بعدقبل


من ذخائر التراث



مقـتل

الإمام الحسين عليه السلام

من كتــاب تأريخ الخلفاء

القرن (الثالث ـ الخامس) الهجريّ


تحقيق
الشيخ رسول جعفريان



( 203 )

مقدّمـة التحـقيق :

بسـم الله الرحمن الرحـيم

النصّ الذي سوف تقرؤه.. قسم من كتاب تاريخ الخلفاء لمؤّلف مجهول ، من أعلام القرن الثالث (إلى الخامس) الهجري ، وقد نشره ـ بشكل فاكسيميل ـ المستشرق الروسي بطرس غريازنيويج في سنة 1960م..
والذي يبدو من ظاهر الكتاب أنّ المصنّف اجتهد وسعى أن يعرض تاريخ الإسلام والمسلمين بشكل عامّ وبأُسلوب متين ، وفق المنهج الرائج والمتّبع في القرنين الثالث والرابع الهجري ، الذي يمكن ملاحظته في كتب عديدة مثل : الأخبار الطوال ، تاريخ اليعقوبي ، الإمامة والسياسة... وغيرها.
ويتبيّن من النظرة الفاحصة إلى النصّ أنّه نصّ قديم كتبه مؤرّخ عراقي ؛ إذ المؤرّخين العراقيّين في ذلك العهد كانوا يميلون إلى بني العبّـاس ـ غالباً ـ ضدّ بني أُمية ، وهو ما كان يدفعهم إلى تدوين تاريخ كربلاء ـ عند ذكرهم لأحداثها ـ بتفصيل أكثر..
والكتاب الذي بأيدينا هو كذلك ؛ فقسماً كبيراً منه ـ قياساً إلى حجمه الكلّي ـ قد خصّص لأحداث كربلاء ، لكنّ هذا لا يعني أنّ مصنّفه شيعي


( 204 )

إمامي المذهب.
وعلى كلّ حال فالكتاب لم يُنشـر مصحّحاً في ما سبق ـ حسب علمـنا ـ ونحن نضع بين يدي القرّاء الكرام القسم الخاصّ بأحداث كربلاء وواقعة الطفّ الخالدة منه ، موردين هنا خلاصة لما جاء في مقدّمة طبعته ـ باللغة الروسـية ـ المشار إليها آنفاً :
(إنّه : في سـنة 1915 ، اشترى و. آ. إيوانف ، العالم الروسي المتخصّص في التاريخ الإيراني ، نسخة كتاب الخلفاء لحساب Museum Asiatic ، وهي في الأصل وقف للمكتبـة المعروفـة بـ :« كتابخانه » ، وهي إحدى المكتبات المشهورة في آسيا الوسطى ، أسّسها خواجه محمّـد پارسا (822 هـ) في القرن التاسع الهجري.
ونسخته بدون جلد ولا تاريخ وقد لحقت بها أضرار ، ويظهر أنّه فُقد منها صفحات.. ويظهر من شهادة خبراء الخطوط أنّها كتبت في أوائل نصف القرن الثالث عشـر الميلادي.
قرأ هذه النسخة V.I.Belyaev لأوّل مرّة في سنة 1932.
أمّا العالم المؤرّخ A.M.Belenitskii فقد أعدّ لها فهرساً ، ونشره Yakubovskii في سنة 1950.
وفي سنة 1960 نشر الكتاب بشكل فاكسيميل مع ترجمته وتعليقات عليه ، كما نشر CI.Cahen مقالة عن العبّاسيّين بالاستفادة من هذا الكتاب.
يتضمن الكتاب تاريخ الخلفاء من العقد الثالث للقرن السابع الميلادي إلى سنة 750 ميلادية.
وهو في أصله قسمان ، القسم الأوّل ـ كما نظنّ ـ 235 صفحة ، يشمل مقدّمة المؤلّف وسيرة النبيّ محمّـد صلى الله عليه وآله وتاريخ خلافة أبي بكر وعمر


( 205 )

وعثمان وعلي والحسن ، وخلافة بني أُمّـية وبني مروان.
والقسم الثاني : « أخبار الدولة الهاشمية (المباركة) العبّاسـية » ويشمل تاريخ الدولة العبّاسـية من ابتدائها إلى زمان المؤلّف.
والنسـخة التي بأيدينا فيها من أواسط خلافة عمر بن الخطّاب إلى أوّل بيعة الخليفة العبّـاسي الأوّل أبي العبّـاس السفّاح في 13 ربيع الآخر سنة 132 هجرية.
وطريقة البحث في هذا الكتاب أنّ المؤلّف يذكر اسم الخليفة بشكل كامل نسبياً ، ومكان وزمان ولادته ، وزمان تسلّمه الخلافة وعمره يومذاك ، ويذكر قصصاً مختلفة عن حياة الخليفة وعقيدته ، وبياناً عن عاداته وسلوكه ، وهي قصص توضّح خصائص الخليفة بصفته مسلماً وحاكماً..
كما يذكر المؤلّف قصصاً لأهم المسائل والحوادث التي وقعت في زمن خلافته ، والحوادث التي وقعت لأهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله في خلافته ، ثمّ يسرد آخر أيّام حكمه وما فيها من حوادث ، ثمّ مرضه ، ومحل وفاته وزمانه بشكل دقيق ، وعمره يوم موته..
كما يذكر قصصاً عن كبار القادة والأُمراء عند وفاة الخليفة ، ويعدّد زوجاته وأولاده ، ويورد قصائد أو أبيات شعرية قيلت فيه.
لا يمكن تعيين الاسم الأصلي للكتاب ، والقرائن الوحيدة التي تشير إلى مؤلّفه يمكن الحدس منها أنّه تمّ تأليفه في حدود سنة 1017 و 1018 ميلادية (407 و408 هجرية).
وهذه القرائن وبعض الجزئيات الأُخرى المرتبطة بالمؤلّف تدلّ دلالة ظنّية على أنّه كان يعيش في الكوفة ، وكان على صلة قريبة بأتباع بني العبّـاس ، ويبدو أنّه فرع من أُسـرة أصفهانية تدعى أُسـرة الوثاب (وأبوهم


( 206 )

القاريء المشهور يحيى بن وثاب) وهو مولى عبـد الله بن عبّـاس جدّ العبّاسـيّين.
وقد ألّف كتابه إجابة لطلب شخص مرموق ـ لعلّه كان ذا منصب ـ منهم.. وقد رأى أنّ واجبه في تأليفه بصفته مؤرّخاً أن يجعله تاريخاً يتضمّن دروساً أخلاقية تربوية ، وسعى أن يكون أثراً روائياً موثّقاً وكتاباً جامعاً كاملاً في تاريخ الخلفاء.
ومن وجهة نظر مؤرّخ ، فهو دورة للتاريخ العربي ؛ بسبب طريقته في عرض المواد ، وأُسلوبه الأدبي الخاصّ الذي يحكم مؤلّفه ويمثّل حيوية فكره ونظرته الخاصّـة للأشخاص والحوادث..
وأخيراً لا بُدّ أن نذكّر بميل المؤلّف إلى مذهب السُنّيـين واتّجاهم السياسـية ، الأمر الذي يتّفق مع خطّ العائلة العبّاسـية ؛ ولذا تجد فيه مواقفه المضادّة للتشـيّع لعلي وأهل بيته بشكل صـريح). انتهت مقدّمة الكتاب.
وقد قام الدكتور عبـد العزيز الدوري بنشر كتاب باسم : أخبار الدولة العبّاسـية ، في بيروت ـ دار الطليعة| 1971 م ، لمؤلّف مجهول ، قيل أنّه من القرن الثالث ، وقد لخّصـه آخر في أوائل القرن الخامـس..
وقد رأى الدوري أنّه يوجد تشابه وثيق بين القسم الثاني من هذا الكتاب (من صفحة 235 ـ 294) ، وبين كتاب أخبار الدولة العبّاسـية.
ونضيف إليه أنّ مؤلّف كتاب أخبار الدولة العبّاسـية من معاصري علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي ، المتوفّى حدود سنة 285 هـ ؛ لأنّه روى عنه مباشرة بدون واسطة.. ففي ص 32 ، من طبعة الدكتور الدوري قال :
أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي ، عن أبيه ، عن الزبيري ، بإسناد له يرفعه ، قال : بينا عمر جالس في جماعة من أصحابه ، فتذاكروا


( 207 )

الشعر ، فقال : من أشعر الناس ؟ فاختلفوا ، فدخل عبـد الله بن عبّـاس ، فقال عمـر : قـد جاءكـم ابـن بجدتـها ، وأعلـم الناس. مَـن أشـعر الناس يا ابن عبّـاس ؟
قال : زهير بن أبي سلمى المزني... إلى آخره.
أمّا الذي اخترناه من كتاب تاريخ الخلفاء هذا فهو ـ كما قلنا سابقاً ـ القسم الذي أرّخ فيه لمقتل الإمام الحسين عليه السلام ، فقد جاء هذا القسم بتفصيل أكثر من بقية الحوادث التي أرّخ لها الكتاب ؛ وسـببه كما نصّ المؤلّف في آخره أهمّية هذه الحادثـة.
وقـد اعتمد هذا المؤرّخ السُنّي اعتماداً كليّاً على رواية أبي مخنّف لوط بن يحيى ـ المتوفّى سنة 158 هـ ـ للمقتل ، وربّما أضاف مواضيع جزئية ، أو استعمل عبارات أُخرى.

النسخة المعتمدة :
وهي المخطوطة الوحيدة للكتاب ، ومحفوظة في المتحف الآسيوي في روسـيا ، مطبوعة بشكل فاكسيميل ، ولم تعرف نسخة أُخرى له لحدّ الآن.
والنسخة ناقصة الأول والآخر ، إذ تبدأ من أواسط خلافة عمر ، وتنتهي ببداية الخلافة العبّاسية.
تشتمل على 299 ورقة أبعادها 12 × 20 ، وكلّ صفحة تحتوي على 18 سطراً ، وخطّها يعود إلى القرن الخامس الهجري.

الشيخ رسـول جعفريان




( 208 )

صورة الصفحة الأُولى من القسم المنشور من المخطوطة



( 209 )

صورة الصفحة الأخيرة من القسم المنشور من المخطوطة



( 210 )

خلافة يزيد بن معاوية :
هو أبو خالد يزيد بن معاوية بن حرب بن صَخْر بن أُميّة بن عبـد شمس بن عبـد مناف. ومعاوية هو أوّل من استخلف ابنه ؛ وأوّل مَن جعل وليّ العهد في صحّته ؛ وكان السّبب في ذلك أنّه عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة ، فاحتال المغيرة وأشار عليه بالبيعة ليزيد ، وذكر له : إنّه كان دعا أهل الكوفة إلى بيعته فأجابوه ، فأعجبه قوله وولاّه الكوفة ثانياً ، وأمره بأن يَروض أهلها على ما قاله وأشار به ، وأن يُعلمه خبرهم ، ففعل وكتب إليهم برضاهم(1) ! ثمّ مات الحسن بن علي سنة تسع وأربعين كما ذكرناه(2).
ويقال : إنّ معاوية سمّ سعد بن أبي وقّاص(3) لأنّه كان يعلم أنّ بيعة يزيد أمر لا يتمّ مع حياته..
وكان يقول : لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي(4).
____________
(1) راجع : تاريخ الطبري 5|302 ، الإمامة والسياسة 1|187.
(2) قال المؤلّف في ص 53|ب من الكتاب نفسه : ويقال بعد انصرافه [ الحسن عليه السلام ] إلى المدينة ، دسّ معاوية على امرأته جَعْدة بنت الأشعث بن قيس وسألها أن تسقيه السـمّ ليزوّجها معاوية من يزيد ؛ فسمّته ، وهذا خبر مشهور.
(3) روى أبو الفرج الأصفهاني عن أبي بكر بن حفص ، قال : تُوُفّي الحسن بن عليّ ، وسـعد بن أبى وقّاص بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين ، وكانوا يرون أنّه سقاهما. مقاتل الطالبيين : 81 ، وراجع ص 80.
وقال في موضع آخر : ودسّ معاوية إليه [ الحسن عليه السلام ] ـ حين أراد أن يعهد إلى يزيد بعده ـ وإلى سعد بن أبي وقّاص سُمّاً ، فماتا منه في أيام مقاربة. مقاتل الطالبيين : 60.
(4) وقال المؤلّف في ص 69|أ ـ في قصّة معاوية لمّا كان في المدينة ويريد أخذ

