ، عن أبي سخيلة ، عن سلمان وأبي ذرّ . . . (3) .
وقال الهيثمي بعد أن رواه عن سلمان وأبي ذرّ : « رواه الطبراني ، والبزّار عن أبي ذرّ وحده . . . وفيه : عمرو بن سعيد المصري ، وهو ضعيف » (4) .
وفي تهذيب الكمال في مَن روى عن فضيل بن مرزوق : عمر بن سعد البصري (5) .

أقـول :
فقد وقع التحريف والخلط في اسم الرجل واسم أبيه ولقبه ، فهل هو : « عمر » أو « عمرو » ؟ ! وأبوه : « سعد » أو « سعيد » ؟ ! وهو : « البصري » أو « المصري » ؟ !
____________
(1) كنز العمّال 11|619 برقم 32990 .
(2) المعجم الكبير 6|269 برقم 6184 .
(3) تاريخ دمشق 42|41 .
(4) مجمع الزوائد 9|102 .
(5) تهذيب الكمال 23|306 .

( 65 )

وقد روي الحديث عن ابن عبّـاس أيضاً ، وأخرجه ابن عساكر بإسناد فيه عبـد الله بن داهر ، قال : « ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلتين : كتاب الله وعليّ بن أبي طالب ، فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول وهو آخذ بيد عليّ : هذا أوّل من آمن بي . . . » .
ثمّ قال ابن عساكر : « قال ابن عدي : عامّة ما يرويه ابن داهر في فضائل عليّ هو فيه متّهم » (1) .
فلم يتّهم الرجل بكذبٍ أو غيره من أسباب الضعف ، وإنّما « عامّة مايرويه في فضائل عليّ » ، فهذا ذنبه ؟ !
فانظر كيف يحاولون الطعن في الأحاديث النبوية الواردة في المناقب العلوية ؟ ! !

الحديث « 8 » :
هذا الحديث أخرجه الطبراني في الكبير ، وأبو نعيم في الحلية ، كما قال المتّقي (2)) .
ورواه الهيثمي فقال : « رواه الطبراني ، وفيه : إسحاق بن إبراهيم الضبيّ ، وهو متروك » (3) .

أقـول :
الظاهر أنّ الغلط في نسخة الهيثمي هو الذي أوقعه في هذا الاشتباه؛
____________
(1) تاريخ دمشق 42|42 .
(2) كنز العمّال 11|619 برقم 33007 ، 13|143 برقم 36448 .
(3) مجمع الزوائد 9|132 .

( 66 )

لأنّه لم يعرفه بهذا الاسم واللقب ، لكن الرجل هو : « إبراهيم بن إسحاق الصيني » ، وهو ليس بمتروك . .
قال السمعاني : « إبراهيم بن إسحاق : كوفي ، كان يتّجر في البحر ، ورحل إلى الصين ، وهو من بلاد المشرق ، يروي عن أبي عاتكة ، عن أنس ، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : اطلبوا العلم ولو بالصين » (1) .

قـيل :
« قد أخرجه أبو نعيم في الحلية ، وهو حديث موضوع ، ومجرّد العزو إليه مشعر بالضعف ، كما هو مقرَّر عند أهل العلم بالحديث » .

أقـول :
قد عرفت أنّ الحديث أخرجه الطبراني ، وأبو نعيم ، وغيرهما من الأئمّة والحفّاظ ، وسنده خال من الإشكال .
وليس العزو إلى أبي نعيم مشعراً بالضعف ، بل لا بُدّ من النظر في سند الحديث ومتنه أيّاً كان الراوي له . . . ولا يجوز ردّ الأحاديث النبوية بمجرّد التشهّي . ولا الطعن في العلماء ورواياتهم بلا دليل .

الحديث « 9 » :
قـيل :
« 9 ، 10 ـ أنا مدينة العلم وعليّ بابها . . الحديث . أنا دار الحكمة
____________
(1) الأنساب 3|583 « الصيني » .
( 67 )

وعليّ بابها . . الحديث .
هذا حديث مطعون فيه؛ قال يحيى بن معين : لا أصل له . وقال البخاري : إنّه منكر وليس له وجه صحيح . وقال الترمذي : إنّه منكر غريب . وذكره ابن الجوزي في الموضوعات . وقال ابن دقيق العيد : لم يثبتوه ، وقال النووي والذهبي والجزري : إنّه موضوع . (مختصر التحفة الاثني عشرية : 165) .
وقال ابن الجـوزي : وثمّ في الطريق الثاني (أنا دار الحكمة . . . الحديث) : محمّـد بن عمرو الرومي ، قال ابن حبّان : كان يأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم ، لا يجوز الاحتجاج به بحال . (رياض الجنّة : 150) » .

أقـول :
هذان حديثان يختلفان سنداً ومتناً ، وحيث أنّ القوم لم يتكلّموا في الثاني كما تكلّموا في الأوّل منهما ، فقد خلط المفتري بينهما ، ليوهم القارئ أنّهما حديث واحد ، والطعن من بعضهم متوجّه إلى كليهما ، وهذه خيانة كبيرة . . وسيتضّح الأمر . .
والكلام الآن في الحديث الأوّل المرقّم برقم « 9 » ، فنقول :
إنّه لمّا كان حـديث : « أنا مديـنة العلم . . . » من أقوى ما يُحتجّ به عـلى إمامـة أمير المؤمنين عليه السلام ، وأوضحها دلالةً على أعلميّته وأفضليّته بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فقد سعى القوم بشتّى الطرق لإسقاطه عن الاعتبار من حيث السند ، أو عن الدلالة على ما يذهب إليه أهل الحقّ ، ونحن نذكر طرقهم المختلفة في محاربة هذا الحديث ، ونوضّحها باختصار :


( 68 )

فالطريق الأوّل : تكذيب الحديث سنداً . .
وهذا طريق بعض المتعصّبين منهم ، المناوئين لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، ومن أشهرهم ابن تيمية ، الذي يقول : « وحديث أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، أضعف وأوهى ، ولهذا إنّما يعدّ في الموضوعات ، وإن رواه الترمذي . . وذكره ابن الجوزي وبيّن أنّ سائر طرقه موضوعة . والكذب يعرف من نفس متنه . . . » (1) .
لكنّ الحديث ليس كذباً موضوعاً ، وما ذكره ابن الجوزي قد تعقبّه غير واحد من أئمّتهم ، كالحافظ السيوطي في اللآلي المصنوعة . .
ولا يخفى أنّ ابن تيمية يعترف بكونه من أحاديث صحيح الترمذي ، وسيأتي مزيد من الكلام في ذلك .
والحاصل : إنّهم قد رووا هذا الحديث بأسانيدهم عن أمير المؤمنين ، وعـن الإمامين السـبطين الحسـن والحسـين ، وعن عبـد الله بن العبّـاس ، وجابر ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وأنس ، وابن عمر ، وعمرو بن العاص . .
وهو في كتب كثير من الأئمّة ، أخرجوه بطرقهم ، وقد نصّ على صحّته : يحيى بن معين ، وابن جرير الطبري ، والحاكم النيسابوري ، وجمع من كبار الحفّاظ ، ومنهم من نصّ على حسنه : كالحافظ العلائي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني ، والحافظ السمهودي ، وأمثالهم .
وما نقل عن يحيى بن معين من أنّه قال : « لا أصل له » فكذب؛ بدليل ما جاء في تهذيب الكمال للحافظ أبي الحجّاج المزّي ، وفي تهذيب
____________
(1) منهاج السُـنّة 7|515 .
( 69 )

التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني : « قال القاسم : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث ، فقال : صحيح » وكذلك النقل عنه في كلام الخطيب البغدادي ، والجلال السيوطي ، والشوكاني ، والمناوي ، وغيرهم (1) .
فإذاً ، يحيى بن معين يقول بصحّة حديث : « أنا مدينة العلم . . . » .
ومن القائلين بصحّته : ابن جرير الطبري ، فيكتابه تهذيب الآثار ؛ قال السيوطي في جمع الجوامع : « وقال ابن جرير : هذا خبر صحيح سنده » .
ومنهم : الحاكم صاحب المستدرك ، فإنّه قال : « هذا حديث صحيح الإسناد » ، ثمّ قال : « ولهذا الحديث شاهد من حديث سفيان الثوري بإسناد صحيح . . . » (2) .
فلماذا الكذب على العلماء وإخفاء الحقائق أو إنكارها ؟ !
فإنّ الترمذي لم يقل عقيب حديث : « أنا مدينة العلم . . . » ذلك ، بل سيأتي أنّ هذا الحديث قد أسقطه القوم من كتابه ؛ فلو كان قد طعن فيه لم يكن حاجة إلى إسقاطه من الكتاب . .
والبخاري إنّما تكلَّم في الحديث الثاني : « أنا دار الحكمة . . . » كما في اللآلي المصنوعة والمقاصد الحسنة ؛ فدعوى تكلّمه في حديث : « أنا مدينة العلم . . . » كاذبة .
وكذلك نسبة القول بكونه موضوعاً إلى بعض العلماء منهم ، فإنّها من الأكاذيب أيضاً . .
____________
(1) تهذيب الكمال 18|77 ، تهذيب التهذيب 6|319 ، . وانظر : تاريخ بغداد 11|49 ، جمع الجوامع ـ للسيوطي ـ 1|383 ، فيض القدير بشرح الجامع الصغير 3|47 ، الفوائد المجموعة : 349 .
(2) المستدرك على الصحيحين 3|126 ـ 127 .

