|
تشـييد المـراجَعـات وتفنيد المكابَـرات (21) |
السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني
أقول :
إنّ المؤاخاة كانت مرّتين ، مرّةً بمكّة بين المهاجرين ، ومرّةً بالمدينة
بين المهاجرين والأنصار.
وهـذا مـا نصّ عليه الحفّـاظ الكبار المعتمـدين مـن أهـل السُـنّة ،
كابـن عبـد البرّ ، ونقله عنه ابن حجر وأقرّه ، كما سيأتي.
وقد نقل السـيّد خبر المؤاخاة الأُولى واتّخاذ النبيّ عليّاً أخاً له عن
المتّقي الهندي في كنز العمّال ، عن أحمد في كتاب مناقب عليّ (1)..
وعنه ، عن ابن عساكر في تاريخ دمشق ، والبغوي والطبراني في
معجميهما ، والباوردي في كتاب المعرفة ، وابن عدي ، وغيرهم.
ونقل خبر المؤاخاة الثانية واتّخاذه أخاً له كذلك عن المتّقي الهندي
في كنز العمّال ومنتخب كنز العمّال ، عن الطبراني في المعجم الكبير(2)..
ولا يخفى أنّ هؤلاء من أئمّة الحديث ومن كبار الحفّاظ.
هذا ، ولم نجد أحداً من علماء السُـنّة ينكر المؤاخاة رأساً ، أو
خصوص المؤاخاة بين النبيّ الأكرم والإمام عليهما السلام... وإنّما وجدنا
ابن تيميّة يقول :
« أمّا حديث المؤاخاة فباطل موضوع ، فإنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ]
وسلّم لم يؤاخ أحداً »(1).
« إنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لم يؤاخ عليّاً ولا غيره ، بل كلّ
ما روي في هذا فهو كذب »(2).
« إنّ أحاديث المؤاخاة لعليّ كلّها موضوعة »(3).
وممّا يشهد بتفرّد ابن تيميّة بهذا الرأي ، وشذوذه عن جمهور
الحفّاظ ، نسبة العلماء الكبار كابن حجر وغيره الخلاف إليه وحده ، وردّهم
عليه ، كما سيأتي.
فقول القائل : « فقد اختلف العلماء في صـحّة المؤاخاة الأُولى ، قال
ابن تيميّة » فيه :
أوّلاً : لا اختلاف بين العلماء ، لا في المؤاخاة الأُولى ، ولا في
المؤاخاة الثانية.
وثانياً : لا اختلاف بينهم في مؤاخاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم
بينه وبين الأمير عليه السلام في كلتا المرّتـين.
وثالثاً : إنّ المنكِر ليس إلاّ ابن تيميّة.
ورابعاً : إنّ ابن تيميّة يدّعي أنّ جميع الأحاديث في هذا الباب كذب
موضوع ، وهذا المتقوّل المعاصر يحصر روايتها بابن إسحاق ، ويدّعي
اختلاف أهل الجرح والتعديل في الاحتجاج به ، فبين كلامي التابع والمتبوع
اختلاف من جهتين ! !
وأمّا قول المتقوّل : « لم تثبت في كتابٍ من كتب السُـنّة الصحيحة ،
ولم تخرج حديثاً واحداً منها ، وإنّما جاء ذلك في كتب السير والمغازي ،
من طريق محمّـد بن إسحاق بن يسار ، وقد اختلف أهل الجرح والتعديل
في الاحتجاج به... » ففيه :
أوّلاً : وجود خبر المؤاخاة بين الرسول الأعظم والإمام عليه السلام
في كتب السير والمغازي يكفي للاحتجاج..
على أنّ أحداً لا يقول ـ وليس له أنْ يقول ـ بانحصار الأحاديث
الصحيحة بكتب السُـنّة ، حتّى الكتابين المشهورين بالصحيحين منها ، فقد
ثبت في محلّه أنّ في غير الكتب المشهورة بالصحاح أحاديث صحيحة
كثيرة ، وأنّه ليس كلّ ما في ما يسمّى بالصحاح بصحيح.
