(7) |
الشيخ محمد السند |
قد تبيّن ممّا مرّ كراراً أنّ البحث في عنوان عدالة الصحابة غير عاكس
لحقيقة البحث بصورة عامّة ، بل الحقيقة هو البحث عن أصحاب السقيفة ،
الذين بايعوا أبا بكر دون عامّة الأنصار ، والذين خالفوا البيعة تبعاً لسعد بن
عبادة ، ودون بني هاشم ، وكذا من والى عليّاً عليه السلام ممّن ذكرنا أسمائهم في
الحلقات السابقة ، كما أنّ البحث ليس في الصحبة للنبيّ الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ، وأنّما
البحث الجاري في مشروعية ما أُقيم وأُسّس في السقيفة من نهج الخلافة
وما تبع ذلك من النهج الأُموي والمرواني كل ذلك إقصاءً لعترة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
ورغم الوعي بهذه الحقيقة فمسايرة مع عنوان البحث نتابع النقطة
التالية :
من موازين التعديل والجرح في الصحابي :
المودّة للعترة أو نصب العداوة لهم :
وذلك لكون المودّة فريضة قرآنية كبرى أوجبها الله تعالى على كلّ
مسلم وعظّمها في الذكر الحكيم ، قال تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا
وسنرى أنّ من أهل سُنّة الجماعة قد عكس العيار عندهم وجعلوا
النصب والعداوة سُنّة يدينون بها .
ولنتعرض للمعيار القرآني والنبوي أوّلاً ، ثم نتبعه بتركهم له ثانياً .
فأما الآية الشريفة فقبل التعرض إلى إطار مفادها نذكر :
أوّلاً : مورد نزولها هـو أنّ الأنصـار والمهاجرين اجتمعـوا إلـى رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : يا رسول الله أنّ لك مؤونة في نفقتك ومن يأتيك من
الوفود وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها مأجوراً ، اعطِ منها ما شئت
وأمسك ما شئت من غير حرج فأنزل الله عزّ وجلّ عليه الروح الأمين ،
فقال : يا محمّـد قل : ( لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى)(1)
يعني : أن تودّوا قرابتي من بعدي فخرجوا ، فقال المنافقون : ما حمل رسول
الله على ترك ما عرضنا عليه إلاّ ليحثّنا على قرابته من بعده ، إن هو إلاّ شيء
افتراه في مجلسه ، فكان ذلك من قولهم عظيماً ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( أم
يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً هو أعلم بما
تُفيضون فيه كفى به شهيداً بيني وبينكم وهو الغفورُ الرحيم)(2) فبعث
إليهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : هل من حدث ؟ فقالوا : أي والله قال بعضنا كلاماً
غليظاً كرهناه ، فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآية فبكوا واشتدّ بكاؤهم
فأنزل الله عزّ وجلّ ( وهو الذي يقبل التّوبة عن عباده ويعفوا عن
وقد روي قريب منه عن عبد الله بن عبّاس ، كما روي في عدّة مصادر
لأهل سُنّة الجماعة أنّهم سألوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا
مودّتهم ؟ قال : « علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام » (3) .
ثانياً : قال في الكشاف : « يجوز أن يكون استثناءً متّصلاً أي :
لاأسألكم أجراً إلاّ هذا وهو أن تودّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في
الحقيقة لأنّ قرابته قرابتهم فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة ، ويجوز أن
يكون منقطعاً أي : لا أسألكم أجراً قط ولكنني أسألكم أن تودّوا قرابتي
الّذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم ، فإن قلت : هلا قيل : إلاّ مودة القربى ، أو إلاّ
المودّة للقربى ، وما معنى قوله : ( إلاّ المودّة في القربى ) قلت : جُعلوا
مكاناً للمودّة ومقراً لها ، كقولك : لي في آل فلان مودّة ، ولي فيهم هوى
وحبّ شديد ، تريد : أحبّهم وهم مكان حبّي ومحله وليست (في) بصلة
للمودّة ، كاللام إذا قلت : إلاّ المودّة للقربى .
أنّما هي متعلّقة بمحذوف تعلّق الظرف به في قولك المال في الكيس
وتقديره : إلاّ المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها . والقربى : مصدر كالزلفى
والبشرى بمعنى : قرابة والمراد في أهل القربى .
وروي أنّها لمّا نزلت هذه الآية ، قيل : يا رسول الله! من قرابتك هؤلاء
الذين وجبت علينا مودّتهم ؟
قال : عليّ وفاطمـة وابنـاهما . .
ويـدلّ عليه ما روي عن علي رضي الله عنه : شكوت إلى رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم حسد الناس لي ، فقال : ( أما ترضى أن تكون رابع أربعة : أوّل
من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا ،
وذريتنا خلف أزواجنا)(1) .
وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : (حرمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في
عترتي ، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها
فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة) .
ثم ذكر مورد النزول المتقدّم ، وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من مات
على حبّ آل محمّـد مات شهيداً(2) ، ألاّ ومن مات على حبّ آل محمّـد
مات مغفوراً له ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّـد مات تائباً ، ألا ومن
مات على حبّ آل محمّـد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على
حبّ آل محمّـد بشّره ملك الموت بالجنّة ، ثمّ منكر ونكير ، ألا ومن مات
على حبّ آل محمّـد يزف إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ،
ألا ومن مات على حبّ آل محمّـد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة ، ألا ومن
مات على حبّ آل محمّـد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن
مات على حبّ آل محمّـد مات على السُنّة والجماعة ، ألا ومن مات على
وقال في تفسير : ( ومن يقترف حسنة )، عن السدّي أنّها المودّة
في آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نزلت في أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ومودّته
فيهم(2)طن .
والظاهر : العموم في أي حسنة كانت ، إلاّ أنّها لمّا ذكرت عقيب ذكر
المودّة في القربى ، دلّ ذلك على أنّها تناولت المودّة تناولاً أوّلياً ، كأنّ سائر
الحسنات لها توابع » (3) . انتهى .
أقول :
ويدلّ تقريبه الأخير لحسنة المودّة وعظمتها أنّها من الفرائض الكبرى
في الدّين ، وسيأتي تقريب دلالة الآية على ذلك بنحو أوضح .
وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير بعد ما نقل كلام الزمخشري :
« وأنا أقول آل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم هم الّذين يؤول أمرهم إليه فكلّ من كان
أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل .
ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين