بعدقبل

المراجعـة (36)
حديثُ الولاية
قال السـيّد :
« حسبك منها ما أخرجه أبو داود الطيالسي ـ كما في أحوال عليّ من الاستيعاب ـ بالإسناد إلى ابن عبّـاس ؛ قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ بن أبي طالب : أنت وليّ كلّ مؤمن بعـدي(1).
ومثله ما صـحّ عن عمـران بن حصـين ؛ إذ قال : بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سرية ، واستعمل عليهم عليّ بن أبي طالب ، فاصطفى لنفسه من الخمس جارية ، فأنكروا ذلك عليه ، وتعاقد أربعة منهم على شكايتة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فلمّا قدموا قام أحد الأربعة فقال : يا رسول الله ! ألم تر أنّ عليّاً صنع كذا وكذا. فأعرض عنه ، فقام الثاني فقال مثل ذلك ، فأعرض عنه ، وقام الثالث فقال مثل ما قال
____________
(1) أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب السُـنن عن أبي عوانة الوضاح بن عبـد الله اليشكري ، عن أبي بلج يحيى بن سليم الفزاري ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، عن ابن عبّـاس مرفوعاً ، ورجال هذا السند كلّهم حجج.
وقد احتجّ بكلّ منهم الشيخان في صحيحيهما ، إلاّ يحيى بن سليم ، فإنّهما لم يخرجا له ، لكن أئمّة الجرح والتعديل صرّحوا بوثاقته ، وأنّه كان من الذاكرين الله كثيراً..
وقد نقل الذهبي حيث ترجمه في الميزان توثيقه عن ابن معين ، والنسائي ، والدارقطني ، ومحمّـد بن سـعد ، وأبي حاتم ، وغيرهم.

( 31 )

صاحباه ، فأعـرض عـنه ، وقام الرابـع فقال مثل ما قالوا ، فأقبل عليهم رسـول الله صـلّى الله عليه وآله وسـلّم ، والغضـب يبصـر في وجهه فقال : ما تريدون من عليّ ؟ ! إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعـدي(1).
وكذلك حديث بريدة ولفظه في ص 356 من الجزء الخامس من مسند أحمد ، قال : بعث رسول الله بعثين إلى اليمن ، على أحدهما عليّ بن أبي طالب ، وعلى الآخر خالد بن الوليد ، فقال : إذا التقيتم فعليّ على الناس(2) » ، وإن افترقتم فكلّ واحد منكما على جنده..
____________
(1) أخرجه غير واحد من أصحاب السُـنن :
كالإمام النسائي في خصائصه العلوية.
وأحـمد بن حنبل من حديث عمران في أوّل ص 438 من الجزء الرابع من مسـنده.
والحاكم في ص 111 من الجزء 3 من المستدرك.
والذهبي في تلخيص المستدرك مسلّماً بصـحّته على شرط مسلم.
وأخرجه ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وصـحّحه في ما نقل عنهما المتّقي الهندي في أوّل ص 400 من الجزء 6 من كنز العمّال.
وأخرجه أيضاً الترمذي بإسناد قويّ ، في ما ذكره العسقلاني في ترجمة عليّ من إصابته.
ونقله علاّمة المعتزلة في ص 450 من المجلّد الثاني من شرح النهج ، ثمّ قال : رواه أبو عبـد الله أحـمد في المسـند غير مرّة ، ورواه في كتاب فضائل عليّ ، ورواه أكثر المحـدّثين.
(2) ما أمّر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحداً على عليّ مدّة حياته ، بل كانت له الإمرة على غيره ، وكان حامل لوائه في كلّ زحف ، بخلاف غيره ؛ فإنّ أبا بكر وعمر كانا من أجناد أُسامة ، وتحت لوائه الذي عقده له رسول الله حين أمّره في غزوة « مؤتة » ، وعبّأهما بنفسه صلّى الله عليه وآله وسلّم في ذلك الجيش بإجماع أهل الأخبار..
وقد جعلهما أيضاً من أجناد ابن العاص في غزوة « ذات السلاسل » ، ولهما قضية

=


( 32 )