وثانياً : إنّ الأحاديث في هذه المؤاخاة كثيرة عندهم بشهادة العلماء
الثقات بينهم ؛ قال الزرقاني المالكي : « وجاءت أحاديث كثيرة في مؤاخاة
النبيّ لعليّ ؛ وقد روى الترمذي وحسّنه ، والحاكم وصـحّحه ، عن ابن عمر ،
أنّه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال لعليّ : أما ترضى أنْ أكون أخاك ؟ !
قال : بلى.
قال : أنت أخي في الدنيا والآخرة »(1).
قلت :
وهذا لفظ الحديث عندهما :
« آخى رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بين أصحابه ، فجاء
عليّ تدمع عيناه فقال : يا رسول الله ! آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني
وبين أحد.
فقال له رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : أنت أخي في الدنيا
والآخرة »(1) .
وأخرجه الحاكم مرّةً أُخرى بعده بزيادة : « آخى بين أبي بكر وعمر ،
وبين طلحة والزبير ، وبين عثمان بن عفّان وعبـد الرحمن بن عوف ».
وهو موجود في غيرهما من كتب الحديث.
إذن ، فالحديث موجود في كتب السُـنّة ، وبسندٍ معتبر ، وهو أكثر من
حديثٍ واحد ، فمن الكاذب ؟ !
وثالثاً : قـد قال الحافـظ ابن حـجر في شـرح البخاري : « قال ابن
عبـد البرّ : كانت المؤاخاة مرّتـين ، مرّةً بين المهاجرين خاصّة وذلك بمكّة ،
ومرّةً بين المهاجرين والأنصار » ثمّ ذكر أخبار المؤاخاة عن جماعةٍ من
الأئمّة ، إلى أنْ قال :
« وأنكر ابن تيميّة في كتاب الردّ على ابن المطهّر الرافضي المؤاخاة
بين المهاجرين وخصوصاً مؤاخاة النبيّ لعليّ ؛ قال : لأنّ المؤاخاة شرّعت
لاِرفاق بعضهم بعضاً ، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض ، فلا معنىً
وهذا ردٌّ للنصّ بالقياس... »(1).
وتبعه غيره في ذلك وفي الردّ على ابن تيميّة ، كالزرقاني المالكي(2).
فظهر : إنّ أصل المؤاخاة ثابت ، وإنّها كانت مرّتين ، وإنّ النبيّ صلّى
الله عليه وآله وسلّم اتّخذ في كلّ مرّةٍ عليّاً فقط أخاً له ، وإنّ إنكار ابن تيميّة
مردود حتّى من قبل علمائهم ، وإنّه لا منكِر للقضية غيره وإلاّ لذكروه.
هذا ، ويؤيّد ذلك الأحاديث الكثيرة الوارد فيها أُخوّة أمير المؤمنين
لرسول الله عليهما السلام ، وبعضها بسندٍ صحيح قطعاً ، خاصّة ما أخرجه
الحاكم وصحّحه ، ووافقه الذهبي على ذلك ، كقوله صلّى الله عليه وآله
وسلّم لأُمّ أيمن : « يا أُمّ أيمن ! ادعي لي أخي.
فقالت : هو أخوك وتنكحه ؟ !
قال : نعم يا أُمّ أيمن »(3)..
وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ : « وأمّا أنت ـ يا عليّ ! ـ فأخي
وأبو ولدي ومنّي وإليَّ »(4).
ومن الأحاديث الصحيحة في المشابهة بين عليّ وهارون عليهما
السلام حديث تسمية أولاده عليهم السلام باسم أولاد هارون..
أخرجه الحاكم ـ وصحّحه ـ بإسناده عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ،
عن هانئ بن هانئ ، عن عليّ بن أبي طالب.. ووافقه الذهبي في تلخيصه ؛ ؛
وأخرجه الحاكم ثانيةً بسنده عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ،
عن هانئ بن هانئ ، عن عليّ... قال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم
يخرجاه.. ووافقه الذهبي وقال ـ مشيراً إلى الحديث السابق ـ : « مرّ عن
حديث إسرائيل »(2).
هـذا ، ولا حاجة إلى تصحيح غير ما ذكر من الأحاديث ؛ لكفاية هذه
لمن أراد الحقّ والهداية ، ولو كان ثمّة ضعف في ما لم نذكره ، فهو يقوى
بما تقدّم ، وتلك هي قاعدتهم العامّة في الأبواب المختلفة.