=


( 211 )

وكان يقول ليزيد : ما ألقى الله بشيء هو أعظم في نفسي من استخلافي إيّاك.
ويروى عن بشير بن شكل(1) ، أنّه قال : رأيْتُ معاوية في المنام ، فقلت له : ألسْتَ معاوية ؟ ! فقال : أنا حيارى ، تركْتُ أهلي حيارى ، لامسلمين ولا نصارى.
وقام يزيد بالأمر في رجب سنة سـتّين ، وكان ابن خمس وثلاثين سنة ؛ وأُمّه ميسون بنت مالك بن بحدل الحارثي(2) ؛ ولذلك يقول زُفَر بن الحارث الكلابي :

أفي الله أمّا بحْدلٌ وابن بحدَل * فيحيا وأمّا ابن الزُّبَير فيُقْتلُ
كذَبْتم وبَيــتِ الله لا تقتلونَهُ * ولمّا يَكن يومٌ أغرُّ مُحجّلُ(3)

ويزيد هو الذي أوقع بالحسين بن عليّ رضوان الله عليه ، وهو الذي قتل أهل المدينة وخرّبها يوم الحرّة ، وهو الذي رمى بيت الله بالمجانيق وهدمه وأحرقه(4).
____________
=
البيعة لابنه يزيد ، ثمّ رجع إلى الشام ـ : فلمّا مرض المرضة التي مات فيها يقال إنّه دعا يزيد ، فقال له : لولاك لأبصرت رشدي.
راجع : البداية والنهاية ـ لابن كثير ـ 8|126 ، حياة الإمام الحسين عليه السلام ـ لباقر شريف القرشي ـ 2|197 ، عن المناقب والمثالب ـ لقاضي نعمان ـ : 68.
(1) كذا في الأصل. ولعلّه : شـحل.
(2) ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن حارث الكلبي. تاريخ الطبري 5|499.
(3) تاريخ الطبري 5|543.
(4) قال البلاذري : قالوا : كان يزيد بن معاوية أوّلَ من أظهر شرب الشراب ، والاستهتار بالغناء ، والصـيد ، واتّخاذ القيان والغلمان ، والتفكّه بما يَضحك منه المترفون من القرود ، والمعاقرة بالكلاب والديكة..

=


( 212 )

وقد أشار إليه ابن الجهم في مزدوجته(1) التي يقول فيها :

ثمّ تـــولّى أمرهم يزيــد * لا جــازم الـرأي ولا سديد
وكان هدم الكعبة المصونــة * ووقعــة الحــرّة بالمدينـة
ومقتل الحسين فـي زمانـه * أعـوذ بالرحمن مِــن خذلانه

وذلك أنّ يزيد لمّا دفن أباه في داره المعروفة بالخضراء ، صعد المنبر وأُرتج عليه ، فجلس ، فقام إليه الضحّاك بن قيس وصعد إليه ؛ فقال : ما جاء بك ؟ !
قال : أُكلّم الناس وآخذ عليهم ، فإنّي أعرف بهم.
فقال : اجلس يا بن أمّ ضحّاك ، وقال : أيّها الناس ! إنّ معاوية كان حَبلاً من حبال الله ، مدّه ما شاء ثمّ قطعه ، وهو دون من كان قبله وفوق من يكون بعده ، ولا أزكّيه على الله ، فإن يغفر له فبفضله وإن يعذّبه فبذَنْبه ، وقد ولّيْتُ الأمر من بعده ولست أعتذر من جهلٍ ، وعلى رِسْلكم إن كره الله شيئاً غيّره(2)….
ثمّ إنّ الأربعة الّذين وصّاه بهك معاوية ـ وهم الحُسَين ، وابن الزبير ، وابن عمر ، وابن أبي بكر ـ امتنعوا من بيعته ، وخرج الحُسَين وابن الزبير إلى مكّة من المدينة لمّا أخذهما عامل يزيد بالبيعة له. وأمّا عبـد الرحمن وعبـد الله فلم يتشدّد عليهما العامل بالمدينة فبقِيا بها.
____________
=
ثمّ جرى على يده قَتْلُ الحسين ، وقتْلُ أهل الحَرّة ، ورميُ البيت وإحراقه. أنساب الأشراف ـ ق 4 ـ 1|286.
(1) راجع : ديوان علي بن الجهم ، تحقيق : خليل مردم بك ، دمشق|1949 م ؛ والقصيدة المزدوجة طبعت في مجلّة كلية الآداب لجامعة بغداد ، بتحقيق : بطرس غريازنيويج ، العدد الخامس ، سنة 1962 م ، ص 381 ـ 384.
(2) انظر : البداية والنهاية 8|153.

( 213 )

ولمّا قدِم الحسين مكّة اجتمع إليه الناس ؛ وابن الزبير لزم جانب الكعبة ، فهو قائم يصلّي عامّة النهار ، ثمّ يأتي الحسين فيشير عليه بالخروج على يزيد ، وكان الحسين أثقل خلق الله عليه ؛ لأنّه يعرف إنّ أهل الحجاز لايميلون إليه ما دام يقيم الحسين فيهم ، فهو يريد خروج الحسين من الحجاز(1).
وبلغ أهل العراق امتناع الحسين من البيعة ليزيد وأنّه لحق بمكّة ، فأرجفوا بيزيد وكاتبوا الحسين : إنّا قد اعتزلنا ، فلسْنا نصلّي بصلاتهم ولا إمام لنا ، فلو أقبلْتَ إلينا رجونا أنْ يجمعنا اللهُ بك على الإيمان.
واجْتمع رؤساء الشيعة مثل سليمان بن صُرَد والمُسيّبُ بن نجبة وأشباهُهما وكتبوا للحُسَين بن عليّ : من شيعة (أمير) المؤمنين : أمّا بعد.. فَحَيِّ هلا ، فإنّ الناس ينتظرونك ، لا رأي لهم في غيرك ، فالعجل ، ثمّ العجل. والسلام(2).
ثمّ اجتمعوا ثانية فكتبوا : من شَبَث بن رِبْعي وحجّار بن أبجر ويزيد ابن الحارث بن رُوَيم وعمرو بن الحجّاج ومحمّـد بن عُمَير : أمّا بعد.. فقد اخضرّ الجناب وأينعت الثمار ، فإذا شئت فاقدم على جنودٍ مجنّدة لك ، والسلام(3).
____________
(1) قال أبو مخنف : وهو [ الحسين عليه السلام ] أثقل خلق الله على ابن الزبير ، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبداً ما دام حسين بالبلد ، وأنّ حسيناً أعظم في أعينهم وأنفسهم منه ، وأطوع في الناس منه. تاريخ الطبري 5|351.
(2) هذا كتاب هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبـد الله الحنفي [ من شهداء كربلاء ] ؛ انظر : تاريخ الطبري 5|353. وأمّا كتاب سليمان بن صُرَد وأصحابه ففي ص 352.
(3) تاريخ الطبري ، 5|353

( 214 )

ثمّ لا يزالون يكتبون بذلك حتّى جمع عنده خرجين مملوءين من كتبهم في ذلك ، واجتمعت الرسلُ عند الحسين وقرأ الكتب ، وكتب أجوبتهم.
وأنفذ مسلم بن عقيل بن أبي طالب مع الرسل ، وقال له : اعرف أحوال الناس ، فانظر ما كتبوا به ؛ فإن كان صحيحاً قد اجتمع عليه رؤساءهم وتابعَهم من يوثَق به ، خرجنا إليهم.
فسار مسـلم إلى الكوفة ، والعامل بها حينئذ النعمان بن بشير الأنصاري مـن قِبَل يزيـد ؛ فلمّا حصـل عندهـم دَبّوا إليه(1) ، وبايعه منهم اثني عشر ألف.
فقام عبـد الله بن مُسْلم الحضرمي إلى النعمان بن بشير ، فقال له : أنت ضعيفٌ أو متضعّف ، فسدْتَ البلاد وليس يصلح ما ترى إلاّ الغَشْم(2).
فقال النعمان : لاِن أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحبُّ إليّ من أن أكون قويّاً وأنا في معصية الله ، وما كنتُ لأهتك سِتْراً سَتَرُهُ الله..
فكتب بقول النعمان إلى يزيد ، وقال في الكتاب : فإن كانتْ لك حاجة في الكوفة فابعث إليها رجلاً قويّاً ينفّذ أمرك ويعمل بمثل عملك ؛ فإنّ النعمان ضعيف.
فلمّا قرأ يزيد كتابه شاور كاتبه سَرجون بن منصور ، فقال له : أكنت قابلاً من معاوية لو كان حيّاً ؟ !
قال : نعم.
[ قال :] فاقبل منّي ، إنّه ليس للكوفة إلاّ عبيد الله بن زياد ، فَوَلّه..
____________
(1) تاريخ الطبري 5|347.
(2) الغشم : الظلم.

( 215 )

وكان يزيد ساخطاً عليه قد نوى أن يعزلَه من البصرة ، فكتب إليه برضاه وأنّه ولاّه الكوفة مع البصرة ، وأمره بطلبِ مسلم وقتله(1).
وأقبل عبيد الله في وجوه أهل البصرة حتّى دخل الكوفة متلثّماً ، فلا يمرّ على مجلس من مجالسهم فيسّلم إلاّ قالوا : وعليكَ السلام يا بن بنت رسـول الله ! يظنّونـه الحسـين بن عليّ حتّى نزل القصـر واجماً كئيباً لِما رأى.
ثمّ جمع الناس وخطبهم وأعلمهم نيّة يزيد إلى سامعهم ومطيعهم ، والشدّة على مريبهم وعاصيهم ، ووعد وأوعد(2) ، وختم الخطبة بأن قال : ليتّق امرؤٌ على نفسه ، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد(3).
ثمّ دعا الناس وقال : اكتبوا إليّ العُرَفاء(4) من فيكم من طِلْبة أمير المؤمنين ، وأهل الريب الّذين رأيهم الخلاف ، فمن كتبهم لنا فهو بريءٌ ، ومن لم يكتب لنا فليضمن ما في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالفٌ ولايبغي علينا منهم باغ ؛ فمن لم يفعل ذلك فبرئت منه الذّمّة ودمه حلال وماله مباح ، ومن وجد في عرافته من طِلْبة أمير المؤمنين أحدٌ صُلِب على باب داره(5).
ثمّ إنّ عبيد الله دسّ من يتعرّف حال الرجل الذي يأخذ البيعة على
____________
(1) تاريخ الطبري 5|348.
(2) قال البلاذري : وخطب [ ابن زياد ] الناس فأعلمهم أنّ يزيد ولاّه مصرهم ، وأمره بإنصاف مظلومهم ، وإعطاء محرومهم ، والإحسان إلى سامعهم ومطيعهم ، والشدّة على عاصيهم ومريبهم ، ووعد المحسن وأوعد المسيء. أنساب الأشراف 2|78.
(3) تاريخ الطبري 5|359.
(4) في تاريخ الطبري : اكتبوا إليّ الغرباء ومن فيكم.
(5) تاريخ الطبري 5|359.

