|
تشـييد المـراجَعـات وتفنيد المكابَـرات (20) |
السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني
أقـول :
كان المبحـث الأَوّل في : (إمامـة المذهـب) في الأُصول والفروع ،
وقـد أورد السـيّد فيه أدلّـةً من الكتاب والسُـنّة على وجوب الرجوع إلى
أهـل البـيت عليهم السلام بعـد رسـول الله صـلّى الله علـيه وآله وسلّـم ،
فـي القضايا الاعتقادية والأحكام العملية والآداب والسُـنن الشرعية ، وأشار
إلى حكم العقـل في الباب ، في نهايـة المراجـعة 18 بقوله : « دعنا من
نصوصـهم وبيّناتهم ، وانظر إليـهم بقطع النظر عنهما ، فهل تجد فيهم
قصـوراً في علم أو عمـلٍ أو تقـوىً عن الإمام الأشـعري أو الأئمّـة الاَربعة
أو غيرهم ، وإذا لم يكن فيهم قصور ، فبمَ كان غيرهم أوْلى بالاتّباع وأحقُّ
بأنْ يطاع ؟ ! » . .
هذا ، وقد تقرّر عندنا وعند الجمهور قبح تقدُّم المفضول على
وعنوان المبحث الثاني : (الإمامة العامّة وهي الخلافة عن رسول الله)
وفي هذا العنوان إشارة إلى مطلبين :
* أحدهما : تعريف الإمامـة ؛ فقد اتّفق الفريقان على أنّ الإمامـة
رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخصٍ من الأشخاص نيابة عن
النبيّ(2) . . .
فالإمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا ، وزعامة مطلقة في جميع
شؤون الأُمّة المادّية والمعنوية ، وهي نيابة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله
وسـلّم ؛ فيكون للإمام كلّ ما كان للنـبيّ من المنازل والحالات والصفات ،
إلاّ النـبوّة .
* والآخـر : المرادفـة بـين « الإمامـة العامّـة » و « الخلافـة الكـبرى »
و « الولاية المطلقة » . .
فالخليفة عن رسول الله لا بُدّ وأن تتوفّر فيه كلّ ما يعتبر فيه من
الصفات والحالات ، وحينئذٍ يجب على الأُمّة الاقتداء به في كلّ الأُمور ،
والإطاعة له في كلّ ما يأمـر به أو ينهى عنه ، وتنفذ فيهم جميع تصرّفاته ،
ولا يجوز لأحدٍ الاعتراض عليه في شيء من ذلك .
وممّا ذكرنا يظهر أنّ « الحكومة » شأنٌ من شؤون الإمام ، ومن
الواجب على أفراد الأُمّة أن يتعاونوا معه في القيام بمهامّها ، لينالوا بذلك
فموضوع هذا المبحث هو : « إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب
عليه السلام بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مباشرةً » .
قال السيّد ـ رحمه الله ـ :
« من أحاط علماً بسيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في تأسيس
دولة الإسلام ، وتشريع أحكامها ، وتمهيد قواعدها ، وسـنّ قوانينها ، وتنظيم
شؤونها عن الله عزّ وجلّ ، يجد عليّاً وزير رسول الله في أمره ، وظهيره على
عدوّه ، وعيبة علمه ، ووارث حكمه ، وولي عهده ، وصاحب الأمر من
بعده . .
ومن وقف على أقوال النبيّ وأفعاله ، في حلّه وترحاله صلّى الله عليه
وآله وسلّم ، يجد نصوصه في ذلك متواترةً ، من مبدإ أمره إلى منتهى
عمره » .
أقول :
فهذا موضوع المبحث الثاني .
وأمّا بالنسبة إلى غير عليّ عليه السلام ، فقد نصّ كبار أئمّة القوم على
عدم النصّ على إمامة أبي بكر وولايته وخلافته بعد رسول الله ؛ قال القاضي
العضد الإيجي : « إنّ طريقه إمّا النصّ أو الإجماع ، أمّا النصّ فلم يوجد » (1) .
وقد اكتفى السـيّد لإثبات المدّعى بذكر عدّة نصوص ، مع التعرّض
قال السـيّد :
« وحسبك منها ما كان في مبدأ الدعوة الإسلامية قبل ظهور الإسلام
بمكّة ، حين أنزل الله تعالى عليه : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، فدعاهم
إلى دار عمّه أبي طالب ، وهم يومئذ أربعون رجلاً ، يزيدون رجلاً أو
ينقصونه ، وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعبّـاس وأبو لهب ، والحديث
في ذلك في صحاح السُـنن المأثورة ، وفي آخر ما قال رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم :
يا بني عبـد المطلب! إنّي ـ والله ـ ما أعلم شابّاً من العرب جاء قومه
بأفضل ممّا جئتكم به ، جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني أنْ أدعوكم
إليه ، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا ، على أنْ يكون أخي ووصيّي فيكم ؟ !
فأحجم القوم عنه غير عليّ وكان أصغرهم ، إذْ قام فقال : أنا يا نبيّ
الله أكون وزيرك عليه .
فأخذ رسول الله برقبته ، وقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم
فاسمعوا له وأطيعوا . فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك
أن تسمع لابنك وتطيع . انتهى .
أخرجه بهذه الألفاظ كثير من حفظة الآثار النبوية ، كابن إسحاق ،
وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم ، والبيهقي في سُننه
وأخرجه الطبري أيضاً في الجزء الثاني من كتابه : تاريخ الأُمم
والملوك(1) .
وأرسله ابن الأثير إرسال المسلّمات في الجزء الثاني من كامله(2) ،
عند ذكره أمر الله نبـيّه بإظهار دعوته .
وأبو الفداء في الجزء الأوّل من تاريخه(3) ، عند ذكره أوّل من أسلم
من الناس .
ونقله الإمام أبو جعفر الإسكافي المعتزلي في كتابه : نقض العثمانية ،
مصـرّحاً بصـحّته(4) .
وأورده الحلبي في باب استخفائه صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه
في دار الأرقم(5) ، من سـيرته المعروفة .
وهذا الحديث أورده الكاتب الاجتماعي المصري محمّـد حسين هيكل ، فراجع
العمود الثاني من الصفحة الخامسة من ملحق عدد 2751 من جريدته (السياسة)
الصادر في 12 ذي القعـدة سنة 1350 ، تجده مفصّلاً ، وإذا راجعت العمود الرابع=
وأخرجه بهذا المعنى مع تقارب الألفاظ غير واحد من أثبات السُـنّة
وجهابذة الحديث ، كالطحاوي ، والضياء المقدسي في المختارة ، وسعيد بن
منصور في السُـنن .
وحسبك ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث عليّ في ص 111
وفي ص 159 من الجزء الأوّل من مسـنده ، فراجع .
وأخرج في أوّل ص 331 من الجزء الأوّل من مسـنده أيضاً حديثاً
جليلاً عن ابن عبّـاس يتضمّن هذا النصّ في عشر خصائص ممّا امتاز به
عليّ على من سواه .
وذلك الحديث الجليل أخرجه النَسائي أيضاً عن ابن عبّـاس في
ص6 من خصائصه العَلَوية ، والحاكم في ص 132 من الجزء الثالث من
المستدرك ، وأخرجه الذهبي في تلخيصـه معترفاً بصـحّته .
ودونك الجزء السادس من كتاب كنز العمّال ، فإنّ فيه التفصيل(1) .
قلت : ونقل هذا الحديث جرجس الانگليزي في كتابه الموسوم مقالة في الإسلام ، وقد ترجمه إلى العربية ذلك الملحد البروتستانتي الذي سمى نفسه بهاشم العربي ، والحديث تجده في صفحة 79 من ترجمة المقالة في الطبعة السادسة .
ولشهرة هذا الحديث ذكره عدة من الإفرنج في كتبهم الفرنسية والانگليزية والألمانية ، واختصره توماس كارليل في كتابه الأبطال . =
وعليك بـ : منتخب الكنز وهو مطبوع في هامش مسند الإمام أحمد ،
فراجع منه ما هو في هامش ص 41 إلى ص 43 من الجزء الخامس تجد
التفصيل ؛ وحسبنا هذا ونعم الدليل .