وبما ذكرنا يظهر ما في بعض الكلمات من المكابرات.
هذا تمام الكلام في سند حديث المؤاخاة ولفظه.
وأمّا دلالته على أفضلية عليّ عليه السلام من غيره ، فلا يكابر فيها
عاقلٌ ؛ ولذا تذكر هذه القضية في أبواب مناقب أمير المؤمنين في كتب
الحديث ، مثل كنز العمّال وغيره ، ولولا ذلك لَما بذل ابن تيميّة جهده في
ردّ أصل المؤاخاة وتكذيب خبرها ! !
حديث سـدّ الأبواب(3) :
وهذا الحديث أيضاً من أشهر الأحاديث الثابتة الدالّة على أفضلية أمير
ذكر جماعة من مخرّجيه :
أخرجه من أئمّة أهل السُـنّة وأصحاب الصحاح عندهم وكبار
حفّاظهم :
1 ـ أحمد بن حنبل في مسـنده(1).
2 ـ الترمذي في صـحيحه(2).
3 ـ النسائي في الخصائص(3).
4 ـ الحاكم في المستدرك(4).
وقد أخرجه السـيّد عنهم وعن جمع من الأئمّة غيرهم.
صـحّة كثير من طرقه :
ثمّ إنّ كثيراً من طرق حديث « سـدّ الأبواب إلاّ باب عليّ » صحيح..
فمنها : حديث المناقب العشـر ، الصحيح قطعاً.
ومنها : ما أخرجه الحاكم وصـحّحه.
ومنها : ما أخرجه الهيثمي ضمن عنوان : « باب فتح بابه الذي في
المسـجد » و : « باب ما يحلّ له في المسجد » و : « باب جامع في مناقبه
رضي الله عنه »(5) ؛ فقد صـحّح عدّةً من أحاديث القضـية.
هذا ، وستأتي نصوص غير واحدٍ من الحفّاظ المحقّقين منهم في
صحّة خبر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سـدّ بأمر من الله الأبواب
الشارعة إلى مسـجده ، وأبقى باب عليّ مفتوحاً بأمر من الله كذلك ، بل
صرّح صلّى الله عليه وآله وسلّم في جواب من اعترض : « ما أنا سـددت
أبوابكم ولكن الله سـدّها » ، وقال : « والله ما أدخلته وأخرجتكم ولكنّ الله
أدخله وأخرجكم » ، قال الهيثمي : « رواه البزّار ، ورجاله ثقات ».
وممّا يدل على ثبوت القضية ودلالتها على الأفضلية : تمنّي غير واحدٍ
من الأصحاب ذلك :
* كقول عمر بن الخطّاب : « لقد أُعطي عليّ بن أبي طالب ثلاث
خصال ، لأنْ يكون لي خصلة منها أحبّ إليّ من أنْ أُعطى حمر النعم.
قيل : وما هي يا أمير المؤمنين ؟ !
قال : تزويجه فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ،
وسكناه المسـجد مع رسـول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم لا يحـلّ فيه
مـا يحـلّ له ، والراية يوم خيبر.
(قال الهيثمي :) رواه أبو يعلى في الكبير ، وفيه : عبـد الله بن جعفر
ابن نجيح ، وهو متروك ».
قلت :
كيف يكون متروكاً وهو من رجال الترمذي وابن ماجة ، وهما من
الصحاح السـتّة عندهم ؟ !
* وكقول عبـد الله بن عمر : « ولقد أُوتي ابن أبي طالب ثلاث خصالٍ
لأنْ يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم : زوّجه رسول الله صلّى
(قال الهيثمي :) رواه أحمد وأبو يعلى ، ورجالهما رجال الصحيح ».
بطلان القول بوضـعه :
ومن هنا يظهر أنّ القول بكونه حديثاً موضوعاً من قبل الشيعة كذبٌ
وبهتان :
قال ابن الجوزي ـ بعد أنْ رواه ببعض طرقه ـ : « فهذه الأحاديث كلّها
من وضع الرافضة ، قابلوا بها الحديث المتّفق على صحّته في : سـدّوا
الأبواب إلاّ باب أبي بكر »(1).
