خـمس وثلاثون ـ مصطلح العَـلَم
* العَلم لغةً :

للعَلَم في اللغة عدّة معانٍ ، أهمّها
(1) :

1 ـ الجبل ، ومن قوله تعالى : (
وله الجوارِ المنشآت في البحرِ
كالأعلام )
(2) .

2 ـ الراية .

3 ـ العلامة .

« والظاهر أنّ النقل إلى المعنى الاصطلاحي من الثالث ، بدليل قولهم :
لأنّه علامة على مسمّاه »
(3) .
* العلم اصطلاحـاً :

عبّر سيبويه (ت 180 هـ) عن العَلَم بعنوانين ، هما : العلم الخاصّ ،
والعلامة اللازمة المختصّة
(4) .

وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بعنوانين أيضاً ، هما : الموقّت ، والاسم
____________
(1) لسان العرب ، مادّة (علم) .
(2) سورة الرحمن 55 : 24 .
(3) أ ـ حاشية الصبّان على شرح الأشموني 1|126 .
ب ـ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ، ضبط وتصحيح يوسف البقاعي
1|111 .
(4) الكتاب ، سـيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 2|5 .
( 293 )
الموضـوع
(1) .

وعبّر عنه المبرّد (ت 285 هـ) بالاسم الخاصّ
(2) .

ولعلّ ابن السرّاج (ت 316 هـ) أوّل من عبّر عنه بالعَلم
(3) .

وقد عرّف سيبويه العَلم بالمثال ، فقال : « فأمّا العلامة اللازمة
المختصّة ، فنحو : زيد وعمرو وعبـدالله ، وما أشبه ذلك »
(4) .

وحدّه المبرّد بأنّه : « لقب يفصل الواحد من جميع جنسه » ، ثمّ قال :
« ولوقوع اللقب الواحد على اثنين احتيج إلى الصفات ، ألا ترى أنّك تقول :
جاءني زيدٌ ، فإذا خفت أن يلتبس عليه بزيد آخر تعرفه ، قلت : الطويلُ
ونحوه ؛ لتفصل بينهما »
(5) .

وحدّه ابن جنّي (ت 392 هـ) بأنّه : « ما خصّ به الواحد فجعل عَلماً
له »
(6) .

وحدّه عبـد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) بأنّه : « كلُّ اسـمٍ وضع في
أوّل أحواله لشيءٍ بعينه لا يقع على كلّ ما يشبهه . . . ألا ترى أنّ (زيداً)
وضع في أوّل ما وضع للرجلِ المعيّن ، ثمّ ليس كلّ من يكون مثل زيدٍ
يسمّى زيـداً »
(7) .
____________
(1) معاني القرآن ، يحيى بن زياد الفرّاء ، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّـد علي النجّار
1|7 ، وص 409 .
(2) المقتضب ، محمّـد بن يزيد المبرّد ، تحقيق محمّـد عبـد الخالق عضيمة 4|276 .
(3) الأُصول في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبـد الحسين الفتلي 1|176 .
(4) الكتاب ، سـيبويه 2|5 .
(5) المقتضـب ، المبرّد 4|17 .
(6) اللمع في العربية ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 104 .
(7) الجمل ، عبـد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر : 31 .
( 294 )

وقريب من هذا الحدّ ما ذكره الزمخشري (ت 538 هـ) وابن معطي
(ت 628 هـ) من أنّ : « العَـلم : هـو ما علّق على شـيء بعـينه غير متناول
مـا أشـبهه »
(1) .

قال ابن الحاجب : « لو اقتصر على قوله : (ما علّق على شيء بعينه)
لدخلت عليه المعارف كلّها ، فميّزه بقوله : (غير متناول ما أشبهه) »
(2) .

وقد يشكل على هذه الحدود بأنّ العَلم كزيدٍ ، قد يطلق على
أشخاصٍ كثيرين ، فما الفرق بينه وبين النكرة ؟ !

وقد أجاب ابن الخشّاب على هذا الإشكال بقوله : « ليس الاشتراك
الواقع في لفظ (زيد) في انطلاقه على زيد الخيلِ مثلاً ، وعلى زيد بن
حارثة ، وزيد بن ثابت . . . هو الاشتراك الواقع في رجل وفرس وغيرهما
من النكرات الصالحة لكلّ واحدٍ من جنسها ؛ لأنّ اشتراك النكرة الممثّل بها
وما أشبهها مقصود في أوّل الوضع ، والاشتراك الواقع في الأعلام غير
مقصود ، فاعرفه فرقاً واضحاً بينهما »
(3) .