تصحيح هذا النصّ :
لولا اعتباري صـحّته من طريق أهل السُـنّة ما أوردته هنا .
على أن ابن جرير ، والإمام أبا جعفر الإسكافي ، أرسلا صـحّته إرسال
المسلّمات(1) .
وقد صـحّحه غير واحد من أعلام المحقّقين .
وحسبك في تصحيحه ثبوته من طريق الثقات الأثبات ، الّذين احتجّ
بهم أصحاب الصحاح بكلّ ارتياح .
ومن تتبع كنز العمّال وجد هذا الحديث في أماكن أُخر شتى ، وإذا راجعت ص 255 من المجلد الثالث من شرح النهج للإمام المعتزلي الحديدي ، أو أواخر شرح الخطبة القاصعة منه ، تجد هذا الحديث بطوله .
ودونك ص 111 من الجزء الأوّل من مسند أحمد ، تجده يخرج هذا
الحديث عن أسـود بن عامر(1) ، عن شريك(2) ، عن الأعمش(3) ، عن
المنهال(4) ، عن عباد بن عبـد الله الأسـدي(5) ، عن عليّ مرفوعاً .
وكلّ واحد من سلسلة هذا السند حجّة عند الخصم ، وكلّهم من
رجال الصحاح بلا كلام ، وقد ذكرهم القيسراني في كتابه الجمع بين رجال
الصـحيحين ؛ فلا مندوحة عن القول بصـحّة الحديث .
على أنّ لهم فيه طرقاً كثيرة يؤيّد بعضها بعضاً ، وإنّما لم يخرجه
الشيخان وأمثالهما ؛ لأنّهم رأوه يصادم رأيهم في الخلافة ، وهذا هو السبب
في إعراضهم عن كثير من النصوص الصحيحة ، خافوا أن تكون سلاحاً
للشيعة ، فكتموها وهم يعلمون . .
وإنّ كثيراً من شيوخ أهل السُـنّة ـ عفا الله عنهم ـ كانوا على هذه
الوتيرة ، يكتمون كلّ ما كان من هذا القبيل ، ولهم في كتمانه مذهب
معروف ، نقله عنهم الحافظ ابن حجر في فتح الباري .
وعقد البخاري لهذا المعنى باباً في أواخر كتاب العلم من الجزء الأوّل
ومن عرف سريرة البخاري تجاه أمير المؤمنين وسائر أهل البيت ،
وعلم أنّ يراعته ترتاع من روائع نصوصهم ، وأنّ مداده ينضب عن بيان
خصائصـهم ؛ لا يسـتغرب إعراضـه عـن هذا الحديث وأمثالـه ، ولا حول
ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم .
الوجه في احتجاجنا بهذا الحديث .
الخلافة الخاصّة منفيّة بالإجماع .
النسـخ هنا محال .
إنّ أهل السُـنّة يحتجّون في إثبات الإمامة بكلّ حديث صحيح ، سواء
كان متواتراً أو غير متواتر ، فنحن نحتجّ عليهم بهذا لصـحّته من طريقهم ،
إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم ، وأمّا استدلالنا به على الإمامة فيما بيننا ،
فإنّما هو لتواتره من طريقنا كما لا يخفى .
ودعوى : أنّه إنّما يدلّ على أنّ عليّاً خليفة رسول الله في أهل بيته
خاصّة ، مردودة بأنّ كلّ من قال بأنّ عليّاً خليفة رسول الله في أهل بيته ،
قائل بخلافته العامّة ، وكلّ من نفى خلافته العامّـة ، نفى خلافته الخاصّـة ،
ولا قائل بالفصل ، فما هذه الفلسفة المخالفة لإجماع المسلمين ؟ !
وما نسـيت فلا أنسَ القول بنسـخه ، وهو محال عقلاً وشرعاً ، لأنّه
من النسـخ قبل حضـور زمن الابتلاء كما لا يخـفى ، على أنّه لا ناسـخ هنا
إلاّ ما زعمه من إعراض النبيّ عن مفاد الحديث . .