( 70 )

والطريق الثاني : مناقشة مدلول الحديث . .
ولكنّها مناقشات باطلة ، ومحاولات ساقطة ، ولذا احتاجوا إلى سلوك الطرق الأُخرى .

الطريق الثالث : تحريف لفظ الحديث والتلاعب بمتنه . .
كقول بعض النواصب : إنّ كلمة : « عليّ » فيه ليس عَلَماً ، وإنّما هو وصفٌ بمعنى العلوّ؛ فمدينة العلم عالٍ بابها . لكنّه بلغ من السخافة حدّاً جَعلَ بعض علمائهم يردّه ويبطله ، كابن حجر المكّي وغيره (1) . .
وكزيادة آخرين فيه بفضائل لغيره ، فقد جاء في بعض كتبهم : « أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعليّ بابها » ، وقد نصّ العلماء على سقوطه ، كالسخاوي الحافظ؛ إذ قال : « كلّها ضعيفة ، وألفاظ أكثرها ركيكة » (2) .

الطريق الرابع : تحريف الكتب . .
فإنّهم لمّا رأوا أنّ هذا الحديث قويٌ في دلالته ، ووجوده في الكتب المعتبرة يسبّب صحّة استدلال الإمامية به ، قاموا بتحريف الكتب . . ومن ذلك صحيح الترمذي ، فإنّ حديث : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » نقله جماعة من أكابر القوم ، كابن تيمية ، وابن الأثير ، وابن حجر ، وغيرهم ، عن الكتاب المذكور ، ولكنّه غير موجود فيه الآن .
____________
(1) المنح المكّية في شرح القصيدة الهمزية : 304 ، فيض القدير 3|46 .
(2) المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة : 47 .

( 71 )

فلينظر القارئ المنصف كيف يتلاعبون بأقوال النبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولو كانوا أهل السُـنّة حقّاً لَما فعلوا هذه الأفاعيل ، وما قالوا هذه الأقاويل ، لكنهم يتّبعون سُـنّة بني أُمية ، ويقصدون محاربة السُـنّة النبوية الصحيحة ، ويأبى الله إلاّ أن يتمَّ نوره . .

الحديث « 10 » :
أخرجه الترمذي في صحيحه ، وقال : حديث حسن ، كما نصّ على ذلك الحفّاظ ، كمحبّ الدين الطبري المكّي (1) .
وأخرجه ابن جرير الطبري وصحّحه ، كما نصّ على ذلك جماعة ، كالحافظ السيوطي في اللآلي المصنوعة (2) .
وقد نقل السيوطي تحسين الحافظ صلاح الدين العلائي كذلك .
وممّن أثبته في كتابه من الحفّاظ وكبار العلماء :
أبو نعيم الأصبهاني .
ابن مردويه الأصبهاني .
الخطيب التبريزي ، صاحب مشكاة المصابيح .
ابن حجر العسقلاني .
أبو محمّد الحسين بن الفرّاء البغوي .
المناوي ، صاحب شرح الجامع الصغير .
الزرقاني ، صاحب شرح الموطأ .
القسطلاني ، صاحب شرح البخاري .
____________
(1) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : 77 .
(2) اللآلي المصنوعة 1|332 .

( 72 )

ن حجر المكّي ، صاحب الصواعق .
المتّقي الهندي ، صاحب كنز العمّال .