( 216 )

أهل الكوفة ، فاحتال الرجل حتّى توصّل إلى ذلك(1).
وكان مسلم بن عقيل انتقل إلى دار هانئ بن عروة لمّا دخل عبيد الله البلد ، وكتب إلى الحسين ببيعة بضعة عشر ألفاً منهم ويأمره بالقدوم عليه..
وقدم شريك بن الأعور من البصرة ، وكان من شيعة عليّ(2) ، فنزل بقرب هانئ بن عروة ، وأصابته علّة بقي معها في بيته ، وقال لهانىء بن عروة : مُر مُسْلماً يكون عندي ، فإنّ عبيد الله يعودني.
فقال شريك لمسلم حين حصل عنده : أرأيتك إن أمكنْتُكَ من عبيدالله أتضربه بالسيف ؟ !
قال : نعم.
وأظهر شريك زيادة على ما به المرض وهو نازلٌ في بعض دور هانئ ؛ فجاء عبيد الله يعود شريكاً ، فقال شريك لمسلم : إذا تمكّن عبيد الله فإنّي مطاوله الحديث ، فاخرج إليه بسيفك واقْتله ، فليس بينك وبين القصر من يحوله ، وإن شفانيَ الله كفيْتُكَ البصرة.
فقال هانئ : إنّي أكره قتل رجلٍ في منزلي.
وشَجّعه شريك وقال : هي فرصة فإيّاك أن تضيّعها ، فانتهزْها ؛ فإنّه عدوّ الله ، وعلامتك أن أقول : اسقوني ماءً.
فجاء عبيد الله حتّى دَخَل وسأل شريكاً ، فلمّا طال سؤاله وليس أحد يخرج ، خشي أن يفوته ؛ قال : اسقوني ماءً وَيْحكم ما تنتظرون ؟ ! اسْقونيها
____________
(1) راجع : تاريخ الطبري 5|362 ، أنساب الأشراف 2|79 ، الأخبار الطوال : 235.
(2) قال أبو حنيفة الدينوري : وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة ، فكان يحثّ هانئاً على القيام بأمر مسلم. الأخبار الطوال : 233.
وقال البلاذري : وكان شريك شيعياً شهد الجمل وصفّين مع عليّ. أنساب الأشراف 2|79.

( 217 )

ولو كان روحي فيها. حتّى قالها مرّتين أو ثلاثاً.
فقال عبيد الله : ما شأنه ؟ أترونه يَهْجر ؟ !
قال هانئ : نعم أصلحك الله ، هذا دَيْدنه منذ الصبح.
ففَطِنَ موْلىً لعبيد الله قائمٌ على رأسه ؛ فغمزه ، فقام عبيد الله ، فقال له شريك : انتظر أصلحك الله ! فإنّي أريدُ أن أوصي إليك.
قال : سأعود إليك.
فلمّا خرج قال شريك لمسلم : ما منعك من قتله ؟ !
قال : خصلتان : أمّا إحداهما فكراهة هانئ أن يقتل في داره رجل ، وأمّا الأُخرى ، فسمعت عليّاً يقول : سمعت النبي عليه السلام يقول : « الإيمان قيّد الفتك ، فلا يفتك مؤمن »(1).
فلبث شريك ثلاثاً ومات ، فدعا عبيد الله هانئاً ، فأبى أن يجيئه إلاّ بأمان ؛ فقال : ما له وللأمان ، أأحدث حدثاً ؟ !
فجاء بنو عمّه ورؤساء عشيرته ، فقالوا : لا تجعل على نفسك سبيلاً وأنت بريء.
فأتي به ، فلمّا حصل عنده ، قال عبيد الله : إيهٍ يا هانئ ! ما هذه الأُمور التي تربّص في دارك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين ؟ !
قال : وما ذاك أيّها الأمير ؟
قال : جئت بمسلم وأدخلتَهُ دارك ، وجمعت الرجال والسلاح حواليك ، وظننْتَ أنّ ذلك يخفى ؟ !
قال : ما فعلتُ وليس مسلم عندي.
____________
(1) انظر : الأخبار الطوال : 235 ، تاريخ الطبري 5|363 ، وص 365.
( 218 )

قال : بلى قد فعلْتَ.
قال : ما فعلتُ.
فلمّا كثر الكلام في ذلك ويأبى هانئ إلاّ مجاحدة ، دعا عبيد الله ذلك الدسيس الذي دسّـه وكان افتتن بهم ويدخل إليهم ، فقال لهانئ : أتعرف هذا الرجل ؟ !
فعلم هانئ أنّه كان عَيْناً عليهم ، فسقط في يده ، ثمّ راجعتْه نفسه ، فقال : اسمع أيّها الأمير ! فإنّي والله الذي لا إله إلاّ هو أصدقك ؛ ما دعوتُهُ ولكن نزل علَيّ فاستحييْتُ من ردّه ولَزِمني ذمامُهُ ، فأدخلتُه داري وأضفته ، فإن شئْتَ أعطيتك الآن موثقاً وما تطمئنّ إليه أنّي لا أبغيك سوءاً ولا غائلة ، وإن شئتَ أعطيْتُكَ رهينة في يدك حتّى أنطلق إليه وآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض ، فأخرُجَ من ذمامه.
قال : والله لا تفارقني حتّى تأتيني به.
فقال : لا والله لا أجيئك به أبداً ، أنا أجيئك بضيفي حتّى تقتلَهُ ؟ !
قال : والله لتأتينّي به(1).
وقام الناس إليه يناشدونه في نفسه ويقولون : إنّه سلطانٌ وليس عليك في دفعه إليه عارٌ ولا نقصة.
فقال : بلى والله علَيّ في ذلك العار والخزي ، أدفع ضَيفي وجاري إلى قاتله وأنا صحيح أسمع وأرى ، شديد الساعد وكثير الناصر ؟ !
قال عبيد الله : ادْنوه منّي. فأُدني منه وله ضفيرتان قد رجّلهما ، فأمر بضفيرتيه ، فأمسك بهما واستعرض وجهه بقضيب في يده ، فلم يزل
____________
(1) راجع : تاريخ الطبري 5|366 ـ 365.

( 219 )

يضرب وجهه وأنفه وجبينه حتّى نثر لحم خدّيه وهشم أنفه وتلوّى هانئ وضرب بيده إلى قائم سيف شرطيٍّ ممّن حضر ، فمانعه الرجل ، وقال عبيدالله : أحرورىٌّ سائر اليوم ؟ ! حلّ لنا قتلك.
فقال أسماء بن خارجة : أمرتنا أن نجيء بالرجل حتّى إذا جئناك به فعلتَ به ما نرى وزعمت أنّك تقتله ؟ !
فقال عبيد الله : إنّك ههنا. وأمر به فَلُهِزَ وتُعْتِع ساعة ، ثمّ تُرِك ، فجلس(1) ، وأمر بهانئ فجعل في بيت ووكّل به من يحرسُهُ ، فبلغ ذلك مَذحِجاً فأقبلت إلى القصر ، فقيل لعبيد الله : هذه مذحج وقد اجتمعت بالباب !
فقال لشريح القاضي ، ادخل إلى صاحبهم فانظر إليه ، ثمّ اخرج إليهم وأعْلِمهم أنّه حيٌّ سالم. وإنّما عاتبه كما يعاتب الأمير رعيّته ، فانصرفوا.
وبَلَغ مُسْلماً ما جرى ؛ فأمر أن ينادي بشعار « يا منصور أمِت » ، وكان بايعه ثمانية عشر ألفاً ، وحوله منهم أربعة آلاف ؛ فاجتمعوا إليه وأقبل القصر(2) ؛ فتحرّز عبيد الله وغلّق الأبواب ، وأحاط مسلم بالقصر ، وامْتلأ المسجد والسوق ، وما زالوا يتوثّبون حتّى المساء(3).
وضاق بعبيد الله الأمر وكان أكبر همّه أن يمسك باب القصر ، وليس في القصر معه إلاّ ثلاثون رجلاً من الشُرَط وعشرون من أشراف الناس.
ففتح عبيد الله الباب الذي يلي الروميّـين ليدخل إليه من يأتيه ، ودعا
____________
(1) في تاريخ الطبري 5|367 : فأمر به فَلُهِز وتُعْتع به ، ثمّ ترك فحبس. والتعتعة : الحركة العنيفة.
(2) في تاريخ الطبري 5|369 : عن عبّـاس الجدلي : خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف ، فما بلغنا القصر إلاّ ونحن ثلاثمائة.
(3) في تاريخ الطبري 5|370 : يثوّبون حتّى المساء.

( 220 )

كُثيّر بن شهاب الحارثي ، فأمره بأن يخرج فيمن أطاعه من مذحج ، فيخذّل الناس عن مسلم ويخوّفهم عقوبة السلطان وغائلة أمرهم(1).
وأمر محمّـد بن الأشعث بمثل ذلك ، ممّن أطاعه من كندة ، وأن يرفع راية الأمان لمن جاءه من الناس.
وأشرف الباقون من القصر ونادوا الناس : الحقوا بأهاليكم ولا تعجّلوا الشرّ ولا تتعرّضوا للقتل ؛ فإنّ أمير المؤمنين قد بعث جنوده من الشام ، وقد أعطى الله الأمير عهداً لئن تممتم(2) على حربكم ولم تنصرفوا من عشيّكم(3) أن يحْرم ذرّيّتكم العطاء وأن يأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائـب(4).
فأخذ الناس لمّا سمعوا هذا وأشباهه يتفرّقون(5) ، وكانت المرأة تأتي إلى ابنها وأخيها وتقول : انصرف ، فإنّ الناس يكفونك. ويقول الرجل لابنه ولأخيه : غداً تأتيكم جنود الشام فما تصنعون ؟ ! فينصرف به.
فما زال الناس يتفرّقون حتّى أمْسى مُسْلم وليس معه إلاّ ثلاثون نفراً ، فصلّى بهم مسلم ، فلمّا رأى أنّه أمسى وليس معه إلاّ هؤلاء خرج متوجّهاً نحو كندة ، فما بلغ أبواب المسـجد إلاّ ومعه عشـرة ، ثمّ خرج من الباب فإذا ليس معه اثنان ، ثمّ التفت فإذا ليس معه من يدلّ على الطريق ولا من يواسيه بنفسه إن اعترض له عدوّ ، فبقي متلدّداً في أزقّة الكوفة لا يدري أين يمرّ !
____________
(1) كذا في الأصل ؛ والمحتمل : وغاية أمرهم.
(2) في تاريخ الطبري : أتممتم.
(3) لعلّها : عشيّتكم.
(4) تاريخ الطبري 5|370.
(5) في تاريخ الطبري : ينصرفون.

( 221 )

فمشى حتّى انتهى إلى باب امرأة كانت أمّ ولد للأشعث ، فزوّجها أسيداً الحضرمي فولدتْ له بلالاً ، وكان بلال خرج مع الناس وأُمّه قائمة تنتظره ؛ فسلّم مُسلم عليها ، وقال لها : يا أَمَة الله ! اسقني ماء.
فدخلت فسقتْهُ ، فجلس إليها ؛ فقالت : يا عبـد الله ! اذهب إلى أهلك.
فسكت. ثمّ عادت ، فسكت ، فقالت : يا سبحان الله ! ما يحسن لك الجلوس على بابي ، قم انصرف.
فقال : يا أمَةَ الله ! ما لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك في أجرٍ ومعروفٍ ، فلعلّي أُكافيكِ به بعد اليوم ؟
فقالت : وما ذلك ؟
قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني.
قالت : ادخل.
ولم يكن بأسرع أن جاء ابنها ، فقالت : يا بنيّ ! مكرمةٌ وافَتْك. وأخذَتْ عليه الأيْمان أن لا يخبر أحداً ، فحَلَفَ. وأخبرتْه الخبر واضطجع وسكت.
وأخذ ابن زياد يتجسّس خبر مسلم ، فلا يحسّ له ولا لأصحابه صوتاً ، فأمر بفتح الباب الذي في السُـدّة وخرج منه حتّى دخل المسجد الجامع ونادى : برئت الذمّة من رجلٍ من الشرطة والعُرَفاء والمناكب والمقاتلة صلّى العتمة إلاّ في المسجد. فلم يكن إلاّ ساعة حتّى امتلأ المسجد ، فصلّى بالناس ثمّ قال :
إنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الشقاق والخلاف ؛ فبرئت الذمّـة من رجل وجدناه في داره ، ومن جاءنا به فله ديته..


( 222 )

ثمّ ترعّد(1) الناس وحضّهم على الطاعة ، فنزل ودخل القصر.
وأصبح ابن تلك العجوز ، فغدا إلى عبـد الرحمن بن محمّـد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم عنده ، وكان أبوه محمّـد عند ابن زياد ، فجاء إليه عبـد الرحمن ودنا منه وسارّه ، فقال ابن زياد : ما يقول لك ابنك ؟ !
فقال : إنّه يقول : إنّ ابن عقيل في دارٍ من دورنا.
فنَخَسَ في جنبه بالقضيب وقال : فاتني به الساعة(2).
وجاء محمّـد إلى تلك الدار ، فلمّا سمع مسلم بوقع الحوافر بادر إلى الباب وخرج إليهم وأقحموا عليه ، فردّهم حتّى ضربه رجلٌ منهم بالسيف ، فقطع شَفَتَه وكسر ثناياه ، وضربه مُسلم ضربة على رأسه كادت تأتي عليه ولكن سَلِم.
فلمّا رأى الناس ذلك ، أخذ الناس يرمونه بالنار(3) من فوق السطوح ، فأقبل محمّـد وقال : إنّك قد أُثخنْتَ وعجزْتَ ، فلِم تقتُل نفسك ؟ ! وأقْبِل إليّ ولك الأمان.
فقال : آمنٌ أنا ؟ !
قال : نعم. وقال القوم أيضاً.
فأمكن من نفسـه ، وحَمَلُوه فنزع سيفه من عاتقه ، فقال لمحمّـد : أراك تعجز عن أماني ، فهل لك في خير ؟
قال : ما ذاك ؟
____________
(1) كذا في الأصل ؛ ولعلّه : توعّد.
(2) راجع : تاريخ الطبري 5|373.
(3) في تاريخ الطبري : فأخذوا يرمونه بالحجارة ويُلْهبون النار في أطنان القصب ، ثمّ يَقْلبونها عليه من فوق البيت.

( 223 )

قال : تستطيع أن تبعَثَ رجلاً من عندك على لساني يبلغ حسيناً ، فإنّي أراه قد خرَجَ أو هو خارج غداً ، فيقول له : إنّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسيرٌ لا يرى أنّه يُمسي حتّى يُقتَل ، وهو يقول لك : ارجع بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة ، فقد كذّبوني وكذّبوك وليس لمكذوب رأي.
فقال محمّـد : والله لأفعلنّ ، ولأُخبرنّ الأمير أنّي آمنتك.
فأنفذ رجلاً على راحلة إلى الحسين من وقته ، وحمله إلى ابن زياد ، وقال له : إنّي قد آمنته.
فقال : وما أنت والأمان ؟ ! إنّما بعثناك لتحمله إلينا لا لتعطيه الأمان !
فلمّا حُمل إليه ، قال له : ايهٍ يا بن عقيل ! أتيْتَ الناس وأمرهم مجتمع وكَلِمتهم واحدة لتُشتّت بينهم ، وتَحمل بعضَهم على بعض ؟ !
قال : كلاّ ! لستُ لذلك أتيْتُ ، ولكن أهل المصر زعموا أنّ أباك قَتَلَ خيارَهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ؛ فأتيناهم لنأمر بالمعروف والعدل ، ونَدْعو إلى حكم الكتاب.
وتراجعا ؛ فقال له ابن زياد : قَتَلني الله إن لم أقتلك شرّ قتْلةٍ لم يُقْتلها أحدٌ في الإسلام !
قال : إنّك أحـقّ مَـن أحـدث في الإسلام حـدثاً لم يكن فـيه ، وإنّك لا تدع سـوءَ القِتلة ، وقبح المُثلة ، وخُبث السريرة(1) ، ولؤم الغلبة ، لأحد من الناس أحـقّ بها منك(2).
فأخذ ابن زياد يشتمه ويشتم حسيناً وعليّاً رضوان الله عليهما ،
____________
(1) في تاريخ الطبري 5|376 : وخبث السـيرة.
(2) في تاريخ الطبري : ولؤم الغلبة ، ولا أحد من الناس أحـقّ بها منك.

( 224 )

وأمسك مسلم ، ثمّ قال : اصعدوا به إلى فوق القصر ، فاضْربوا عنقه ثمّ أتْبِعوا جسـده رأسـه.
فصعد وهو يقول : اللّهمّ احْكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا.
وأشـرف به على موضـع الحذائـين(1) ، فضربت عنقه وأُتبع جسده رأسـه.
ثمّ أمر بهانئ بن عروة بعد قتل مسلم أن يُخرج إلى السوق فتُضْرب عنقه ، فأُخْـرج إلى سـوق الغنم وهو مكتـوفٌ ، فجعل يقول : وا مَذْحجاه ولا مَذحج لي اليوم. فلم ينصره أحد حتّى قُتِل ، وأمر بكلّ من عرفه ممّن خرج مع مسلم بأن تُضْرب عنقه ، وأنفذ برأسه ورؤوس القوم إلى يزيد ، وكتب إليه بالقصّـة.
ثمّ إنّ الرسول الذي أنفذه محمّـد بن الأشعث لقي حسيناً وهو بزبالة ، فأخبره الخبر وأبلغه الرسالة ، فقال له : كلّ ما حمّ نازلٌ وعند الله نحتسب أنفسنا.
وكان عبـد الله بن مُطيع لقي الحسين وهو متوجّه نحو الكوفة من مكّة ، فقال : جعلني الله فداك ! أين تريد ؟ !
قال : الكوفة.
قال : جعلتُ فداك ! لا تقربها ، فإنّها بلدة مشـؤومة ؛ قُتِل بها أبوك ، وخُذِل أخوك فيها واغْتِيل بطعنة كادت تأتي على نفسه ، الزم الحرم ؛ فإنّك سـيّد العرب ، لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً ، ويتداعى الناس إليك من كلّ جانـب(2).
____________
(1) في تاريخ الطبري : إلى موضع الجزّاريـن اليوم.
(2) راجع : الأخبار الطوال : 228 ـ 229.

( 225 )

وكان محمّـد بن الحنفيّة لقاه عند خروجه وقال : يا أخي ! أنت أعزّ خلق الله علَيّ ولستُ ادّخرك نصيحتي ؛ تنحّ عن الأمصار ما استطعت ، ثمّ ابْعث رسُلَك إلى الشام(1) ! فادْعهم إلى نفسك ، فإن بايعوك حَمِدْتَ الله عليه ، وإن اجتمع على غيرك لم يَنْقصِ الله بذلك دينَك ولا عقلَك ، ولا يُذهب به مروّتك ولا فضلك..
إنّي أخاف أن تأتي مصراً من الأمصار فيختلف الناس بينهم ، فمنهم طائفة معك وأُخرى عليك ، فيقتتلون ، فتكون لأوّل الأسـنّة ، فإذا خير هذه الأُمّة نفساً وأباً وأُمّاً أضْيَعُها دَماً وأذلّها أهْلاً.
قال له : فأين أذهب يا أخي ؟ !
قال : انزل مكّة ، فإن اطمأنّت بك الدار فسبيل ذلك ، وإن نَبَتْ بك لحقتَ بالرمال وشِعَف الجبال ، وتنقّلتَ من بلد إلى بلد حتّى يفرق لك الرأي ؛ فتستقبل الأُمور استقبالاً ، ولا تستدبرها استدباراً.
قال : يا أخي ! قد أشفقت ونصحت(2).
وقال له ابن عبّـاس : يا بن عمّ ! إنّه قد أرجف الناس أنّك سائرٌ إلى العراق ، فبيّن لي ما أنت صانعٌ ؟ !
فقال له : إنّي قد أجمعتُ المسير إلى العراق ، وفي آخر يومَيّ هذين إن شاء الله.
قال ابن عبّـاس : أُعيذك بالله من ذلك ! فاخبرني رحمك الله ، أتسير إلى قومٍ قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادَهم ونفَوْا عدوّهم ؟ ! فإن كانوا فعلوا
____________
(1) كذا في الأصل ؛ ولكن في تاريخ الطبري : تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادْعهم إلى نفسك.
(2) تاريخ الطبري 5|341 ـ 342.

( 226 )

ذلك ؛ فسِـرْ إليهم ، وإن كانوا إنّما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهرٌ ، وعمّالهم يحبّون بلادهم ؛ فإنّهم دعوك إلى الحرب ، لا آمن أن يغرّوك فيخذلونك فيكونوا أشـدّ الناس عليك.
قال الحسين : أستخير الله وأنظر(1).
ثمّ جاءه من الغد ابن عبّـاس ، فقال له : ابن عمّ ! إنّي أتصبّر ولا أصبر ، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك ؛ إنّ أهل العراق غدروا بأبيك وأخيك ، فأقِمْ بهذا البلد فإنّك سـيّد الحجاز ، فإن كان أهل العراق دعوك فاكْتُب إليهم فلينفوا عدوّهم ثمّ أقدم عليهم ، فإن أبيتَ إلاّ الخروج فسِـرْ إلى اليمن فإنّ به حُصُوناً وشِعاباً ولأبيك بها شيعة ، فإنّي أرجو أن يأتيك ما تحبّ في عافية.
فقال : يا بن عمّ ! إنّي أعلم أنّك ناصحٌ شفيقٌ ، ولكنّي قد أجمعتُ على المسير.
قال ابن عبّـاس : فإن كنْـتَ سائـراً فلا تَسـرِ بنسائك وصـبيتك ، فوالله إنّي أخاف أن تُقْتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه..
والله الذي لا إله إلاّ هو لو أعلم أنّي لو أخذْتُ بشَعْرك وناصيتك حتّى يجتمع عليك وعلَيّ الناس أطعتني وأقمتَ ، لفعلتُ(2) !
فلمّا أبى عليه ؛ قال له : قد أقررْتَ عين ابن الزبير بتخليتك إيّاه الحجاز وهو اليوم لا يُنْظر إليه معك.
وخرج من عند الحسين ومرّ بعبـد الله بن الزبير ، ثمّ قال : قرّت عينك يا بن الزبير ، وأنشـد :
____________
(1) تاريخ الطبري 5|383.
(2) تاريخ الطبري 5|384.

( 227 )

يا لـك من قُبَّرة بمَعْمـر * خلا لك الجوّ فبيضي واصْفري
ونقّري ما شِئتِ أنْ تُنَقّري

قال : وما ذاك ؟ !
قال : هذا الحسين يخرج إلى العراق ويخلّيك والحجاز(1) !
وأعجب من كلّ شيء ما يروى عن ابن عبّـاس ، أنّه قال : رأيت في ما يرى النائم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نصف النهار أشعث أغبر في يده قارورة فيها دمٌ ، فقلت : بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ! ما هذا ؟ !
قال : هذا دم الحسين ودم أصحابه لم أزل ألتقطه(2) منذ اليوم. فأُحصي ذلك اليوم فوُجِد اليوم الذي قتل فيه(3).
وخرج الحسين في نسائه وصبيانه وأهل بيته ، فلقي الفرزدق الشاعر بالصفاح ، فقال له الحسين : بَيّن لنا نبأُ الناس خلفك ؟
فقال : الخبير سألت.. قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أُميّة ، والله يفعل ما يشاء.
فقال الحسين : صدقت ، الأمر لله يفعل ما يشاء. ثمّ حرّك راحلته وقال : السلام عليك. وافترقا(4).
____________
(1) تاريخ الطبري 5|383 ـ 384 ؛ مع تلخيص وتغيير في العبارة ، وفي مقاتل الطالبيين ـ ص 111 ـ أضاف مصرع آخر : هذا حسين خارجاً فاستبشـري.
(2) في الأصل : أتلقّطه.
(3) بحار الأنوار 45|231 ، معالم المدرسـتين 3|174 ، عن مسند أحمد 1|242 ، وص 282 ، فضائل الصحابة : ح 20 ، وح 22 ، وح 26 ، المستدرك على الصحيحين 4|398 ، مجمع الزوائد 9|193 ـ 194 ، تاريخ الخميس 2|300 ، الرياض النضـرة : 148.
(4) تاريخ الطبري 5|386.

