المسجد إلاّ
أنا وعليّ
(1) .

31
ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنا وهذا ـ يعني عليّاً ـ حجّة على أُمّتي يوم
القيامة . أخرجه الخطيب من حديث أنس
(2) .

وبماذا يكون أبو الحسن حجّة كالنبيّ
لولا أنّه وليّ عهده ، وصاحب الأمر من بعده ؟ !

32 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
مكتوب على باب الجنّة : لا إله إلاّ الله ، محمّـد رسول الله ، عليّ أخو رسول
الله
(3) .

33 ـ
قـوله صلّى الله عليه وآله وسـلّم : مكتوب على ساق العـرش : لا إله إلاّ الله ، محمّـد
رسول الله ، أيّدته بعليّ ، ونصرته بعليّ
(4) .

34 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه ، وإلى آدم في علمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى
موسى في فطنته ، وإلى عيسى في زهده ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب . أخرجه البيهقي في
صحـيحه ، والإمام أحمد بن حنبل في
مسـنده (5) .
____________
(1) أورده ابن حجر في صواعقه ، فراجع الحديث 13 من الأربعين
التي أوردها في الباب 9 .
(2)
وهو الحديث 2632 في ص 157 من الجزء 6 من الكنز .
(3) أخرجه الطبراني في الأوسط ،
والخطيب في المتّفق والمفترق ، كما في أوّل ص159 ج 6 من كنز العمّال . وقد أوردناه في
المراجعة 34 وعلّقنا عليه ما يفيد الباحث المتتبّع .
(4) أخرجه الطبراني في الكبير ، وابن
عساكر عن أبي الحمراء مرفوعاً ، كما في ص158 من الجزء 6 من الكنز .
(5) وقـد نقله عنهما ابن أبي الحـديد
في الخبر الرابع من الأخبار التي أوردها في ص449 ج 2 من شرح النهج ، وأورده الإمام
الرازي في معنى آية المباهلة من تفسيره الكبير ص 288 ج 2 ، وقد أرسل إرسال المسلّمات
كون هذا الحديث موافقاً عند الموافق والمخالف .
وأخرج هذا الحديث ابن بطّة من حديث
ابن عبّـاس ، كما في ص 34 من كتاب فتح الملك العليّ بصحّة حديث باب مدينة العلم عليّ
للإمام أحمد بن محمّـد بن الصدّيق الحسني المغربي ، نزيل القاهرة؛ فراجع .
وممّن اعترف بأنّ عليّاً هو الجامع
لأسرار الأنبياء أجمعين شيخ العرفاء محيالدين ابن العربي ، في ما نقله عنه العارف
الشعراني في المبحث 32 من كتابه اليواقيت والجواهر ص172 .
( 45 )

35 ـ قوله
صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا عليّ ! إنّ فيك من عيسى مثلاً ، أبغضته اليهود حتّى
بهتوا أُمّه ، وأحبّه النصارى حتّى أنزلوه بالمنزلة التي ليس بها . .
الحديث
(1) .

36 ـ
قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : السبّق ثلاثة : السابق إلى موسى يوشع بن نون ،
والسابق إلى عيسى صاحب ياسين ، والسابق إلى محمّـد عليّ بن أبي
طالب
(2) .

37 ـ
قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار ، مؤمن آل ياسين؛
قال : (
يا قوم اتّبعوا المرسلين )
(3) ، وحزقيل ، مؤمن آل فرعون؛ قال :
(
أتقتلون رجلاً أن يقولَ ربّيَ اللهُ )
(4) ، وعليّ بن أبي طالب ، وهو
أفضلهم
(5) .
____________
(1) أخرجه الحاكم في ص 122 من
الجزء 3 من المستدرك .
(2)
أخرجه الطبراني وابن مردويه ، عن ابن عبّـاس . وأخرجه الديلمي عن عائشة ، وهو في
السُـنن المستفيضة .
(3) سورة
يس 36 : 20 .
(4) سورة غافر 40 :
28 .
(5) أخـرجه أبـو نعيم
وابـن عساكر عن أبـي ليلى مرفـوعاً ، وأخرجه ابن النجّار عن ابن عبّـاس مرفوعاً؛
فراجع الحديث 30 والحديث 31 من الأربعين حديثاً التي أوردها ابن حجر في الفصل
الثاني من الباب 9 من صواعقه ، آخر ص 74 والتي بعدها .
( 46 )

38 ـ قوله
صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ : إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي ، وأنت تعيش على
ملّتي ، وتقتل على سُـنّتي ، مَن أحبّك أحبّني ، ومَن أبغضك أبغضني ، وإنّ هذه ستخضب من
هذا . يعني لحيته من رأسـه
(1) . .

وعن عليّ إنّه قال : إنّ ممّا عهد إليّ
النبيّ أنّ الأُمّة ستغدر بي بعده
(2) .

وعن ابن عبّـاس قال : قال رسول الله
صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ : أما إنّك ستلقى بعدي جهداً . قال : في سلامة من
ديني ؟ قال : في سلامة من دينك .

39 ـ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما
قاتلت على تنزيله . فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر ، قال أبو بكر : أنا هو ؟
قال : لا . قال عمر : أنا هو ؟ قال : لا ، ولكن خاصف النعل . يعني عليّاً . . قال أبو سعيد
الخدري : فأتيناه فبشّرناه ، فلم يرفع به رأسه كأنّه قد كان سمعه من رسول الله صلّى
الله عليه وآله وسلّم
(3) . .
____________
(1) أخرجه الحاكم ص 147 من الجزء 3 من المستدرك وصحّحه ،
وأورده الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحّته .
(2) هذا الحديث والذي بعده ، أعني حديث
ابن عبّـاس ، أخرجهما الحاكم في ص140 من الجزء 3 من المستدرك ، وأوردهما الذهبي في
التلخيص ، وصرّح كلاهما بصحّتهما على شرط الشيخين .
(3) أخرجه الحاكم في آخر ص 122 من
الجزء 3 من المستدرك ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، واعترف
الذهبي بصحّته على شرط الشـيخين ، وذلك حـيث أورده في التلخـيص . .
وأخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد
في ص 82 وفي ص 33 من الجزء 3 من مسـنده ، وأخرجه البيهقي في شـعب الإيمان ، وسعيد بن
منصور في سُـننه ، وأبو نعيم في حليته ، وأبو يعلى في السُـنن ، وهو الحديث 2585 في ص
155 من الجزء 6 من الكنز .
( 47 )

ونحوه حديث
أبي أيّوب الأنصاري في خلافة عمر؛ إذ قال
(1) : أمر رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين . .

وحديث عمّار بن ياسر؛ إذ
قال
(2) : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا علي ! ستقاتلك
الفئة الباغية ، وأنت على الحقّ ، فمن لم ينصرك يومئذ فليس منّي . .

وحديث أبي ذرّ؛ إذ قال
(3) :
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : والذي نفسي بيده ، إنّ فيكم لرجلاً يقاتل
الناس من بعدي على تأويل القرآن ، كما قاتلت المشركين على تنزيله . .

وحـديث محمّـد بـن عبيد الله بـن أبـي
رافـع ، عن أبيه ، عن جدّه أبي رافع ، قال : قال رسول الله : يا أبا رافع ! سيكون بعدي
قوم يقاتلون عليّاً ، حقّ على الله جهادهم ، فمَن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه ، فمَن
لم يستطع بلسانه فبقلبه . . الحديث
(4) . .

وحديث الأخضر
الأنصاري
(5) ، قال : قال رسول الله : أنا أُقاتل على
____________
(1) في ما أخرج عنه الحاكم من
طريقين ، في ص 139 والتي بعدها من ج 3 من المستدرك .
(2) في ما أخرجه ابن عساكر ، وهو
الحديث 2588 في ص 155 ج 6 من الكنز .
(3) في ما أخرجه الديلمي ، كما في آخر
ص 155 ج 6 من الكنز .
(4)
أخرجه الطبراني في الكبير ، كما في ص 155 ج 6 من الكنز .
(5) هو ابن أبي الأخضر ، ذكره ابن
السكن ، وروى عنه هذا الحديث من طريق الحارث ابن حصيرة ، عن جابر الجعفي ، عن الإمام
الباقر ، عن أبيه الإمام زين العابدين ، عن الأخضر ، عن النبيّ . وقال ابن السكن : هو
غير مشهور في الصحابة ، وفي إسناد حديثه نظر؛ نقل ذلك كلّه العسقلاني في ترجمة
الأخضر من الإصابة . .
وأخرج
الدارقطني هذا الحديث في الأفراد ، وقال : تفرّد به جابر الجعفي ، وهو رافضي .
( 48 )تنزيل القرآن ،
وعليّ يقاتل على تأويله .

