وكيف يتعطّل الدين ويبطل مع وجود عترة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الهادية العاصمة
عن ضلال الأُمّة وتحيّرها ؟!
وهل تمحيص الصحابي المستقيم على عهد الله وعهد رسوله في
حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعد مماته صلى الله عليه وآله وسلم ، عن الصحابي الذي نكث العهد وبدّل
وأحدث في الدين ، يوجب تعطيل وبطلان الدين ؟! أم إنّه صيانة للدين
عن تحريف المبطلين وزيغ المُحْدِثين ، وحياطة للدين عن السنن المحدَثة
التي خولفت فيها سـنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!
فها هو عليه السلام يشير إلى مثل ذلك في قوله عليه السلام :
« لقد عملت الولاة قبلي أعمالاً عظيمة خالفوا فيها رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم متعمّـدين لخـلافه ، ناقضين لعهده ، مغيّرين لسُـنّته ، ولو حملتُ الناس
على تركهـا وتحويلها عن مواضعها إلى ما كانت تجري عليه في عهد
رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لتفرّق عنّي جندي حتّى لا يبقى في عسكري غيري وقليل
من شيعتي الّذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عزّ ذِكره وسُـنّة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى الموضع الذي وضعه
فيـه رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ورددت فدك إلـى ورثـة فاطـمة عليها السلام ، ورددت صاع
رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومُـدّه إلـى مـا كان ، وأمضـيت قطائـع أقطـعها رسـول الله
صلى الله عليه وآله وسلم لأقوام مسمّين لم تمضَ لهم ولم تنفذ ، ورددت دار
والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة ،
وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة ، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن
يقاتل سيفه معي : يا أهل الإسلام! غُيّرت سُـنّة عمر ، ينهانا عن الصلاة في
شهر رمضان تطوّعاً في جماعة! حتّى خفت أن يثوروا في ناحية عسكري.
بؤسي لِما لقيتُ من هذه الأُمّة بعد نبيّها من الفرقة وطاعة أئمّة
وأعـظم مـن ذلك! لـو لـم أُعـط سـهم ذوي القربـى إلاّ مـن أمـر الله
بإعطائه ، الّذين قال الله عزّ وجلّ : ( واعلموا أنّما غنتم من شيء فأنّ لله
خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) كلّ
هؤلاء منّا خاصّة ( إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبـدنا يوم الفرقان
يوم التقى الجمعان ).
فنحن والله الّذين عنى الله بذي القربى ، الّذين قرنهم الله بنفسه
وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى : ( وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه
وللرسـول ولذي القربـى واليتامـى والمساكـين وابن السـبيل كي لا
يكون دُولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا واتّقوا الله ) في ظلم آل محمّـد ( إنّ الله شديد العقاب ) لمن
ظلمـهم ، رحمة مـنه لنا ، وغنىً أغنانا الله بـه ووصّى به نبـيّه صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنّه لم
يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً ، وأكرم الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأكرمنا أهل البيت
أن يطعمنا من أوساخ أيدي الناس ، فكذّبوا الله ، وكذّبوا رسوله ، وجحدوا
كتاب الله الناطق بحقّنا ، ومنعونا فرضاً فرضه الله لنا.
ما لقي أهل بيت نبيّ من أُمّته ما لقينا بعد نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، والله المستعان
على من ظلمنا ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم »( 1 ).
وموقف عليّ عليه السلام يوم الشورى حينما رفض شرط عبـد الرحمن بن
عوف لمبايعته أن يحكم بسُـنّة الشيخين ، وحصر الحكم بكتاب الله وسُـنّة
نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ، موقف مشهود معلن معروف عند الحاضر والبادي.
وقـال عليه السلام : « إنّـه لا يقاس بآل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأُمّة أحد ، ولا
يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أطول الناس أغراساً ، وأفضل
الناس أنفاساً ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم
يلحق التالي ، ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ، وحجّة
الله عليكم في حجّة الوداع يوم غدير خمّ ، وبذي الحُليفة ، وبعده المقام
الثالث بأحجار الزيت.