وقال ابن تيميّة : « هذا ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة »(2).
وقال ابن كثير الشامي : « ومن روى : إلاّ باب عليّ ـ كما في بعض
السُـنن ـ فهو خطأ ، والصواب ما ثبت في الصحيح »(3).
فابن كثير يقول : « هو خطأ ».
لكنّ ابن الجوزي وابن تيميّة يقولان : « موضوع » ، ويضيفان : أنّ
الشـيعة وضعوه على « طريـق المقابلة » لحديث : « سـدّوا الأبواب إلاّ باب
أبي بكر » ؛ لكنّ الحديث في أبي بكر ليس : « باب أبي بكر » ، وإنّما :
« خوخة أبي بكر »..
وإذا درسنا حديث : « خوخة أبي بكر » في كتابي البخاري ومسلم
حديث الخوخة في كتابي البخاري ومسلم :
أخرجه البخاري في أكثر من باب :
ففي « باب الخوخة والممرّ في المسجد » ؛ قال : « حدّثنا عبـد الله بن
محمّـد الجعفي ، قال : حدّثنا وهب بن جرير ، قال : حدّثنا أبي ، قال :
سـمعت يعلى بـن حـكيم ، عـن عكرمة ، عـن ابن عبّـاس ، قال : خرج
رسـول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم في مرضه الذي مات فيه عاصباً
رأسه بخرقةٍ فقعد على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : إنّه ليس من
الناس أحد أمنّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ؛ ولو كنت
متّخذاً من الناس خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن خلّة الإسلام أفضل ؛
سـدّوا عنّي كلّ خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر ».
وفي « باب هجرة النبيّ وأصحابه إلى المدينة » ؛ قال : « حدّثنا إسماعيل
ابن عبـد الله ، قال : حدّثني مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ،
عن عبيد ـ يعني ابن حنين ـ ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أنّ
رسـول الله صـلّى الله عليه [ وآلـه ] وسـلّم جلس على المنـبر فقال : إنّ
عبـداً خيّره الله بين أن يؤتـيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنـده ، فاختار
ما عنـده..
فبكى أبو بكر ، وقال : فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا. فعجبنا له ، وقال
الناس : انظروا إلى هذا الشيخ ، يخبر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم
وقال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : إنّ من أمنّ الناس عليَّ
في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متّخذاً خليلاً من أُمّتي لاتّخذت أبا بكر
إلاّ خُلّة الإسلام ، لا يبقينّ في المسجد خوخة إلاّ خوخة أبي بكر ».
وأخرجه مسلم في « باب فضائل الصحابة » ؛ فقال : « حدّثني عبـد الله
ابن جعفر بن يحيى بن خالد ، حدّثنا معن ، حدّثنا مالك ، عن أبي النضر ،
عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد : أنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ]
وسلّم جلس على المنبر فقال : عبد خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين
ما عنده ، فاختار ما عنده..
فبكى أبو بكر ، وبكى فقال : فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا.
قال : فكان رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم هو المخيَّر وكان
أبو بكر أعلمنا به.
وقال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : إنّ أمنّ الناس عليَّ في
ماله وصحبته أبو بكر ، ولو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً ،
ولكن أُخوّة الإسلام ؛ لا يبقيّن في المسجد خوخة إلاّ خوخة أبي بكر.
حدّثـنا سـعيد بـن منصـور ، حدّثـنا فليـح بـن سليـمان ، عـن سالـم
أبي النضر ، عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ،
قال : خطب رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم الناس يوماً بمثل حديث
مالك ».
نظرات في سـند حديث الخوخة في الصـحيحين :
لقد أخرج البخاري حديث الخوخة عن ابن عبّـاس ، وهذه نظرات
في سـنده على أساس كلمات أئمّة الجرح والتعديل المعتمدين عند القوم :
* أوّلاً : في « وهب بن وهب » كلامٌ(1)..
وفـي « جـرير بن حازم » قال البخـاري نفسـه : « ربّما يهـم »..
وقال ابن معين : « هو عن قتادة ضعيف »..