40 ـ
قـوله صلّى الله عـليه وآله وسـلّم : يا عـلي ! أخصمك بالنبوّة فلا نبوّة بعـدي ،
وتخصم الناس بسبع : أنت أوّلهم إيماناً بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر
الله ، وأقسمهم بالسوية ، وأعدلهم في الرعية ، وأبصرهم بالقضية ، وأعظمهم عند الله
مزية
(1) . .

وعن أبي
سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا عليّ ! لك سبع خصال
لا يحاجّك فيها أحد : أنت أوّل المؤمنين بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر
الله ، وأقسمهم بالسوية ، وأعدلهم في الرعية ، وأبصرهم بالقضية ، وأعظمهم عند الله
مزية . .

وعن أبي سعيد الخدري ،
قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا عليّ ! لك سبع خصالٍ لا يحاجّك
فيهنّ أحد يوم القيامة : أنت أوّل المؤمنين بالله ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر
الله ، وأرأفهم بالرعية ، وأقسمهم بالسوية ، وأعلمهم بالقضية ، وأعظمهم مزية . .

إلى ما لا يسع المقام استقصاؤه من
أمثال هذه السُـنن المتضافرة المتناصرة باجتماعها كلّها على الدلالة على معنىً واحد
هو : إنّ عليّاً ثاني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذه الأُمّة ، وإنّ له
عليها من الزعامة بعد النبيّ ما كان له صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فهي من ناحية
السُنن المتواترة في معناها وإنْ لم يتواتر لفظها ، وناهيك بهذا حجةً بالغة .
والسلام .
____________
(1) أخـرجه أبو نعـيم من حـديث
معاذ ، وأخرج الحديث الذي بعده ، أعني حديث أبي سعيد ، في حلية الأولياء ، وهما
موجودان في ص 156 ج 6 من الكنز .
( 49 )
أقـول :

قبل الورود في البحث عن الأحاديث
المذكورة وما قيل فيها :
أوّلاً : هذه الأحاديث مرويّة في كتبنا وبطرق أصحابنا عن أهل البيت عليهم الصلاة
والسلام ، وإذا كانت مخرّجة في كتب المخالفين لهم ، فهي ممّا اتّفق عليه الفريقان
وأطبق عليه الطرفان ، ولا ريب أنّ الوثوق بصدور المتّفق عليه أقوى ، والاعتماد عليه
أكثر .
وثانياً : إنّ عدّة من
هذه الأحاديث صحيحٌ على أُصول القوم ، بالإضافة إلى تصريح علمائهم بذلك ، فلا مناصّ
لهم من القبول .
وثالثاً : إنّ
السـيّد ـ رحمه الله ـ إنّما ذكر هذه الأحاديث تأييداً للنصوص ، ولا شكّ في أنّها
صالحة لذلك حتّى لو كان كلّها ضعيفاً .
وبعدُ ، فهذا موجز الكلام على أسانيد
جملة من هذه الأحاديث :
الحديث « 1 » :

صحّحه الحاكم ، وقد وصفه الذهبي بـ :
« الإمام الحافظ الناقد العلاّمة شـيخ المحدّثين . . . صنّف وخرّج وجرح وعدّل وصحّح
وعلّل ، وكان من بحـور العلم ، على تشـيّع قليلٍ فيه . . . أُنبئت عن أبي سـعد الصفّار ،
عن عبـد الغافر بن إسماعيل ، قال : الحاكم أبو عبـد الله هو إمام أهل الحديث في عصره ،
العارف به حقّ معرفته »
(1) .

إذاً ، يجوز لنا التمسّك بروايته
والاحتجاج بتصحيحه وإلزام الخصوم المعاندين بذلك .
____________
(1) سير أعلام النبلاء 17|162 ـ 177 .
( 50 )
الحديث « 2 » :

صحّحه الحاكم كذلك . . وأخرجه جماعة من
الأئمّة الحفّاظ ، كأبي يعلى ، والطبراني ، وأبي نعيم وابن مندة وأبي موسى ، وابن عبـد
البرّ ، وابن عساكر ، وابن الأثير ، وغيرهم . . . .
(1) .
قـيل :

« 2 ، 3 ، 4 ـ حديث : أُوحي إليَّ في علي
ثلاث . . . الحديث ، قال الذهبي : أحسبه موضوع ، وفي سنده : عمرو بن الحصين وشيخه
متروكان » .
أقـول :
أوّلاً : إنّ هذا الكلام إنّما قاله
الذهبي بعد الحديث : « أُوحي إليَّ . . . » وهو الحديث رقم (2) فقط ، فإضافة (3) و(4)
تدليس . .

وممّا يؤكّد ذلك أنّ
المتّقي الهندي ذكر الحديث المرقّم (2) تحت الرقم (33010) وأورد كلام الذهبي وغيره
من أجل الرجلين .

ثمّ ذكر
الحديث المرقَّم (3) تحت الرقم (33011) عن ابن النجّار ، عن عبـد الله بن أسعد . . .
ولم يتكلّم على سنده أصلاً .
وثانياً : مجرّد « أحسبه موضوع » دعوىً بلا دليل .
وثالثاً : إنّ « عمرو بن الحصين » من
رجال
سُـنن ابن ماجة ، وشيخه « يحيى بن العلاء » من
رجال سُـنن أبي داود و
سُـنن ابن
ماجة . وهذان
____________
(1) تاريخ دمشق
42|302 ، المعجم الصغير 2|88 ، أُسد الغابة 3|116 الطبعة القديمة .
( 51 )الكتابان من
الصحاح السـتّة عند القوم ، فالقول بأنّهما : « متروكان » باطل .
ورابعاً : إنّه قد روى ابن عساكر هذا
الحديث بأسانيد ، أحدها : من طريـق الحافظ ابن مـندة . . والثانـي : من طريـق الحافظ أبي
يعلى ، عن عبـد الله بن أسعد بن زرارة ، وليس فيهما الرجلان المذكوران أصلاً . .
والثالث : من طريق أبي يعلى ، وفيه الرجلان . .

والطعن في حديثٍ من أصله ، لأجل وجود
المناقشة في بعض أسانيده ، تعصّبٌ قبيح .
الحديث « 3 » :

أخرجه ابن النّجار ، وعنه المتّقي
الهندي
(1) .

وبصدد
تصحيح هذا الحديث نقول :
أوّلاً : ليس الرجلان المذكوران في سنده ، كما سيأتي .
وثانياً : قد جعل الحافظ محبّ الدين
الطبري مفاد هذا الحديث من خصائص الإمام عليه السلام ؛ إذ قال : « ذكر اختصاصه بسيادة
المسلمين وولاة المتّقين » ، فقال : « عن عبـد الله بن أسعد بن زرارة قال : قال رسول
الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : ليلة أُسري بي انتهيت إلى ربّي عزّ وجلّ ، فأوحى
إليّ ـ أو : أمرني . شكّ الراوي في أيّهما ـ في عليّ ثلاثاً : أنّه سـيّد المسلمين
ووليّ المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين . أخرجه المحاملي ، وأخرجه الإمام عليّ بن
موسى الرضا من حديث عليّ ، وزاد : ويعسوب الدين »
(2) .

فقد ظهر أنّ الحديث من روايات الإمام
الرضا عليه السلام ، ومن
____________
(1) كنز
العمّال 11|620 الطبعة الحديثة .
(2) ذخائر العقبى في مناقب ذوي
القربى : 70 .
( 52 )روايات
المحاملي ، وابن النجّار ، والمحبّ الطبري ، كما أنّه من روايات ابن عساكر ، كما
ستعلم .
وثالثاً : إنّ إسناد
المحاملي صحيح قطعاً؛ فإنّه أخرجه عن : « علي بن أبي حرب ، عن يحيى بن أبي بكير ، عن
جعفر بن زياد الأحمر ، عن هلال الصيرفي ، عن أبي كثير الأنصاري ، عن عبـد الله بن
أسعد بن زرارة ، عن رسول الله . . . »
(1) .

* فأمّا « المحاملي » ، وهو أبو عبـد
الله الحسين بن إسماعيل ، المتوفّى سنة 330 هـ؛ فقد قال الخطيب : « كان فاضلاً
ديّناً »
(2) ، ووثّقه الذهبي وغيره
(3) .

* وأمّا « عيسى بن أبي حرب » فهو : « عيسى
بن موسى بن أبي حرب » أبو يحيى الصفّار البصري ، المتوفّى سنة 267 هـ؛ قال الخطيب :
« قدم بغداد ، وحدّث بها عن يحيى بن أبي بكير الكرماني . . . روى عنه : . . . والقاضي
المحاملي . . . وكان ثقةٌ . . . »
(4) .

* وأمّا « يحيى بن أبي بكير » الكرماني ،
المتوفّى سنة 209 هـ؛ فمن رجال الصحاح السـتّة
(5) .

* وأمّا « جعفر بن زياد » الأحمر ،
المتوفّى سنة 167 هـ؛ فمن رجال أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وقال ابن حجر :
« صـدوق ، يتشـيّع »
(6) .
____________
(1) تاريخ دمشق ـ ترجمة أمير المؤمنين ـ 42|302 .
(2) تاريخ بغداد 8|19 ـ 23 .
(3) سير أعلام النبلاء
15|258 .
(4) تاريخ بغداد
11|165 .
(5) تقريب التهذيب
2|344 .
(6) تقريب التهذيب
2|130 .
( 53 )

* وأمّا « هلال
الصيرفي » ؛ فمن رجال البخاري ، ومسلم ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وقال ابن حجر :
« ثـقة »
(1) .

*
وأمّا « أبو كثير الأنصاري » التابعي؛ فقد ترجم له الخطيب وأخرج عنه حديثاً من طريق
أحمد بن حنبل
(2) .
الحديث « 4 » :

ليس فيه الرجلان المذكوران ، وإنّما
رواه الحافظ أبو نعيم قائلاً : « أنبأنا عمر بن أحمد القصباني ، أنبأنا علي بن
العبّـاس البجلي ، أنبأنا أحمد بن يحيى ، أنبأنا الحسن بن الحسين ، أنبأنا إبراهيم بن
يوسف بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن الشعبي ، قال : قال عليّ : قال رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم : . . . »
(3) .

وأخرجه ابن عساكر عن طريق أبي نعيم ،
قال : « أنبأنا أبو علي الحدّاد ، أنبأنا أبو نعيم الحافظ . . . »
(4) .
الحديث « 5 » :

رواه الحافظ أبو نعيم ، قال : « حدّثنا
محمّـد بن أحمد بن علي ، ثنا محمّـد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا إبراهيم بن محمّـد بن
ميمون ، ثنا علي ابن عياش ، عن الحارث بن حصيرة ، عن القاسم بن جندب ، عن أنس ،
____________
(1) تقريب التهذيب 2|323 .
(2) تاريخ بغداد 14|362 .
(3) حلية الأولياء 1|66 .
(4) كنز العمال 11|619 برقم 33009
الطبعة الحديثة .
( 54 )قال : قال رسول
صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا أنس ! اسكب لي وضوءاً . ثمّ قال : فصلّى ركعتين ، ثمّ
قال : يا أنس ! أوّل من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين ، وسـيّد المسلمين ،
وقائد الغرّ المحجّلين ، وخاتم الوصيّين .

قال أنس : قلت : اللّهمّ اجعله رجلاً من
الأنصار . وكتمته .

إذ جاء علي
فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : عليّ .

فقام مستبشراً فاعتنقه ، ثمّ جعل يمسح
عرق وجهه بوجهه ويمسح عرق عليّ بوجهه . قال علي : يا رسول الله ! لقد رأتيك صنعت شيئاً
ما صنعت بي من قبل .

قال : وما
يمنعني وأنت تؤدّي عنّي ، وتسمعهم صوتي ، وتبيّن لهم ما اختلوا فيه بعدى .

رواه جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن
أنس نحوه »
(1) .
فقـيل :

« 5 ، 6 ـ أوّل من يدخل في هذا الباب
إمام المتّقين . . . رواه أبو نعيم في
الحلية . وقال في
الميزان : هذا الحديث موضوع . وقد
روى هذا الحديث جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن أنس . قال زائدة : كان
جابراً
(2) كذّاباً . وقال أبو حنيفة : ما لقيت أكذب منه . وفي
صحيح مسلم :
إنّ جابر الجعفي كان يؤمن بالرجعة . وقال ابن حبّان : إنّ جابر الجعفي كان سبئيّاً من
أصحاب عبـد الله بن سبأ ، كان يقول : إنّ عليّاً يرجع إلى الدنيا . (رياض الجنّة : 158 ،
159) » .
____________
(1) حلية الأولياء 1|63 .
(2) كذا .
( 55 )
أقـول :

قـد روى الحـديث عـن أبـي نعـيم كذلك
جماعـة ، منهم : الحافظ ابن عساكر؛ إذ أخرجه : « أخبرنا أبو علي المقري ، أنبأنا أبو
نعيم الحافظ . . . »
(1) .

وأخـرجه ابن عساكر بطريق آخر؛ إذ قال :
« أخبرنا أبو الحسن الفرضـي ، أنا أبو القاسـم بن أبي العلاء ، أنا أبو بكر محمّـد بن
عمر بن سليمان بن المعدل العريني النصيبي ـ بها ـ وأبو بكر الحسين بن الحسن بن
محمّـد ، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد ، نا أبو جعفر محمّـد ابن عثمان بن
أبي شيبة ، نا إبراهيم بن محمّـد ، نا علي بن عائش ، عن الحارث بن حصيرة ، عن القاسم بن
جندب ، عن أنس بن مالك . . . »
(2) .
فأوّلاً : لفظ الحديث فيه : « أمير
المؤمنين » ، إلاّ أنّ السـيّد نقله بواسطة ابن أبي الحديد لا عن
الحلية رأساً ، ولفظه
في
شرح النهج : « إمام المتّقين »
(3)حچ .
وثانياً : في لفظ الحديث عن أنس : « قلت :
اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار . وكتمته » ، وقد حرّفت كلمة : « وكتمته » في
شرح النهج
إلى : « وكتبت دعوتي »
(4) .

والسبب في هذا التحريف ـ إذ أُبدلت :
« كتمت » إلى : « كتبت » ،
____________
(1) تاريخ
دمشق 42|386 .
(2) تاريخ دمشق
42|303 .
(3) شرح نهج البلاغة
9|169 .
(4) شرح نهج البلاغة
9|169 .
( 56 )وأُضيفت كلمة :
« دعوتي » ـ هو « التكتّم » على واقع حال أنس بن مالك وأمثاله من الصحابة ، من الحسد
والبغض لأمير المؤمنين عليه السلام . .

لكنّ الله سبحانه شاء أن يفتضح أنس
ويكشف حاله في قضية الطائر المشوي؛ إذ أنّه بعدما دعا النبيّ صلّى الله عليه وآله
وسلّم قال أنس : « اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار » ، وحاول أن يكتم دعاء النبيّ ،
وحال دون دخول الإمام عليه ، إلاّ أنّ الله استجاب دعاء رسوله في عليّ ، ودخل عليه
الدار وأكل معه من الطير ، ولو اتّسع المجال لفصّلت الكلام ، وأشرت إلى صحّة الحديث
وإن حاول القوم « التكّتم » عليه ، فراجع المجلّد المختصّ به من كتابنا
الكبير
(1) .

وأيضاً : فقد فضح الله حال أنس لمّا « كتم » الشهادة بحديث الغدير ، ودعا عليه الإمام
عليه السلام وابتلي بالبرص ، والقضية مشهورة .
وعـلى كـلٍّ ، فإنّ هذا الحـديث الذي
أورده السـيّد ـ رحمه الله ـ يعـدّ من أسمى مناقب سيّدنا أمير المؤمنين وفضائله
الدالّة على إمامته بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهو من أثبت
الأحاديث في الباب ، وقد رويت مقاطع منه أيضاً بأسانيد مستقلّة بعضها
معتبر .

ومن هنا ، فقد بذل
المتعصّبون جهودهم في الطعن في الحديث المذكور ، واضطربت كلماتهم في الردّ عليه ،
وإليك بعض الكلام في ذلك :

لقد
روى الحافظ أبو نعيم هذا الحديث بطريقين ، أحدهما : عن القاسم بن جندب ، عن أنس ،
والآخر : عن جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن أنس . .
____________
(1) انظر : نفحات الأزهار في إمامة الأئمّة الأطهار ج 13 ـ
14 .
( 57 )

فقال ابن
الجـوزي ـ بعد أن رواه بالطريـق الأوّل ـ : « هـذا حديث لايصـحّ . قال يحيى بن معين :
علي بن عابس ليس بشيء . وقد روى هذا الحديث جابر الجعفي ، عن أبي الطفيل ، عن أنس . قال
زائدة : كان جابر كذّاباً ، وقال أبو حنيفة : ما لقيت أكذب
منه »
(1) .
فأمّا
الطريق الأوّل ، فقد طعن فيه من أجل : « علي بن عابس » ، ولم يقل إلاّ : قال يحيى بن
معين : « ليس بشيء » ؛ ممّا يدلّ على أنْ لا إشكال في هذا الطريق إلاّ من ناحية « علي بن
عابس » ، وأمّا الطريق الثاني ، فالكلام في : « جابر الجعفي » .

أمّا الذهبي ، فلم يذكر الحديث بترجمة
« جابر » أصلاً . . وإنّما ذكره بالطريق الأوّل ، لكن لا بترجمة : « علي بن عابس » ، بل
بترجمة : « إبراهيم » ، ثمّ اضطرب الأمر عليه؛ فعنون تارة : « إبراهيم بن محمّـد بن
ميمون » ، وأُخرى : « إبراهيم بن محمود بن ميمون » ، فقال في الأوّل : « إبراهيم بن محمّـد
بن ميمون : من أجلاء الشيعة . روى عن علي بن عابس خبراً عجيباً . روى عنه أبو شيبة بن
أبي بكر وغيره »
(2) . .

ثـمّ قال فـي الصـفحة اللاحـقة :
« إبراهيم بن محمود بن ميمون : لاأعرفـه . روى حـديثاً موضـوعاً فاسـمعه : فروى محمّـد
بن عثمان بن أبي شيبة ، عن علي بن عابس ، عن الحارث بن حصيرة ، عن القاسم بن جندب ، عن
أنس : إنّ النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم قال لي : أوّل من يدخل عليك من هذا
الباب أمير المؤمنين ، وسـيّد المسلمين ، وقائد الغرّ
____________
(1) الموضوعات 1|377 .
(2) ميزان الاعتدال 1|63 .
( 58 )المحجّلين ،
وخاتم الوصيّين . . الحديث بطوله » .

فهل هو : « إبراهم بن محمّـد بن ميمون » ،
أو : « إبراهيم بن محمود ابن ميمون » ؟ !

الأوّل : « من أجلاد الشيعة » ، الثاني :
« لا أعرفه » ! !

وهل الحديث :
« عجيب » أو : « موضوع » ؟ !

وعندما
نرجع الى
لسان الميزان نجد أنّ ابن حجر يقول : « إبراهيم بن محمّـد بن ميمون : من
أجلاد الشيعة . روى عن علي بن عابس خبراً عجيباً . روى عنه أبو شيبة بن أبي بكر
وغيره . انتهى .

والحديث : قال
هذا الرجل : حدّثنا علي بن عابس ، عن الحارث بن حصيرة ، عن القاسم بن جندب ، عن أنس ـ
رضي الله عنه ـ : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لي : . . . الحديث بطوله .
رواه عنه أيضاً : محمّـد بن عثمان بن أبي شيبة . وذكره الأزدي في الضعفاء ، وقال :
إنّه منكر الحديث . وذكره ابن حبّان في
الثقات ، وقال إنّه : كندي .

وأعاده المؤلّف في ترجمة إبراهيم بن
محمود ، وهو هو ، فقال : لاأعرفه . روى حديثاً موضوعاً ، فذكر الحديث المذكور . ونقلتُ من
خطّ شـيخنا أبي الفضـل الحافـظ : إنّ هذا الرجـل ليس بثقة . وقال إبراهيم بن أبي بكر
بن أبي شيبة : سمعت عمّي عثمان بن أبي شيبة يقول : لولا رجلان من الشيعة ما صحّ لكم
حديث . فقلت : من هما يا عمّ ؟ قال : إبراهيم بن محمّـد بن ميمون ، وعبّاد بن يعقوب .
وذكره أبو جعفر الطوسي في رجال الشيعة »
(1) .
____________
(1) لسان الميزان 1|206 الطبعة الحديثة .
( 59 )

ووقع اختلاف
واضطراب في اسم الراوي : هل هو « علي بن عابس » ، كما ذكروا ، أو : إنّه « علي بن عياش » ،
كما في
حلية الأولياء ، وقال مصحّحه : « الصحيح ما أثبتناه » ، أو : « علي بن عبّـاس » ،
أو : « علي بن عائش » ، كما في روايتي ابن عساكر ؟ ! !
أقـول :

إنّي أظنّ أنّ هذا التصحيف مقصود وليس
بصدفة :

فإن كان : « ابن عياش » ،
فهو من رجال البخاري والسنن الأربعة
(1) . .

وإن كان : « ابن عابس » ، فهو من رجال
الترمذي ، وقد اختلفت كلماتهم فيه . .

فعن جماعة ، كالجوزجاني والأزدي :
ضعيف . وعن يحيى بن معين في رواية : كأنّه ضعيف ، وفي أُخرى : ليس بشيء . وعن ابن حبّان :
فحش خطأُه فاستحقّ الترك . وعن الدارقطني : يعتبر به . وعن أبي زرعة والساجي : عنده
مناكير . وعن ابن عدي : لعلي بن عابس أحاديث حِسان ، ويروي عن أبان بن تغلب ، وعن غيره ،
أحاديث غرائب ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه
(2) .

وقد أورد ابن عدي روايته الحديث عن
عطية ، عن أبي سعيد ، قال : لمّا نزلت : (
وآت ذا القربى حقّه )
(3)دعا رسول
الله صلّى الله عليه [وآله]
____________
(1)
تقريب التهذيب 2|42 .
(2)
الكامل ـ لابن عدي ـ 6|322 ، تهذيب الكمال 20|502 ، تهذيب التهذيب 7|301 .
(3) سورة الإسراء 17 : 26 .
( 60 )وسلّم فاطمة
فأعطاها فدكاً
(1) .

فمن يروي مثل حديثنا ـ وهذا الحديث في فدك ـ فلا بُدّ وأن يُترك عند الجوزجاني
وأمثاله من النواصب ! !

هذا
تمام الكلام على الطريق الأوّل .

وقـد عرفت أنّ « إبراهيم بن محمّـد بن
ميمون » من الثقات عند ابن حبّان وغيره ، ولم ينقل ابن حجر تضعيفاً له إلاّ عن
الأزدي ، وهذا من عجائب ابن حجر؛ لأنّه تعقّب تضعيفات الأزدي غير مرّة قائلاً :
« ليت الأزدي عرف ضعف نفسه » و « لا يعتبر تجريحه لضعفه هو »
(2) . .

ولم يتكلّم فيه الذهبي إلاّ بقوله :
« من أجلاد الشيعة » ، وهذا ليس بطعنٍ؛ فقد قدّمنا غير مرّة عن الذهبي نفسه وعن ابن
حجر أنّ التشيّع غير مضرّ بالوثاقة .
وأمّا الطريق الثاني ، فقد تكلّموا فيه
لـ « جابر بن يزيد الجعفي » ، ويكفي أن نورد نصّ كلام الذهبي فيه في
ميزان الاعتدال ؛
إذ قال :

« جابر بن يزيد [د ، ت ،
ق] بن الحارث الجعفي الكوفي ، أحد علماء الشـيعة ، له عن أبي الطفيل ، والشـعبي ،
وخـلق . وعنه : شعبة ، وأبوعوانة ، وعدّة .

قال ابن مهدي ، عن سفيان : كان جابر
الجعفي ورعاً في الحديث ، مارأيت أورع منه في الحديث .

وقال شعبة : صدوق؛ وقال يحيى بن أبي
بكير ، عن شعبة : كان جابر إذا قال أخبرنا وحدّثنا وسمعت ، فهو من أوثق الناس .
____________
(1) الكامل 6|324 .
(2) هدي الساري في مقدّمة شرح
البخاري : 430 .
( 61 )

وقال وكيع : ما
شككتم في شيء فلا تشكّوا أنّ جابراً الجعفي ثقة .

وقال ابن عبـد الحكم : سمعت الشافعي
يقول : قال سفيان الثوري لشعبة : إنّ تكلّمت في جابر الجعفي لأتكلّمنّ
فيك . . . »
(1) .

فإذا
كان جابر من رجال ثلاثة من الصحاح ، ثمّ من مشايخ أئمّةٍ ، كالثوري وشعبة وأبي عوانة ،
وأنّهم قالوا هذه الكلمات في توثيقه . . . فإنّه يكفينا للاحتجاج قطعاً؛ إذْ ليس عندهم
من المحدّثين من أجمعوا على وثاقته إلاّ الشاذ النادر ، فهم لم يجمعوا على وثاقة مثل
البخاري صاحب
الصحيح .

على أنّ
ما ذكروه جرحاً فيه فليس من أسباب الجرح والقدح؛ لأنّ كلمات الجارحين تتلخّص في
أنّه : « كان من علماء الشيعة » ، وأنّه كان : « يحدّث بأخبار لا يُصبر عنها » في فضل أهل
البيت ، وأنّه : « كان يؤمن بالرجعة » . . . ولا شيء من هذه الأُمور بقادح ، لا سيّما
بالنظر إلى ما تقدّم عن أئمّة القوم من التأكيد على ورعه في الحديث ، والنهي عن
التشكيك في أنّه ثقة ، حتّى أنّ مثل سفيان يقول لمثل شعبة : « إن تكلّمت في جابر
الجعفي لأتكلّمن فيك » !

وبما
ذكرناه كفاية ، لمن طلب الرشاد والهداية .

وبه تتبيّن مواضع الزور والدجل
والتدليس في كلام المفتري .
الحديث « 6 » :

قال أبو نعيم : « حدّثنا محمّـد بن
حميد ، ثنا علي بن سراج المصري ، ثنا محمّـد بن فيروز ، ثنا أبو عمرو لاهز بن عبـد
الله ، ثنا معتمر بن سليمان ،
____________
(1)
ميزان الاعتدال 1|379 ـ 384 .
( 62 )عن أبيه ، عن
هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : ثنا أنس بن مالك ، قال : بعثني النبيّ صلّى الله عليه
وآله وسلّم إلى أبي برزة الأسلمي ، فقال له وأنا اسمع : يا أبا برزة ! إنّ ربّ
العالمين عهد إليّ عهداً في عليّ بن أبي طالب فقال : إنّه راية الهدى ، ومنار
الإيمان ، وإمام أوليائي ، ونور جميع من أطاعني . . يا أبا برزة ! عليّ بن أبي طالب
أميني غداً في القيامة ، وصاحب رايتي في القيامة على مفاتيح خزائن رحمة
ربّي .

حدّثنا أبو بكر الطلحي ،
ثنا محمّـد بن علي بن دحيم ، ثنا عباد بن سعيد بن عباد الجعفي ، ثنا محمّـد بن عثمان
بن أبي البهلول ، حدّثني صالح ابن أبي الأسود ، عن أبي المطهّر الرازي ، عن الأعشى
الثقفي ، عن سلام الجعفي ، عن أبي برزة ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلّم : إنّ الله تعالى عهد إليّ عهداً في عليّ ، فقلت : يا ربّ بينّه لي ؟ فقال : اسمع :
فقلت : سمعت ، فقال : إنّ عليّاً راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور من أطاعني ، وهو
الكلمة التي ألزمتها المتّقين ، من أحبّه أحبنّي ومن أبغضه أبغضني ، فبشّره بذلك .
فجاء عليّ فبشّرته . . . »
(1) .

وأخرجه ابن عساكر عن أبي علي الحداد ،
عن أبي نعيم الحافظ
(2) . .

وأخرجه بإسناد له غيره فقال : « أخبرنا
أبو البركات عمر بن إبراهيم ابن محمّـد الزيدي ، أنا أبو الفرج الشاهد ، أنا أبو
الحسن محمّـد بن جعفر النجّار النحوي ، أنا أبو عبـد الله محمّـد بن القاسم
المحاربي ، نا عبّاد بن يعقوب ، أنا علي بن هاشم ، عن محمّـد بن عبيد الله بن أبي
رافع ، عن عون بن عبيد الله ، عن أبي جعفر وعن عمر بن علي ، قالا : قال رسول الله
____________
(1) حلية الأولياء 1|66 ـ
67 .
(2) تاريخ دمشق
42|290 .
( 63 )صلّى الله
عليه وآله وسلّم : . . .

( قال ابن
عساكر : ) هذا مرسل »
(1) .

ولم يتكلّم ابن عساكر على الإسناد
السابق .

وأمّا قوله في
الإسناد الأخير : « مرسل » فيردّه أنّ الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام لا يروي
إلاّ عن آبائه ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وعمر بن علي إنّما رواه عن
عليّ أمير المؤمنين عليه السلام . .

ولو كان في الحديث مطعن لذكره ابن
عساكر ، لكنّه حديث معتبر بلاريب؛ لأنّ رجاله ثقات بلا كلام . .

و« عبـاد بن يعقوب » الرواجـني من رجال
البخاري ، والترمذي ، وابن ماجة؛ قال ابن حجر : « صدوق رافضي ، حديثه في البخاري مقرون ،
بالغ ابن حبّان فقال : يستحقّ الترك »
(2) . .

و« علي بن هاشم » بن البريد من رجال
البخاري في المتابعات ، ومسلم ، والأربعة؛ وقال ابن حجر : « صدوق
يتشيّع »
(3) .

فالحقّ مع السـيّد في قوله :

« وأنت ترى هذه الأحاديث السـتّة نصوصاً صريحة في إمامته ولزوم طاعته عليه
السلام » .
الحديث « 7 » :

أخرجه طب عن سلمان وأبي ذرّ معاً . هق ،
عد عن حذيفة . كذا قال
____________
(1) تاريخ
دمشق 42|270 .
(2) تقريب
التهذيب 1|394 .
(3) تقريب
التهذيب 2|45 .
( 64
)المتّقي
(1) .

وسند الحديث عند الطبراني هكذا :
« حدّثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ، حدّثنا إسماعيل بن موسى السدّي ، ثنا عمر
بن سعيد ، عن فضيل بن مرزوق ، عن أبي سخيلة ، عن أبي ذرّ وعن سلمان ، قالا : أخذ رسول
الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيد عليّ رضي الله عنه فقال : إنّ
هذا . . . »
(2) .

وعند
ابن عساكر بإسناده . . . أنا عمرو بن سعيد البصري ، عن فضيل ابن مرزوق ، عن أبي سخيلة ،
عن سلمان وأبي ذرّ . . .
(3) .

وقال الهيثمي بعد أن رواه عن سلمان
وأبي ذرّ : « رواه الطبراني ، والبزّار عن أبي ذرّ وحده . . . وفيه : عمرو بن سعيد المصري ،
وهو ضعيف »
(4) .

وفي
تهذيب الكمال في مَن روى عن فضيل بن مرزوق : عمر بن سعد
البصري
(5) .
أقـول :

فقد وقع التحريف والخلط في اسم الرجل
واسم أبيه ولقبه ، فهل هو : « عمر » أو « عمرو » ؟ ! وأبوه : « سعد » أو « سعيد » ؟ ! وهو :
« البصري » أو « المصري » ؟ !
____________
(1) كنز العمّال 11|619 برقم
32990 .
(2) المعجم الكبير
6|269 برقم 6184 .
(3) تاريخ
دمشق 42|41 .
(4) مجمع الزوائد
9|102 .
(5) تهذيب الكمال
23|306 .
( 65 )

وقد روي
الحديث عن ابن عبّـاس أيضاً ، وأخرجه ابن عساكر بإسناد فيه عبـد الله بن داهر ، قال :
« ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلتين : كتاب الله وعليّ بن أبي طالب ، فإنّي
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول وهو آخذ بيد عليّ : هذا أوّل من آمن
بي . . . » .

ثمّ قال ابن عساكر :
« قال ابن عدي : عامّة ما يرويه ابن داهر في فضائل عليّ هو فيه
متّهم »
(1) .

فلم
يتّهم الرجل بكذبٍ أو غيره من أسباب الضعف ، وإنّما « عامّة مايرويه في فضائل عليّ » ،
فهذا ذنبه ؟ !