تلك فرائض ضيّعتموها ، وحرمات انتهكتموها ، ولو سلّمتم الأمر
لأهله سلمتم ، ولو أبصرتم باب الهدى رشدتم ـ إلى أن يقول : ـ يا أيّها
الناس! اعرفوا فضل من فضّل الله ، واختاروا حيث اختار الله ، واعلموا أنّ
الله قد فضّلنا أهل البيت بمنّه حيث يقول : ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهـيراً )( 1 ) ، فـقد طهّرنا الله من الفواحش
ما ظهر منها وما بطن ، ومن كلّ دنيّة وكلّ رجاسة ، فنحن على منهاج الحقّ ،
ومن خالفنا فعلى منهاج الباطل...
وعندنا أهل البيت معاقل العلم ، وأبواب الحُكم ، وأنوار الظُلَم ،
وضياء الأمر ، وفصل الخطاب ، فمن أحبّنا ينفعه إيمانه ، ويُتقبّل منه عمله ،
ومن لا يحبّنا أهل البيت لا ينفعه إيمانه ، ولا يُتقبّل عمله وإنْ دأب في الليل
والنهار قائماً صائماً.
والله لئن خالفتم أهل بيت نبيّـكم لتخالفنّ الحقّ ، ولقد علم
المستحفَظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : إنّي وأهل بيتي مطهّرون ،
فلا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تخالفوهم فتجهلوا ، ولا تتخلّفوا عنهم
الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله ونقل إلى منتقله... »( 1 ).
وقال في الخطبة القاصعة المعروفة ، التي أنشأها لبيان أنّ كفر إبليس
هو كفر جحود لولاية وليّ الله تعالى ، وهو آدم عليه السلام ، وعدم انقياد له ، وأنّ
كلّ أبواب التوحيد وأركان فروع الدين تنتهي إلى ولاية وليّ الله تعالى :
« ألا وإنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة ، وثلمتم حصن الله
المضروب عليكم بأحكام الجاهلية ، وإنّ الله سبحانه قد امتنّ على جماعة
هذه الأُمّة ، في ما عقد بينهم من حبل هذه الأُلفة التي يتنقّلون في ظلّها ،
ويأوون إلى كنفها ، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ؛ لأنّها
أرجح من كلّ ثمن ، وأجلّ من كلّ خطر.
واعلـموا أنّكم صـرتم بعد الهـجرة أعرابـاً ، وبـعد الموالاة أحزابـاً ،
مـا تتعلّقون من الإسلام إلاّ باسـمه ، ولا تعرفون من الإيمان إلاّ رسـمه »( 2 ).
فقد جعل عليه السلام المدار في الهجرة هو : السير والانتقال مع ولاية وليّ الله
تعالى ، وهو الإمام من أهل البيت عليهم السلام ، والإعراض عنه تعرّب ؛ فبالموالاة
والنصرة يقع عنوان الهجرة ، وبالتحزّب والتفرّق عن الموالاة يقع عنوان
التعرّب ، وكلامه عليه السلام يقضي بأنّ عنوان الهجرة وصف قابل للزوال عن
الشخص ، وهذا اللازم قـهـري بعد عدم كون الهجرة سفر وانتقال من مكان
إلى مكان آخر.
فتحصّل أنّ معنى الهجرة والنصرة عند فاطمة وعليّ عليهما السلام متطابق على
هذا المعنى ، وهذا المعنى هو الذي يُستفاد من تعريف الهجرة والنصرة من
سورة الحشـر ؛ إذ قُيّدت الهجرة بـ ( وينصرون الله ورسوله )( 1 ) ،
وقُيّدت النصرة بـ ( يحبّون من هاجر إليهم )( 2 ) ، فالهجرة هي نصرة
وموالاة وليّ الله تعالى ، والنصرة هي محبّة ذلك والمؤازرة عليه.
نتف من كلماته عليه السلام في عدّة من الصحابة بأعيانهم :
1 ـ قال له ابن الكوّاء : « يا أمير المؤمنين! أخبرني عن أصحاب
رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال عليه السلام : عن أيّ أصحاب رسول الله تسألني ؟
قال : يا أمير المؤمنين! أخبرني عن أبي ذرّ الغفاري!
قال : سمعت رسول الله يقول : ما أظلّت الخضراء ، ولا أقلّت الغبراء
على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ.
2 ـ قال : يا أمير المؤمنين! فأخبرني عن سلمان الفارسي.
قال : بخ بخ ، سلمان منّا أهل البيت ، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم ،
عَلِمَ عِلْمَ الأوّل والآخر.
3 ـ قال : يا أمير المؤمنين! أخبرني عن حذيفة بن اليمان.
قال : ذاك امرؤٌ علم أسماء المنافقين ، إنْ تسألوه عن حدود الله
تجدوه بها عالماً.
4 ـ قال : يا أمير المؤمنين! فأخبرني عن عمّار بن ياسر.
قال : ذاك امرؤٌ حرّم الله لحمه ودمه على النار أن تمسّ شيئاً منها.
5 ـ قال : يا أمير المؤمنين! فأخبرني عن نفسك.
قال : كنتُ إذا سألتُ أُعطيت ، وإذا سكتُّ ابتُدِئت »( 1 ).
6 ـ وقال بعد استشهاد محمّـد بن أبي بكر : « ألاّ وإنّ محمّـد بن أبي
بكر قد استشهد ؛ ، فعند الله نحتسبه ، أمَا والله لقد كان ـ ما علمت ـ ينتظر
القضاء ، ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل الفاجر ، ويحبّ سَمْت المؤمن ،
ولقد كان إليّ حبيباً ، وكان لي ربيباً ، وكان بي برّاً ، وكنت أعدّه ولداً ، فرحم
الله محمّـداً ، فقد أجهد نفسه ، وقضى ما عليه »( 2 ).
7 ـ وقال عليه السلام : « أمَا والله لقد كنت أردت تولية مصر المرقال هاشم ابن
عتـبة ، ولو ولّيـته إيّاها لَما خلّى لهم العرصـة ، ولا انهزهم الفرصـة ، ولَما
قتل إلاّ وسيفه بيده ، بلا ذمٍّ لمحمّـد بن أبي بكر »( 3 ).
وهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ابن أخي سعد بن أبي وقّاص ، كان
نافذ البصيرة ، شديد الولاء لأمير المؤمنين ، وشديد البراءة من أعدائه ، وقد
دعا له أمير المؤمنين عليه السلام فقال : « اللّهمّ ارزقه الشهادة في سبيلك ، والمرافقة
لنبيّـك صلى الله عليه وآله وسلم ».
8 ـ وقال عليه السلام لمّا مرّ ـ وهو عائد من صفّين ـ على عدّة قبور فيها قبر
خبّاب بن الأرتّ : « رحم الله خبّاباً ، فلقد أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ،
وعاش مجاهـداً ، وابتلي فـي جسـمه آخراً ، وقنع بالكفاف ، ورضي عن
9 ـ وقال بعد مرجعه من صفّين وقد توفّي سهل بن حنيف الأنصاري
بالكوفة ، وكان من أحبّ الناس إليه : « لو أحبّني جبل لتهافت »( 2 ).
وسهل بن حنيف صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كان بدرياً ، وشهد مع النبيّ
صلى الله عليه وآله وسلم حروبه كلّها ، وكان من النقباء( 3 ).
10 ـ وقال لمّا بلغه نعي مالك الأشتر : « لله درّ مالك ، وما مالك! والله
لو كان جبلاً لكان فِنْـداً ، ولو كان حجـراً لكان صلداً ، لا يرتقيه الحافـر ،
ولا يوفي عليه الطائر.
أمَا والله ليهدّنّ موتك عالماً وليفرحنّ عالماً ، فهل مرجوٌّ كمالك ؟!
وهل قامت النساء عن مثل مالك ؟! فعلى مثله فلتبكِ البواكي.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمـد لله ربّ العالمين ، اللّهمّ إنّي أحتسبه
عندك ، فإنّ موته من مصائب الدهر ، فرحم الله مالكاً ، فقد وفى بعهده ،
وقضى نحبه ، ولقي ربّه ، مع إنّا قد وطّـنّا أنفسنا أن نصبر على كلّ مصيبة
بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّها أعظم المصيبات »( 4 ).
وقال عنه أيضاً : « لا ينام أيّام الخوف ، ولا ينكل عن الأعداء ساعات
الروع ، حذّار الدوائر ، أشدّ على الفجّار من حريق النار ، وأبعد الناس من
دنسٍ أو عار ، وهـو مالك بن الحارث أخو مَذْحِج... فإنّه سيف من
سـيوف الله ، لا كليل الظُبَة ، ولا نابي الضريبة »( 5 ).