وأورده الذهبي في الضعفاء وقال : « تغيّر قبل موتـه فحـجبـه
ابن وهب »(2).
* وثانياً : إنّ راويه عن ابن عبّـاس هو : مولاه « عكرمة البربري » ؛ وقد
كان يكذب على ابن عبّـاس بشهادة ولده.. وتكلّم الناس فيه حتّى مسلم
ابن الحجّاج.. وكذّبه صريحاً : مالك بن أنس ، وابن سيرين ، ويحيى بن
معين ، وجماعة سواهم.. وتكلّموا أيضاً فيه لأنّه كان يرى رأي الخوارج.
فالحديث عن ابن عبّـاس ، وعكرمة كان يكذب عليه..
والناس تكلّموا فيه من جهة انحرافه في العقيدة عن أمير المؤمنين
عليه السلام ؛ فلا يعتمد عليه في مثل هذه الأُمور..
وأيضاً : شهدوا بأنّه كان كذّاباً.
وقد ذكرنا ترجمته بالتفصيل في بحوثنا(3).
قال النسائي : « ضعيف ».
وقال يحيى بن معين : « هو وأبوه يسرقان الحديث ».
وقال الدولابي : « سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول : كذّاب ».
وقال الذهبي ـ بعد نقل ما تقدّم ـ : « ساق له ابن عدي ثلاثة أحاديث
ثمّ قال : روى عن خاله مالك غرائب لا يتابعه عليها أحد ».
وقال إبراهيم بن الجنيد ، عن يحيى : « مخلّط ، يكذب ، ليس بشيء ».
وقال ابن حزم في المحلّى : « قال أبو الفتح الأزدي : حدّثني سيف بن
محمّـد أنّ ابن أبي أُويس كان يصنع الحديث ».
وقال العيني : « أقرّ على نفسه بالوضع كما حكاه النسائي »(1).
وأمّا مسلم بن الحجّاج فلم يخرج حديث الخوخة عن ابن عبّـاس ؛
لعدم وثاقة عكرمة عنده ! وإنّما أخرجه عن أبي سعيد الخدري بطريقين.
* في أحدهما : « فليح بن سليمان » :
قال النسائي : « ليس بالقوي ».
وقال أبو حاتم ويحيى بن معين : « ليس بالقوي ».
وقال يحيى ، عن أبي كامل مظفّر بن مدرك : « ثلاثة يتّقى حديثهم :
محمّـد بن طلحة بن مصرف ، وأيوب بن عتبة ، وفليح بن سليمان ».
وقال الرملي ، عن داود : « ليس بشيء ».
وقال ابـن أبـي شـيبة : قال علـي بن المديـني : « كان فليح وأخوه
وذكره العقيلي والدارقطني والذهبي في الضعفاء.
وذكره ابن حبّان في المجروحين(1).
* وفي الطريق الآخر : « مالك بن أنس » :
قال المبرّد في مذهب الخوارج : « كان عدّة من الفقهاء يُنسبون إليه ،
منهم : عكرمة مولى ابن عبّـاس ، وكان يقال ذلك في مالك بن أنس »..
قال : « ويروي الزبيريّون أنّ مالك بن أنس كان يذكر عثمان وعليّاً
وطلحة والزبير فيقول : والله ما اقتتلوا إلاّ على الثريد الأعفر »(2).
وكان يقول : أفضل الأُمّة : أبو بكر وعمر وعثمان ، ثمّ يقف ويقول :
هنا يتساوى الناس(3) ! !
ولم يخرج في كتابه شيئاً عن عليّ أمير المؤمنين(4) ! !
ثمّ كان من المدلّسـين(5)..
وكان يتغنّى بالآلات(6)..
ثمّ إنّ جماعة من أعلام الأئمّة تكلّموا فيه وعابوه ، كابن أبي ذؤيب ،
وعبـد العزيز الماجشون ، وابن أبي حازم ، ومحمّـد بن إسحاق ، وإبراهيم
ابن سـعد ، وعبـد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وابن أبي يحيى ، وسفيان..