قال : فلقينا بني زبـيدة من أهل اليمن فاقتتلنا ، فظهر المسلمون على المشركين ، فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذرّية ، فاصطفى عليّ امرأة من السبي لنفسه ؛ قال بريدة : فكتب معي خالد إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يخبره بذلك ، فلمّا أتيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، دفعت الكتاب ، فقرئ عليه ، فرأيت الغضب في وجهه ، فقلت : يا رسول الله ! هذا مكان العائذ ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أُطيعه ، ففعلت ما أُرسلت به.
فـقال رسـول الله صـلّى الله عليه وآلـه وسـلّم : لا تـقع في عليّ ؛ فإنّـه منّي وأنا مـنه ، وهو وليّكم بعـدي ، وإنّه منّي وأنا منه ، وهو وليّكم بعـدي(1) . انتهى.
____________
=
في تلك الغزوة مـع أميرهما عمرو بـن العاص ، أخرجها الحاكم في ص 43 من الجزء 3 من المستدرك ، وأوردها الذهبي في تلخيصـه مصرّحاً بصـحّة ذلك الحـديث ، أمّا عليّ فلم يكن مأمـوراً ولا تابـعاً لغير النبيّ منذ بعث إلى أن قبض صلّى الله عليه وآله وسلّم.
(1) هذا ما أخرجه أحمد في ص 356 من طريق عبـد الله بن بريدة ، عن أبيه..
وأخرج ـ في ص 347 من الجزء 5 من مسنده ـ من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عبّـاس ، عن بريـدة ، قال : غزوت مع عليّ اليمن ، فرأيت منـه جفوة ، فلمّا قدمت على رسـول الله ذكرت عليّاً فتنقّصـته ، فرأيت وجه رسـول الله يتغيّر ، فقال : يا بريدة ! ألست أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ! قلت : بلى يا رسول الله. قال : من كنت مولاه فعليّ مولاه. انتهى.
وأخرجه الحاكم في ص 110 من الجزء 3 من المستدرك ، وغير واحد من المحدّثين ، وهو كما تراه صريح في المطلوب ؛ فإنّ تقديم قوله : ألست أوْلى بالمؤمنين من أنفسـهم ؟ ! قرينة على أنّ المراد بالمولى في هذا الحديـث إنّما هو الأوْلى ، كما لا يخفى.
ونظير هذا الحديث ما أخرجه غير واحد من المحدّثين ـ كالإمام أحمد في آخر ص 483 من الجزء 3 من مسنده ـ عن عمرو بن شاس الأسلمي ، قال : وكان من

=


( 33 )

ولفظـه عند النسائـي في ص 17 مـن خصائصـه العلوية : لا تبغضـنّ يا بريدة لي عليّاً ، فإنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليّكم بعـدي.
ولفظه عند ابن جرير(1) : قال بريدة : وإذا النبيّ قد احمرّ وجهه ، فقال : من كنت وليّه فإنّ عليّاً وليّه. قال : فذهب الذي في نفسي عليه ، فقلت : لا أذكره بسوء.
والطبراني قد أخـرج هذا الحديث على وجه التفصيل ، وقد جاء في ما رواه : إنّ بريدة لمّا قدم من اليمن ، ودخل المسجد ، وجد جماعة على باب حجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقاموا إليه يسلّمون عليه ويسألونه ، فقالوا : ما وراءك ؟
قال : خـير ، فتـح الله على المسلمين.
قالوا : ما أقدمك ؟
قال : جارية أخذها عليّ من الخمس ، فجئت لأخبر النبيّ بذلك.
فقالوا : أخبره أخبره ، يسقط عليّاً من عينه.
ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يسمع كلامهم من وراء الباب ،
____________
=
أصحاب الحديبية ، فقال : خرجت مع عليّ إلى اليمن ، فجفاني في سفري ذلك حتّى وجدت في نفسي عليه ، فلمّا قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتّى بلغ ذلك رسول الله..
فدخـلت المسـجد ذات غدوة ورسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في ناس من أصحابه ، فلمّا رآني أبدني عينيه ، يقول : حدّد إليّ النظر ، حتّى إذا جلست قال : يا عمرو ! والله لقد آذيتني. قلت : أعوذ بالله أن أُؤذيك يا رسول الله. قال : بلى ، من آذى عليّاً فقد آذاني.
(1) في ما نقله عنه المتّقي الهندي ص 398 من الجزء 6 من كنز العمّال. ونقله عنه في منتخب الكنز أيضاً.

( 34 )

فخرج مغضباً فقال : ما بال أقوام ينتقصـون عليّاً ؟ ! من أبغض عليّاً فقد أبغضني ، ومن فارق عليّاً فقد فارقني ، إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، خلق من طينتي وأنا خلقت من طينة إبراهيم ، وأنا أفضل من إبراهيم(1) ، (ذرّيّةً بعضُها من بعضٍ واللهُ سميعٌ عليمٌ)(2) ، يا بريـدة ! أما علمت أنّ لعليّ أكثر من الجارية التي أخذ ، وأنّه وليّكم بعـدي(3) ؟ !
وهذا الحديث ممّا لا ريب في صدوره ، وطرقه إلى بريدة كثيرة ، وهي معتبرة بأسـرها.
ومثله ما أخرجه الحاكم عن ابن عبّـاس من حديث جليل(4) ، ذكر فيه عشر خصائص لعليّ ، فقال : وقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنت وليّ كلّ مؤمن بعـدي .
____________
(1) لمّا أخبر أنّ عليّاً خلق من طينته صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهو بحكم الضرورة أفضل من عليّ ، كان قوله : « وأنا خلقت من طينة إبراهيم » مظنّة لتوهّم أنّ إبراهيم أفضل منه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وحيث أنّ هذا مخالف للواقع صرّح بأنّه : « أفضل من إبراهيم » دفعاً للتوهّم المخالف للحقـيقة.
(2) سورة آل عمران 3 : 34.
(3) إنّ ابن حجر نقل هذا الحديث عن الطبراني في ص 103 من صواعقه ، أثناء كلامه في المقصد الثاني من مقاصد الآية 14 من الآيات التي ذكرها في الباب 11 من الصواعق ، لكنّه لمّا بلغ إلى قوله : « أما علمت أنّ لعليّ أكثر من الجارية » ، وقف قلمه ، واستعصت عليه نفسه ، فقال : إلى آخر الحديث ، وليس هذا من أمثاله بعجيب ، والحمد لله الذي عافانا.
(4) أخرجه الحاكم في أوّل ص 134 من الجزء 3 من المستدرك..
والذهبي في تلخيصـه معترفاً بصـحّته..
والنسائي في ص 6 من الخصائص العلوية..
والإمام أحمد في ص 331 من الجزء الأوّل من مسـنده..
وقد أوردناه بلفظه في أوّل المراجعة 26.

( 35 )

وكذلك قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، من حديث جاء فيه : يا عليّ ! سألت الله فيك خمساً ، فأعطاني أربعاً ومنعني واحدة ، إلى أن قال : وأعطاني أنّك وليّ المؤمنين من بعـدي(1).
ومثله ما أخرجه ابن السكن عن وهب بن حمزة ، قال ـ كما في ترجمة وهب من الإصابة ـ : سافرت مع عليّ فرأيت منه جفاء ، فقلت : لئن رجـعت لأشـكونّه. فرجـعت فذكـرت عليّاً لرسـول الله فنلت مـنه ، فقال : لا تقولن هذا لعليّ ، فإنّه وليّكم بعـدي..
وأخرجه الطبراني في الكبير عن وهب ، غير أنّه قال : لا تقل هذا لعليّ فهو أوْلى الناس بكم بعـدي(2).
وأخرج ابن أبي عاصم عن عليّ مرفوعاً : ألست أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ! قالوا : بلى. قال : من كنت وليّه فهو وليّه(3).
وصحاحنا في ذلك متواترة عن أئمّة العترة الطاهرة..
وهذا القدر كافٍ لِما أردناه..
على أنّ آية الولاية في كتاب الله عزّ وجلّ تؤيّد ما قلناه.
والحمد لله ربّ العالمين ».

أقـول :
هذا الحديث يسمّى في الكتب بـ : « حديث الولاية » ، وكلّ حديثٍ يراد الاستدلال به من قبل الإمامية على أهل السُـنّة لا بُدّ أنْ يكون صالحاً
____________
(1) هذا الحديث هو الحديث 6048 من أحاديث الكنز ، في ص 396 ج 6.
(2) هذا الحديث هو الحديث 2579 من أحاديث الكنز في ص 155 ج 6.
(3) نقله المتّقي الهندي عن ابن أبي عاصم في ص 397 ج 6 من الكنز.