وحدّه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بأنـّه : « ما وضع لشيء بعينه غير
متناول غيره ، بوضـعٍ واحدٍ »
(4) .

وتابـعه علـى هـذا الحـدّ محمّـد بـن عبـد الغنـي الأردبـيلـي (ت
____________
(1) أ ـ المفصّل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 6 .
ب ـ الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 225 .
(2) الإيضاح في شرح المفصّل ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي 1|69 .
(3) المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 288 .
(4) أ ـ شرح الرضي على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 3|245 .
ب ـ الأمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حسن حمّودي 3|53 .
( 295 )
647 هـ)
(1) .

وممّا ذكره الرضي في شرح هذا الحدّ : أنّ « قوله : (غير متناول غيره)
يخرج سائر المعارف ؛ لتناولها بالوضع أيَّ معيّن كان ، [و] قوله : (بوضع
واحدٍ) متعلّق بمتناول ، أي : لا يتناول غير ذلك المعيّن بالوضع الواحد ، بل
إن تناول ـ كما في الأعلام المشتركة ـ فإنّما يتناوله بوضعٍ آخر ، أي : بتسميةٍ
أُخرى ، لا بالتسمية الأُولى ، كما إذا سُمّي شخص بزيدٍ ، ثمّ يسمّى به
شخص آخر ، فإنّه وإن كان متناولاً بالوضع لمعيّـنين ، لكنّه تناول المعيّن
الثاني بوضع آخر غير الوضع الأوّل ، بخلاف سائر المعارف . . . فإنّما ذكر
قوله : (بوضعٍ واحدٍ) ؛ لئـلاّ تخرج الأعلام المشتركة عن حدّ العَلَم »
(2) .

ويلاحظ أنّ ابن الحاجب قد ذكر في
أماليه أنّه لا حاجة لإضافة قيد
(بوضع واحد) إلى الحدّ ؛ قال : « والاعتراض بـ (زيدٍ) إذا سمّي به باعتبار
تعدّد وضعه مندفعٌ من غير حاجة إلى زيادة (بوضع واحدٍ) ؛ وذلك أنّ
الواضع لمّا وضعه لشيء بعينه في جميع تقديراته ، لم يضعه للآخر أصلاً ،
فهو غير متناول ما أشبهه قطعاً ، فلا حاجة إلى قوله : بوضع واحد في
التحقيق »
(3) .

وحدّه ابن عصفور (ت 669 هـ) بقوله : « هو ما علّق في أوّل أحواله
على مسمّىً بعينه في جميع الأحوال ، من غيبة وتكلّم وخطاب وإشارة »
(4) .
____________
(1) شرح الأُنموذج في النحو ، الأردبيلي ، تحقيق حسني عبـد الجليل يوسف : 10 .
(2) شرح الرضي على الكافية 3|245 .
وانظر أيضاً : الأمالي النحوية 3|53 ، الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ،
تحقيق أُسامة طه الرفاعي 2|153 .
(3) الأمالي النحوية 3|53 .
(4) المقرِّب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبـد الموجود وعلي معوّض : 298 .
( 296 )

وحدّه ابن مالك (ت 672 هـ) بحدّين :
أوّلهما : « هو المخصوص مطلقاً ، غلبة أو تعليقاً ، بمسمّىً غير مقدّر
الشياع ، أو الشائع الجاري مجراه »
(1) .