( 228 )

وسار الحسين حتّى نزل شراف ، وأمر فتيانه فاستقوا من الماء ، ثمّ ساروا صدر يومهم ، فقال رجل : الله أكبر !
فقال الحسين : ممّ كبّرت ؟ !
قال : رأيت النّخل !
فقال رجلان أسديان كانا معه : إنّا رأينا هذا المكان وليس فيه نخل ، ولم يكن قطّ. ثمّ قالا : إنّها لهَوادِيَ الخيل.
فقال الحسين : صدقتما والله ، أنا أرى ذلك. ثمّ قال : أما لنا ملجأ نلجأ إليه ونجعله في ظهورنا ونستقبل القوم في وجهٍ واحد ؟
فقالوا له : نعم ، هذا ذو حُسُم إلى جنبك تميل إليه.
فأخذ إليه ومال معه أصحابه ؛ فما كان بأسرع من أن طلعت عليهم هوادِيَ الخيل ؛ فلمّا رأونا قد عدلنا(1) عن الطريق عدلوا كأنّ أسنّتهم اليعاسيب ، وكأنّ راياتهم أجنحة الطير ، فسبقهم الحُسَين ونزل وضربوا أبنيتهم..
وجاءهم القوم وهم ألف رجل مع الحرّ بن يزيد التميمي ، فأقبل حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حَرّ الظهيرة ، فأمر الحسين أن يسقى القوم ، فقام فتيانه يسقون الخيل بالأتوار والطساس حتّى أرووهم(2).
فحضرت الصلاة فأذّن مؤذّن الحسين(3) ، ثمّ أقام ، فخرج الحسين في إزار ونعلَين ، فقال :
أيّها الناس ! إنّها معذرةٌ إلى الله وإليكم ، إنّي لم آتكم حتّى أتتني
____________
(1) كذا في الأصل ؛ والظاهر : رأوهم قد عدلوا.
(2) تاريخ الطبري 5|400 ـ 401.
(3) كان مؤذّن الحسين عليه السلام : حجّاج بن مسـروق الجعفي.

( 229 )

كتبكم ، وقَدِم علَيّ رُسُلكم : أن أقْدِم علينا ، فإنّه ليس لنا إمام. فإن كنتم على ذلك ؛ فإنّي قد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئنُّ إليه من عهودكم ؛ أقْدِم مصركم ، وإن كنتم لِمقدمي كارهين ؛ انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه. فسكتوا عنه..
فقال الحسين للحرّ بن يزيد : تريد أن تصلّي بأصحابك ؟
قال : لا ، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك.
فصلّى بهم الحسين ، وانصرف الحرّ إلى مكانه ، وأخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس في ظِلّها ، ثمّ دَنا العصر فأمَر الحسين بالرحيل ، وقام يصلّي فصلّى القوم بصلاته ، ثمّ التفت إليهم وأعاد عليهم قريباً من قوله الأوّل(1).
فقال الحرّ : إنّا والله ما ندري هذه الكتب والرسل التي تذكر ! فدعا الحسين بخرجَين مملوءين كتباً فنثرها بين أيديهم.
فقال الحرّ : لسنا من هؤلاء الّذين كتبوا إليك هذه الكتب ، وإنّما أُمِرنا نحن أن لا نفارقك إن لقيناك حتّى نقدمك الكوفة على الأمير عبيد الله بن زياد.
فقال الحسين : الموت أدنى من ذلك إليك. ثمّ قال لأصحابه : قوموا واركبوا. فركب جميعهم وأرادوا أن ينصرفوا ، فحال القوم بينهم وبين الانصراف ؛ فقال الحسين للحرّ : ثكلتك أُمّك ! ما تريد ؟ !
____________
(1) في تاريخ الطبري 5|402 : ثمّ قال : أمّا بعد.. أيّها الناس ! فإنّكم إن تتّقوا وتعرفوا الحقّ لأهله ؛ يكن أرضَى لله ، ونحن أهل البيت أوْلى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، وإن أنتم كرهتمونا ، وجهلتم حقّنا ، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم وقدمتْ به رسُلكم ؛ انصرفت عنكم.
( 230 )

فقال : أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي ما تركْتُ أُمّه كائناً من كان ، ولكن لا سبيل إلى ذكر أُمّك إلاّ بأحسن ما نقدر عليه.
فقال الحسين : فما تريد ؟ !
قال : أريد أن أنطلق بك إلى عبيد الله.
فقال له : إذاً لا أتْبعك.
فقال له الحرّ : إذاً لا أدَعك.
فترادّا الكلام ؛ فلمّا طال قال له الحرّ : إنّي لم أُؤمر بقتالك ، ولكن أُمرت أن لا أُفارقك حتّى أقدمك الكوفة ؛ فإذا رأيت حيطانها فخُذ طريقاً لايدخلك المدينة ولا يؤدّيك إليها ولا يردّك عنها ، يكون بيني وبينك نصفاً وتكون بالخيار بين أن تكتب إلى يزيد إذا أردت أو إلى ابن زياد ، فلَعَلّ الله يأتي بأمر يرزقني فيه العافية أن ابتلي بشيء من أمرك.
فتراضيا وتياسَـرَ الحرّ عن طريق القادسية وسارا ، وأخذ الحسين يخطبهم ويذكّرهم بالله ويدلّهم على نفسه ومكانه من النبوّة والحكمة واستحقاقه للاِمامة دون الفَجَرة الفَسَقة.
فقال له الحرّ : أُذكّرك الله في نفسك ؛ فوالله لئن قاتلت لتقتلنّ.
فقال له الحسين : أفبالموت تخوّفني ؟ ! وأنشـد :

سأمضي فما بالموتِ عارٌ على الفَتى * إذا مـا نَوى حقّاً وجاهدَ مُسْلما
وآسى الرجـالَ الصالحينَ بنفسِـه * وفارق الشرّ أن يعيش ويرغما(1)

وكان يسير الحرّ ناحية والحسين ناحية ، فبينا هم كذلك إذ طلع أربعة من الفرسان ، فعدلوا إلى الحسين ، فسلّموا عليه. فمنعهم الحرّ أن يسيروا
____________
(1) في تاريخ الطبري 5|404 : وفارق مثبوراً يغشُّ ويُرْغما ، وفي هامشه : عن الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير ـ : وخالف مثبوراً وفارَق مُجْرما.
( 231 )

معه ، وقال : هؤلاء لم يأتوا معك وإنّما هم أهل الكوفة.
قال الحسين : هم بمنزلة من جاء معي ؛ فإنّهم أنصاري وأعواني ، وقد أعطيتني أن لا تَعرض لي بشيء حتّى آتي الكوفة ، فإن تمّمت على ما كان بيني وبينك وإلاّ ناجزتك. قال : فكفّ عنهم الحرّ(1).
فقال الحسين : أخبروني عن خبر الناس وراءكم ؟ !
فقالوا : أمّا أشراف الناس فقد أُعْظمت رشوتهم وملئت غرائزهم واستميل ودّهم واستخلصت نصيحتهم وهم ألبٌ عليك ؛ وأمّا سائر القوم فأفئدتهم معك وسيوفهم غداً مشهورةٌ عليك !
قال : أخبروني عن رسولي إليكم ؟ !
قال : من هو ؟
قال : قيس بن مسهّر الصيداوي.
قال : نعـم ، أخذه الحصين بن تميم ، فبعث به إلى ابن زياد ، فأمره ابن زياد بلعنك ولعن أبيك ؛ فصلّى عليك وعلى أبيك ولعن ابن زياد وأباه ودعا الناس إلى نصرتك وأخبرهم بمقدمك ، فأمره(2) ابن زياد فرمي به من طمار القصر ، فمات.
فتغرغرت(3) عينا الحسين بالدموع ولم يملك دفعه ، ثمّ قرأ : (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)(4).
فقال له : ما نرى معك من يقاتل ، ولو لم يقاتلك إلاّ هؤلاء الّذين
____________
(1) تاريخ الطبري 5|405.
(2) كذا في الأصل ؛ والظاهر : فأمر به.
(3) كذا في الأصل ؛ وفي تاريخ الطبري : فتقرقرت.
(4) سورة الأحزاب 33 : 23.

( 232 )

أراهم ملازمين لك لكفى بهم هذا ، وقد رأينا قبل خروجنا من الكوفة ما لم نرَ قط ، فننشدك الله إن قدرت أن لا تتقدّم شِبْراً إلاّ فعلْت ، وههنا بلد يمنعك فسِرْ بنا حتّى نقدمك جبلنا الذي يدعى أجأ وسَلَمى ، وهما جبلا طيّ ، ووالله قد امتنعنا بهما من ملوك تُبّع وغسّان وحِمْيَر ، ونحن زعماء لك بعشرين ألف عنان يقاتلون دونك(1).
فقال الحسين : جزاكم الله خيراً وقومكم ، إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم من أهل الكوفة قولٌ لسنا نقدر معه على الانصراف ، ولا ندري علامَ تنصرف بنا وبهم الأمور العاقبة.
فودّعوه وقالوا : نحن حملنا ميرة لقومنا من الكوفة ، فنحن نؤدّيها إليهم وننصرف إليك(2).
وسار الحسين حتّى بلغ إلى الموضع الذي نزل فيه ، فإذا راكبٌ على نجيب له وعليه سلاح مُقبلاً من الكوفة ، فوقفوا جميعاً ينتظرونه ، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحـرّ وأصحابه ودفـع إلى الحـرّ كتاباً من عبيد الله ، فإذا فيه :
أمّا بعد.. فَجَعْجِع بالحسين وأصحابه حيث يبلغُك كتابي ويَقدُم عليك رسولي ، فلا تُنْزله إلاّ بالعراء ، من غير حِصْن وعلى غير ماء ، وقد أمرتُ رسولي حتّى يلزمك ، فلا تردّه إلاّ بإنفاذ أمري(3).
____________
(1) في تاريخ الطبري 5|406 : فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم.
(2) هذا كلام الطرمّاح بن عدي فقط ، وليس كلام الأربعة الّذين لحقوا بالحسين عليه السلام ، وهم بقوا مع الحسين حتّى قتلوا بكربلاء. فالطرمّاح ذهب إلى قومه ولمّا أراد أن يأتي إلى كربلاء أُخبر أن الحسين عليه السلام قد قُتل ، فرجع.
(3) تاريخ الطبري 5|408.

