بعدقبل

عدالة الصحابة
(8)





الشيخ محمّـد السند



واقعتان خـطيرتان في الصـحبة
أهل العقبة ـ المظاهـرة

يشير القرآن الكريم في سورة التوبة (براءة) وسورة التحريم إلى تصاعد حدّة العداء للنبيّ صلى الله عليه وآله لدى جماعة ممّن كان معه وممّن يحيط به ، وكذلك كتب الحديث والسيَر والتواريخ ، وقد بلغ هذا العداء ذروته بتدبيرهم محاولتين للفتك به صلى الله عليه وآله :

* الأُولى :
في رجوعه من تبوك عند العقبة ، ومدبّريها عُرفوا بـ : أهل العقبة..
قال تعالى : (ولئن سألتَهم ليقولُنّ إنّما كنّا نخوضُ ونلعبُ قلْ أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤنَ * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانِكمْ إن نعفُ عن طائفةٍ منكم نعذّبْ طائفةً بأنّهم كانوا مُجرمين)(1).
____________
(1) سورة التوبة (براءة) 9 : 65 ـ 66.
( 49 )

وقال تعالى في السورة نفسها أيضاً : (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمةَ الكفـر وكفروا بعد إسلامِـهم وهَمّوا بما لم ينالوا وما نَقَموا إلاّ أن أغناهُمُ اللهُ ورسوله من فضله فإن يتوبوا يكُ خيراً لهم وإن يَتولّوْا يعذّبهُمُ اللهُ عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من وليٍّ ولا نصـيرٍ)(1)..
قال الطبرسي في مجمع البيان في ذيل الآيات الأُولى : « قيل : نزلت في اثني عشر رجلاً وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وآله عند رجوعه من تبوك ، فأخبر جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم ، وعمّار كان يقود دابّة رسول الله صلى الله عليه وآله وحذيفة يسوقها ، فقال لحذيفة : اضرب وجوه رواحلهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّه فلان وفلان. حتّى عدّهم كلّهم.
فقال حذيفة : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟ !
فقال : أكره أن تقول العرب لمّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم.
عن ابن كيسان.
وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام مثله ، إلاّ أنّه قال : ائتمَروا بينهم ليقتلوه ، وقال بعضهم لبعض : إن فطن نقول : إنّا كنّا نخوض ونلعب ، وإن لم يفطن نقتله ».
وفي ذيل الآيات اللاحقة قال : « وقيل : نزلت في أهل العقبة ؛ فإنّهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وآله في عقبة عند مرجعهم من تبوك وأرادوا أن يقطعوا انساع راحلته ، ثمّ ينخسوا به ، فأطلعه الله تعالى على
____________
(1) سورة التوبة (براءة) 9 : 74.
( 50 )

ذلك ، وكان من جملة معجزاته ؛ لأنّه لا يمكن معرفة مثل ذلك إلاّ بوحي من الله تعالى..
فسار رسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة وعمّار وحذيفة معه ، أحدهما يقود ناقته والآخر يسوقها ، وأمر الناس كلّهم بسلوك بطن الوادي ، وكان الّذين همّوا بقتله اثني عشر رجلاً أو خمسة عشر رجلاً على الخلاف فيه ، عرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسمّاهم بأسمائهم واحداً واحداً.
عن الزجّاج والواقدي والكلبي ، والقصّة مشروحة في كتاب الواقدي..
وقال الباقر عليه السلام : كانت ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب »(1).
وقال الزمخشري في ذيل الآية 74 : « أقام رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ، ويعيب المنافقين فيسمع من معه منهم ، منهم الجلاس بن سويد... ـ إلى أن قال : ـ فتاب الجلاس وحسنت توبته.
(وكفروا بعد إسلامهم) : وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام.
(وهمّوا بما لم ينالوا) : وهو الفتك برسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، وذلك : عند مرجعه من تبوك تواثق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنّم العقبة بالليل ، فأخذ عمّار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها ، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح ، فالتفت فإذا قوم متلثّمون ، فقال : إليكم إليكم يا أعداء الله ، فهربوا »(2).
____________
(1) مجمع البيان ـ للطبرسي ـ 5|70 ـ 78.
(2) الكشّاف ـ للزمخشـري ـ 2|291.

( 51 )

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف في ذيل كلام الزمخشري المتقدّم : « أخرجه أحمد من حديث أبي الطفيل ، قال : لمّا قفل رسول الله صلّى الله عليه [ وآلهج وسلّم من غزوة تبوك أمر منادياً ينادي لا يأخذنّ العقبة أحد ، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يسير وحده..
فكان النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يسير وحذيفة رضي الله عنه يقود به ، وعمّار رضي الله عنه يسوق به ، فأقبل رهط متلثّمين على الرواحل حتّى غشـوا النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فرجع عمّار فضرب وجوه الرواحل ، فقال النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لحذيفة : قُد قُد. فلحقه عمّار فقال : سُـق سُـق. حتّى أناخ ، فقال لعمّار : هل تعرف القوم ؟ !
فقال : لا ، كانوا متلثّمين ، وقد عرفت عامّة الرواحل.
فقال : أتدري ما أرادوا برسول الله ؟ !
قلت : الله ورسوله أعلم.
فقال : أرادوا أن يمكروا برسول الله فيطرحوه من العقبة.
فلمّا كان بعد ذلك وقع بين عمّار رضي الله عنه وبين رجل منهم شيء ممّا يكون بين الناس ، فقال : أنشدكم الله ، كم أصحاب العقبة الّذين أرادوا أن يمكروا برسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ؟ !
فقال : ترى أنّهم أربعة عشر ، فإن كنت فيهم فهم خمسة عشر..
ومن هذا الوجه رواه الطبراني والبزّار ، وقال : روي من طريق عن حذيفة ، وهذا أحسنها وأصلحها إسناداً.
ورواه ابن إسحاق في المغازي ، ومن طريقه البيهقي في الدلائل ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي البختري ، عن حذيفة بن اليمان ،