( 36 )

للاحتجاج به عليهم ؛ بأنْ يكون مرويّاً من طرقهم ، وارداً في كتبهم ، بسندٍ موثوقٍ به عندهم بناءً على أُصولهم وحسب تصريحات كبار علمائهم.
وهذا الحديث رواه السـيّد ـ رحمه الله ـ عن مصادر كثيرة مع تصريح غير واحدٍ من أكابر القوم بصـحّته..
ثمّ تعرّض لدلالته على إمامة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وخلافته بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

* أمّا السـند :
فقد قيـل :
« حديث : أنا وليّ من بعدي(1) ، في سنده : أبو بلج يحيى بن سليم الفزاري... وقال ابن تيميّة : وكذلك قوله : هو وليّ كلّ مؤمنٍ من بعدي ، كذب على رسول الله...
أمّا حديث عمران بن حصين ، ففيه : جعفر بن سليمان الضبعي...
أمّا حديث بريدة ، ففيه : أجلح بن عبـد الله أبو حجيّة الكندي الكوفي...
أمّا حديث ابن عبّـاس ، الذي ذكر فيه عشر خصائص لعليّ ، وجاء في الحديث : أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ، فقد بيّنا القول فيه عند التعليق على هذا الحديث في المراجعة 26 ، ونقلنا قول ابن تيميّة... ».

أقـول :
أوّلاً : إنّ السـيّد اقتصر على الأحاديث السبعة المذكورة من باب
____________
(1) كـذا.

( 37 )

الاختصار ، وإلاّ فإنّ حديث الولاية مخرَّج في كتب الجمهور عن أمير المؤمنين عليه السلام ، والإمام الحسن السبط عليه السلام ، وأبي ذرّ الغفاري ، وأبي سعيد الخدري ، والبراء بن عازب ، وأبي ليلى الأنصاري ، وغيرهم أيضاً(1).
وثانياً : إنّه قد أورد هذه الأحاديث عن مصادر أهل السُـنّة ، ونقل تصحيح بعض الحفّاظ منهم ، فلو كان ثمّة اعتراض فهو على علماء القوم أنفسهم.
وثالثاً : هناك تصريحاتٌ من غير واحدٍ من الأئمّة الحفّاظ المرجوع إليهم في معرفة الأحاديث بشأن حديث الولاية :
فحـديث ابن عبّـاس : أخـرجه أبو داود الطيالسـي ، قال : « حـدّثنا أبـو عوانـة ، عن أبي بلج ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن عبّـاس : إنّ رسـول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال لعليّ : أنت وليّ كلّ مؤمنٍ من بعـدي »(2)..
فقال الحافظ ابن عمر : « هذا إسناد لا مطعن فيه لأحد ؛ لصحّته وثقة نقلته »(3) ، ونقل الحافظ المزّي هذا الكلام وأقرّه(4).
وحديث عمران بن حصين : أخرجه ابن أبي شيبة ، قال : « حدّثنا عفّان ، ثنا جعفر بن سليمان ، قال : حدّثني يزيد الرشك ، عن مطرف ، عن عمران بن حصـين »(5).
____________
(1) راجع كتابنا الكبير : نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 16|247 ـ 251.
(2) مسند الطيالسي : 360 برقم 2752.
(3) الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3|1092.
(4) تهذيب الكمال 20|481.
(5) الكتاب المصنّف 12|79 ـ 80.

( 38 )

فقال الحافظ السيوطي : « أخرجه ابن أبي شيبة وصـحّحه »(1) ، ثمّ نصّ هو على صـحّته ، ووافقه الشيخ علي المتّقي على ذلك(2).
وكما صحّحه ابن أبي شيبة.. فقد صحّحه ابن جرير الطبري أيضاً(3).
وصـحّحه ابن حبّان أيضاً ؛ إذْ أخرجه في صـحيحه(4).
وصـحّحه الحاكم النيسابوري على شرط مسلم(5).
وأدخله النسائي في صحاحه ، كما اعترف ابن عدي والذهبي(6).
والذهـبي رواه عن أحمد والترمذي ـ قال : وحسّـنه ـ والنسائي ، ووافق عليه(7)س.
وقال الحافظ ابن حجر : « أخرج الترمذي بإسنادٍ قويّ عن عمران بن حصـين... »(8).
وحديث بريدة : رواه ابن حجر في شرح البخاري في بعض أسانيده عن أحمد والنسائي ، ثمّ قال : « وهذه طرق يقوى بعضها ببعض »(9).
وحديث ابن عبّـاس ، الذي ذكر فيه عشر خصائص لأمير المؤمنين عليه السلام ، تقدَّم الكلام بشأنه ، ولا نكرّر.
ورابعاً : قد ذكر السـيّد ثلاثة أحاديث أُخرى ، لكنّ المعترض أغفلها !
____________
(1) القول الجليّ في مناقب سـيّدنا عليّ : 60 ح 40.
(2) كنز العمّال 11|608 برقم 32941.
(3) كنز العمّال 13|142 برقم 36444.
(4) الإحسان بترتيب صـحيح ابن حبّان : 6|269.
(5) المستدرك على الصحيحين 3|110.
(6) ميزان الاعتدال 1|410 بترجمة جعفر بن سليمان.
(7) تاريخ الإسلام 3|630.
(8) الإصابة في معرفة الصحابة 2|271.
(9) فتح الباري 8|54 كتاب المغازي.

( 39 )

وخامساً : وبما ذكرنا يظهر اندفاع الإشكال في أسانيد هذه الأحاديث ، ويتمّ وثاقة « أبي بلج يحيى بن سليم الفزاري » ، و« جعفر بن سليمان » ، و« أجلح بن عبـد الله أبي حجيّة الكندي الكوفي ».
ومع ذلك نورد بعض الكلمات في حقّ كلّ واحدٍ منهم :

ترجمـة أبي بلج :
قال الحافظ المزّي : « أبو بلج الفزاري الواسطي... روى عنه : إبراهيم ابن المختار ، وأبو يونس حاتم بن أبي صغيرة ، وحصـين بن نمير ، وزائدة ابن قدامة ، وزهير بن معاوية ، وسفيان الثوري ، وسـويد بن عبـد العزيز ، وشـعبة بن الحجّاج...
قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين : ثقة.
وكذلك قال محمّـد بن سـعد ، والنسائي ، والدارقطني.
وقال البخاري : فيه نظر.
وقال أبو حاتم : صالح الحديث لا بأس به.
وقال محمّـد بن سـعد : قال يزيد بن هارون : قد رأيت أبا بلج ، وكان جاراً لنا ، وكان يتّخـذ الحمام يستأنس بـهنّ ، وكان يذكر الله كثـيراً وقال : لو قامت القيامة لدخلت الجنّة ، يقول : لذكر الله عزّ وجلّ.
روى له الأربـعة »(1).
فأبو بلج مـن رجال أربـعةٍ من الصحاح السـتّة ، وأصحابها ـ وهم : أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ـ يصـحّحون حديثه..
____________
(1) تهذيب الكمال 33|162.

( 40 )

وابن معين وابن سـعد والدارقطني ينصّـون على وثاقته..
وأبو حاتم يقول : صالح الحديث ، لا بأس به..
وكبار الأئمّة كشعبة وسفيان الثوري... يروون عنه..
وليس في المقابل إلاّ قول البخاري : « فيه نظر » ، وهو لا يصلح لمعارضة ذلك كلّه ، كما لا يخفى.

ترجمة جعفر بن سليمان الضـبعي :
و« جعفر بن سليمان الضـبعي » من رجال البخاري ومسلم في كتابيهما(1) ، وكلّ من أُخرج له في هذين الكتابين فهو ثقة عند الجمهور.
ولذا وثّقه الذهبي فقال : « ثقة ، فقيه ، ومع كثرة علومه قيل : كان أُمّياً. وهو من زهّاد الشـيعة »(2).
وقال الحافظ ابن حـجر : « صـدوق زاهد ، لكنّه يتشـيّع »(3).
وذكره ابن حبّان في كتاب الثقات كتاب أتباع التابعـين ، ونصّ على أنّه : « كان يبغض الشيخين » ، ثمّ أوضح السبب في توثيقه والأخذ برواياته ، وسيأتي نصّ كلامه.

ترجمة الأجـلح الكنـدي :
و« الأجلح الكندي » من رجال البخاري في المتابعات ، ومن رجال الكتب الأربعة من الصحاح السـتّة ؛ فهو ثقة عند هؤلاء(4).
____________
(1) الجمع بين رجال الصحيحين 1|71.
(2) الكاشف في أسماء رجال الكتب السـتّة 1|129.
(3) تقريب التهذيب 1|131.
(4) تقريب التهذيب 1|49.

( 41 )

ووثّقه يحيى بن معين(1).
وعن أحمد بن حنبل : « ما أقرب الأجلح من فطر بن خليفة »(2) ، و« فطر » ثقة عند أحمد(3).
وقال عمرو بن علي الفلاّس : « مستقيم الحديث ، صـدوق »(4).
وقال العجلي : « كوفي ثقة »(5).
وقال يعقوب بن سفيان الفسـوي : « ثقة ، حديثه ليّـن »(6).
وقال ابن عدي : « هو عندي مستقيم الحديث ، صـدوق »(7).
وقال ابن حجر : « صـدوق شـيعي »(8).

بقي أمـران :
1 ـ إنّ علماء الشيعة إنّما يحتجّون على أهل السُـنّة بما يرويه رجالهم الموثّقون من قِبَل كبار علماء الجرح والتعديل ، كما يرى القارئ الكريم ، وليس لأحدٍ أنْ يطالب علماء الشـيعة بالاحتجاج بمَن لم يرد في حقّه أيّ جـرحٍ وقـدح ؛ إذْ ليس في رجالهم من اتّفق كلّهم اجمعون على توثيقه ، فإنّ البخاري نفسـه ـ وهو صاحب أصـحّ الكتب عندهم ـ قد قدح فيه غير
____________
(1) تهذيب التهذيب 1|166 ، تهذيب الكمال 31|549.
(2) تهذيب الكمال 2|277 ، تهذيب التهذيب 1|166.
(3) تهذيب التهذيب 8|271.
(4) تهذيب التهذيب 1|166.
(5) تهذيب الكمال 2|277 ، تهذيب التهذيب 1|166.
(6) تهذيب التهذيب 1|166.
(7) تهذيب التهذيب 1|166.
(8) تقريب التهذيب 1|49.

( 42 )

واحـدٍ من أئمّتهم ، حتّى ذكره الحافظ الذهبي في كتابه في الضعفاء ودافع عـنه(1) .
2 ـ إنّ التشيّع والرفض لا يمنع من قبول الراوي عند المحقّقين منهم ، كابن حبّان ، والذهبي ، وابن حجر العسقلاني وغيرهم ، وقد حقّقنا ذلك في بحوثنا المتقدّمة ، ونكتفي هنا بإيراد كلام الحافظ أبي حاتم ابن حبّان بترجمة « جعفر بن سليمان » ، فإنّه قال :
« جعفر بن سليمان... روى عنه ابن المبارك وأهل العراق ، ومات في رجب سنة 178 ، وكان يبغض الشيخين ؛ حدّثنا الحسن بن سفيان ، حدّثنا إسحاق بن أبي كامل ، ثنا جرير بن يزيد بن هارون ـ بين يدي أبيه ـ قال : بعثني أبي إلى جعفر بن سليمان الضـبعي ، فقلت له : بلغنا أنّك تسبّ أبا بكر وعمر. قال : أمّا السبّ فلا ، ولكنّ البغض ما شئت. قال : وإذا هو رافضي مثل الحمار.
قال أبو حاتم : وكان جعفر بن سليمان من الثقات المتقنين في الروايات ، غير أنّه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت ، ولم يكن بداعيةٍ إلى مذهـبه..
وليس بين أهل الحديث من أئمّتنا خلاف في أنّ الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أنّ الاحتجاج بأخباره جائز ، فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره ، ولهذه العلّة تركنا حديث جماعة ممّن كانوا ينتحلون البدع ويدعون إليها وإنْ كانوا ثقات ، واحتججنا بأقوامٍ ثقات انتحالهم سوء غير أنّهم لم يكونوا يدعون إليه. وانتحال العبد بينه وبين ربّه
____________
(1) المغني في الضعفاء 2|268.

( 43 )

إن شاء عذّبه عليه وإنْ شاء غفر له. وعلينا قبول الروايات عنهم إذا كانوا ثقات على حسب ما ذكرنا في غير موضـع من كتبنا »(1).
هذا بالنسبة إلى السـند باختصار.