وفيه : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يعرض عن ذلك ، بل
كانت النصـوص بعده متوالية ومتواترة ، يؤيّد بعضها بعضاً ، ولو فرض أنّ
لا نصّ بعده أصـلاً ، فمن أين علم إعراض النبيّ عن مفاده ، وعدوله عن
مؤدّاه ؟ ! ( إن يتبعون إلاّ الظنّ وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربّهم
الهدى)(1) ، والسلام » .
أقـول :
يقع الكلام في هذا المقام في جهات :
* الجهة الأُولى : في متن الحديث ورواته .
لقد روى الشيخ علي المتّقي الهندي هذا الحديث في كتاب كنز
العمّال بعدّة ألفاظٍ ، عن جمعٍ كثيرٍ من أئمّة الحديث ، ونحن نورد هنا محلّ
الحاجة ، ومن أراد النصوص الكاملة فليرجع إليه :
(36408) ـ « . . . عن عليٍّ ، قال : لمّا نزلت هذه الآية ( وأنذر
عشيرتك الأقربين)(2) جمع النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم من أهل
بيته ، فاجتمع ثلاثون ، فأكلوا وشربوا ، فقال لهم : من يضمن عنّي ديني
ومواعيدي ويكون معي في الجنّة ويكون خليـفتي في أهلي ؟ وقال رجل :
يا رسول الله! أنت كنت بحراً ، من يقوم بهذا ؟ ! ثمّ قال الآخر . فعرض هذا
على أهل بيته واحداً واحداً .
فقال عليّ : أنا .
حم ، وابن جرير وصحّحه ، والطحاوي ، والضياء » (1) .
(36419) ـ « . . . عن عليٍّ ، قال : لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله
( وأنذر عشيرتك الأقربين ). . . تكلّم النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم
فقال : يا بني عبـد المطّلب! إنّي ـ والله ـ ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه
بأفضل ما جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن
أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا(2) ؟
فقلت ـ وأنا أحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم
ساقاً ـ : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه .
فأخذ برقبتي فقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له
وأطيعوا . فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع
وتطيع لعليّ .
ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم
والبيهقي معاً في الدلائل » (3) .
(36465) ـ « . . . عن عليٍّ ، قال : لمّا نزلت هذه الآية ( وأنذر
عشيرتك الأقربين ) دعا بني عبـد المطّلب . . . ثمّ قال لهم ـ ومدّ يده ـ :
من يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليّكم من بعدي ؟ !
فمددت وقلت : أنا أبايعك ، وأنا يومئذٍ أصغر القوم ، عظيم البطن ،
فبايعني على ذلك . . . (قال : ) وذلك الطعام أنا صنعته .
ابن مردويه » (1) .
(36520) ـ « . . . عن عليٍّ إنّه قيل له : كيف ورثت ابن عمّك دون
عمّك ؟ !
فـقـال : جـمـع رسـول الله صلّـى الله عـلـيـه [وآلـه] وسـلّـم بـنـي
عبـد المطّلب . . . فقال : يا بني عبـد المطّلب! إنّي بعثت إليكم خاصّةً وإلى
الناس عامّةً ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم ، فأيّكم يبايعني على أن
يكون أخي وصاحبي ووارثي ؟ فلم يقم إليه أحد ، فقمت إليه ـ وكنت من
أصغر القوم ـ فقال : اجلس . ثمّ قال ثلاث مرّات . كلّ ذلك أقوم إليه فيقول
لي : اجلس . حتّى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي . قال : فلذلك ورثت
ابن عمّي دون عمّي .
حم ، وابن جرير ، والضياء » (2) .
أقـول :
وهذا سند الرواية الأُولى ـ التي رواها المتّقي برقم (36408) عن
أحمد ، وابن جرير وصـحّحه ، والطحاوي ، والضياء ـ في مسـند أحمد :
« أسـود بن عامـر ، ثنا شـريك ، عن الأعـمش ، عن المـنهال ، عن عباد بن
عبـد الله الأسـدي ، عن عليٍّ » (3) .
