يتخوّف بعضهم أن تؤثّر التقنيات
الحديثة ـ كالأقراص المدمجة ، وشبكات النت ـ على تداول الكتاب الإسلامي وأن تقلّل
من أهمّيته وقيمته . لكنّه تخوّف واهم ، لأنّ هذه التقنيات وسائل عرض جديدة لنسخ
الكتاب الإسلامي إلى جانب نسخه المطبوعة والمخطوطة ، والكتاب على القرص المدمج أو
في الشبكة ، ما هو إلاّ نسخة أُخرى من الكتاب ، تؤكّد قيمته وأهمّيته ، وتعزّز
مكانته . .
ويتخوّف بعضهم على
الكتاب الإسلامي من الحالة العامّة للإعلام العالمي ، التي تؤثّر على القراءة ،
وتشدّ الناس إلى المسموعات والمرئيات ، مضافاً إلى مشاغل الحياة المتعدّدة والمواد
السيئة التي تشدّ الجيل إليها ، وتقضم وقته وتشغله عن المطالعة .
وهذا التخوّف صحيح إلى حدّ ، لكنّه لا
يتّصل بمكانة الكتاب الإسلامي مباشرة ، فهو تخوّف على التديّن بشكل عام من نمط
الحياة الذي تفرضه وسائل المدنية المعاصرة ، فتبعد المسلم عن مصادر دينه ، وتستغرق
وقته في ضرورات حياته ، أو تجعله يصرف وقته في غير الضروري .
لكن لا يصحّ أن نبالغ في التخوّف من موجة الثقافة المادية التي تبعد الناس عن الدين ، فطالما شهدت
شعوب أُمّتنا الإسلامية موجات مضادّة للدين واجتازتها ، وهي الآن تجتاز موجة
المادية بسرعة ، بدليل أن نسبة المتديّنين في حالة ازدياد وليست في تناقص !
على أنّ هذا لا يؤثر على مكانة التراث
الإسلامي والكتاب ، فلا ننس أنّ الأحداث الأخيرة قد زادت من إقبال المسلمين ،
وضاعفت من إقبال غيرهم على الكتاب الإسلامي؛ وهذا دليل على أنّ مكانة التراث
تتعزّز مع الزمن رغم العوامل المضادّة .
والسبب في ذلك أنّ هذا التراث المقدّس
يتميّز بعناصر قوّة فريدة !
1 ـ التراث الإسلامي خالد
إلى يوم القيامة :
التراث بمعناه الإسلامي يعني مصادر الإسلام ، من القرآن الكريم ، وأحاديث النبيّ
صلى الله عليه وآله وسلم ، والأئمّة من أهل بيته عليهم السلام ، ومؤلّفات العلماء
التي تتعلّق بذلك . . وتسميتنا لها جميعاً بالتراث باعتبارها مصادر ورثناها من
أجيالنا السابقة . والقرآن الكريم هو الكتاب المصدّق للكتب السماوية والمهيمن عليها ،
ونبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الأنبياء المصدّق لهم والمكمّل لبنائهم
عليهم السلام ، ورسالته هي الصيغة الإلهية الخاتمة لرسالات الله تعالى إلى الشعوب ،
إلى يوم القيامة .
والدين الذي
يمتاز بهذه الميزات الحيوية ، يبقى تراثه حيّاً مطلوباً ، معاشاً من قبل المسلمين ،
مقصوداً من قبل غيرهم للاطّلاع والمعرفة ، وهذا يعزّز مكانة تراثه
دائماً .
2 ـ تأكيد
القرآن والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أهمّية الكتابة والقراءة :
إنّ الكتاب والكتابة أصل من
أُصول الدين الإلهي؛ إذ قام الدين الإلهي على إرسال الأنبياء والرسل عليهم
السلام وتنزيل الصحف والكتب الإلهية .