تحريف البخاري « الخوخـة » إلى « الباب » :
ثمّ إنّ البخاري بعد أن أخرج الحديث عن ابن عبّـاس في « باب
الخوخة والممرّ في المسجد » ـ كما عرفت ـ حرّفه في « باب المناقب » ؛ إذ
قال : « باب قول النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : سدّوا الأبواب إلاّ باب
أبي بكر. قاله ابن عبّـاس عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ».
فاضطرب الشرّاح في توجيه هذا التحريف ، فاضطرّوا إلى حمل ذلك
على أنّه نقل بالمعنى ؛ قال ابن حجر : « وصله المصـنّف في الصلاة بلفظ :
سـدّوا عنّي كلّ خوخـة ، فكأنّـه ذكره بالمعنى »(2)..
وقال العيني : « هذا وصله البخاري في الصلاة بلفظ : سدّوا عنّي كلّ
خوخة في المسجد ، وهذا هنا نقل بالمعنى... »(3).
وهل يصدق على نقل « الخوخة » إلى « الباب » أنّه نقل بالمعنى ؟ !
على أنّ ابن حجر نفسه غير جازم بذلك ؛ فيقول : « كأنّه... » ! !
وكما حرّف الحديث عن ابن عبّاس ، كذلك حرّف حديث أبي سعيد
الذي أخرجه في « باب هجرة النبيّ » ـ كما عرفت ـ فقال في « باب
المناقب » : « حدّثني عبـد الله بن محمّـد ، حدّثني أبو عامر ، حدّثنا فليح ،
قال : حدّثني سالم أبو النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري
خطب رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وقال : إنّ الله خيّر عبداً
بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ذلك العبد ما عند الله..
قال : فبكى أبو بكر ، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلّى الله عليه
[ وآله ] وسلّم عن عبد خُيِّر. فكان رسول الله هو المخيّر وكان أبو بكر
أعلمنا.
فقال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : إنّ من أمَنّ الناس عليَّ
في صحبته وماله أبا بكر ؛ ولو كنت متّخذاً خليلاً غير ربّي لاتّخذت أبا بكر
خلـيلاً ولكن أُخـوّة الإسلام ومودّتـه ؛ لا يبقيَّـن في المسـجد باب إلاّ سُـدَّ
إلاّ باب أبي بكر ».
وهنا أيضاً اضطرب الشرّاح ، فراجع كلماتهم.
النظر في سـند الحديث المحرَّف :
أمّا تحريفه حديث ابن عبّـاس ؛ فلم يذكر له سـنداً.
وأمّا تحريفه حديث أبي سعيد ؛ فهو في « باب المناقب » بالسـند
التالي : « حدثني عبـد الله بن محمّـد ، حدّثني أبو عامر ، حدّثني فليح ، قال :
حدّثني سالم أبو النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري »..
وفي باب « الخوخة والممرّ في المسجد » بهذا السـند : « حدّثنا محمّـد
ابن سنان ، قال : حدّثنا فليح ، قال : حدّثنا أبو النضر ، عن عبيد بن حنين ،
عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ».
فمداره ـ كما ترى ـ على « فليح بن سليمان » ، وقد عرفته سابقاً عند
الكلام على رواية مسلم ، وعلمت أن لفظ الحديث عن هذا الرجل
ثمّ إنّ في سـند البخاري في « باب الخوخة والممرّ في المسجد »
مشكلة أُخرى ، وهي : إنّ « عبيد بن حنين » لا يروي عن « بسر بن سعيد »
وهذا ما نصّ عليه القوم واضطربوا في توجيهه كذلك :
قال ابن حجر : « قال الدارقطني : هذا السياق غير محفوظ ، واختلف
فيه على فليح... » ، فذكر ثلاثة أوجه مختلفة ، ثمّ شرع في الجواب عن
هذا الاعتراض والدفاع عن البخاري.
هذا في مقدّمة فتح الباري ، في الحديث الرابع من الأحاديث التي
اعترض فيها على البخاري.
وأمّا في شرح الحديث ، فقد حاول دفع الإشكال بأنّ الحديث عند
« أبي النضر » عن شيخين هما « بسر » و« عبيد » ، وأنّ « فليحاً » كان يجمعهما
مرّةً ويقتصر على أحدهما أُخرى. هكذا قال ، لكنّه اضطرّ إلى الاعتراف
بالخطأ فقال : « فلم يبق إلاّ أنّ محمّـد بن سنان أخطأ في حذف الواو
العاطفة ، مع احتمال أن يكون الخطأ من فليح حال تحديثه له به ».