وهذا سند الرواية الأخيرة ـ التي رواها برقم (36520) عن أحمد ،
وابن جرير ، والضياء ـ في مسـند أحمد : « عفّان ، ثنا أبو عوانة ، عن عثمان
وقد أخرج الحافظ الهيثمي الرواية الأُولى ، ثمّ قال : « رواه أحمد ،
ورجاله ثقات » (2) .
وأخرج النَسائي أيضاً الرواية الأخيرة ـ بسـند أحمد بن حنبل نفسـه ـ
في خصائص سـيّدنا أمير المؤمنين عليه السلام(3) ، وأهل العلم يعلمون بأنّ
هذا الكتاب جزء من سنن النَسائي . . ولا يخفى عليهم أيضاً صحّة السند
المذكور .
وأخرجه الهيثمي : « عن عليٍّ ، قال : لمّا نزلت ( وأنذر عشيرتك
الأقربين ) ، قال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم : يا عليّ! اصنع
رجل شاةٍ بصاعٍ من طعام واجمع لي بني هاشم . . . فأكلوا وشربوا ، فبدرهم
رسول الله فقال : أيّكم يقضي عنّي ديني ؟ قال : فسكت وسكت القوم .
فأعاد رسول الله المنطق . فقلت : أنا يا رسول الله . فقال : أنت يا عليّ ، أنت
يا عليّ .
رواه البزّار ـ واللفظ لـه ـ وأحمد باختصار ، والطبرانـي باختصارٍ
أيضاً ، ورجال أحمد وأحد إسنادي البزّار رجال الصحيح غير شريك وهو
ثقـة » (4) .
أقـول :
فهذه نصوص الحديث ، وهؤلاء رواته . .
أمّا من حيث السند ، فقد رأيت كيف ينصّون على صـحّته . .
وأمّا من حيث الدلالة ، فكلُّ لفظٍ من ألفاظه دليل على إمامة عليٍّ عليه
السلام بعد رسـول الله ، وهو بمجموع ألفاظه من أقوى النصوص سنداً
ودلالةً على ذلك .
ويضاف إلى جهة السند :
1 ـ الحديث من روايات تفسير الطبري ، وابن أبي حاتم الرازي ،
والبغوي ، وقد احتجَّ ابن تيميّة في منهاج السُـنّة بهذه الكتب(1) ، ووصف
الطبري وابن أبي حاتم ـ في جماعةٍ من المفسّـرين ـ بأنّهم : « لم يذكروا
الموضوعات » (2) ، وبأنّهم : « الّذين لهم في الإسلام لسان صدق ، وتفاسيرهم
متضمّنة للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسـير » (3) .
2 ـ الحديث من روايات كتاب المختارة للضياء المقدسي ، وهو ممّن
التزم بالصحّة ، بل قال الحافظ ابن حجر ـ لإثبات صحّة أحد الأحاديث ـ :
« قلت : وأخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني . . .
(قال : ) وابن تيميّة يصرّح بأنّ أحاديث المختارة أصـحّ وأقوى من أحاديث
المسـتدرك » (4) .
3 ـ الحديث من جملة الفضائل العشر المختصّة بأمير المؤمنين عليه
السلام ، في الصحيح عن ابن عبّـاس ، وسيأتي الكلام حوله بالتفصيل .
* الجهة الثانية : في النظر في كلام ابن تيميّة .
والآن فلننظر في كلام ابن تيميّة حول هذا الحديث ، وهذا نصّـه :
« هذا الحديث ليس في شيء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها
علم النقل ، لا في الصحاح ولا في المسانيد والسُـنن والمغازي والتفسير
التي يذكر فيها الإسناد الذي يُحتجّ به ، وإذا كان في بعض كتب التفسير التي
ينقل منها الصحيح والضعيف ، مثل تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي بل
وابن جرير وابن أبي حاتم ، لم يكن مجرّد رواية واحدٍ من هؤلاء دليلاً
على صـحّته . . .