( 52 )

قال : كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أقود به ، وعمّار رضي الله عنه يسوق الناقة حتّى إذا كنّا بالعقبة وإذا اثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها ، قال : فانتهت إلى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فصرخ بهم فولّوا مدبرين »(1).
وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير ـ بعد أن ذكر أسباباً أُخرى لنزول هذه الآيات ـ : « قال القاضي : (يبعد أن يكون المراد من الآية هذه الوقائع ؛ وذلك لأنّ قوله : (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر) إلى آخـر الآية ، كلّها صيغ الجموع ، وحمل صيغة الجمع على الواحد ، خلاف الأصل.
فإن قيل : لعلّ ذلك الواحد قال في محفل ورضي به الباقون.
قلنا : هذا أيضاً خلاف الظاهر ؛ لأنّ إسناد القول إلى من سمعه ورضي به خلاف الأصل..
ثمّ قال : بلى الأوْلى أن تُحمل هذه الآية على ما روي : أنّ المنافقين همّوا بقتله عند رجوعه من تبوك ، وهم خمسة عشر تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنّم العقبة بالليل ، وكان عمّار بن ياسر آخذاً بالخطام على راحلته وحذيفة خلفها يسوقها ، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبـل وقعقـعة السـلاح ، فالتـفت فإذا قـوم متلثّمـون ، فقال : إليكـم إليكـم يا أعداء الله ، فهربوا..
والظاهر أنّهم لمّا اجتمعوا لذلك الغرض ، فقد طعنوا في نبوّته ونسبوه إلى الكذب والتصنع في إدّعاء الرسالة ، وذلك هو قول كلمة الكفر.
____________
(1) ذيل الكشّاف 2|292.
( 53 )

وهذا القول اختيار الزجّاج).
فأمّا قوله : (وكفروا بعد إسلامهم) ، فلقائل أن يقول : إنّهم أسلموا ، فكيف يليق بهم هذا الكلام ؟ ! والجواب من وجهين :
الأوّل : المراد من الإسلام : الذي هو نقيض الحرب ؛ لأنّهم لمّا نافقوا ، فقد أظهروا الإسلام ، وجنحوا إليه ، فإذا جاهروا بالحرب ، وجب حربهم.
والثاني : أنّهم أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام.
وأمّا قوله : (وهمّوا بما لم ينالوا) ، المراد : إطباقهم على الفتك بالرسول ، والله تعالى أخبر الرسول عليه السلام بذلك حتّى احترز عنهم ، ولم يصلوا إلى مقصودهم..
ـ إلى أن قال في ذيل الآيات الثلاث التي تتلو الآية المزبورة ـ : اعلم أنّ هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ، ولا شكّ أنّهم أقسام وأصناف ، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل »(1).

أقول :
قد مرّ بنا في الحلقات السابقة(2) أنّ سورة التوبة (البراءة) سمّيت : « الفاضحة » ؛ فعن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عبّـاس : سورة التوبة ؟
فقال : التوبة ؟ ! بل هي الفاضحة ، ما زالت تنزل : « ومنهم.. » حتّى ظننّا أن لن يبقى منّا أحد إلاّ ذُكر فيها..
____________
(1) التفسير الكبير ـ للرازي ـ 16|136 ـ 138.
(2) راجع : الحلقة (3) من هذا المقال ، المنشورة في تراثنا ، العددان الثالث والرابع [ 59 ـ 60 ] لسنة 1420 هـ.

( 54 )

وكذلك سمّيت : « المبعثرة » ؛ لأنّها تبعثر عن أسرار المنافقين..
وسمّيت : « البحوث » ؛ لأنّها تذكر المنافقين وتبحث عن سرائرهم..
و« المدمدمة » ، أي : المهلكة..
و« الحافرة » ؛ لأنّها حفرت عن قلوب المنافقين..
و« المثيرة » ؛ لأنّها أثارت مخازيهم وقبائحهم..
و« العذاب » ؛ روى عاصم بن زر بن حبيش ، عن حذيفة ، قال : يسمّونها سورة التوبة وهي سورة العذاب(1).
فترى أن سورة التوبة (البراءة) مليئة بالإشارة إلى أقسام المذمومين ممّن كان في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله بظاهر الإسلام ، وأبرز ما فيها الكشف عن أفضع عملية حاول جماعة منهم ارتكابها ، وهي الفتك بالنبيّ صلى الله عليه وآله .
والجدير بالانتباه أنّ هذه السورة من أواخر السور نزولاً ؛ فهي نزلت قبيل عام الفتح وعند غزوة تبوك ، وقد صوّرت ـ بتفصيل ـ الأجواء التي كان يعيشها النبيّ صلى الله عليه وآله بالنسبة إلى من حوله.

حذيفة وأمير المؤمنين عليّ عليه السلام أعلم الناس بالمنافقين :
فقد ورد هذا المضمون في الحديث النبوي الشريف(2) ، وكذلك في عدّة روايات قد مرّت في ما سبق ، وهو بروز الصحابي حذيفة بن اليمان في علمه ومعرفته بالمنافقين ، والظاهر أنّ هذه الواقعة ـ وهي محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وآله ـ هي مربض الفرس ، والحادثة العظمى التي أطلعت حذيفة على
____________
(1) مجمع البيان ـ للطبرسي ـ 5|3 ـ 4.
(2) تفسير البرهان 2|812 سورة التوبة (براءة) ط الحديثة ـ قم ، وكذا في مصادر العامّـة.