أقـول :
قد عرفنا حال عشرة أحاديث من الأربعين حديثاً التي أوردها السـيّد لتأييد النصوص في إمامة أمير المؤمنين ، من الصحّة في السـند والمتانة في الدلالة ، وعرفنا كيف يحاولون ردّ أحاديث مناقب أمير المؤمنين ودلائل إمامته بالزور والكذب .
وعلى حال هذه فقِس البقية . . على أنّ قسماً منها قد تقدّم البحث عنه في المراجعات السابقة . .
فالأوْلى صرف الوقت في تشييد سائر المراجعات . .
* * *


( 73 )

المراجـعة (50)

قال السـيّد ـ رحمه الله ـ :
في وجه الاستدلال بخصائص أمير المؤمنين على إمامته :
« إنّ من كان مثلكم ـ ثاقب الروية ، بعيد المرمى ، خبيراً بموارد الكلام ومصادره ، بصيراً بمراميه ومغازيه ، مستبصراً برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وحكمته البالغة ونبوّته الخاتمة ، مقدّراً قدره في أفعاله وأقواله ، وأنه لا ينطق عن الهوى ـ لا تفوته مقاصد تلك السُـنن ، ولا تخفى عليه لوازمها ، عرفاً وعقلاً . .
وما كان ليخفى عليك ـ وأنت من أثبات العربية وأسنادها (1) ـ أنّ تلك السُـنن قد أعطت عليّاً من المنازل المتعالية ما لا يجوز على الله تعالى وأنبيائه إعطاؤها إلاّ لخلفائهم وأُمنائهم على الدين وأهله ، فإذا لم تكن دالّة على الخلافة بالمطابقة ، فهي كاشفة عنها ألبتة ودالّة عليها لا محالة بالدلالة الالتزامية ، واللزوم فيها بيّن بالمعنى الأخصّ ، وحاشا سـيّد الأنبياء أن يعطي تلك المنازل الرفيعة إلاّ لوصيّه من بعده ، ووليّه في عهده . .
على أنّ من سبر غور سائر السُـنن المختصّة بعليّ ، وعجم عودها بروية وإنصاف ، وجدها بأسرها ـ إلاّ قليلاً منها ـ ترمي إلى إمامته ، وتدلّ عليها إمّا بدلالة المطابقة ، كالنصوص السابقة (2) ، وكعهد الغدير ، وإمّا بدلالة
____________
(1) أثبات : بفتح الهمزة جمع « ثَبَت » بفتحتين ، وأسناد : جمع « سَنَد » بفتحتين أيضاً ، والثبت والسند هو الحجّة .
(2) المذكورة في المراجعة 20 والمراجعة 26 والمراجعة 36 والمراجعة 40 .

( 74 )

الالتزام ، كالسُـنن التي أسلفناها في المراجعة 48 . .
وكقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (1) . .
وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : عليّ منّي بمنزلة رأسي من بدني (2) . .
وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حديث عبد الرحمن بن عوف (3) : والذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ، ولتؤتنّ الزكاة ، أو لأبعثنّ إليكم رجلاً منّي أو كنفسي . . الحديث ، وآخره : فأخذ بيد عليّ ، فقال : هو هذا . .
إلى ما لا يحصى من أمثال هذه السُـنن ، وهذه فائدة جليلة ألفت إليها كلّ غوّاص عن الحقائق ، كشّاف عن الغوامض ، موغل في البحث بنفسه لنفسه ، لا يتبع إلاّ ما يفهمه من لوازم تلك السُـنن المقدّسة ، بقطع النظر عن العاطفة » .
* * *
____________
(1) أخرجه الحاكم في ص 124 ج 3 من المستدرك ، والذهبي في تلك الصفحة من تلخيصه مصرّحين بصحّته ، وهو من الأحاديث المستفيضة . .
ومن ذا يجهل كون عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ بعد صحاح الثقلين ـ الكتاب والعـترة ـ فقف على ما أوردناه منها في المراجـعة 8 ، واعرف حقّ إمام العترة وسـيّدها لا يدافع ولا ينازع .
(2) أخرجـه الخـطيب من حـديث البـراء ، والديلمي من حديث ابن عبّـاس ، ونقله ابن حجر في ص 75 من صواعقه ، فراجع الحديث 35 من الأربعين حديثاً التي أوردها في الفصل 2 من الباب 9 من صواعقه .
(3) وهو الحديث 6133 ص 405 ج 6 من كنز العمّال ، وحسبك حجّة على أنّ عليّاً كنفس رسول الله آية المباهلة على ما فصّله الرازي في معناها من تفسيره الكبير (مفاتيح الغيب) ص 488 ج 2 ، ولا يفوتنّك ما ذكرناه في مباحث الآية من كلمتنا الغرّاء .