هذا بالنسبة إلى حديث « الخوخة » وألفاظه وأسانيده.
الاعتراف بحديث سـدّ الأبواب ومحاولات الجمع :
ثـمّ إنّ جـمعاً من الحـفّاظ المحقّـقين اعـترفوا بصـحّة حـديث سـدّ
الأبـواب إلاّ باب عليّ ، وجـعلوا يردّون على القـول بوضـعه بشـدّة..
قال ابن حجر بشـرحه : « تنبيه : جاء في سـدّ الأبواب التي حول
المسـجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب ، منها :
* حديث سـعد بن أبي وقّاص ، قال : أمرنا رسول الله صلّى الله عليه
[ وآله ] وسلّم بسـدّ الأبواب الشارعة في المسـجد وترك باب عليّ. أخرجه
أحمد والنسائي ، وإسناده قويّ.
وفي رواية للطبراني في الأوسـط ـ رجالها ثقات ـ من الزيادة : فقالوا :
يا رسـول الله ! سددت أبوابنا ؟ ! فقال : ما أنا سددتها ولكنّ الله سـدّها.
* وعن زيد بن أرقم ، قال : كان لنفرٍ من الصحابة أبواب شارعة في
المسجد ، فقال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : سـدّوا هذه الأبواب
إلاّ باب عليّ. فتكلّم ناس في ذلك ؛ فقال رسول الله : إنّي والله ما سددت
شيئاً ولا فتحته ولكن أُمرت بشيء فاتّبعته. أخرجه أحمد والنسائي
والحاكم ، ورجاله ثقات.
* وعن ابن عبّـاس ، قال : أمـر رسـول الله بأبواب المسجد فسُـدّت
إلاّ باب عليّ. وفي روايةٍ : وأمر بسـدّ الأبواب غير باب عليّ ، فكان يدخل
المسـجد وهو جنب ليس له طريق غيره. أخرجهما أحمد والنسائي ،
ورجالهما ثقات.
* وعن جابر بن سـمرة ، قال : أمرنا رسول الله بسـدّ الأبواب كلّها
غير باب عليّ ، فربّما مرّ فيه وهو جنب. أخرجه الطبراني.
* وعن ابن عمر ، قال : كنّا نقول في زمن رسول الله صلّى الله عليه
[ وآله ] وسلّم : رسـول الله خير الناس ، ثمّ أبو بكر ، ثمّ عمر. ولقد أُعطي
عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال ، لأنْ تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من
حمر النعم : زوّجه رسول الله ابنته وولدت له ، وسـدّ الأبواب إلاّ بابه في
المسجد ، وأعطاه الراية يوم خيبر. أخرجه أحمد ، وإسناده حسـن.
* وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار ـ بمهملات ـ قال :
وهذه الأحاديث يقوّي بعضها بعضاً ، وكلّ طريقٍ منها صالح
للاحتجاج فضلاً عن مجموعها.
وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات ، أخرجه من
حديث سعد بن أبي وقّاص ، وزيد بن أرقم ، وابن عمر ، مقتصراً على
بعض طرقه عنهم ، وأعلّه ببعض من تكلّم فيه من رواته ، وليس ذلك
بقادح ؛ لِما ذكرت من كثرة الطرق..
وأعلّه أيضاً بأنّه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر ،
وزعم أنّه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر.
انتهى.
وأخطأ في ذلك خطأً شنيعاً ، فإنّه سلك في ذلك ردّ الأحاديث
الصحيحة بتوهّمه المعارضة ، مع أنّ الجمع بين القصّتين ممكن... »(1).
ولابن حجر كلام مثله في كتابه : القول المسـدّد(2).