( 55 )

رؤوس شبكة النفاق ، ومن المهمّ أن نتتبّع خيوط وتفاصيل الحادثة ؛ لترتسم لنا منظومة هذه الشبكة والمجموعة ، وهل هي من دائرة الصحابة المحيطة بالنبيّ صلى الله عليه وآله ، أو من الدائرة المتوسطة ، أو الدوائر البعيدة ؟ !
وها هنا ـ في البدء ـ عدّة موارد وتساؤلات مطروحة :

* الأُولى :
ما مرّ من قول ابن كيسان وروايته : أنّ حذيفة قد قال للنبيّ صلى الله عليه وآله عقب الحادثة : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟ ! فأجابه صلى الله عليه وآله : « أكره أن تقول العرب لمّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم » ؛ فقوله صلى الله عليه وآله يفيد أنّ المجموعة التي قامت بهذا التدبير هي من خواصّ الصحابة المحيطين به.

* الثانـية :
إنّ في كثير من الروايات لدى الفريقين التعبير عنهم بفلان وفلان و... من دون ذكر أسمائهم ؛ فما هذه الحشمة عن ذكر أسمائهم وعدّتهم بكاملها ؟ ! ولم هذا التحاشي عن التصريح إلى الكناية المبهمة ؟ ! ومن هم هؤلاء الّذين يتحفّظ عن ذكر أسمائهم ؟ ! أترى لو كانوا من الأباعد في الصحبة يُتستّر عليهم ؟ ! أو لو كانوا من المشهورين علناً بالنفاق لكان يتخفّى عليهم ؟ !
وهذا مؤشّـر مهمّ يضع بصماته على هذه الجماعة.

* الثالـثة :
قول الباقر عليه السلام : إنّ ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب.


( 56 )

* الرابـعة :
إنّه وقع بين عمّار رضي الله عنه وبين رجل من تلك المجموعة شجار بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله ، وأشار عمّار ولمّـح بين ملأ من الناس إلى كون ذلك الرجل منهم.

* الخامسـة :
إنّ سـرّ معرفة حذيفة بالمنافقين واختصاصه بهذه المعرفة هو مشاهدته لهذه الواقعة ، وهذا يفيد أنّ أصحاب هذه المجموعة لم يكونوا مشهورين في العلن لدى عامّة المسلمين بأنّهم من المتمرّدين والمنافقين ، بل كانوا يتستّرون في عداوتهم وكيدهم للدين والنبيّ صلى الله عليه وآله ؛ وإلاّ لَما اختصّ حذيفة بمعرفتهم كخصيصة أشاد بها النبيّ صلى الله عليه وآله لحذيفة..
ولماذا لم تشمل هذه المعرفة أصحاب السقيفة والخلفاء الثلاثة ، بينما اختصّ بها أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وحذيفة ؟ !

* السادسـة :
من الملاحظ والملفت للنظر أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لم يصطحب على العقبة إلاّ عمّار وحذيفة وسلمان والمقداد ، حسب اختلاف الروايات ، بينما باقي الصحابة ـ كالصاحب في الغار ، وغيره من أصحاب السقيفة ـ لم يكونوا معه صلى الله عليه وآله ..
وستأتي تتمّة للموارد الفاحصة لأوراق هذه الحادثة.
قال السيوطي في الدرّ المنثور :


( 57 )

« وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه ، قال : رجع رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قافلاً من تبوك إلى المدينة ، حتّى إذا كان ببعض الطريق مكر برسـول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ناس من أصحابه ، فتآمـروا أن يطرحـوه من عقبة في الطريق ، فلمّا بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه ، فلمّا غشيهم رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أُخبر خبرهم ، فقال : من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنّه أوسع لكم.
وأخذ رسـول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلاّ النفر الّذين مكروا برسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لمّا سمعوا ذلك استعدّوا وتلثّموا وقد همّوا بأمر عظيم..
وأمر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وعمّار بن ياسر رضي الله عنه فمشيا معه مشياً ، فأمر عمّار أن يأخذ بزمام الناقة وأمر حذيفة يسوقها.
فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه فغضب رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وأمر حذيفة أن يردّهم ، وأبصر حذيفة رضي الله عنه غضب رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم فرجع ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضرباً بالمحجن ، وأبصر القوم وهم متلثّمون لا يشعروا إنّما ذلك فعل المسافر ، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة رضي الله عنه وظنّوا أنّ مكرهم قد ظهر عليه فاسرعوا حتّى خالطوا الناس.
فأقبل حذيفة رضي الله عنه حتّى أدرك رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فلمّا أدركه قال : اضرب الراحلة يا حذيفة ، وامش أنت يا عمّار.
فاسرعوا حتّى استووا بأعلاها ، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس ، فقال النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لحذيفة : هل عرفت يا حذيفة من


( 58 )

هؤلاء الرهط أحداً ؟ !
قال حذيفة : عرفت راحلة فلان وفلان ، وقال : كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثّمون.
فقال النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : هل علمـتم ما كان شأنـهم وما أرداوا ؟ !
قالوا : لا والله يا رسول الله.
قال : فإنّهم مكروا ليسيروا معي حتّى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها.
قالوا : أفلا تأمر بهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم.
قال : أكره أن يتحـدّث الناس ويقـولوا أنّ محمّـداً وضع يده في أصحابه. فسمّاهم لهما وقال : اكتماهم ».
ثمّ إنّ السيوطي ذكر رواية البيهقي بطريق آخر ، فيها ذكر أسمائهم ، قال : « وأخرج ابن سـعد ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، قال : لم يخبر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بأسماء المنافقين الّذين تحسّـوه ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة رضي الله عنه ، وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشي وكلّهم من الأنصار ومن حلفائهم ».
ثمّ ذكر السيوطي رواية أُخرى عن البيهقي أيضاً في الدلائل ، وذكر سرد الواقعة إلى أن قال : « قلنا : يا رسول الله ! ألا تبعث إلى عشائرهم حتّى يبعث إليك كلّ قوم برأس صاحبهم.
قال : لا ، إنّي أكره أن تحدّث العرب بينها أن محمّـداً قاتل بقوم حتّى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم. ثمّ قال : اللّهمّ ارمهم بالدبيلة.
قلنا : يا رسول الله ! وما الدبيلة ؟


( 59 )

قال : شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيهلك »(1).
ويستفاد من هذه الروايات عدّة موارد أُخرى كشواهد مقرّبة إلى معرفة هذه المجموعة ـ مضافاً إلى ما تقدّم ـ.

* السابـعة :
قد عبّر الراوي الأخير لهذه الواقعة عن تلك المجموعة بأنّهم : « ناس من أصحابه صلى الله عليه وآله » ، ولا يخفى أنّ التعبير لدى الرواة بوصف الصحبة يخصّ من يتّصل بصحبة وبعلاقة قريبة ، فلم يكن تعبيرهم بلفظ الصحبة عن كلّ من أدرك النبيّ صلى الله عليه وآله ، بل هو وصف خاص لدى الرواة لخصوص مَن هو ممّن حواليه صلى الله عليه وآله ، بخلاف أصحاب التراجم والرجال ؛ إذ أنّهم اصطلحوا على تعاريف عدّة للصحابي ، شملت بعضها كلّ من رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وإن لم يروِ عنه ، أو كلّ من أدركه وروى عنه ولو بعض روايات قليلة ، أو حتّى رواية واحدة أو اثنتين..
فالاستعمال الجاري لدى الرواة أنّهم لا يطلقون لفظ الصحبة إلاّ على الخواصّ ، وممّن هم حواليه على علاقة متميزة به صلى الله عليه وآله ، كما في الاستعمال العرفي الدارج حالياً ، فإنّه لا يقال أصحاب فلان إلاّ على من لهم صلة خاصّة بذلك الشخص.
هذا مضافاً إلى قرائن أُخرى في هذه الروايات :
منها : إضافة اللفظ إلى الضمير « من أصحابه » ؛ فإنّه يختلف في الظهور عن تعبير : « من الصحابة » ؛ إذ الأوّل أكثر تخصّصاً.
____________
(1) الدرّ المنثور 3|259 ـ 260.
( 60 )

ومنها : أنّهم أرادوا أن يسلكوا العقبة مع الرسول صلى الله عليه وآله في بدء الأمر من دون الناس الّذين كانوا يمشون ببطن الوادي ، فقال صلى الله عليه وآله لهم ـ بعدما أُخبر خبرهم ـ : « من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي ، فإنّه أوسع لكم » ؛ وهذا يفيد أنّهم ممّن يتعارف مشـيه مع الرسـول قريب منه في الأسفار والحركة ، وهذه الصفة لا تكون للأباعد.
ومنها : جواب حذيفة ـ عندما سأله النبيّ صلى الله عليه وآله عن معرفة الرهط الّذين همّوا بذلك الأمر العظيم ـ بأنّه رأى راحلة فلان وفلان ؛ وهذا يفيد أنّ الرهط هم من وجوه المسلمين ، وممّن لحذيفة خلطة قريبة معهم ، وليسوا من الأباعد كي تخفى رواحلهم ودوابّهم على حذيفة.
ومنها : قوله صلى الله عليه وآله ـ عندما طلب منه حذيفة وعمّار قتل الرهط ـ : « إنّي أكره أن يتحدّث الناس ويقولوا أنّ محمّـداً وضع يده في أصحابه » ؛ ومنه يتبيّن أنّ الرهط والمجموعة هم ممّن ناصر النبيّ صلى الله عليه وآله بحسب الظاهر ، وكانوا ممّن حوله من الخواصّ الّذين لهم علاقة متميزة به أمام مرأى الناس ، ومن الّذين لا يتوقّع الناس معاداتهم له صلى الله عليه وآله ، بل كان الإقدام على قتلهم من قبله صلى الله عليه وآله مستنكراً عند الناس ، وهذا ظاهر في عدم كونهم من أوساط الناس أو من الأباعد.
ومنها : قوله صلى الله عليه وآله لحذيفة وعمّار لمّا أطلعهم بأسمائهم : « اكتماهم » ؛ فما وجه الأمر بالكتمان لو كان هؤلاء الرهط من أوساط الناس ، ومن حلفاء الأنصار ونحوهم ، كما روى ابن سعد أنّهم لم يكونوا من قريش بل من الأنصار وحلفائهم ؟ !
لا ريب أنّ علّة الأمر بالكتمان ظاهرة في كون هؤلاء الرهط هم ممّن يحسب على النبيّ صلى الله عليه وآله بصحبة خاصّة ، ممّن يؤدّي فضحه وكشفه ـ لا سيّما


( 61 )

بمثل هذا الفعل الشنيع المنكر ، الذي هو على أُصول الكفر الباطني ـ إلى حدوث بلبلة واضطراب في أوساط الناس وعامّتهم ممّن لا يعرف من الإسلام إلاّ رسمه ، ومن الدين إلاّ طقوساً ظاهرية..
فحفاظاً منه صلى الله عليه وآله على عدم إثارة الفتنة بين عامّة الناس بذلك ، وعدم تزلزل إسلامهم أمر بالكتمان ؛ ولا سيّما أنّ قوله تعالى في الآية السابقة لهذه الآيات : (يا أيّها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلُظ عليهم ومأواهم جهنّمُ وبئس المصير)(1) في تفسير أهل البيت عليهم السلام ـ كما روى ذلك الطبرسي في مجمع البيان(2) ، وغيره من مفسّـري الإمامية ، وبطرق مسـندة عنهم عليه السلام ـ : « جاهد الكفّار بالمنافقين » ، قالوا : لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يكن يقاتل المنافقين وإنّما كان يتألّفهم ؛ لأنّ المنافقين لا يُظهرون الكفر ، وعلْم الله تعالى بكفرهـم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يُظهرون الإيمان. فعلى هذا التفسير كان صلى الله عليه وآله مأموراً بأن يستبقيهم ويجاهد بهم الكفار..
ثمّ أنّه من الغريب من ابن سـعد أنّه يروي أنّهم ليسوا من قريش بل من الأنصار وحلفائهم ، ويروي ـ في الوقت نفسه ـ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يخبر بأسمائهم غير حذيفة ، فكيف نفى كونهم من قريش ؟ !
والغريب منه أيضاً نفي كونهم من حلفاء قريش ؛ إذ نسبهم إلى الأنصار وحلفائهم خاصّة..
ولا غـرابة في ذلك ؛ فإنّ أصحاب السـقيفة لم يواجههم في السقيفة إلاّ الأنصار وحلفائهم ـ إلاّ القليل ـ ولم يعقد البيعة في السـقيفة إلاّ قريش وحلفائها.
____________
(1) سورة التوبة (براءة) 9 : 73.
(2) مجمع البيان 5|77.