وشرحه السلسيلي قائلاً : « المخصوص مخرج لاسم الجنس ؛ فإنّه
شائع غير مخصوص ، (مطلقاً) مخرج للمضمرات ؛ فإنّ كلّ واحدٍ منها
مخصـوص باعتبار ، غير مخصوص باعتبار ؛ وذلك لأنّ لفظ أنا [مثلاً]
وضـع ليخصّ المتكلّم به نفسـه ، ولكلّ متكلّم منه نصيب حين يقصـد
نفسه ، فهو مخصوص باعتبار كونه لا يتناول غير الناطق ، وغير مخصوص
باعتبار صلاحيته لكلّ مخبر عن نفسه ، (غلبة أو تعليقاً) هما نوعا العلم ،
وقوله : (بمسمّىً) متعلّق بمخصوص ، (غير مقدّر الشياع) مخرج للشمسِ
والقمرِ ونحوهما ؛ فإنّهما مخصوصان بالفعل شائعانِ بالقوّة ، (أو الشائع
الجاري مجراه) ، أشار بهذا إلى العَلم الجنسي كأُسامة للأسـدِ ، وثعالة
للثعلـب »
(2) .
وثانيهما : ما ذكره في الخلاصة الألفيّة من أنّ العَلم : « اسم يعيّن
المسمّى مطلقاً » .

وبـه أخـذ كثير من النحاة ، كأبي حيّان الأندلسي (ت 745 هـ)
(3) ،
____________
(1) تسـهيل الفوائـد وتكميل المقاصـد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات :
30 .
(2) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمّـد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبـدالله
البركاتي 1|211 .
(3) غاية الإحسان في علم اللسان ، أبو حيّان الأندلسي ، مصوّرتي عن مخطوطة دار
الكتب المصرية : 4 .
( 297 )
وابن عقيل (ت 769 هـ)
(1) ، والأزهري (ت 509 هـ)
(2) .

وأمّا ابن الناظم (ت 686 هـ) فإنّه قسّم العَلمَ أوّلاً إلى نوعين :

عَلم شخصي ، وعَلم جنسي ، ثمّ عرّف العَلمَ الشخصي بأنّه : « الدال
على معيّنٍ مطلقاً ، أي : بلا قيدٍ ، بل بمجرّد وضع اللفظ له ، على وجه منع
الشركةِ فيه .

فـ(الدالّ على معيّن) جنس للمعارف ، و(مطلقاً) خاصّة للعَلم تميّزه
عن سائر المعارف ؛ فإنّ كلّ معرفة دلالته على التعيـين بقرينة خارجة عن
دلالة لفظه ، وتلك القرينة إمّا لفظية ، كالألف واللام والصلة ، وإمّا معنوية ،
كالحضور والغيبة .

وقولي : (على وجه منع الشركة فيه) مخرج لاسم الجنس الذي
مسمّاه واحد بالشخصي كالشمس ؛ فإنّه يدلّ على معيّنٍ بوضعِ اللفظ له ،
وليس بعَلم ؛ لأنّ وضع اللفظِ له ليس على وجهِ منعِ الشركة »
(3) .

وأمّا ابن هشام (ت 761 هـ) فقد طرح للعَلمِ ثلاثة حدود :
أوّلها : أنّه : « ما عُلّق على شـيء بعينهِ غير متناولٍ ما أشـبهه »
(4) ، وهو
تابع فيه للزمخشري .
وثانيها : أنّه : « اسـم يعيّن مسمّاه تعييناً مطلقاً ، أي : غير مقيّد »
(5) ،
____________
(1) شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد
1|58 .
(2) شرح الأزهرية في علم العربية ، خالد الأزهري : 92 .
(3) شرح الألفيّة ، لابن الناظم : 27 .
(4) شرح قطر الندى وبلّ الصدى ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبـد الحميد : 96 .
(5) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبـد الحميد : 138 .
( 298 )
وهو تابع فيه لابن مالك ، وقد ذكر في شرحه : أنّه يخرج بالإطلاق « ما عدا
العلم من المعارف ، فإنّ تعيينها لمسمّياتها تعيينٌ مقيّد ، ألا ترى أنّ ذا الألفِ
واللام مثلاً إنّما يعيّن مسمّاه ما دامت فيه أل ، فإذا فارقته فارقه التعيـين ،
ونحو : هذا ، إنّما يعيّـنُ ما دام حاضراً »
(1) ، « وكقولك : غلامي ؛ فإنّه يعيّن
مسـمّاه بقـيد الإضافـة ، بخلاف العَلم ؛ فإنّه يعيّن مسمّاه بغير قيد ، ولذلك
لا يختلف التعبير عن الشخص المسمّى زيداً بحضور ولا غيبةٍ ، بخلاف
التعبير عنه بأنتَ وهو »
(2) .
ثالثها : العَلم هو : « الاسم الذي عُلّقَ في أوّل أحواله على شيءٍ
بعينه ، محظوراً استعماله في ما أشبه مسمّاه . . . وقولنا : (الذي عُلّقَ على
شـيءٍ بعينه) فصـل أخـرج النكرات ، وقولنا : (فـي أوّلِ أحوالـه) أخـرجَ
ذو الأداةِ كالرجلِ ، والإضافةِ كغلام زيدٍ ، وقولنا : (محظوراً . . . إلى آخره)
فصلٌ ثانٍ مخرج للضمير والإشارة »
(3) .