إنّ أطول آية
في القرآن آية الدَيْن ، التي أمر الله فيها عموم المسلمين بكتابة الديون حتّى
اليومية منها ، فقال تعالى : ( يا أيّها الّذينَ آمنوا إذا
تَدايَنْتُمْ بدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمّىً فاكْتُبوهُ ولْيَكتُبْ بينَكمْ كاتبٌ بالعدلِ
ولايأبَ كاتبٌ أنْ يكْتُبَ كما علّمهُ اللهُ فلْيَكتُبْ ولْيُمْلِلِ الّذي عليهِ
الحقُّ ولْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ منهُ شيئاً فإنْ كانَ الّذي عليهِ
الحقُّ سَفيهاً أو ضَعيفاً أو لا يَستطيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ
بالعدلِ ) (1) . . الآية .
وقد صحّ عندنا أنّ النبيّ صلى الله
عليه وآله وسلم كان يأمر بكتابة أحاديثه ، بل تدلّ عليه مصادر غيرنا أيضاً ، ففي صحيح
البخاري 1|36 : « عن أبي هريرة : ما من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم أحد
أكثر حديثاً عنه منّي ، إلاّ ما كان من عبـد الله بن عمرو ، فإنّه كان يكتب ولا
أكتب » ، وفيه أيضاً : « فجاء رجل من أهل اليمن فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال :
اكتبوا لأبي فلان » .
وفي مسند
أحمد 2|171 : « أخرج لنا عبـد الله بن عمرو قرطاساً وقال : كان رسول الله يعلّمنا ،
يقول : اللّهمّ فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت ربّ كلّ شيء وإله
كلّ شيء ، أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لاشريك لك ، وأنّ محمّـداً عبدك ورسولك ،
والملائكة يشهدون . . . » .
وروى
الطبرسي في الاحتجاج 1|42 : « ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يامعشر
المسلمين واليهود ! اكتبوا بما سمعتم . فقالوا : يا رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا
ننسى . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الكتابة أذكر لكم » .
بل تدلّ الأحاديث والنصوص على أنّ
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أوّل من أسّس الإحصاء ودوّن الدواوين ، وليس غيره
كما زعموا ، قال البخاري : 4|33 : « عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة رضي الله عنه ،
قال : قال النبيّ صلّى الله
وأنّهم كتبوا عنه
القرآن والسُـنّة ، وكانوا يدركون أهمّية ذلك ، خلافاً لِما يقوله غير الشيعة؛ فعن
ابن عبّـاس ـ كما في سنن البيهقي 6|16 ـ قال : « كانت المصاحف لا تباع ، كان الرجل
يأتي بورقه عند النبيّ صلّى الله عليه [وآلهج وسلّم فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ، ثمّ
يقوم آخر فيكتب ، حتّى يفرغ من المصحف » .
وعن الإمام الصادق عليه السلام ـ كما
في الكافي 5|121 ـ : « عن روح بن عبـدالرحيم ، قال سألته عن شراء المصاحف وبيعها ، فقال
: إنّما كان يوضع الورق عند المنبر وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمرّ الشاة
أو رجل منحرف ، قال : فكان الرجل يأتي ويكتب من ذلك . . . » . انتهى .
كما كان النبيّ صلى الله عليه وآله
وسلم يهتم بتدوين الأحكام وإرسالها إلى الأمصار؛ فقد روى البيهقي في سُـننه
1|309 : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه
الفرائض والسُـنن والديات ، وبعث به مع عمرو ابن حزم » . انتهى .
كما أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان
حريصاً على أن يملي على عليّ عليه السلام كلّ ما يحتاج إليه الأئمّة الاثنا عشر من
بعده عليهم السلام ؛ ففي بصائر الدرجات : 187 : « عن الإمام الباقر عليه السلام ،
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام : اكتب ما
أُملي عليك . قال عليّ عليه السلام : يا نبيّ الله ! وتخاف عليَّ النسيان ؟ ! قال : لست
أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله لك أن يُحفظك فلا يُنسيك ، لكن اكتب لشركائك . قال :
قلت : ومن شركائي يا نبي الله ؟ قال : الأئمّة من ولدك ، بهم تسقى أُمّتي الغيث ، وبهم
يستجاب دعاؤهم ، وبهم يصرف البلاء عنهم ، وبهم تنزل الرحمة من السماء ، وهذا أوّلهم ،
وأومأ بيده إلى الحسن ، ثمّ هذا ، وأومأ
4 ـ أئمّة أهل البيت عليهم السلام
ورثوا تراث الأنبياء عليهم السلام :
في الكافي 1|225 : « إنّ
الإمام الصادق عليه السلام سئل عن قول الله عزّ وجلّ : ( ولَقَدْ كَتَبْنا في
الزَبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِكْرِ ) : ما الزبور وما الذكر ؟
فقال عليه السلام : الذكر عند الله ،
والزبور الذي أنزل على داود ، وكلّ كتاب نزل فهو عند أهل العلم ، ونحن هم » .