( 233 )

فلمّا قرأ الكتاب الحرّ عرضه على الحسين وأراده على النزول هناك على غير ماء وفي غير قرية. فقالوا : دعنا ننزل في هذه القرية ـ يعنون الغاضرية ـ.
فقال : لا والله ، ما أستطيع هذا ، أما تَرَوْن الرجل قد بَعَثه عَيْناً ؟ !
فقال زهَير بن القين : يا بن بنت رسول الله ! قتال هؤلاء الساعة أهون علينا مـن قتال من يأتـينا من بعدهـم ، فلعمـري ليأتينا من بعد مَن لا قِبَل لنـا به.
فقال الحسين : لا أبدؤهم بالقتال.
قال زهير : فسِرْ بنا إلى هذه القرية القريبة ، فإنّها حصينة وهي على شاطئ الفرات ، فإن منعونا قاتلناهم ، فقِتالهم اليوم أسهل منه غداً.
فقال الحسين : وأيّة قرية هي ؟
فقال : العَقْر.
فقال : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من العقر.
ثمّ نزل ، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرّم سنة إحدى وسـتّين.
وكان عبيد الله قد ولّى عمر بن سعد بن أبي وقّاص الري ، وكتب عهده عليها وجهّز معه أربعة ألف ؛ لغلبة الديلم عليها. فخرج عمر وقد كان عسكر بحمّام أعين ، فلمّا كان من أمر الحسين ما كان ، كتب إليه عبيد الله بن زياد أن : سـر إلى الحسين ، فإذا فرغنا ممّا كان بيننا وبينه سرت إلى عملك.
فكتب إليه : إن رأيت أن تعفيني فعلت.
فقال : نعم ، على أن تردّ علينا عهدنا.
فاستعظم عمر بن سعد أمر الحسين واستشار نصحاءه فلم يشـر عليه أحـد ، ثمّ حلي في قلبه الري وملكه ، وأقبل حتّى نزل عند الحسـين في


( 234 )

غـد يوم نزل به الحسـين.
فبعث إلى الحسين من يسأله عمّا جاء به ، فجاء رسوله وسلّم عليه وبلّغه الرسالة ، فذكر أنّ : أهل مصركم كتبوا إليّ أن أقدم ، فأمّا إذ كرهوني فإنّي أنصرف عنهم.
فانصرف الرسول بالجواب ، فقال عمر بن سعد : إنّي لأرجُو أن يعافيني الله من حربه. وكتب بذلك إلى عبيد الله.
واشـتدّ على الحسين وأصحابه العطش ؛ فدعا العبّـاس بن عليّ أخاه وأنـفذ معه ثلاثـين فارساً وعشـرين راجلاً مع عشـرين قِرْبة ليلاً ، وكان عمرو بن الحجّاج الزبيدي قد أرسله عمر بن سعد في خمسمائة على الشريعة يمنعون الحسين وأصحابه الماء.
فقال عمرو : مَن الرجل وما جاء به ؟ !
فقال العبّـاس(1) : جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا(2) عنه.
فقال : اشْرب هنّأك الله.
فقال : والله ما أشرب والحسين ومَن ترى من أصحابه عطاش !
قال : لا سبيل إلى سقي هؤلاء ، وإنّما وُضِعنا ههنا لنمنعهم الماء.
فقال العبّـاس لرجّالته : امْلئوا قِرَبكم. وشَـدّ على القوم وقاتَلهم حتّى ملئوا قِرَبهم وانصرفوا ، فأدخلوها على الحسين وأصحابه.
وبعث الحسين إلى عمر بن سعد : الْقني الليلة بين عسكري وعسكرك. فخرج في نحوٍ من عشرين فارساً ، وكذلك الحسين في مثل أُولئك ، فلمّا التقيا أمر الحسين أصحابه أن يتنحّوا ، وكذلك عمر ، وانكشفوا
____________
(1) راجع : تاريخ الطبري 5|412 ؛ ففيه أنّ هذا الكلام من نافع بن هلال الجملي.
(2) حلأه عن الماء : طرده ومنعه منه.

( 235 )

عنهما حتّى جلسا بحيث لا يسمع أصواتهما ، فتكلّما حتّى ذهب هزيعٌ من الليل ، ثمّ انصرف كلّ واحدٍ منهما ، وتحدّث الناس بينهم بالظنون.
فكتب عمر إلى عبيد الله : أمّا بعد.. فإنّ الله قد أطفأ النائرة ، وأصلح أمـر الأُمّـة ؛ هذا الحسـين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي جاء منه ، أو أن يسـير إلى أيّ ثـغر من الثـغور شـئنا فيكون رجـلاً من المسلمين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد ! فيضع يده في يده فيرى فيه رأيه ؛ وفي هذا لكم رضىً وللمسلمين صلاح(1).
فلمّا قرأ عبيد الله الكتاب ، قال : هذا كتاب رجلٍ ناصحٌ لأميره مشفقٌ على قومه ، قد قبلتُ.
فقام شمر بن ذي الجوشن وقال : تقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ؟ ! وإنّما وافى ليزيل سلطانك ، ووالله لاِن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكوننّ أوْلى بالقوّة والعزّ ، ولتكوننّ أوْلى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة ؛ فإنّها من الوَهْن ، ولكن لينزل على
____________
(1) تاريخ الطبري 5|414.
ولكن بالنسبة إلى ما كتب عمر بن سعد إلى ابن زياد من أنّ الحسين عليه السلام يريد أن يأتي الشام فيضع يده في يد يزيد ! ! فأبو مخنف روى خبراً في تكذيبه ؛ هذا نصّـه : قال أبو مخنف : فأمّا عبـد الرحمن بن جندب ، فحدّثني عن عقبة بن سـمعان [ الذي كان حاضـراً فـي كربلاء وممّـن صار مجـروحاً وبـرئ بـعد ، وكان أبو مخنف يروي بعض أخبار وقعة كربلاء منه مع واسطة أو واسطتين ] ، قال : صحبْتُ حسيناً فخرجتُ معه من المدينة إلى مكّة ، ومن مكّة إلى العراق ، ولم أفارقه حتّى قُتل ، وليس من مخاطبته الناس كلمة واحدة بالمدينة ولا مكّة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسـكر إلى يوم مقتله إلاّ وقد سـمعتها ، لا والله ماأعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ، ولا أن يسيّره إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين ، ولكنّه قال : دعوني فلأذهبْ في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس. تاريخ الطبري 5|413 ـ 414.

( 236 )

حكمك ؛ فإن عاقبت فأنت أوْلى بالعقوبة(1) ، وإن عفوْت كان ذلك لك ، ولقد بلغني أن عمر والحسين يجلسان فيتحدّثان عامّة الليل.
فقال عبيد الله : نِعْمَ الرأي رأيْتَ.
ثمّ قال لشمر : اخرج أنت بجواب عمر بن سـعد ، ولتَعرض(2) على الحسين وأصحابه النزول على حكمي ، فإن فعلوا فابْعث بهم إليّ سِلْماً ، وإن أبوا فقاتلهم ، فإن فعل عمر فاسْمع منه وأطِع له ، وإن أبى فأنت الأمير على الناس ، وثِبْ عليه واضْرب عنقه وابعث برأسه إليّ.
ثمّ كتب كتاباً إلى عمر بن سعد على هذه الجملة ، وقدم شمر بالكتاب ، فقرأه وقال لشمر : ويلك ! لا قرّب الله دارك ، وقبّح الله ما قدمْتَ به ؛ إنّك أنت ثَنَيْتَه عمّا كتبْتُ به إليه ، وقد والله أفسدت علينا أُموراً رجونا معها الصلاح ، والله يا شمر ! لا يستسلم الحسين نفسه ؛ إنّ نفسه لأبيّة(3).
فقال لـه شمر : أخبرنـي ما أنـت صانـع ؟ أتمضـي لأمـر أميرك ؟ ! وإلاّ فخلّ بيني وبين العسكر !
فقال : ولا كرامة لك ، أنا أتولّى ذلك.
وينسب هذان البيتان إليه :

أأترك ملك الري والري رغبة * أم أرجـع مأزوراً بقتل حسينِ
وفي قتله النار التي ليس دونها * حجاب وملك الري قرّة عيني(4)
____________
(1) في تاريخ الطبري : فإن عاقبتَ فأنت وليُّ العقوبة.
(2) في تاريخ الطبري : واليعرض !
(3) في تاريخ الطبري : إنّ نفساً أبيّة لبَيْن جَنْبـيه.
(4) الكامل في التاريخ ـ لابن الأثير ـ 2|556 ، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول

=


( 237 )

فركب عمر بن سعد بالناس وزحف بهم ، والحسين جالسٌ أمام بيته محتبياً بسيفه ، فقال له العبّـاس : يا أخي ! أتاك القوم.
فنَهَض وقال : يا عبّاس ! اركب بنفسي يا أخي أنت حتّى تلقاهم فتقول لهم : ما بدا لكم ؟ ! وتسألهم عمّا جاء بهم.
فجاء العبّـاس مع عشرين فارساً مستقبلاً لهم ، فقال لهم : ما جاء بكم وما بدا لكم ؟ !
فقالوا : إنّ أمر الأمير جاءنا بكَيْت وكَيْت.
قال : فلا ترجفوا(1) حتّى أرجع إليه وأعرض عليه ما ذكرتم.
فانصرف يركض حتّى أخبره الخبر وترك أصحابه يخاطبون القوم ، ثمّ أقبل العبّـاس يركض فقال لهم : إنّ أبا عبـد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشـيّة حتّى ينظر في هذا الأمر ، فإنّ الذي جئتم به لم يجرِ فيه المنطق(2) ؛ فإذا أصبحنا التقينا ، فإمّا رضيناه فاستسلمنا ، وإمّا كرهناه فرددناه.
____________
=
ـ لابن طلحة الشافعي (582 ـ 652 هـ) ـ 1|78 ، والشعر فيه هكذا :
دعاني عبيد الله من دون قومه * إلى خطّة فيها خرجت لحينِ
فوالله مـا أدري وإنّي لواقفٌ * على خطر لا أرتضيه ومينِ
أأترك ملك الري والري رغبة * أم أرجع مطلوبا بقتل حسينِ
وفي قتله النار التي ليس دونها * حجاب وملك الري قرّة عيني
والإربلي ـ في كشف الغمّة 2|277 ـ رواه عن ابن طلحة ، ولكن ورد فيه : أم أرجع مأثوماً بدم حسين ؛ وأيضاً ورد في بعض النسخ مكان « أأترك » : « أآخـذ ».
وفي المناقب ـ لابن شهرآشوب ـ 4|98 :
فوالله مـا أدري وإنّي لواقفٌ * أفكّر في أمري على خطرينِ
أأترك ملك الري والري مُنيتي * أم أرجع مذموماً بقتل حسينِ
وفي قتله النار التي ليس دونها * حجاب وملك الري قرّة عيني
(1) في تاريخ الطبري : لا ترجعوا ؛ والصحيح : « لاترجفوا » ؛ الرجف : أي الفتنة.
(2) في تاريخ الطبري 5|417 : فإنّ هذا لم يجرِ بينكم وبينه فيه منطقٌ.

( 238 )

وكان الحسين قال للعبّـاس : ارجع إليهم فإن استطعْتَ أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا هذه العشـيّة ؛ لعلّنا نصلّي لربّنا ونستغفر ونوصي إلى أهلنا.
ثمّ جاءهم رسول عمر ، فقام بحيث يسمعون الصوت وقال : قد أجّلناكم إلى غدٍ ؛ فإن استسلمتم سرّحناكم إلى أميرنا ، وإن أبيْتم فلسنا تاركيكم.
فجمع الحسين أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلّى الله عليه ؛ ودعا دعاءً كثيراً ، ثمّ قال :
أمّا بعد.. فإنّي لا أعرف أهل بيتٍ أبرّ ولا أوصلَ من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خير جزاء ، وإنّي لا أظنّ يومنا من هؤلاء إلاّ غَبْرا(1) ، وإنّي قد أذنْتُ لكم ، فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، ليأخذ كلّ امرئ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم ؛ فإنّ القوم إنّما يطلبوني ولو قد أصابوني للَهَوْا عن غيري.
فقال له إخوته : لمَ نفعل ذلك ؟ ! لنبقى بعدك ؟ ! لا أرانا الله ذلك أبداً ، قبّح الله العيش بعدك. وتكلّم أهله بذلك كلّهم.
ثمّ قام مُسْلم بن عوسجة الأسديّ : فقال : أنحن نخلّي عنك ولم نعذر فيك ؟ ! والله لو لم يكن معي سلاحـي لقذفتهم بالحجارة دونَك حتّى أمـوت.
[ وقال سعيد بن عبـد الله الحنفي : والله لا نخلّيك حتّى ](3) (و) يعلم
____________
(1) في تاريخ الطبري 5|418 : وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً.
(2) ما بين المعقوفين من تاريخ الطبري.