وحدّه السيوطي (ت 911 هـ) بأنّه : « ما وضع لمعيّنٍ لا يتناول
غيره »
(4) . .

وتابعه عليه جمال الدين الفاكهي (ت 972 هـ)
(5) .
____________
(1) أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محيي الدين عبـد الحميد
1|88 .
(2) شرح شذور الذهب : 138 .
(3) شرح اللمحة البدرية في علم العربية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 1|303 ـ
304 .
(4) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق عبـد السلام
هارون وعبـد العال مكرم 1|243 .
(5) شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الإبراهيم :
112 .
( 299 )

وممّا ذكره السيوطي في شرحِ هذا الحدّ : أنّه « خرج بـ (المعيَّن)
النكرات ، وبما بعده سائر المعارف ؛ فإنّ الضمير صالح لكلّ متكلّم
ومخاطـب وغائـب ، وليس موضـوعاً لأن يستعمل في معيّـن خاصّ بحيث
لا يستعمل في غيره . . . واسم الإشارة صالح لكلّ مشارٍ إليه . . . وأل صالحة
لأن يعرّف بها كلّ نكرة . . . ثمّ التعيّـنُ إن كان خارجياً ، بأن كان الموضوع له
معيّـناً في الخارج كزيدٍ ، فهو علم الشخصي ، وإن كان الموضوع له معيّـناً
في الذهن ، أي ملاحظ الوجود فيه كـ (أُسامة) عَلَمٌ للسـبع ، أي : لماهيّته
الحاضرة في الذهن ، فهو علم الجنس »
(1) .
*
*
*
____________
(1) همع الهوامع شرح جمع الجوامع 1|243 ـ 244 .
( 300 )
سـتّ وثلاثون ـ مصطلح الضـمير
* الضـمير لغةً :

الضـمير في اللغة : « السرّ وداخل الخاطر . . . وأضمرتُ الشيء :
أخفيته »
(1) .

والضـمير بمعنى المضمر ، « على حدْ قولهم : عقدتُ العسلَ فهو
عقيد ، أي : معقود »
(2) .
* الضـمير اصطلاحاً :

عبّر سيبويه (ت 180 هـ) عن المعنى الاصطلاحي للضمير بأربعة
عناوين ، هي : الإضمار ، المضمر ، الضمير ، والاسم المبهم
(3) .

وعبّر عنه الفرّاء (ت 208 هـ) بالمكنيّ والكناية
(4) .

والوجه في تسمية الكوفيّـين للضمير كناية ومكنيّاً أنّه : « ليس بالاسم
الصريح ، والكناية تقابل الصريح ، قال ابن هانئ :
فصرِّح بما تهوى ودعني من الكُنى * فلا خير في اللذات من دونها سترُ » (5)
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة (ضمر) .
(2) أ ـ شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 1|296 .
ب ـ شرح التصريح على التوضيح ، الأزهري 1|95 .
(3) الكتاب ، سـيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1|78 ـ 79 ، 2|6 ، وص 77 .
(4) معاني القرآن ، يحيى بن زياد الفرّاء ، تحقيق أحمد نجاتي ومحمّـد علي النجّار ،
1|5 ، وص 19 ، وص 50 .
(5) أ ـ شرح اللمحة البدرية 1|296 .
ب ـ شرح التصريح 1|95 .
( 301 )

ويرى بعض الباحثين : « أنّ اصطلاح الضمير أدقّ من اصطلاح
المكني ؛ لأنّ الكناية تشمل كلّ ما يكنّى به من إشارة أو موصول أو عدد ،
بخلاف الضمير ؛ فإنّه لا يدخل فيه شيء من ذلك »
(1) .

وقد عرّف سيبويه الضمير بالمثال ، فقال : « وأمّا الإضمار فنحو : هو
وإيّاه وأنت وأنا ونحن »
(2) .