وقد أورد السيوطي كلام ابن حجر في معرض الردّ على ابن الجوزي ،
قال :
« قلت : قال الحافظ ابن حجر في القول المسـدّد في الذبّ عن مسند
أحمد : قول ابن الجوزي في هذا الحديث أنّه باطل وأنّه موضوع ، دعوىً
وطريق الورع في مثل هذا أن لا يحكم على الحديث بالبطلان ، بل
يتوقّف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهر له ، وهذا الحديث من هذا الباب ،
هو حديث مشهور له طرق متعـدّدة ، كلّ طريق منها على انفراده لا يقصر
عن رتبة الحسـن ، ومجموعها ممّا يقطع بصـحّته على طريقة كثير من أهل
الحديث.
وأمّا كونه معارضاً لِما في الصحيحين فغير مسلّم ، ليس بينهما
معارضـة...
وها أنا أذكر بقيّة طرقه ثمّ أُبيّن كيفيّة الجمع بينه وبين الذي في
الصحيحين... ».
ثمّ قال بعد ذكر طرقٍ للحديث :
« فهذه الطرق المتضافرة بروايات الأثبات تدلّ على أنّ الحديث
صحيح ذو دلالة قويّة ، وهذه غاية نظر المحدّث... فكيف يدّعى الوضع
على الأحاديث الصحيحة بمجرّد هذا التوهّم ؟ ! ولو فتح هذا الباب لردّ
الأحاديث لأدّى في كثير من الأحاديث الصحيحة إلى البطلان ، ولكن يأبى
الله ذلك والمؤمنون... »(1).
وقال القسطلاني بشرح حديث الخوخة : « وعورض بما في الترمذي
وأُجيب بأنّ الترمذي قال : إنّه غريب ، وقال ابن عساكر : إنّه وهم.
لكن للحديث طرق يقوّي بعضها بعضاً ، بل قال الحافظ ابن حجر
في بعضها : إسناده قويّ ، وفي بعضها : رجاله ثقات »(1).
وقال بعد ذكر طرقٍ لحديث « إلاّ باب عليّ » : « وبالجملة فهي ـ كما
قال الحافظ ابن حجر ـ : أحاديث يقوّي بعضها بعضاً ، وكلّ طريق منها
صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها »(2).
وقال ابـن عـراق الكـنانـي بعد كلام ابن الجـوزي : « تعقّبه الحافظ
ابن حجر الشافعي في القول المسدّد ؛ فقال : هذا إقدام على ردّ الأحاديث
الصحيحة بمجرّد التوهّم ، ولا معارضة بينه وبين حديث الصحيحين ؛ لأنّ
هذه قصّة أُخرى ، فقصّـة عليٍّ في الأبواب الشارعة وقد كان أذن له أن يمرّ
في المسجد وهو جنب ، وقصّـة أبي بكر في مرض الوفاة في سـدّ طاقات
كانوا يستقربون الدخول منها. كذا جمع القاضي إسماعيل في أحكامه
والكلاباذي في معانيه والطحاوي في مشكله... »(3).
أقـول :
لقد ثبت حتّى الآن :
أوّلاً : صـحّة حديث سـدّ الأبواب إلاّ باب عليّ عليه السلام.
وثانياً : بطلان القول بكونه موضوعاً من قبل الشيعة باعتراف حفّاظهم
وثالثاً : عدم صـحّة حديث الخوخة ، بالنظر في أسانيده على ضوء
كلمات أئمّة الجـرح والتعديل منهم.
كلماتهم في وجه الجـمع :
إلاّ أن هؤلاء قائلون بصـحّة حديث الخوخة أيضاً ؛ لكونه في كتابي
البخاري ومسلم ، ولأنّه يدلّ على فضيلةٍ لاِمامهم في زعمهم ، فانبروا للجمع
بين الحديثين ، فلاحظ :
كلام ابن كثير في تاريخه(1)..
وكلام ابن روزبهان في كتابه الباطل(2)..
وكلام ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري(3) والقول المسدّد(4) ،
ووافقه السيوطي(5) والقسطلاني(6)..
وكلام ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة(7)..
وكلام المباركفوري في شرح الترمذي(8)..
وكلام الحلبي في سـيرته(9).
أقـول :
لكنّها كلمات متناقضة متهافتة.. ومحاولات باردة يائسة.. والحقيقة
إنّ حديث « الخوخة » من الأحاديث الموضوعة في زمن معاوية ، فهو
الحديث المقلوب.
*
*