( 75 )

المراجـعة (52)

وقال ـ في ردّ دعوى المعارضة ـ :
« نحن نؤمن بفضائل أهل السوابق من المهاجرين والأنصار كافّة رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وفضائلهم لا تحصى ولا تستقصى ، وحسبهم ما جاء في ذلك من آيات الكتاب وصحاح السُـنّة ، وقد تدبّرناه إذ تتبّعناه فما وجدناه ـ كما يعلم الله عزّ وجلّ ـ معارضاً لنصوص عليّ ، ولا صالحاً لمعارضة شيء من سائر خصائصه .
نعم ، ينفرد خصومنا برواية أحاديث في الفضائل لم تثبت عندنا ، فمعارضتهم إيّانا بها مصادرة لا تُنتظر من غير مكابر متحكّم ، إذْ لا يسعنا اعتبارها بوجه من الوجوه ، مهما كانت معتبرة عند الخصم .
ألا ترى أنّا لا نعارض خصومنا بما انفردنا بروايته ، ولا نحتجّ عليهم إلاّ بما جاء من طريقهم ، كحديث الغدير ونحوه ؟ !
على أنّا تتبّعنا ما انفرد به القوم من أحاديث الفضائل ، فما وجدنا فيه شيئاً من المعارضة ، ولا فيه أي دلالة على الخلافة ، ولذلك لم يستند إليه ـ في خلافة الخلفاء الثلاثة ـ أحد ، والسلام » .

أقـول :
قد قررّنا سابقاً أُموراً للبحث ، نشير إليها تشييداً لكلام السـيّد وتأييداً لِما تقدّم منّا وسيأتي من البحوث :
1 ـ إنّه إذا كان الحديث متّفقاً عليه بين الفريقين فإنّ الاعتماد عليه


( 76 )

أحزم ، والاستدلال به أتمّ ، لا سيّما إذا كان معتبراً سنداً على أُصول الخصم باعتراف بعض علماء طائفته .
2 ـ إنّ الاعتبار السندي لأيّ حديث ليس بمعنى أن يكون رواته موثّقين عند جميع أئمّة الجرح والتعديل ، بحيث لو وقع في السند رجل مختلف فيه فلا يكون صحيحاً ، وذلك لأنّ الرجال المتّفق على وثاقتهم عند القوم قليلون جـدّاً ، فإنّ فيهم من يقدح في البخاري وفي مسلم ، والقدح فـي سائر أرباب الصحاح موجود في غير واحدٍ من كتبهم . . بل يكفي للاحتجاج بالخبر عدم كون رواته مقدوحين عند الكلّ أو الأكثر .
3 ـ إنّ كلّ حديثٍ ينفرد أحد الطرفين بروايته ، فإنّه لا يكون حجّةً على الطرف الآخر ولا يجوز الاحتجاج به عليه ، وهذه قاعدة مقرّرة عند علماء الفريقـين ، وأصحابنا ملتزمون بها في بحـوثهم ، بخلاف الخصوم ، فما أكثر استدلالهم بما ينفردون بروايته في فضل أئمّتهم ، وهذا مخالف للقاعدة . .
وممّن نصّ على هذه القاعدة الحافظ ابن حزم الأندلسي ، فإنّه قال في كتابه الفصل في بداية مباحث الإمامة ، في الاحتجاج على الإمامية :
« لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا فهم لا يصدّقونها ، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم فنحن لا نصدّقها ، وإنّما يجب أن يحتجّ الخصوم بعضهم على بعض بما يصدّقه الذي تقام عليه الحجّة به ، سواء صدّقه المحتجّ أو لم يصدّقه؛ لأنّ من صدّق بشيء لزمه القول به أو بما يوجب العلم الضروري ، فيصير حينئذٍ مكابراً منقطعاً إن ثبت على ما كان عليه . . . » (1) .
____________
(1) الفصل في الملل والنحل 4|159 .
( 77 )