( 239 )

الله إنّا حفظنا عيبة رسول الله ، والله لو علمتُ أنّي أُقتَل ثمّ أُحْيا ، ثمّ أُقتل ثمّ أُحْرَق ثمّ يُذرّى بي ، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتُك ، فكيف وهي قتلة واحدة ، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً.
ثمّ قام زُهَير بن القين ، فقال مثل ذلك ، وكلّهم يتكلّم بما يقرب من ذلك ، وكانوا اثنين وثلاثين رجلاً من الفرسان وأربعين رجّالة.
ثمّ أوصى لأُخته عليه السلام ، فقال : يا أُخته ! إنّي أُقسم عليكِ فبرّي(1) قسـمي : لا تشقّي علَيّ جيباً ، ولا تخمشـي وجهاً ، ولا تَدْعي علَيّ بالويل والثَبور ؛ إن أنا أهلكْتُ.
فبكَتْ وارتفعَت الأصوات من جهة النساء ، وقالت أُخته : بأبي أنت وأُمّي أبا عبـدالله ! استقتلْتَ [ نفسي فداك ](2) ؟ !
فردّد غصّته ، ثمّ قال : لو ترِك القَطا [ ليلا ] لنام.
فلطمت وجهها وخّرت مغشيّاً عليها ، فصبّ الحسين على وجهها الماء ، وعزّاها بكلامٍ طويل.
فلمّا أصبحوا ـ وذلك يوم الجمعة ، وقيل : يوم السبت ـ وكان يوم عاشوراء ، فخرج الحسين وعبّأ أصحابه ، وأمر بأطناب البيوت ، فقرّبت حتّى دخل بعضها من بعض ، وجعلوا وراء ظهورهم ليكون الحرب من وجهٍ واحد ، وأمر الحسين بمسك فميث في جَفْنة عظيمة ، وأطّلى ، وركب دابّته ، ودعا بمُصْحف فوضـعه أمامَه ، واقتتل أصحابه بين يديه قتالاً شـديداً.
فحرّك الحـرّ بن يزيد دابّته حتّى استأمـن إلى الحسـين ، فقال له :
____________
(1) في تاريخ الطبري : فأبرّي قسـمي.
(2) ما بين المعقوفين من تاريخ الطبري.

( 240 )

بأبي أنت وأُمّي ! ما ظننت الأمر ينتهي بهؤلاء القوم إلى ما أرى ، وظننْتُ أنّهم سيقبلون منك إحدى الخصال التي تعرضها عليهم ، فقلْتُ في نفسي : لا أُبالي أن أطيع القوم في بعض أُمورهم ! وأمّا الآن فإنّي جئتُكَ تائباً مواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك ، أترى لي توبة ؟ !
قال : نعم ، يتوب الله عليك ويغفر لك ، انْزل.
قال : أنا فارساً خيرٌ لك منّي راجلاً ، أُقاتلهم على فرسي ساعة ، وإلى النزول ما يصير آخر أمري. ثمّ بارز فقتل واحداً بعد آخر.
ولم يبارز واحدٌ من أصحاب الحسين إلاّ ويقتل عدّة منهم ؛ فقال عمرو بن الحجّاج رافعاً صوته : يا حَمقى ! أتدرون من تُقاتلون ؟ ! فرسان المصر وقوماً مستميتين ، والله لا يبرز لهم منكم أحدٌ إلاّ قُتل ، لا تبرزوا لهم ؛ فإنّهم قليلٌ ، وقلّ ما يبقون ، وجهدهم العطش.
فقال عمر بن سعد : لقد صدقْتَ. وأرسل في الناس ، فعزم عليهم أن : لا يبارز رجل منكم رجلاً منهم..
فأخذت الخيل تحمل وأصحاب الحسين تثبت ، وإنّما هم اثنان وثلاثون فارساً ، إن قُتل منهم واحد واثنان يبين عليهم ، وإن قتلوا أضعافهم لا يبين على القوم(1). فقال عمر : فليتقدّم الرُماة إلى هذه العُدَّة اليسيرة ، فليرشقوهم بالنبل.
فتقدّموا فلم يلبثوا أن عقروا خيلهم فصاروا رجّالة(2) ، وقاتلوا قتالاً لم يُرَ أعظم منه ولا أشـدّ.
ووصل الناس إلى الحسين ، فقاتل بين يديه كلّ من معه حتّى سقطوا ،
____________
(1) تاريخ الطبري 5|439.
(2) تاريخ الطبري 5|437.

( 241 )

وجعل أصحابه يستقبلون بين يديه ويُسلّمون عليه ويودّعونه ، ثمّ يقاتلون حتّى يُقْتلوا.
فكان أوّل قتيل من آل أبي طالب علي بن الحسين الأكبر ، ثمّ عبـد الله ابن مسلم بن عقيل ، ثمّ محمّـد بن عبـد الله بن جعفر ، ثمّ جعفر بن عقيل.
قال عبـد الله بن عمّار : ثمّ رأينا غلاماً كأنّ وجهه شقّة قمر ، في يده سيف ، وعليه قميص ونعلان وقد انقطع شِسْع أحدهما ، فحمل عليه رجلٌ فضربه على رأسه ، فوقع الغلام لوجهه وصاح : يا عمّاه !
فجلّى الحسين كما يجلّي الصقر ، ثمّ شـدّ على الرجل بسيفه ، فاتّقاه ، فضرب ساعده فأطنّها من المِرفق ، وتنحّى الغلام وانجلت الغبرة ، فرأيت الحسين قائماً على رأسه وهو يفحص برجلَيْه الأرض والحسين يقول : بُعْداً لقوم قَتَلوك ، ومن خصمهم جدّك. ثمّ قال : عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يُجيبك ، أو يُجيبك فلا ينفعك..
ثمّ احتمله فكأنّي أنظر إلى رجلَيِ الغلام يخطّان في الأرض ، وقد وضع الحسين صدره على صدره ، فقلت في نفسي : ما يصنع به ؟ ! فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليّ والقتلى حوله من أهل بيته ، فسألْتُ عن الغلام ، فقيل : هو القاسم بن الحسن بن عليّ عليهم السلام.
ومكث الحسين طويلاً من النهار ، كلّما انتهى إليه رجلٌ انصرف عنه وكره أن يتولّى قتله ، حتّى أتاه سنان بن أنس ، فضربه على رأسه بالسيف ، فقطع بُرنس خزٍّ كان عليه ، وأدمى رأسه ، فألقى ذلك البُرنس ودعا بقلنْسُوَة فلَبِسَها واعتمّ ، وكان قد أعيا وجهدَه العطش ولم يبقَ له قوّة ، فدنا إلى الماء يشـربه ، فرماه حصـين بن تميم بسـهم فوقع في فمه ، وجعل يتلقّى الدم من فيه فيرمي به نحو السماء ويقول : اللّهمّ اغْضب لابن بنت نبيّك ، اللّهمّ


( 242 )

لا أكن أهون عليك من ناقة [ صالح ] ..
ثمّ حمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على جدّه صلّى الله عليه ، وقال : اللّهمّ أحْصِهم عدداً ، واقْتلهم بَدَداً ، ولا تذر منهم أحداً(1).
ثمّ أقبل إليه شمر بن ذي الجوشن في نحو من عشرة رجّالة من أهل الكوفة ، وطلب منزل الحسين الذي فيه ثقله ، فمشي بينهم وحالوا بينه وبين رَحْله ؛ فقال الحسين : ويلكم ! إن لم يكن فيكم دينٌ فكونوا في دنياكم أحراراً(2)‌ ، امنعوا أهلي من طغامكم وجهّالكم.
فقال ابن ذي الجوشن : ذلك لك. وأقدم عليه بالرجّالة.
قال عبـد الله بن عمّار(3) : فلقد رأيته وهو يحمل على من في يمينه فيطردُهم ، وعلى من في شماله فيطردُهم ، وعليه قميص خزّ وهو معتمٌّ ، فوالله ما رأيته مكثوراً [ قطّ قد ] (4) قُتِل ولدُه وأهل بيتُه وأصحابُه أربط جأشاً
____________
(1) راجع : تاريخ الطبري 5|449.
(2) في تاريخ الطبري 5|450 : إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا في أمر دنياكم أحراراً.
(3) عبـد الله بن عمّار بن عبـد يغوث البارقي : كان في كربلاء في جيش ابن زياد ، روى عنه أبي مخنف بعض الأخبار ، ومنها هذا الخبر : عن « الحجّاج [ بن علي ] ، عن عبـد الله بن عمّار بن عبـد يغوث البارقي ، وعُتِب عليه بعد ذلك مشهده قتل الحسين ، فقال : إنّ لي عند بني هاشم لَيَداً.
قلنا له : وما يدك عندهم ؟ !
قال : حملتُ على حسين بالرُمح فانتهيْتُ إليه ، فوالله لو شئت طعنته ، ثمّ انصرفت عنه غير بعيد وقلت : ما أصنع بأن أتولّى قتله ؟ ! يقتله غيري !... » حتّى يصل إلى ما في المتن. تاريخ الطبري 5|451 ـ 452.
وروى عنه أبو مخنف روايتين في قصّة صفّين. راجع : تاريخ الطبري 4|565 ـ 566.
(4) ما بين المعقوفين من تاريخ الطبري.

( 243 )

منه ، ولا أمضى جَناناً منه ، ولا أجرأ مقدماً ، والله ما رأيْتُ قبلَه ولا بعدَه مثلَه ؛ أن كانت الرجّالة تنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شـدّ فيها الذئب.
وكأنّي بزينب أُخته ـ وهو على تلك الحال ـ قد خرجتْ وأنا أنظر إلى قُرْطها يجول بين أُذُنها وعاتقها وهي تقول : لَيْتَ السماء انطبقَتْ على الأرض..
وكان قد دنا عمر بن سـعد ، فقالت : يا بن سعد ! أيُقتل أبو عبـد الله وأنت تنظر إليه ؟ ! وكأنّي أنظر إلى دموع ابن سعد تسيل على خدّيه ولحيته وصرف وجهه عنها.
ونادى في الناس شمرٌ وقال : ما تنتظرون بالرجل ؟ ! اقتلوه ثكلتكم أُمّهاتكم.
فحُمِل عليه من كلّ جانب وضرِب على كتفه وعاتقه وطعن ، فقال شمر لخولي بن يزيد الأصبحي : انزل إليه فحزّ رأسه. فأراد ذلك ، فأرْعد وضعف ، فقال له سنان بن أنس ـ وهو الذي طعنه ـ : فتّ الله عضدَيْك. ونزل فَذَبَحَهُ وأخذ رأسَه ، وسلب جسَدَه حتّى سراويله وتُرِك مجرّداً.
ومال الناس على الإبل والمتاع فانتهبوه ، وانتهبوا النساء ، حتّى جاء عمر بن سعد ، فقال : لا يدخلنّ هذا البيت التي فيه النساء أبداً ، ولا يعرض لهذا الغلام المريض أحد. يعني علي بن الحسين الأصغر(1).
وقُتِل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون رجلاً ، سبعة منهم لصلب عليّ عليه السلام ، وتسعة منهم ولد عقيل بن أبيطالب مع مسلم الذي تقدّم
____________
(1) راجع : تاريخ الطبري 5|454.
( 244 )

ذكره. وفي ذلك يقول شاعرهم :
عين جودِي بعبرةٍ وعويلِ * واندبي وإن ندبتِ آل الرسولِ
سبعة(1) كلّهم لصْلبِ عليٍّ * قد أُصيبوا وتسعة(2) لعقيلِ(3)
وسرّح الرأس إلى عبيد الله ، فحدّث حُمَيد بن مسلم ، قال : كنْتُ عند ابن زياد حين عُرِض عليّ الأصغر ، فقال له : ما اسمُك ؟
قال : عليُّ بن الحسين.
قال : أوَ لَم يقتل الله علي بن الحسين ؟ !
فسكت عليّ ، فقال له : لِمَ لا تتكلّم ؟ !
قال : قد كان لي أخٌ يقال له عليّ بن الحُسين أيضاً.
قال : فقد قتلَهُ الله ؟ !
فسكت عليّ ، فقال : ما لك لا تتكلّم ؟ !
فقال : (اللهُ يَتَوفَّـى الأنْفُسَ حـينَ مَوْتِها)(4) ( وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ
____________
(1) عند الجاحظ : تسعة.
(2) عند الجاحظ : سبعة.
(3) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 15|236 ، عن الجاحظ في رسالته حول بني أُمية وبنـي هاشـم ؛ والشاعر هو ـ كما صرّح به البلاذري ـ : سراقة [ اب أبو عمرو ] البارقي ، والشعر على ما في أنساب الأشراف 3|223 هكذا :
عين بكّي بعبرة وعويلِ * واندبي إن ندبت آل الرسولِ
خمسة منهم لصلب عليٍّ * قــد أبيـدوا وسبعة لعقيلِ
وراجع : زفرات الثقلين ـ للمحمودي ـ 1|103 ، كنى الشعراء ـ لمحمّـد بن حبيب البغدادي ـ : 292 (عن هامش الزفرات).
وراجع أيضاً : بحار الأنوار 5|291 مع بقية الأشعار ؛ وذكر أنّه لواحد من الشعراء.
(4) سورة الزمر 39 : 42.