وحـدّه المبرّد (ت 285 هـ) بقوله : « الأسماءُ المضـمرة ، وهي : التي
لا تكون إلاّ بعد ذكرٍ »
(3) ، أي : بعد اسم ظاهر تعود إليه .

ويلاحـظ على هـذا الحـدّ أنّـه غير شامل لِما يجـيزه العرب من
مجيء الضمير قبل الذكر في خمسة مواضع
(4) ، وهي : « ضمير الشأن ، نحو
(
قُلْ هو الله أحد )
(5) ، والقصّة نحو (
فإنّها لا تعمى الأبصار )
(6) . . .
والمضمر في نِعْمَ وبئسَ ، نحو : نعمَ رجلاً زيدٌ ، وبئسَ رجلاً عمروٌ ، ومع
____________
(1) الأُصـول في النحـو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبـد الحسين الفتلي 1|79 (حاشية
الصفحة) .
(2) الكتاب 2|6 .
(3) المقتضب ، يحيى بن زياد الفرّاء ، تحقيق عبـد الخالق عضيمة 3|186 .
(4) أ ـ الكتاب 1|175 ـ 177 .
ب ـ المقتضب 2|142 ـ 143 .
ج ـ شرح المفصّل ، ابن يعيش 3|109 ـ 118 .
د ـ تسهيل الفوائـد وتكميل المقاصـد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات :
28 .
هـ ـ شـرح المقدّمـة الجزولية ، أبـو علي الشلوبـين ، تحقـيق تركي العتيبي 2|
756 .
(5) سورة الإخلاص 112 : 1 .
(6) سورة الحجّ 22 : 46 .
( 302 )
رُبَّ ، نحو : رُبَّهُ رَجُلاً لقيت ، وفي باب عطف الفعل على الفعل عند إعمال
الثاني في ما يطلبه الأوّل فاعلاً ، نحو : ضربني وضربتُ زيداً ، أو مفعولاً لم
يُسَمَّ فاعله ، نحو : أهينَ وأكرمتُ زيداً »
(1) .

ولعلّه لأجل هذه الملاحظة عمد ابن الخشّاب (ت 567 هـ) إلى
تعريف الضمير بقوله : هو ما « يأتي بعد مذكور ظاهر ، كقولك : زيدٌ مررتُ
به ، أو ما يقوم مقام الاسم الظاهر الذي يعود الضمير إليه ، كالمتكلّم إذا قال :
أنا فعلتُ ، فناب [ضمير] المتكلّم هنا مناب اسـمه »
(2) .

وحدّه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله : « المضمر : ما وضع لمتكلّم
أو مخاطب أو غائب ، تقدّم ذكره لفظاً ومعنىً ، أو حكماً »
(3) .

وغرضه من القيدين الأخيرين دفع ملاحظة عدم مشمول الحدّ ،
وإدخال الضمائر التي يتأخّر مفسِّرها
(4) عنها ، كما يتّضـح من شرح الرضي
لهذا الحدّ ؛ إذ قال : « والتقدّم المعنوي ألاّ يكون المفسِّر مصرَّحاً بتقديمه ،
بل هناك شيء آخر غير ذلك الضمير يقتضي كون المفسِّر قبل موضع
الضمير ، وذلك ضروب ، كمعنى الفاعلية المقتضي كون الفاعل قبل المفعول
رتبة ، كضربَ غلامَهُ زيدٌ ، ومعنى الابتداء المقتضي لكون المبتدأ قبل
الخبر ، نحو : في دارِه زيدٌ . . . والتقدّم الحكمي أن يكون المفسِّر مؤخّراً
لفظاً ، وليس هناك ما يقتضي تقدّمه على محلّ الضمير ، إلاّ ذلك الضمير ،
فنقول : إنّه وإن لم يتقدّم لفظاً ولا معنىً ، إلاّ أنّه في حكم المتقدِّم ؛ نظراً إلى
____________
(1) التوطئة ، أبو علي الشلوبين ، تحقيق يوسف أحمد المطوّع : 172 ـ 173 .
(2) المرتجل ، ابن الخشّاب ، تحقيق علي حيدر : 278 .
(3) أ ـ شـرح الكافية ، الرضي الاسترابادي ، تحقيق يوسف حسن عمر 2|401 .
ب ـ الأمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حسن حمّودي 3|42 .
(4) المراد بالمفسِّر : الاسم الظاهر الذي يعود إليه ضمير الغائب .
( 303 )
وضع ضمير الغائب ، وإنّما يقتضي ضمير الغائب تقدّم المفسِّر عليه ؛ لأنّه
وضعه الواضع معرفةً لا بنفسه بل بسبب ما يعود عليه ، فإن ذكرته ولم
يتقدّم عليه مفسّره بقي مبهماً منكراً لا يعرف المراد به حتّى يأتي مفسّره
بعده ، وتنكيره خلاف وضعه »
(1) .