وفي بصائر الدرجات : 182 : « عن الإمام
الصادق عليه السلام قال : إنّ الكتب كانت عند عليّ عليه السلام فلمّا سار إلى العراق
استودع الكتب أُمّ سلمة ، فلمّا مضى عليّ كانت عند الحسن ، فلمّا مضى الحسن كانت عند
الحسين ، فلمّا مضى الحسين كانت عند عليّ بن الحسين ، ثمّ كانت عند أبي عليهم السلام
» .
وفي بصائر الدرجات : 338 :
« عن علي السائي ، قال : سألت الصادق عليه السلام عن مبلغ علمهم ، فقال : مبلغ علمنا
ثلاثة وجوه : ماض وغابر وحادث ، فأمّا الماضي فمفسّر ، وأمّا الغابر فمزبور ، وأمّا
الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع ، وهو أفضل علمنا ، ولا نبيّ بعد نبيّنا صلى
الله عليه وآله وسلم » .
5 ـ الأئّمة عليهم السلام واصلوا
خطّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في العناية بالتراث :
وقف عليّ عليه السلام ضدّ
سياسة منع الحديث ومنع تدوينه وتدوين القرآن ، التي تبنّتها السلطة بعد النبيّ صلى
الله عليه وآله وسلم فكان عليه السلام يأمر من يطيعه بالتحديث والتدوين ويروي لهم
أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك . وقد روى في كنز العمّال 10|262 : « عن
عليّ ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم : اكتبوا هذا العلم فإنّكم
تنتفعون به ، إمّا في دنياكم وإمّا في آخرتكم ، وإنّ العلم لايضيع صاحبه ـ
الديلمي » .
وروى في الكافي
1|52 : « عن أبي بصير ، عن الإمام الصادق عليه السلام ،
وروى عن عبيد بن زرارة ، عن الإمام
الصادق عليه السلام قال : احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها » .
6 ـ علماء المذهب
واصلوا خطّ الأئمّة عليهم السلام في العناية بالتراث :
وضع محدّث الإسلام الكليني
قدس سره في الكافي 1|52 عنواناً باسم : « باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة
والتمسّك بالكتب » ، وممّا رواه فيه أنّ أبا بصير سأل الإمام الصادق عليه السلام عن
قول الله جلّ ثناؤه : ( الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ
أُولُو الألْبَابِ ) (1) ؟ فقال : هو الرجل يسمع الحديث فيحدّث به
كما سمعه ، لايزيد فيه ولا ينقص منه » .
وروى سؤال محمّـد بن الحسن للإمام
الجواد عليه السلام ، قال له : جعلت فداك ، إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبـد
الله عليهما السلام وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم ترو عنهم ، فلمّا ماتوا
صارت الكتب إلينا ، فقال : حدّثوا بها فإنّها حقّ » .
وقال الصدوق قدس سره في كمال الدين :
19 : « وذلك أنّ الأئمّة عليهم السلام قد أخبروا بغيبته عليه السلام ووصفوا كونها
لشيعتهم في ما نقل عنهم واستحفظ في الصـحف ، ودوّن في الكتب المؤلّفة من قبل أن تقع
الغيبة بمائتي سنة . .
أمام هذا
الواقع العريق ، وهذه الثروة العظيمة من التراث ، كان لا بُدّ من النهوض بخدمة تراثنا
وتقديمه إلى العالم في أحسن حُلّة مادية ومعنوية ، ولهذا الهدف الكبير كان العديد من
المؤسّسات والمراكز العلمية
والثقافية . هيئـة التحـرير
____________