( 62 )

ومنها : قوله صلى الله عليه وآله في الرواية الأُخرى المتقدّمة : « إنّي أكره أن تحدّث العـرب بينها أنّ محمّـداً قاتل بقوم حـتّى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم » ؛ فإنّه صلى الله عليه وآله وصف هؤلاء الرهط بأنّهم : « قوم قاتل بهم » و : « أظهره الله بـهم » ، ولو بنظر عامّة الناس وأذهان العرب ، فهل هذا الوصف ينطبق إلاّ على الخواصّ ممّن هاجر من الأوائل معه صلى الله عليه وآله ..
وهو صلى الله عليه وآله قد بيّن أنّ عامّة أذهان الناس ، التي تنظر إلى مجريات الأحداث بسطحية وتحكم عليها حسب ظواهرها لا حقيقتها ، تستنكر الاقتصاص من هؤلاء الرهط ومعاقبتهم وفضحهم على الملأ ؛ إذ كانوا قد أوجدوا ـ بحسب الظاهر ـ لأنفسهم مكانة واختصاص لدى النبيّ صلى الله عليه وآله في أعين الناس ، لدرجة كان يصعب معها كشف زيف هذه الصنيعة ، ولم يكن من الهيّن واليسير بيان الحقيقة لعقول الناس القاصرة ، التي لا تزن الأُمور حسب الواقع بل حسب الظواهر.

* الثامـنة :
إنّ هؤلاء الرهط تميّزوا بأنّهم دعا صلى الله عليه وآله عليهم بأن يبتليهم الله تعالى بالدبيلة ، وسيأتي في روايات أُخرى كالتي أوردها صحيح مسلم وغيره أنّها تشير إلى تلك الجماعة.

* التاسـعة :
إنّ اقتران حذيفة وعمّار في هذه الواقعة أمر تكرّر في الروايات والنقول التاريخية ، أي اقترنا في معرفة هؤلاء الرهط ، وهذه علامة سيتمّ الاستفادة منها في الموارد الروائية اللاحقة بشأن المنافقين.


( 63 )

والملفت للنظر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لمّا أخبره الوحي بنيّة تلك الجماعة الفتك به لم يستعن صلى الله عليه وآله بأحد من خواصّ أصحابه سوى حذيفة وعمّار وسلمان والمقداد ، فما شأن البقية من الخواصّ ؟ !
لماذا لم يستأمنهم صلى الله عليه وآله ويأمنهم في الدفاع عنه وحمايته ؟ ! أم أنّ الحال كان على عكس ذلك.
وأمّا أبا ذرّ فلم يكن عنده راحلة في غزوة تبوك ، فكان يتأخّر عن جيش الرسول صلى الله عليه وآله في سيره ماشياً على قدميه ، كما ذكرت ذلك مصادر السِيَر والتواريخ.

* العاشـرة :
إنّ هذه الواقعة الخطيرة في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله ومسيرة الدين متّفق على وقوعها في كتب حديث الفريقين وكتب السير والتواريخ ، سواء كانت هي سبب نزول الآيات ، كما هو الأقوى الظاهر ، أم كان السبب للنزول واقعة أُخرى.
قال ابن عبـد البرّ في الاستيعاب في ترجمة أبي موسى الأشعري ، عبـد الله بن قيس بن سليم ، أنّه : « ولاّه عمر البصرة في حين عزل المغيرة عنها ، فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان ، فعزله عثمان عنها وولاّها عبـد الله بن عامر بن كريز ، فنزل أبو موسى حينئذ بالكوفة وسكنها.
فلمّا دفع أهل الكوفة سعيد بن العاص ولّوا أبا موسى وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يولّيه ، فأقرّه عثمان على الكوفة إلى أن مات.
وعزله عليّ رضي الله عنه عنها فلم يزل واجـداً منها على عليّ حتّى جاء منه ما قال حذيفة ؛ فقد روي فيه لحذيفة كلام كرهت ذكره والله يغفر له.


( 64 )