أمّا ابن عصفور (ت 669 هـ) فقد حدّ الضمير بأنّه : « ما عُلّقَ في أوّل
أحوالـه على شـيءٍ بعينه في حال غيبةٍ خاصّـةً كـ (هو) ، أو خطابٍ خاصّةً
كـ (أنتَ) ، أو تكلّم خاصّـةً كـ (أنا) »
(2) .

ولا يرد على هذا الحدّ ما ورد على سابقيه ؛ لأنّه لم يؤخذ فيه عود
ضمير الغائب على ذكر متقدّم عليه .

وحدّه ابن مالك بحدّين :
أوّلهـما : أنّه : « الموضـوع لتعيـين مسـمّاه مشعراً بتكلّمه أو بخطابه
أو غيبـته »
(3) .

« يخرج بذكر (التعيـين) النكرات ، ويخرج بـ (الوضـع) المنادى
والمضاف وذو الأداة ، والأشعار بالتكلّم والخطاب أو الغيبة مخرج للعلم
واسـم الإشارة والموصـول ؛ لأنّ كلّ واحد منها لا يختصّ بواحدة من
الأحوال الثلاث ، بل هو صالح لكلّ واحدة منها على سبيل البدل ، بخلاف
المضمر ، فإنّ المشعر فيها بإحدى الأحوال الثلاث لا يصلح لغيرها »
(4) .

وقـد أخذ بمضـمون هذا الحـدّ كلّ من ابـن الناظم (ت 686 هـ)
____________
(1) شرح الرضي على الكافية 2|404 ـ 406 .
(2) المقرِّب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبـد الموجود وعلي مُعوّض : 298 .
(3) تسهيل الفوائد : 22 .
(4) شـفاء العليل في إيضاح التسهـيل ، محمّـد بن عيسـى السلسيلي ، تحقيق عبـدالله
البركاتي 1|173 .
( 304 )
وابن هشام (ت 761 هـ) ، والأزهري (ت 905 هـ) ، فعرّفوا الضمير بأنّه :
ما دلّ على متكلّم أو مخاطب أو غائب »
(1) .
وثانيهما : أنّه ما دلّ على غيبةٍ أو حضور ، وهو ما ذكره في
ألفيّـته
بقوله :
فما لذي غيبـةٍ أو حضـورٍ * كأنـتَ وهـو سَمِّ بالضـمير

وهو اختصار للحدّ المتقدّم عليه ؛ لأنّ ما دلّ على الحضور شامل لكلٍّ
من ضـمير المتكلّم والمخاطب .

وعقّب عليه المكودي بقوله : « ودخل في قوله : (أو حضورٍ) اسم
الإشارة ؛ لأنّه حاضر ، لكنّه أخرجه بالمثال »
(2) .
أقـول :

إنّ إخراجه بالمثال ليس فنّـياً ، ولا يجعل الحدّ مانعاً من دخول
الأغيار .

وقد ذهب السيوطي (ت 911 هـ) إلى أنّ الضمير مستغنٍ عن
التعريف ، قائلاً : « ولكونه ألفاظاً محصورة بالعدِّ ، استغنينا عن حدّه ، كما هو
اللائق بكلّ معدود ، كحروف الجر »
(3) .
*
*
*
____________
(1) أ ـ شرح ابن الناظم على الألفيّة : 20 .
ب ـ شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام 1|296 .
ج ـ شرح الأزهرية ، خالد الأزهري : 93 .
(2) شرح المكودي على الألفيّة ، تحقيق إبراهيم شمس الدين : 22 .
(3) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق عبـد السلام
هارون وعبـد العال مكرم 1|194 .