* وأمّا الدلالة :
فقد ذكر السـيّد ـ رحمه الله ـ في الجواب عمّا يقال من كون « الوليّ » مشتركاً لفظيّاً ما نصّـه :
« ذكرتم في جملة معاني الوليّ : إنّ كلّ من ولي أمر أحد فهو وليّه ، وهذا هو المقصود من الوليّ في تلك الأحاديث ، وهو المتبادر عند سماعها ، نظير قولنا : ولي القاصر أبوه وجدّه لأبيه ، ثمّ وصي أحدهما ، ثمّ الحاكم الشرعي ؛ فإنّ معناه أنّ هؤلاء هم الّذين يلون أمره ويتصرّفون بشـؤونه.
والقرائن على إرادة هذا المعنى من الوليّ في تلك الأحاديث لا تكاد تخفى على أُولي الألباب ؛ فإنّ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « وهو وليّكم بعـدي » ظاهر في قصر هذه الولاية عليه ، وحصرها فيه(2) ، وهذا يوجب تعيين المعنى الذي قلناه ، ولا يجتمع مع إرادة غيره ؛ لأنّ النصرة والمحبّة والصداقة ونحوها غير مقصورة على أحد ، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض..
وأيّ ميزة أو مزية أراد النبيّ إثباتها في هذه الأحاديث لأخيه ووليّه ، إذا كان معنى الوالي غير الذي قلناه ؟ !
____________
(1) كتاب الثقات 6|140.
(2) لأنّ معنى قوله : « وهو وليّكم بعـدي » أنّه هو لا غيره وليّكم بعـدي.

( 44 )

وأيّ أمرٍ خفيّ صدع النبيّ في هذه الأحاديث ببيانه ، إذا كان مراده من الوليّ : النصير أو المحبّ أو نحوهما ؟ !
وحاشا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يهتمّ بتوضيح الواضحات ، وتبيـين البديهيات..
إنّ حكمته البالغة ، وعصمته الواجبة ، ونبوّته الخاتمة لأعظم ممّا يظنّـون.
على أنّ تلك الأحاديث صريحة في أنّ تلك الولاية إنّما تثبت لعليّ بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهذا يوجب تعيـين المعنى الذي قلناه ، ولا يجتمع مع إرادة النصير والمحبّ وغيرهما ؛ إذ لا شكّ باتّصاف عليّ بنصرة المسلمين ومحبّتهم وصداقتهم منذ ترعرع في حجر النبوّة ، واشـتدّ ساعده في حضن الرسالة ، إلى أن قضى نحبه عليه السلام ، فنصرته ومحبّته وصداقته للمسلمين غير مقصـورة على ما بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، كما لا يخفى.
وحسبك من القرائن على تعيـين المعنى الذي قلناه ، ما أخرجه الإمام أحمد في ص 347 من الجزء الخامس من مسـنده ، بالطريق الصحيح عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّـاس ، عن بريدة ، قال : غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة ، فلمّا قدمت على رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ذكرت عليّاً فتنقّصـته ، فرأيت وجه رسول الله يتغيّر ، فقال : يا بريدة ! ألست أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ !
قلت : بلى يا رسول الله.
قال : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه. انتهى.
وأخرجه الحاكم في ص 110 من الجزء الثالث من المستدرك ،


( 45 )

وصـحّحه على شـرط مسلم..
وأخرجه الذهبي في تلخيصه مسلّماً بصحّته على شـرط مسلم أيضاً.
وأنت تعلـم ما فـي تقديـم قولـه : « ألست أوْلى بالمؤمنـين من أنفسـهم ؟ ! » من الدلالة على ما ذكرناه..
ومـن أنعـم النظر فـي تلك الأحاديـث ومـا يتعلّق بها لا يرتاب فـي مـا قلناه. والحمد لله ».