ثمّ كان من أمره يوم الحـكمين ما كان »(1)..
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج :
« قلت : الكلام الذي أشار إليه أبو عمر بن عبـد البرّ ولم يذكره ، قوله فيه ـ وقد ذُكر عنده ، أي عند حذيفة ، بالدين ـ : أمّا أنتم فتقولون ذلك ، وأمّا أنا فأشهد أنّه عدوّ لله ولرسوله وحرب لهما ، في الدنيا ( ويوم يقوم الأشهاد * يومَ لا ينفعُ الظالمين معذرتُهُم ولهم اللعنةُ ولهم سوءُ الدار)(2)..
وكان حذيفة عارفاً بالمنافقين ، أسرّ إليه رسول الله صلى الله عليه وآله أمرهم وأعلمه أسماءهم.
وروي أنّ عمّاراً سئل عن أبي موسى ، فقال : لقد سمعت فيه من حذيفة قولاً عظيماً ، سمعته يقول : صاحب البرنس الأسْود. ثمّ كلح كلوحاً علمت منه أنّه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط.
وروي عن سويد بن غفلة ، قال : كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات في خلافة عثمان ، فروى لي خبراً عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : سمعته يقول : إنّ بني إسرائيل اختلفوا ، فلم يزل الاختلاف بينهم ، حتّى بعثوا حكمين ضالّيْن ضلاّ وأضلاّ من اتّبعهما ، ولا ينفكّ أمر أُمّتي حتّى يبعثوا حكمين يَضلان ويُضلاّن.
فقلت له : احذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما !
قال : فخلع قميصه ، وقال : أبرأ إلى الله من ذلك ، كما أبرأ من قميصي هذا ».
____________
(1) الاستيعاب ـ في ذيل الإصابة ـ 2|372.
(2) سورة غافر 40 : 51 و52.

( 65 )

ثمّ ذكر ما قاله أبو محمّـد بن متّويه في كتاب الكفاية : « أمّا أبو موسى فإنّه عظم جرمه بما فعله ، وأدّى ذلك إلى الضرر الذي لم يخف حاله ، وكان عليّ عليه السلام يقنت عليه وعلى غيره فيقول : اللّهمّ العن معاوية أوّلاً وعَمْراً ثانياً وأبا الأعور السلمي ثالثاً وأبا موسى الأشعري رابعاً.
وروي عنه عليه السلام أنّه كان يقول في أبي موسى : صبغ بالعلم صبغاً وسلخ منه سلخاً »(1).
وقال المزّي في تهذيب الكمال : « وعمل للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على زبيد وساحل اليمن ـ وهذا قبل تبوك كما لا يخفى ـ.
واسـتعمله عمـر بـن الخـطّاب على الكوفـة والبصـرة ، وشـهد وفاة أبي عبيدة بن الجراح بالأُردن ، وشهد خطبة عمر بالجابية ، وقدم دمشق على معاوية.
ـ إلى أن قال : ـ وقال مجالد ، عن الشعبي : كتب عمر في وصيّته : أن لا يقرّ لي عامل أكثر من سنة ، وأقرّوا الأشعري أربع سـنين »(2).
وفي تاريخ دمشـق عن أبي تحيى حكيم ، كنت جالساً مع عمّار فجاء أبو موسى ، فقال [ عمّار ] : ما لي ولك ؟ !
قال : ألست أخاك ؟ !
قال : ما أدري ، إلاّ أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يلعنك ليلة الجمل.
قال : إنّه استغفر لي.
قال عمّار : قد شهدت اللعن ولم أشهد الاستغفار »(3).
____________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 13|314 ـ 315.
(2) تهذيب الكمال 4|244.
(3) تاريخ دمشق 32|93 ، كنز العمّال 13|608 ح 37554.

( 66 )

وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء ، عن شـقيق : « كنّا مع حذيفة جـلوساً فدخـل عبـد الله وأبـو موسـى المسـجد ، فقال ـ أي حـذيفـة ـ : أحدهما منافق. ثمّ قال ـ أي حذيفة ـ : إنّ أشـبه الناس هدياً ودلاًّ وسمتاً برسـول الله صلى الله عليه وآله عبـد الله »(1).
وروى الشيخ المفيد في أماليه عن عليّ عليه السلام ـ بشأن أبي موسى ـ : « والله ما كان عندي مؤتمناً ولا ناصحاً ، ولقد كان الّذين تقدّموني استولوا على مودّته ، وولّوه وسلّطوه بالإمرة على الناس ، ولقد أردت عزله فسألني الأشتر فيه أن أقرّه ، فأقررته على كره منّي له ، وتحمّلت على صرفه من بعد »(2).
وذكر المسعودي في مروج الذهب : « إنّ أبا موسى ثبّط الناس عن عليّ عليه السلام في حـرب الجـمل ، فعزله عن الكوفـة وكتب إليه : « اعتزل عملنا يا بـن الحائك مذموماً مدحـوراً ، فما هذا أوّل يومنا منك ، وإنّ لك فينا لهنّات وهنيّات »(3).
وذكر ابن سعد في الطبقات عن أبي بردة ـ وهو ابن أبي موسى الأشعري ـ : « ... إذ دخل يزيد بن معاوية فقال له معاوية : إن وليت من أمر الناس شيئاً فاستوصِ بهذا ، فإنّ أباه كان أخاً لي ـ أو خليلاً أو نحو هذا من القول ـ غير أنّي قد رأيت في القتال ما لم ير »(4).
هذا ، ويستفاد من الموارد والنصوص الآنفة عدّة أُمور :
____________
(1) سير أعلام النبلاء 2|393 رقم 82 ، تاريخ دمشـق 32|93.
(2) الأمالي ـ للمفيد ـ : 295 رقم 6.
(3) مروج الذهب 2|367 ، تاريخ الطبري 4|499 ـ 500.
(4) الطبقات الكبرى 4|112 ، تاريخ الطبري 5|332 ، سير أعلام النبلاء 2|401 رقم 82.

( 67 )

* الحادية عشـرة :
إنّ أحد أعضاء مجموعة أهل العقبة والرهط هو عبـد الله بن قيس بن سليم ، المشتهر بـ : أبي موسى الأشعري ، صاحب البرنس الأسْـود ، وهو أوّل بصمات المجموعة يجدها المتتبّع بوضوح ، ومنه تتلاحق بقية البصمات.