( 245 )

تَموتَ إلاّ بإذْنِ اللهِ)(1).
فقال : أنت والله منهم ! ويحكم ! انظروا هل أدرك هذا ؟ ! فإنّي أحسبه رجلاً.
فكشف عنه بعض أصحابه ، فقال : نعم قد أدرك.
فقال : اقتله !
فقال عليّ : فوكّل بهؤلاء النسوة من يكون مَحْرماً لَهُنّ يسير معهُنّ إن كنْتَ مسلماً !
فقال ابن زياد : نعم دعوه ، أنت تسير معهنّ. وبعث معهنّ به إلى الشام(2) !
فقال : إنّ يزيد لمّا وردت عليه كتب البشارة دمعَتْ عينه وكان القادم عليه زَحْر بن قيس ، فقال : ما وراءك ؟ !
فخبّره أنّ الحسين قُتل ، وقُتل من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً وسـتّين من شيعته.
وقال : كنـتُ أرضـى مـن طاعَـتِكم بـدون قـتل الحسـين ! لعن الله ابـن سـميّة ورحم الله الحسين. ولم يُعْطِ لِزَحر بن قيس شيئاً !
وأقيم عليه في داره مناحة ثلاثة أيّام ، ثمّ أمر بحمل عليّ بن الحسين إلى المدينة مع النساء مكرّمين ، وقال لعليّ : كاتِبني بحوائجك(3).
____________
(1) سورة آل عمران 3 : 145.
(2) تاريخ الطبري 5|458 ؛ مع اختلاف يسير في العبارة.
(3) بالنظر لما عُرف عن يزيد بن معاوية ، وفي ما يتعلّق بمثل هذه الأخبار ؛ هناك رأيان ـ قابلان للبحث والنقاش ـ يمكن افتراضهما :
الأوّل : إنّ مؤرّخو الأُمويّين قد وضعوا مثل هذه الأخبار لتبرئة بني أُميّة ممّا وقع

=


( 246 )

ويقال : إنّه أنشـد لمّا وضعت الرُّؤوس بين يَدَيْه :
نفلّق(1) هاماً من رجالٍ أعزّةٍ * علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما(2)
وما يروى عنه أنّه أنشد قول ابن الزِبعرى لمّا وضعت الرؤوس عنده :
ليْتَ أشياخي ببدرٍ شهــدوا * جَزَعَ الخزرج من وقع الأسَلْ
فاستهلــّوا وأهلّوا فَرَحـاً * ثــمّ قالــوا يا يزيد لا تَشلْ
لسْتُ من خندف إن لم أنتقم * مــن بني أحمد ما كان فَعَلْ
فلم يجتمع عليه الرواة(3) ؛ ولو صحّ ذلك منه لم يشكّ في كفره ! !
ولكنّه يروى إنّه كان ينكت أسنان الحُسين بقضيب كان في يده وأنشد : يفلّقن هاماً.. البيت ، فكان عنده أبو برزة الأسلمي فقال : أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين ؟ ! والله لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً ، لربّما
____________
=
من أحداث ، وهم الّذين تولّوا إشاعة وتثبيت مقولة : إنّ ما وقع في كربلاء كان من فعل ابن زياد وليس يزيد.
الثاني ـ وهو الاحتمال الأقوى ـ : أنّ يزيد نفسه كان وراء هذا الوضع ، بالمكر والدهاء والخداع ؛ لتبرئة ساحته وإلقاء تبعة جريمة عاشوراء في عنق ابن زياد ، غافلاً عن أنّه هو نفسه قد عيّن وأبقى ابن زياد والياً على الكوفة والعراق ، وفي هذه الحالة كان واجباً عليه ـ وبزعمه : أنّ كربلاء وقتل الإمام الحسين عليه السلام كان بأمر وتنفيذ ابن زياد فقط ـ أن يعزله عن ولاية العراق على أقلّ تقدير.
(1) في تاريخ الطبري : يفلّقْن.
(2) والشعر لحصين بن همّام المرّي ، من المفضلية : 12. راجع : تاريخ الطبري 5|390 ، وص 460 ، وص 465.
(3) البدء والتاريخ ـ للمقدسي ـ 6|12 ، الآثار الباقية ـ لأبي ريحان البيروني ـ : 422 ، روضة الواعظين ـ للفتّال النيشابوري ـ : 191 ، المناقب ـ لابن شهرآشوب ـ 4|181 ، بحار الأنوار 45|157 ، الاحتجاج ـ للطبرسي ـ 2|122 ، تفسير القمّي 2|86 ، الخرائج والجرائح 2|580 ، مقاتل الطالبيّين : 119 ، بلاغات النساء : 21.
وفي معظم المصادر المذكورة التصريح بأنّ يزيد قد أنشد هذه الأبيات.

( 247 )

رأيت رسول الله صلّى الله عليه يَرشفه ؛ أمّا إنّك يا يزيد ! تجيءُ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمّـد شفيعه. ثمّ قام وولّى(1).
قد بسطنا الكلام في أيّام الحسين ومقتله فَضْل بسطٍ وإن كان ذلك في جنب ما ذكره الرواة قليلاً مختصراً ؛ لأنّ مثله من الحوادث لم يكن قبله في الإسلام ولا يكون بعده ، وظننا أنّه لم يكن في سائر الأديان وإلى يومنا هذا مثله ولا ما يقرب منه..
وليتهم إذ لم يكونوا أصحاب دين محمّـد كانوا من الساسـة للدنيا والقيّمـين بمروّات أهلها.
اللّهمّ جدّد اللعن عليهم ، وعلى من يَبْخل عليهم باللعن ، وكن المنتقم لأهل بيت نبيّك بفضلك ورحمتك.

* * *

____________
(1) تاريخ الطبري 5|465 ؛ وراجع ص 390.
( 248 )

فهرس مصادر التحقـيق
1 ـ الآثار الباقية عن القرون الخالية ، لأبي ريحان محمّـد بن أحمد البيروني (ت 440) ، تصحيح پرويز اذكائي ، ميراث مكتوب ـ طهران 1380 هـ ش.
2 ـ الاحتجاج ، لأحمد بن علي الطبرسي (ت 560) ، تحقيق إبراهيم البهادري ومحمّـد هادي به ، منشورات الأُسوة ـ قـم 1413 هـ.
3 ـ الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة الدينوري عبـدالله بن مسلم (ت 276) ، تحقيق علي شيري ، دار الأضواء ـ بيروت 1410 هـ.
4 ـ الأخبار الطوال ، لأبي حنيفة الدينوري أحمد بن داود (ت 282) ، تصحيح عبـد المنعم عامر ، القاهرة 1960 م.
5 ـ أنساب الأشراف ، لأحمد بن يحيى البلاذري (ت 279) ، تصحيح محمّـد باقر المحمودي ، بيروت 1398 هـ.
6 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، للشيخ محمّـد باقر المجلسي (ت 1110) ، مؤسّـسة الوفاء ـ بيروت 1403 هـ.
7 ـ البداية والنهاية ، لأبي الفداء ابن كثير إسماعيل بن عمر القرشي البصري (ت 771) ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1415.
8 ـ البدء والتاريخ ، للمقدسي ، دار صادر ـ بيروت.
9 ـ بلاغات النساء ، لابن طيفور أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر (ت 380 هـ) ، منشورات مكتبة بصيرتي ـ قـم 1361 هـ.
10 ـ تاريخ الخـميس في أحوال أنفس النفيس ، لحسين بن محمّـد الدياربكري (ت 966) ، دار صادر ـ بيروت.
11 ـ تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم والملوك) ، لمحمّـد بن جرير الطبري (ت 310) ، تحقيق محمّـد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف ـ القاهرة.
12 ـ تفسير القمّي ، لعلي بن إبراهيم القمّي (من أعلام القرنين الثالث والرابع الهجريين) ، بتصحيح السـيّد طيب الجزائري ، مؤسّـسة دار الكتاب ـ قـم


( 249 )

1404 هـ.
13 ـ حياة الإمام الحسـين ، لباقر شريف القرشي ، مدرسـة الأيرواني ـ قم 1974 م.
14 ـ الخرائج والجرائح ، لقطب الدين الراوندي (ت 573) ، تحقيق ونشر مؤسّسة الإمام المهدي (عج) ـ قـم 1409 هـ.
15 ـ ديوان علي بن الجهم ، تحقيق : خليل مردم بك ، دمشق 1949 م.
16 ـ روضة الواعظين ، لمحمّـد بن الفتّال النيسابوري (ت 508) ، منشورات الشريف الرضي ـ قـم.
17 ـ الرياض النضـرة ، لأبي جعفر أحمد المعروف بمحب الدين الطبري (ت 694) ، مطبعة دار التأليف 1953 م.
18 ـ زفرات الثقلين ، لمحمّـد باقر المحمودي ، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ـ قم 1412 هـ.
19 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي عزّ الدين عبـد الحميد ابن هبة الله المدائني (ت 656) ، تحقيق محمّـد أبو الفضل إبراهيم ـ القاهرة 1378هـ.
20 ـ فضائل الصحابة ، لأحمد بن حنبل (ت 241).
21 ـ الكامل في التاريخ ، لابن الأثير علي بن محمّـد الجزري الشيباني (ت 630) ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1412 هـ.
22 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ، لعلي بن فخر الدين عيسى الإربلي (ت 693) ، تبريز 1381 هـ.
23 ـ مجلّة كلية الآداب لجامعة بغداد ، العدد الخامس ، سنة 1962 م .
24 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، لعلي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (ت 807) ، دار الكتاب العربي ـ بيروت 1402 هـ.
25 ـ المستدرك على الصحيحين ، للحاكم النيسابوري محمّـد بن عبـدالله (ت 406) ، دار الفكر ـ بيروت 1398 هـ.
26 ـ مسند أحمد ، لأحمد بن حنبل (ت 241) ، دار الفكر ـ بيروت.


( 250 )

27 ـ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ، لمحمّـد بن طلحة النصيبي الشافعي (ت 652) ، مؤسّـسة أُمّ القرى ـ بيروت 1420 هـ.
28 ـ معالم المدرسـتين ، للسيّد مرتضى العسكري ، مؤسّـسة البعثة ـ طهران 1992 م.
29 ـ مقاتل الطالبيين ، لأبي الفرج الأصفهاني (ت 356) ، تصحيح أحمد صقر ، منشورات الشريف الرضي ـ قم.
30 ـ مناقب آل أبي طالب ، لابن شهرآشوب المازندراني (ت 588) ، المطبعة العلمية ـ قم.
31 ـ المناقب والمثالب ، لقاضي نعمان ، مخطوط.

* * *