فانظر كيف
يحاولون الطعن في الأحاديث النبوية الواردة في المناقب العلوية ؟ ! !
الحديث « 8 » :

هذا الحديث أخرجه الطبراني في
الكبير ،
وأبو نعيم في
الحلية ، كما قال المتّقي
(2)) .
ورواه الهيثمي فقال : « رواه الطبراني ، وفيه : إسحاق بن إبراهيم الضبيّ ، وهو
متروك » (3) .
أقـول :
الظاهر أنّ الغلط في نسخة الهيثمي هو
الذي أوقعه في هذا الاشتباه؛
____________
(1)
تاريخ دمشق 42|42 .
(2) كنز
العمّال 11|619 برقم 33007 ، 13|143 برقم 36448 .
(3) مجمع الزوائد 9|132 .
( 66 )لأنّه لم
يعرفه بهذا الاسم واللقب ، لكن الرجل هو : « إبراهيم بن إسحاق الصيني » ، وهو ليس
بمتروك . .

قال السمعاني :
« إبراهيم بن إسحاق : كوفي ، كان يتّجر في البحر ، ورحل إلى الصين ، وهو من بلاد المشرق ،
يروي عن أبي عاتكة ، عن أنس ، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : اطلبوا
العلم ولو بالصين »
(1) .
قـيل :

« قد أخرجه أبو نعيم في
الحلية ، وهو
حديث موضوع ، ومجرّد العزو إليه مشعر بالضعف ، كما هو مقرَّر عند أهل العلم
بالحديث » .
أقـول :

قد عرفت أنّ الحديث أخرجه الطبراني ،
وأبو نعيم ، وغيرهما من الأئمّة والحفّاظ ، وسنده خال من الإشكال .

وليس العزو إلى أبي نعيم مشعراً
بالضعف ، بل لا بُدّ من النظر في سند الحديث ومتنه أيّاً كان الراوي له . . . ولا يجوز
ردّ الأحاديث النبوية بمجرّد التشهّي . ولا الطعن في العلماء ورواياتهم بلا
دليل .
الحديث « 9 » :
قـيل :

« 9 ، 10 ـ أنا مدينة العلم وعليّ
بابها . . الحديث . أنا دار الحكمة
____________
(1) الأنساب 3|583 « الصيني » .
( 67 )وعليّ بابها . .
الحديث .

هذا حديث مطعون فيه؛
قال يحيى بن معين : لا أصل له . وقال البخاري : إنّه منكر وليس له وجه صحيح . وقال
الترمذي : إنّه منكر غريب . وذكره ابن الجوزي في
الموضوعات . وقال ابن دقيق العيد : لم
يثبتوه ، وقال النووي والذهبي والجزري : إنّه موضوع . (مختصر التحفة الاثني عشرية :
165) .

وقال ابن الجـوزي : وثمّ
في الطريق الثاني (أنا دار الحكمة . . . الحديث) : محمّـد بن عمرو الرومي ، قال ابن
حبّان : كان يأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم ، لا يجوز الاحتجاج به بحال . (رياض
الجنّة : 150) » .
أقـول :

هذان حديثان يختلفان سنداً ومتناً ،
وحيث أنّ القوم لم يتكلّموا في الثاني كما تكلّموا في الأوّل منهما ، فقد خلط
المفتري بينهما ، ليوهم القارئ أنّهما حديث واحد ، والطعن من بعضهم متوجّه إلى
كليهما ، وهذه خيانة كبيرة . . وسيتضّح الأمر . .

والكلام الآن في الحديث الأوّل
المرقّم برقم « 9 » ، فنقول :

إنّه لمّا كان حـديث : « أنا مديـنة العلم . . . » من أقوى ما يُحتجّ به عـلى إمامـة أمير
المؤمنين عليه السلام ، وأوضحها دلالةً على أعلميّته وأفضليّته بعد رسول الله صلّى
الله عليه وآله ، فقد سعى القوم بشتّى الطرق لإسقاطه عن الاعتبار من حيث السند ، أو
عن الدلالة على ما يذهب إليه أهل الحقّ ، ونحن نذكر طرقهم المختلفة في محاربة هذا
الحديث ، ونوضّحها باختصار :
( 68 )
فالطريق الأوّل : تكذيب الحديث
سنداً . . 
وهذا طريق بعض
المتعصّبين منهم ، المناوئين لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، ومن أشهرهم ابن
تيمية ، الذي يقول : « وحديث أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، أضعف وأوهى ، ولهذا إنّما
يعدّ في الموضوعات ، وإن رواه الترمذي . . وذكره ابن الجوزي وبيّن أنّ سائر طرقه
موضوعة . والكذب يعرف من نفس متنه . . . »
(1) .

لكنّ الحديث ليس كذباً موضوعاً ، وما
ذكره ابن الجوزي قد تعقبّه غير واحد من أئمّتهم ، كالحافظ السيوطي في
اللآلي
المصنوعة . .

ولا يخفى أنّ ابن
تيمية يعترف بكونه من أحاديث
صحيح الترمذي ، وسيأتي مزيد من الكلام في ذلك .
والحاصل : إنّهم قد رووا هذا الحديث
بأسانيدهم عن أمير المؤمنين ، وعـن الإمامين السـبطين الحسـن والحسـين ، وعن عبـد
الله بن العبّـاس ، وجابر ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وأنس ، وابن عمر ، وعمرو بن
العاص . .

وهو في كتب كثير من
الأئمّة ، أخرجوه بطرقهم ، وقد نصّ على صحّته : يحيى بن معين ، وابن جرير الطبري ،
والحاكم النيسابوري ، وجمع من كبار الحفّاظ ، ومنهم من نصّ على حسنه : كالحافظ
العلائي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني ، والحافظ السمهودي ، وأمثالهم .

وما نقل عن يحيى بن معين من أنّه قال :
« لا أصل له » فكذب؛ بدليل ما جاء في
تهذيب الكمال للحافظ أبي الحجّاج المزّي ، وفي
تهذيب ____________
(1) منهاج السُـنّة
7|515 .
( 69 )التهذيب
للحافظ ابن حجر العسقلاني : « قال القاسم : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث ، فقال :
صحيح » وكذلك النقل عنه في كلام الخطيب البغدادي ، والجلال السيوطي ، والشوكاني ،
والمناوي ، وغيرهم
(1) .
فإذاً ، يحيى بن معين يقول بصحّة حديث :
« أنا مدينة العلم . . . » .

ومن
القائلين بصحّته : ابن جرير الطبري ، فيكتابه
تهذيب الآثار ؛ قال السيوطي في
جمع
الجوامع : « وقال ابن جرير : هذا خبر صحيح سنده » .

ومنهم : الحاكم صاحب المستدرك ، فإنّه
قال : « هذا حديث صحيح الإسناد » ، ثمّ قال : « ولهذا الحديث شاهد من حديث سفيان الثوري
بإسناد صحيح . . . »
(2) .

فلماذا الكذب على العلماء وإخفاء
الحقائق أو إنكارها ؟ !

فإنّ
الترمذي لم يقل عقيب حديث : « أنا مدينة العلم . . . » ذلك ، بل سيأتي أنّ هذا الحديث قد
أسقطه القوم من كتابه ؛ فلو كان قد طعن فيه لم يكن حاجة إلى إسقاطه من
الكتاب . .

والبخاري إنّما
تكلَّم في الحديث الثاني : « أنا دار الحكمة . . . » كما في
اللآلي المصنوعة و
المقاصد
الحسنة ؛ فدعوى تكلّمه في حديث : « أنا مدينة العلم . . . » كاذبة .

وكذلك نسبة القول بكونه موضوعاً إلى
بعض العلماء منهم ، فإنّها من الأكاذيب أيضاً . .
____________
(1) تهذيب الكمال 18|77 ، تهذيب التهذيب 6|319 ، . وانظر : تاريخ
بغداد 11|49 ، جمع الجوامع ـ للسيوطي ـ 1|383 ، فيض القدير بشرح الجامع الصغير 3|47 ،
الفوائد المجموعة : 349 .
(2)
المستدرك على الصحيحين 3|126 ـ 127 .
( 70 )
والطريق الثاني : مناقشة مدلول
الحديث . . 
ولكنّها مناقشات
باطلة ، ومحاولات ساقطة ، ولذا احتاجوا إلى سلوك الطرق الأُخرى .
الطريق الثالث : تحريف لفظ الحديث
والتلاعب بمتنه . . 
كقول بعض
النواصب : إنّ كلمة : « عليّ » فيه ليس عَلَماً ، وإنّما هو وصفٌ بمعنى العلوّ؛ فمدينة
العلم عالٍ بابها . لكنّه بلغ من السخافة حدّاً جَعلَ بعض علمائهم يردّه ويبطله ،
كابن حجر المكّي وغيره
(1) . .