أقـول :
ومن القرائن : الحديث الذي استدلّ به السـيّد ـ وأغفله المعترض ـ أنّ النبيّ قال لعليّ : « سألت الله فيك خمساً » ؛ فإنّه حديث واضحٌ في الدلالة على المطلوب ، وقد رواه عدّة من أعلام القوم ، كالرافعي والخطيب البغدادي وغيرهما...
ونحن نورده من كتاب الرافعي ، فإنّه قال بترجمة « إبراهيم بنّ محمّـد الشهرزوري » :
« إبراهيم بن محمّـد بن عبيد بن جهينة ، أبو إسحاق الشهرزوري : ذكر الخليل الحافظ : إنّه كان يدخل قزوين مرابطاً ، وأنّه سمع بالشام ومصر والعراق ، وروى بقزوين الكتاب الكبير للشافعي ، سمعه منه : أبو الحسين القطّان ، وأبو داود سليمان بن يزيد..
قال : وأدركت من أصحابه : علي بن أحـمد بن صالح ، ومحمّـد بن الحسين بن فتح كيسكين.
وروى أبو إسحاق عن هارون بن إسحاق الهمداني ، وعن عبيد الله ابن سعيد بن كثير بن عفير ، والربيع بن سليمان.


( 46 )

وسمع بقزوين : أبا حامد أحمد بن محمّـد بن زكريا النيسابوري.
وحدّث بقزوين سنة 298 فقال :
ثـنا عبـيد الله بـن سـعيد بن كثـير بن عفـير ، ثـنا إبراهـيم بن رشـيد أبو إسحاق الهاشمي الخراساني ، حدّثني يحيى بن عبـد الله بن حسين بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ رضي الله عنه ، عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، قال :
سألت الله ـ يا عليّ ! ـ فيك خمساً ، فمنعني واحدةً وأعطاني أربعاً ، سألت الله أن يجمع عليك أُمّتي فأبى علَيّ ، وأعطاني فيك : أنّ أوّل من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة أنا وأنت معي ، معك لواء الحمد ، وأنت تحمله بين يديّ ، تسبق به الأوّلين والآخرين ، وأعطاني أنّك أخي في الدنيا والآخرة ، وأعطاني أن بيتي مقابل بيتك في الجنّة ، وأعطاني أنّك وليّ المؤمنين بعـدي »(1).
فهذا الحديث من جملة القرائن لحديث المؤاخاة ، ولحديث الولاية ، وفيه عدّة من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ، منها : كونه عليه الصلاة والسلام وليّ المؤمنين بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فيدلُّ لفظ « الولاية » على مرتبةٍ ومنقبة ليست لأحدٍ بعد رسول الله ، فليس معناها « النصـرة » وغيرها من معاني « الوليّ » بناءً على كونه مشتركاً لفظيّاً.

ترجمة الرافعي :
ثمّ إنّ الرافعي ـ الراوي للحديث المذكور ـ المتوفّى سنة 623 هـ ، من كبار الأئمّة الأعلام من أهل السُـنّة :
____________
(1) التدوين بذكر أهل العلم بقزوين 2|126.

( 47 )

قال الذهبي : « كان مع براعته في العلم صالحاً زاهداً ذا أحوالٍ وكرامات ونسك وتواضع »(1).
وقال اليافعي : « الإمام الكبير ، العلاّمة البارع الشهير ، الجامع بين العلوم والأعمال الصالحات ، والزهد والعبادات والتصانيف المفيدات النفيسات... ومن كراماته : أنّه أضاءت له شجرة في بيته لمّا انطفأ السراج الذي يستضيئ به عند كتبه بعض مصنّفاته »(2).
وقال الأسنوي : « كان إماماً في الفقه والتفسير والحديث والأُصول وغيرها ، طاهر اللسان ، في تصنيفه كثير الأدب شديد الاحتراز في المنقولات »(3) .
وهكذا قال غيرهم..
وهل يبقى كلام بعد هذا في ثبوت الحديث ودلالته يا منصفون ؟ ! !
ثمّ إنّ السُـنّة الثابتة والقرآن الكريم متصادقان دائماً ، وهنا نجد « حديث الولاية » متصادقاً مع « آية الولاية » في الدلالة على مطلوبنا ؛ ولذا أشار السـيّد في نهاية البحث إلى تلك الآية ، وسنوضّح كيفية الاستدلال بها ، ونتعرّض هناك لشبهة اشتراك لفظ « الوليّ » مرّةٌ أُخرى.

للبحـث صـلة ...


____________
(1) سير أعلام النبلاء 22 / 252 .
(2) مرآة الجنان 4 / 56 .
(3) طبقات الشافعية 1 / 281 .