* الثانية عشـرة :
ما تقدّم من قول عليّ عليه السلام من أنّ الخلفاء قبله « استولوا على مودّته ! ! وولّوه وسلّطوه بالإمرة على الناس » ، وقال عليه السلام له : « فما هذا أوّل يومنا منك ، وإنّ لك فينا لهنّات وهنيّات » ؛ فما هو يا ترى سبب مودّتهم له بالدرجة الشديدة ، كما عبّر عليه السلام : « استولوا على مودّته » ؟ ! وما هو سبب توليتهم وتسليطهم له ، على نقيض نفرة حذيفة وعمّار له ، وتنويههم وتصريحهم بأنّه من مجموعة أهل العقبة ؟ !

* الثالثة عشـرة :
ما تقدّم من تصريح معاوية بخلّته لأبي موسى الأشعري ، كما في شدّة مودّة الخلفاء السابقين له أيضاً ، وتوافقهم على توليته وتسليطه على إمارة على الناس..
ذكر الطبري في تاريخه عن جويرية بن أسماء : « قدم أبو موسى على معاوية فدخل عليه في برنس أسْود ، فقال : السلام عليك يا أمين الله ! ! ! قال : وعليك السلام.


( 68 )

فلمّا خرج قال معاوية : أقدم الشيخ لأُولّيه ، ولا والله لا أُولّيه »(1).
وروى الثقفي في الغارات عن محمّـد بن عبـد الله بن قارب : « إنّي عند معاوية لجالس ، إذ جاء أبو موسى فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ! ! قال : وعليك السلام ، فلمّا تولّى قال : والله لا يلي هذا على اثنين حتّى يموت »(2).
يظهر من ذلك شدّة حرص أبي موسى الأشعري على تولّي الإمارة ، وأنّ سيرته في هذا الحرص ـ بالتالي ـ توضّح لنا معالم دواعي مشاركته في عملية الفتك بالنبيّ صلى الله عليه وآله ، وأنّ دواعي المجموعة هي الوصول إلى سدّة الحكم والإمارة في ظل أجواء الدين الجديد ، لا كبقية المنافقين ممّن يريد إعادة الكفر والشرك مرّة أُخرى جهاراً..
فالظاهر إنّ هذه المجموعة رأت الفرصة متاحة للوصول إلى السلطة في ظلّ الدعوة للاِسلام ؛ إذ لم تكن متاحة لهم في ظلّ سُنن الملّة الجاهلية ، التي تحكمها القوانين القبلية والعشائرية ، وهم ليسوا بذوي حسب ونسب قبلي يؤهلهم إلى ذلك.
ويتوافق هذا الشاهد في توضيح معالم دواعي أهل العقبة ـ وهي الوصول إلى سدّة الحكم في ظلّ الدعوة الجديدة ـ مع الشاهد المتقدّم سابقاً عنهم من أنّهم من خاصّة أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله بنظر الناس وعامّة المسلمين ، أي أنّهم رسموا وصنعوا لأنفسهم صورة لمكانة دينية في أذهان المسلمين ، وهذه الصورة هي السلّم والطريق لوصولهم لأمارة الحكم ؛ ففي ظلّ الدعوة الجديدة يغيب المعيار القبلي والتحالفات العشائرية ، ومعيار القدرة المالية ،
____________
(1) تاريخ الطبري 5|322 ، الكامل في التاريخ 2|527 ، أنساب الأشراف 5|50.
(2) الغارات 2|656.

( 69 )

وينفتح باب تقنين جديد لعلاقات المجتمع وشرائعه ، ومن الممكن أن يسـنّوا ـ حينئذ ـ ما يوافق تمركز القدرة لهم دون ما يرسـمه الدين ، ودون ما يرسـمه ويقننه الدين الإسلامي ، ودون ما كانت ترسمه شريعة الجاهلية السابقة..
فلا القدرة الشرعية الدينية المتمثّلة بالنبيّ صلى الله عليه وآله ووصيّه أمير المؤمنين ابن عمّه عليه السلام ، ولا القدرة التقليدية القبلية ، بل السماح ببروز قدرة ثالثة في ظلّ الأجواء الجديدة إلاّ أنّها وليد اصطناعي من هذه المجموعة.
وروى الواقدي في المغازي حادثة العقبة كما مرّ وذكر في ذيلها قول رسول الله صلى الله عليه وآله عندما سئل عن قتل أُولئك الرهط : « إنّي لأكره أن يقول الناس أنّ محمّـد لمّا انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه.
فقال : يا رسول الله ! فهؤلاء ليسوا بأصحاب.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلاّ الله ؟ !
قال : بلى ، ولا شهادة لهم !
قال : أليس يظهرون أنّي رسـول الله ؟ !
قال : بلى ، ولا شهادة لهم !
قال : فقد نُهيت عن قتل أُولئك ».
وروى عن أبي سعيد الخدري : « قال : كان أهل العقبة الّذين أرادوا بالنبيّ صلى الله عليه وآله ثلاثة عشر رجلاً ، قد سمّاهم رسول الله صلى الله عليه وآله لحذيفة وعمّار رحمهما الله ».
وروى عن جابر بن عبـد الله : « قال : تنازع عمّار بن ياسر ورجل من المسلمين في شيء فاستبّا ، فلمّا كاد الرجل يعلو عمّاراً في السباب قال


( 70 )

عمّار : كم كان أصحاب العقبة ؟
قال : الله أعلم.
قال : أخبرني عن علمكم بهم ؟ !
فسكت الرجل ، فقال من حضر : بيّن لصاحبك ما سألك عنه.
وإنّما يريد عمّار شيئاً قد خفي عليهم ، فكره الرجل أن يحدّثه ، وأقبل القوم على الرجل فقال الرجل : كنّا نتحدّث أنّهم كانوا أربعة عشر رجلاً.
قال عمّار : فإنّك أن كنت منهم فهم خمسة عشر رجلاً.
فقال الرجل : مهلاً ، أذكرك الله أن تفضحني.
فقال عمّار : والله ما سمّيت أحداً ، ولكنّي أشهد أن الخمسة عشر رجلاً اثنا عشر منهم حرب لله ولرسوله (في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد * يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار) »(1).
ويستفاد من هذه الموارد أُموراً :

* الرابعة عشـرة :
ما تقدّم من أنّ أهل العقبة والرهط هم ممّن يحيط بالنبيّ صلى الله عليه وآله لدرجة عدّهم ـ عند الناس ـ من أصحابه في مقابل بقية الناس..
وقـد روى الصـدوق فـي الخـصال ، بإسـناده إلى حـذيفة بن اليمان أنّه قال : « الّذين نفروا برسـول الله ناقته في منصرفه من تبوك أربعة عشـر : أبو الشـرور ، وأبو الدواهـي ، وأبو المعازف ، وأبوه ، وطلحة ، وسعد بن أبي وقّاص ، وأبو عبيدة ، وأبو الأعور ، والمغيرة ، وسالم مولى أبي حذيفة ،
____________
(1) المغازي 2|1042 ـ 1045.
( 71 )

وخالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الرحمن ابن عوف ، وهم الّذين أنزل الله عزّ وجلّ فيهم : (وهمّوا بما لم ينالوا) »(1).

* الخامسة عشـرة :
إنّ الرجل الذي تنازع معه عمّار فتسابّا يشهد نقل الواقدي أنّه بقدر عمّار في قرب الصحبة من النبيّ صلى الله عليه وآله ، ولو بنظر الناس ؛ إذ كيف يسأله عمّار عن عدّة أهل العقبة وعن علمه بهم مع كونه من الأباعد وأوساط الناس..
كما أنّ تعبير الآخرين أنّ الرجل صاحب عمّار ، شاهد على كونه ممّن يحيط بالنبيّ صلى الله عليه وآله ، ومن ثمّ هو على علقة قريبة من عمّار.
كما أن تعبير عمّار وخطابه له : « أخبرني عن علمكم بهم » دالّ على كون كلّ مجموعة أهل العقبة هم من قبيل ذلك الرجل ، أي من الدائرة القريبة من النبيّ صلى الله عليه وآله .
كما أنّ تحاشي عمّار عن ذكر أسماء هؤلاء ـ مضافاً إلى كونه وصية النبيّ صلى الله عليه وآله له ولحذيفة في تلك الواقعة ، ولو بحسب ما دام النبيّ صلى الله عليه وآله حياً ـ هو لمكانة أُولئك الرهط في أعين الناس ، فكان من المشقّة والصعوبة بمكان كشف الحقائق والأوراق لعامّة الناس.
روى ابن عبـد البرّ في الاستيعاب في ترجمة حذيفة : « من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله و... وكان عمر بن الخطّاب يسأله عن المنافقين
____________
(1) الخصال : 496 حديث 6.
( 72 )

وهو معروف في الصحابة بصاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وآله ... وقتل صفوان وسعيد ابنا حذيفة بصفّين وكانا قد بايعا عليّاً بوصية أبيهما بذلك إيّاهما »(1).
وروى المزّي في تهذيب الكمال ، عن قتادة : « قال حذيفة : لو كنت على شاطـئ نـهر ، وقـد مـددت يـدي لأغـترف فحـدّثتكم بكلّ مـا أعلـم ما وصلت يدي إلى فمي حتّى أُقتل ! ! ».
وقال عطاء بن السائب ، عن أبي البختري : « قال حذيفة : لو حدّثتكم بحديث لكذّبني ثلاثة أثلاثكم ـ أي كلّكم ـ.
قال : ففطن له شاب فقال : من يصدّقك إذا كذّبك ثلاثة أثلاثنا ؟ !
فقال : إنّ أصحاب محمّـد صلى الله عليه وآله كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخير وكنت أسأله عن الشر.
قال : فقيل له : ما حملك على ذلك ؟
فقال : إنّه من اعترف بالشر وقع في الخير ».
وروى عن النزّال بن سبر : « كنّا مع حذيفة في البيت فقال له عثمان : يا أبا عبـد الله ! ما هذا الذي يبلغني عنك.
قال : ما قلته.
فقال عثمان : أنت أصدقهم وأبرّهم.
فلمّا خرج قلت : يا أبا عبـد الله ! ألم تقل ما قلته ؟ !
قال : بلى ، ولكنّي أشتري ديني ببعضه مخافة أن يذهب كلّه ».
وروى عن بلال بن يحيى : « بلغني أنّ حذيفة كان يقول : ما أدرك
____________
(1) الاستيعاب ـ بذيل الإصابة ـ 1|277 ـ 278.
( 73 )

هذا الأمر أحد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله إلاّ قد اشترى بعض دينه ببعض.
قالوا : فأنت ؟ !
قال : وأنا.. والله إنّي لأدخل على أحدهم ، وليس من أحد إلاّ وفيه محاسن ومساوئ ، فأذكر من محاسنه وأعرض عن ما سوى ذلك ، وربّما دعاني أحدهم إلى الغذاء فأقول : إنّي صائم ولست بصائم »(1).
ويستفاد من هذه الموارد أُموراً :

* السادسة عشـر :
إنّ أسرار المنافقين ـ وعمدتها أسماء مجموعة أهل العقبة ـ لا يحتمل غالب الناس وعامّة المسلمين كشفها والإعلان عنها ، كما صرّح بذلك حذيفة ، بل لقتلوه كما قال..
كما إنّ حذيفة يصرّح بانسياق وذهاب كثير من الصحابة وراء الدنيا وتكالبهم عليها ، ونكث العهود التي أخذها الله ورسوله عليهم.

* السابعة عشـرة :
إنّه كانت بين حذيفة وعثمان منافرة ومراقبة ومواجهة بسبب ما يعرفه حذيفة من أسماء أهل العقبة ، وكان منها ما يمسّ عثمان وأمثاله من جماعته من الصحابة.

للبحث صـلة ...


____________
(1) تهذيب الكمال 2/ 75 ـ 77 .