وكزيادة آخرين فيه بفضائل لغيره ، فقد
جاء في بعض كتبهم : « أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها
وعليّ بابها » ، وقد نصّ العلماء على سقوطه ، كالسخاوي الحافظ؛ إذ قال : « كلّها ضعيفة ،
وألفاظ أكثرها ركيكة »
(2) .
الطريق الرابع : تحريف الكتب . . 
فإنّهم لمّا رأوا أنّ هذا الحديث قويٌ
في دلالته ، ووجوده في الكتب المعتبرة يسبّب صحّة استدلال الإمامية به ، قاموا
بتحريف الكتب . . ومن ذلك
صحيح الترمذي ، فإنّ حديث : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها »
نقله جماعة من أكابر القوم ، كابن تيمية ، وابن الأثير ، وابن حجر ، وغيرهم ، عن الكتاب
المذكور ، ولكنّه غير موجود فيه الآن .
____________
(1) المنح المكّية في شرح القصيدة الهمزية : 304 ، فيض القدير
3|46 .
(2) المقاصد الحسنة في
الأحاديث المشتهرة على الألسنة : 47 .
( 71 )

فلينظر
القارئ المنصف كيف يتلاعبون بأقوال النبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولو
كانوا أهل السُـنّة حقّاً لَما فعلوا هذه الأفاعيل ، وما قالوا هذه الأقاويل ، لكنهم
يتّبعون سُـنّة بني أُمية ، ويقصدون محاربة السُـنّة النبوية الصحيحة ، ويأبى الله
إلاّ أن يتمَّ نوره . .
الحديث « 10 » :

أخرجه الترمذي في
صحيحه ، وقال : حديث
حسن ، كما نصّ على ذلك الحفّاظ ، كمحبّ الدين الطبري المكّي
(1) .

وأخرجه ابن جرير الطبري وصحّحه ، كما
نصّ على ذلك جماعة ، كالحافظ السيوطي في
اللآلي المصنوعة (2) .

وقد نقل السيوطي تحسين الحافظ صلاح
الدين العلائي كذلك .

وممّن
أثبته في كتابه من الحفّاظ وكبار العلماء :

أبو نعيم الأصبهاني .

ابن مردويه الأصبهاني .

الخطيب التبريزي ، صاحب
مشكاة
المصابيح .

ابن حجر
العسقلاني .

أبو محمّد الحسين
بن الفرّاء البغوي .

المناوي ،
صاحب
شرح الجامع الصغير .

الزرقاني ، صاحب
شرح الموطأ .

القسطلاني ، صاحب
شرح البخاري .
____________
(1) ذخائر العقبى في مناقب ذوي
القربى : 77 .
(2) اللآلي
المصنوعة 1|332 .
( 72 )

ن حجر
المكّي ، صاحب
الصواعق .

المتّقي الهندي ، صاحب
كنز العمّال .

أقـول :

قد عرفنا حال عشرة أحاديث من
الأربعين حديثاً التي أوردها السـيّد لتأييد النصوص في إمامة أمير المؤمنين ، من
الصحّة في السـند والمتانة في الدلالة ، وعرفنا كيف يحاولون ردّ أحاديث مناقب أمير
المؤمنين ودلائل إمامته بالزور والكذب .

وعلى حال هذه فقِس البقية . . على أنّ
قسماً منها قد تقدّم البحث عنه في المراجعات السابقة . .

فالأوْلى صرف الوقت في تشييد سائر
المراجعات . .
*
*
*
( 73 )
المراجـعة (50)
قال السـيّد ـ رحمه الله ـ :

في وجه الاستدلال بخصائص أمير
المؤمنين على إمامته :

« إنّ من
كان مثلكم ـ ثاقب الروية ، بعيد المرمى ، خبيراً بموارد الكلام ومصادره ، بصيراً
بمراميه ومغازيه ، مستبصراً برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وحكمته البالغة
ونبوّته الخاتمة ، مقدّراً قدره في أفعاله وأقواله ، وأنه لا ينطق عن الهوى ـ لا
تفوته مقاصد تلك السُـنن ، ولا تخفى عليه لوازمها ، عرفاً وعقلاً . .

وما كان ليخفى عليك ـ وأنت من أثبات
العربية وأسنادها
(1) ـ أنّ تلك السُـنن قد أعطت عليّاً من المنازل
المتعالية ما لا يجوز على الله تعالى وأنبيائه إعطاؤها إلاّ لخلفائهم وأُمنائهم على
الدين وأهله ، فإذا لم تكن دالّة على الخلافة بالمطابقة ، فهي كاشفة عنها ألبتة
ودالّة عليها لا محالة بالدلالة الالتزامية ، واللزوم فيها بيّن بالمعنى الأخصّ ،
وحاشا سـيّد الأنبياء أن يعطي تلك المنازل الرفيعة إلاّ لوصيّه من بعده ، ووليّه في
عهده . .

على أنّ من سبر غور
سائر السُـنن المختصّة بعليّ ، وعجم عودها بروية وإنصاف ، وجدها بأسرها ـ إلاّ قليلاً
منها ـ ترمي إلى إمامته ، وتدلّ عليها إمّا بدلالة المطابقة ، كالنصوص
السابقة
(2) ، وكعهد الغدير ، وإمّا بدلالة
____________
(1) أثبات : بفتح الهمزة جمع « ثَبَت » بفتحتين ، وأسناد : جمع
« سَنَد » بفتحتين أيضاً ، والثبت والسند هو الحجّة .
(2) المذكورة في المراجعة 20
والمراجعة 26 والمراجعة 36 والمراجعة 40 .
( 74 )الالتزام ،
كالسُـنن التي أسلفناها في المراجعة 48 . .

وكقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ
الحوض
(1) . .

وقوله
صلّى الله عليه وآله وسلّم : عليّ منّي بمنزلة رأسي من
بدني
(2) . .

وقوله
صلّى الله عليه وآله وسلّم في حديث عبد الرحمن بن عوف
(3) : والذي نفسي
بيده لتقيمنّ الصلاة ، ولتؤتنّ الزكاة ، أو لأبعثنّ إليكم رجلاً منّي أو كنفسي . .
الحديث ، وآخره : فأخذ بيد عليّ ، فقال : هو هذا . .

إلى ما لا يحصى من أمثال هذه السُـنن ،
وهذه فائدة جليلة ألفت إليها كلّ غوّاص عن الحقائق ، كشّاف عن الغوامض ، موغل في
البحث بنفسه لنفسه ، لا يتبع إلاّ ما يفهمه من لوازم تلك السُـنن المقدّسة ، بقطع
النظر عن العاطفة » .
*
*
*
____________
(1) أخرجه
الحاكم في ص 124 ج 3 من المستدرك ، والذهبي في تلك الصفحة من تلخيصه مصرّحين بصحّته ،
وهو من الأحاديث المستفيضة . .
ومن ذا يجهل كون عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ بعد صحاح الثقلين ـ الكتاب
والعـترة ـ فقف على ما أوردناه منها في المراجـعة 8 ، واعرف حقّ إمام العترة
وسـيّدها لا يدافع ولا ينازع .
(2) أخرجـه الخـطيب من حـديث البـراء ، والديلمي من حديث ابن عبّـاس ، ونقله ابن حجر
في ص 75 من صواعقه ، فراجع الحديث 35 من الأربعين حديثاً التي أوردها في الفصل 2 من
الباب 9 من صواعقه .
(3) وهو
الحديث 6133 ص 405 ج 6 من كنز العمّال ، وحسبك حجّة على أنّ عليّاً كنفس رسول الله
آية المباهلة على ما فصّله الرازي في معناها من تفسيره الكبير (مفاتيح الغيب) ص 488
ج 2 ، ولا يفوتنّك ما ذكرناه في مباحث الآية من كلمتنا الغرّاء .
( 75 )
المراجـعة (52)
وقال ـ في ردّ دعوى المعارضة
ـ :

« نحن نؤمن بفضائل أهل
السوابق من المهاجرين والأنصار كافّة رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وفضائلهم لا تحصى
ولا تستقصى ، وحسبهم ما جاء في ذلك من آيات الكتاب وصحاح السُـنّة ، وقد تدبّرناه إذ
تتبّعناه فما وجدناه ـ كما يعلم الله عزّ وجلّ ـ معارضاً لنصوص عليّ ، ولا صالحاً
لمعارضة شيء من سائر خصائصه .

نعم ، ينفرد خصومنا برواية أحاديث في الفضائل لم تثبت عندنا ، فمعارضتهم إيّانا بها
مصادرة لا تُنتظر من غير مكابر متحكّم ، إذْ لا يسعنا اعتبارها بوجه من الوجوه ، مهما
كانت معتبرة عند الخصم .

ألا
ترى أنّا لا نعارض خصومنا بما انفردنا بروايته ، ولا نحتجّ عليهم إلاّ بما جاء من
طريقهم ، كحديث الغدير ونحوه ؟ !

على أنّا تتبّعنا ما انفرد به القوم من أحاديث الفضائل ، فما وجدنا فيه شيئاً من
المعارضة ، ولا فيه أي دلالة على الخلافة ، ولذلك لم يستند إليه ـ في خلافة الخلفاء
الثلاثة ـ أحد ، والسلام » .
أقـول :

قد قررّنا سابقاً أُموراً للبحث ، نشير
إليها تشييداً لكلام السـيّد وتأييداً لِما تقدّم منّا وسيأتي من البحوث :

1 ـ إنّه إذا كان الحديث متّفقاً عليه
بين الفريقين فإنّ الاعتماد عليه
( 76 )أحزم ،
والاستدلال به أتمّ ، لا سيّما إذا كان معتبراً سنداً على أُصول الخصم باعتراف بعض
علماء طائفته .

2 ـ إنّ
الاعتبار السندي لأيّ حديث ليس بمعنى أن يكون رواته موثّقين عند جميع أئمّة الجرح
والتعديل ، بحيث لو وقع في السند رجل مختلف فيه فلا يكون صحيحاً ، وذلك لأنّ الرجال
المتّفق على وثاقتهم عند القوم قليلون جـدّاً ، فإنّ فيهم من يقدح في البخاري وفي
مسلم ، والقدح فـي سائر أرباب الصحاح موجود في غير واحدٍ من كتبهم . . بل يكفي
للاحتجاج بالخبر عدم كون رواته مقدوحين عند الكلّ أو الأكثر .

3 ـ إنّ كلّ حديثٍ ينفرد أحد الطرفين
بروايته ، فإنّه لا يكون حجّةً على الطرف الآخر ولا يجوز الاحتجاج به عليه ، وهذه
قاعدة مقرّرة عند علماء الفريقـين ، وأصحابنا ملتزمون بها في بحـوثهم ، بخلاف الخصوم ،
فما أكثر استدلالهم بما ينفردون بروايته في فضل أئمّتهم ، وهذا مخالف
للقاعدة . .

وممّن نصّ على هذه
القاعدة الحافظ ابن حزم الأندلسي ، فإنّه قال في كتابه
الفصل في بداية مباحث
الإمامة ، في الاحتجاج على الإمامية :

« لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا
فهم لا يصدّقونها ، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم فنحن لا نصدّقها ، وإنّما يجب
أن يحتجّ الخصوم بعضهم على بعض بما يصدّقه الذي تقام عليه الحجّة به ، سواء صدّقه
المحتجّ أو لم يصدّقه؛ لأنّ من صدّق بشيء لزمه القول به أو بما يوجب العلم
الضروري ، فيصير حينئذٍ مكابراً منقطعاً إن ثبت على ما كان
عليه . . . »
(1) .
____________
(1) الفصل في الملل والنحل
4|159 .
( 77 )

4 ـ إنّ
استدلال أصحابنا بآيات الكتاب ـ مع النظر إلى شأن نزولها بحسب روايات أهل السُـنّة
ـ وبالأحاديث الواردة في كتب القوم على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، إنّما هو
لكون تلك الأدلّة نصوصاً ثابتة ، إمّا على إمامته بعد رسول الله بلا فصل ، وإمّا على
أفضليّته من غيره بعد النبيّ . .

فأمّا النصّ على الإمامة فلا يجوز
ردّه؛ لأنّ ردّ النصّ الثابت عن رسول الله تكذيب له ، وهو كفر بإجماع
المسلمين .

وأمّا النصّ على
الأفضلية فيدلّ على الإمامة؛ لحكم العقل بقبح تقدّم المفضول ، والأحاديث الواردة
في صفات عليّ عليه السلام وحالاته المستلزمة للأفضلية من غيره ، وبالأسانيد
المعتبرة ، كثيرة جدّاً . .

ثمّ
إنّ الحكم العقلي المذكور ممّا يعترف به حتّى شيخ النواصب المكابرين ابن تيمية
الحرّاني في
منهاجه .

5 ـ
وأصحابنا دائماً مستعدّون لاستماع أيّة مناقشةٍ علمية مبنية على أُصول البحث وآداب
المناظرة . .

وكذلك كان أُسلوب
السـيّد مع الشيخ سليم البشري ـ شيخ الجامع الأزهر ـ .

وإذا كان الحاكم النيسابوري من أئمّة
الحديث عند القوم ، وكان قد روى بسند صحيح في
المستدرك عن أحمد بن حنبل ، قوله : « ما
جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الفضائل ما جاء لعليّ
ابن أبي طالب رضي الله عنه »
(1) . .

وإذا كان الذهبي أيضاً من أئمّة
الحديث ـ وقد تعقّب روايات الحاكم
____________
(1) المستدرك على الصحيحين 3|107 .
( 78 )فـي
تلخـيص
المسـتدرك ـ قد وافق الحاكم في نقل هذا الكلام عن أحـمد . .

فقد جاز لنا أنْ نحتجّ على كلّ من
يحترم أحمد بن حنبل ويتّبعه بكلامه المروي عنه في حقّ أمير المؤمنين عليه
السلام .

فما ظنّك بابن تيمية
المكذّب لهذا النقل بلا أي دليل ؟ !

بل المنقول عن أحمد بن حنبل فوق هذا
النصّ الذي رواه الحاكم ووافقه الذهبي؛ فقد روى الحافظ ابن الجوزي ـ وهو ممّن يعتمد
على كلماته وآرائه المكابرون ـ في كتابه في
مناقب أحمد أنّه قال : « ما ورد لأحدٍ من
الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح ما ورد لعليّ رضي الله
عنه »
(1) . . فهنا جملة : « الفضائل بالأسانيد الصحاح » !

وروى الحافظ ابن عبـد البرّ عن أحمد
والنسائي أنّهما قالا : « بالأسانيد الحِسان »
(2) .

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني بترجمة
الإمام عليه السلام : « ومناقبه كثيرة ، حتّى قال الإمام أحمد : لم ينقل لأحدٍ من
الصحابة ما نقل لعليّ ، وكذا قال غيره . .

وتتّبع النسائي ما خصّ به من دون
الصحابة ، فجمع من ذلك شيئاً كثيراً بأسانيد أكثرها جياد »
(3) .

وقال في
فتح الباري في شرح صحيح
البخاري ، بشرح عنوان : باب مناقب عليّ بن أبي طالب :
____________
(1) مناقب أحمد بن حنبل : 163 .
(2) الاستيعاب 3|1115 .
(3) الإصابة في معرفة الصحابة 2|507
ـ 508 .
( 79 )

« قال أحـمد
وإسماعيل القاضـي والنسائي وأبو علي النيسابوري : لم يرد في حـقّ أحـدٍ من الصحابة
بالأسانيد الجياد أكثر ممّا جاء في عليّ »
(1) .

وقال ابن حجر المكّي : « قال أحمد : ما
جاء لأحدٍ من الفضائل ما جاء لعليّ ، وقال إسماعيل القاضي والنسائى وأبو علي
النيسابوري : لم يرد في حقّ أحدٍ من الصحابة بالأسانيد الصحاح الحسان أكثر ماورد في
حقّ عليّ »
(2) .

فليقرأ المنصف هذه الكلمات
والاعترافات . .

ولينظر كيف
يحتجّ الإمامية بها على الخصم ؟ ! وكيف تُقابَل احتجاجاتهم بأنواع الزور والبهتان
والظلم ؟ ! !
____________
(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7/57 .
(2) المنح المكية في شرح القصيدة الهمزية : 301 .