4 ـ إنّ استدلال أصحابنا بآيات الكتاب ـ مع النظر إلى شأن نزولها بحسب روايات أهل السُـنّة ـ وبالأحاديث الواردة في كتب القوم على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، إنّما هو لكون تلك الأدلّة نصوصاً ثابتة ، إمّا على إمامته بعد رسول الله بلا فصل ، وإمّا على أفضليّته من غيره بعد النبيّ . .
فأمّا النصّ على الإمامة فلا يجوز ردّه؛ لأنّ ردّ النصّ الثابت عن رسول الله تكذيب له ، وهو كفر بإجماع المسلمين .
وأمّا النصّ على الأفضلية فيدلّ على الإمامة؛ لحكم العقل بقبح تقدّم المفضول ، والأحاديث الواردة في صفات عليّ عليه السلام وحالاته المستلزمة للأفضلية من غيره ، وبالأسانيد المعتبرة ، كثيرة جدّاً . .
ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور ممّا يعترف به حتّى شيخ النواصب المكابرين ابن تيمية الحرّاني في منهاجه .
5 ـ وأصحابنا دائماً مستعدّون لاستماع أيّة مناقشةٍ علمية مبنية على أُصول البحث وآداب المناظرة . .
وكذلك كان أُسلوب السـيّد مع الشيخ سليم البشري ـ شيخ الجامع الأزهر ـ .
وإذا كان الحاكم النيسابوري من أئمّة الحديث عند القوم ، وكان قد روى بسند صحيح في المستدرك عن أحمد بن حنبل ، قوله : « ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الفضائل ما جاء لعليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه » (1) . .
وإذا كان الذهبي أيضاً من أئمّة الحديث ـ وقد تعقّب روايات الحاكم
____________
(1) المستدرك على الصحيحين 3|107 .

( 78 )

فـي تلخـيص المسـتدرك ـ قد وافق الحاكم في نقل هذا الكلام عن أحـمد . .
فقد جاز لنا أنْ نحتجّ على كلّ من يحترم أحمد بن حنبل ويتّبعه بكلامه المروي عنه في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام .
فما ظنّك بابن تيمية المكذّب لهذا النقل بلا أي دليل ؟ !
بل المنقول عن أحمد بن حنبل فوق هذا النصّ الذي رواه الحاكم ووافقه الذهبي؛ فقد روى الحافظ ابن الجوزي ـ وهو ممّن يعتمد على كلماته وآرائه المكابرون ـ في كتابه في مناقب أحمد أنّه قال : « ما ورد لأحدٍ من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح ما ورد لعليّ رضي الله عنه » (1) . . فهنا جملة : « الفضائل بالأسانيد الصحاح » !
وروى الحافظ ابن عبـد البرّ عن أحمد والنسائي أنّهما قالا : « بالأسانيد الحِسان » (2) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني بترجمة الإمام عليه السلام : « ومناقبه كثيرة ، حتّى قال الإمام أحمد : لم ينقل لأحدٍ من الصحابة ما نقل لعليّ ، وكذا قال غيره . .
وتتّبع النسائي ما خصّ به من دون الصحابة ، فجمع من ذلك شيئاً كثيراً بأسانيد أكثرها جياد » (3) .
وقال في فتح الباري في شرح صحيح البخاري ، بشرح عنوان : باب مناقب عليّ بن أبي طالب :
____________
(1) مناقب أحمد بن حنبل : 163 .
(2) الاستيعاب 3|1115 .
(3) الإصابة في معرفة الصحابة 2|507 ـ 508 .

( 79 )

« قال أحـمد وإسماعيل القاضـي والنسائي وأبو علي النيسابوري : لم يرد في حـقّ أحـدٍ من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في عليّ » (1) .
وقال ابن حجر المكّي : « قال أحمد : ما جاء لأحدٍ من الفضائل ما جاء لعليّ ، وقال إسماعيل القاضي والنسائى وأبو علي النيسابوري : لم يرد في حقّ أحدٍ من الصحابة بالأسانيد الصحاح الحسان أكثر ماورد في حقّ عليّ » (2) .

فليقرأ المنصف هذه الكلمات والاعترافات . .
ولينظر كيف يحتجّ الإمامية بها على الخصم ؟ ! وكيف تُقابَل احتجاجاتهم بأنواع الزور والبهتان والظلم ؟ ! !
____________
(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7/57 .
(2) المنح المكية في شرح القصيدة الهمزية : 301 .