( قال : ) إنّ هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث ، فما من
عالمٍ يعرف الحديث إلاّ وهو يعلم أنّه كذب موضوع ، ولهذا لم يرْوه أحد
منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات ، لأنّ أدنى من له معرفة
بالحديث يعلم أنّ هذا كذب . . .
( قال : ) وقد رواه ابن جرير والبغوي بإسنادٍ فيه عبـد الغفّار بن القاسم
ابن فهد أبو مريم الكوفي ، وهو مجمع على تركه . . . ورواه ابن أبي حاتم ،
وفي إسناده عبـد الله بن عبـد القدّوس ، وهو ليس بثقة . . .
( قال : ) إن بني عبـد المطّلب لم يبلغوا أربعين رجلاً حين نزلت هذه
الآية . . .
( قال : ) ليس بنو هاشـم معروفـين بمـثل هـذه الكثـرة فـي الأكـل ،
ولا عرف فيهم من كان يأكل جذعةً ، ولا يشرب فرقاً . . .
( قال : ) إنّ الذي في الصحاح من نزول هذه الآية غير هذا . . . » (1) .
أقـول :
أوّلاً : إنّ هذا الحديث موجود في سُـنن النَسائي(2) ، ومسند أحمد ،
ومسند البزّار، وفي المعجم الأوسط للطبراني ، والمختارة للضياء ، وغيرها
من كتب الحديث . . كما عرفت .
ورواه ابن إسحاق صاحب المغازي . .
وهو في كثير من التفاسير المعتمدة .
وعرفت أنّ عدّةً من أسانيده صحيحة ، باعتراف الحافظ الهيثمي ،
الذي هو عندهم من نقّاد الحديث ، وأنّ جمعاً من أكابرهم يقولون بصحّته . .
وأنّ البيهقي وأبا نعيم الأصبهاني يجعلان القضية من دلائل النبوّة .
فكلام ابن تيميّة يشتمل على أكاذيب لا كذبة واحدة .
وثانياً : قد عرفت أنّ غير واحدٍ من أسانـيده الصحيحة ليس فيه
« عبـد الغفّار بن القاسم » ولا « عبـد الله بن عبـد القدّوس » .
وثالثاً : إنّ « عبـد الغفّار بن القاسم » ليس بمجمعٍ على تركه ، بل هو
مختلف فيه . .
قال الحافظ ابن حجر : « قال أبو حاتم : ليس بمتروكٍ ، وكان من
رؤساء الشـيعة » (3) .
ونقلوا عن شعبة بن الحجّاج أنّه كان يروي عنه ، ويثني عليه ،
وعن ابن عـقدة أنّه كان يثني عليه ويطريه ؛ قال ابن عدي : وتجاوز
الحدّ في مدحـه حتّى قال : لو ظهر علم أبي مريم لَما احتاج الناس إلى
شعبة . قال ابن عدي : وإنّما مال إليه ابن عقدة هذا الميل لإفراطه في
التشـيّع(2) .
قلت : وإنّما تكلّم من تكلّم في أبي مريم ، لأنّه كان يحدّث ببلايا
عثمان وعائشة(3) .
وقد بحثنا سابقاً عن هذا الموضوع بالتفصيل ، وذكرنا أنّ في رجال
الصحاح من يتكلّم في الشيخين فضلاً عن عثمان ، وأنّ التشـيّع أو الرفض
غير مضـرٍّ بالوثاقة . . . فلا نعيد .
ورابعاً : إنّ « عبـد الله بن عبـد القدّوس » من رجال البخاري في
التعاليق ، ومن رجال الترمذي ، وأخرج له أبو داوُد ، وذكره ابن حبّان في
الثقات . .
وقال البخاري : هو في الأصل صـدوق إلاّ أنّه يروي عن أقوامٍ
ضعاف ، وقال يحيى بن المغيرة : أمرني جرير أنْ أكتب عنه حديثاً ، وقال
ابن عدي : عامّة ما يرويه في فضائل أهل البيت(4) .
وهذا هو الذنب الوحيد!! ولذا قال الحافظ في التقريب : « صدوق
رمي بالرفض » (5) .