11 ـ وقال في كتاب له إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي ـ ابن أُمّ
المؤمنين أُمّ سلمة ، وهي التي أرسلته لنصرة الأمير في الجمل ـ واليه على
البحرين : « ولعمري لقد أحسنت الولاية ، وأدّيت الأمانة ، فأقبِل غير ظنين
ولا ملوم ، ولا متّهم ولا مأثوم ، فلقد أردتُ المسير إلى ظَلَمة أهل الشام
وبقية الأحزاب ، وأحببت أن تشهد معي لقاءهم ، فإنّك ممّن أستظهر به
على جهاد العدوّ ونصر الهدى وإقامة عمود الدين إن شاء الله »( 1 ).
12 ـ ونظيره ما قاله عليه السلام لمخنف بن سليم الأزدي ، عامله على
أصـبهان( 2 )صث.
13 ـ وقال عليه السلام لزيد بن صوحان العبدي : « رحمك الله يا زيد ، قد
كنت خفيف المؤونة ، عظيم المعونة » ، كما قد ورد حديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في
بشارته بالشهادة على الحقّ( 3 ).
14 ـ وقال عليه السلام في حُكيم بن جبلة العبدي : « فقتلوه ـ ويقصد
أصحاب الجمل ـ في سبعين رجلاً من عبّاد أهل البصرة ومخبتيهم ، يسمّون
المثفّنين ، كأنّ راح أكفّهم وجبهاتهم ثفِنات الإبل »( 4 ).
15 ـ وقال عليه السلام في يزيد بن الحارث اليشكري : « وأبى أن يبايعهم
وهو شيخ أهل البصرة يومئذ ، فقال ـ مخاطباً طلحة والزبير ـ : اتّـقيا الله ، إنّ
أوّلكم قادنا إلى الجنّة ، فلا يقودنا آخركم إلى النار ، فلا تكلّفونا أنْ نصدّق
المدّعي ونقضي على الغائب ، أمّا يميني فقد شغلها عليّ بن أبي طالب
16 ـ وقال عليه السلام في عمران بن حصيـن الخزاعي : « فقام صاحـب
رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهـو الذي جـاءت فـيه الأحاديـث ، وقال : يـا هـذان! ـ
مخاطباً طلحة والزبير ـ لا تُخرجانا ببيعتكما من طاعة عليٍّ ، ولا تحملانا
على نقض بيعته ، فإنّها لله رضىً.
أمَا وسعتكما بيوتكما حتّى أتيتما بأُمّ المؤمنين ؟! فالعجب لاختلافها
إيّاكما ومسيرها معكما!!! فكُفّا عنّا أنفسكما وارجعا من حيث جئتما ،
فلسنا عبيد من غلب ، ولا أوّل من سبق ؛ فهمّا به ثمّ كفّا عنه »( 2 ).
17 ـ وقال عليه السلام : « ثمّ أخذوا عاملي عثمان بن حنيف أمير الأنصار
غدراً ، فمثّلوا به كلّ المثلة ، ونتفوا كلّ شعرة في رأسه ووجهه »( 3 ).
وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، شهد معه المشاهد ، أُحداً وما بعدها..
وهو أحد الاثني عشر الّذين أنكروا على أبي بكر جلوسه مجلس
رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم سـتّة من المهاجرين ، وسـتّة من الأنصار ،
فالمهاجرين هم : سلمان الفارسي ، وأبو ذرّ الغفاري ، وعمّار بن ياسر ،
إضافة إلى :
18 ـ خالد بن سعيد بن العاص ـ وكان من بني أُميّة ـ.
19 ـ المقداد بن الأسود.
20 ـ وبريدة الأسلمي.
والأنصار هم ـ إضافة إلى عثمان بن حنيف ـ :
21 ـ أبو الهيثم بن التيّهان.
22 ـ سهل بن حنيف ، أخي عثمان.
23 ـ خزيمة بن ثابت ، ذو الشهادتين.
24 ـ أُبيّ بن كعب.
25 ـ وأبو أيّوب الأنصاري..
فقد قال لهم عليّ عليه السلام ـ عندما اتّفقوا على إنزال أبي بكر عن منبر
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ : « وأيم الله لو فعلتم ذلك لَما كنتم لهم إلاّ حرباً ، ولكنّـكم
كالملح في الزاد وكالكحل في العين ـ إلى أن قال لهم : ـ فانطلقوا بأجمعكم
إلى الرجل فعرّفوه ما سمعتم من قول نبيّكم ، ليكون ذلك أوكد للحجّة ،
وأبلغ للعذر ، وأبعد لهم من رسول الله إذا وردوا عليه ».
وقال لهم علـيّ عليه السلام ـ بعـد أن اعتـرضـوا علـى أبي بكر ـ : « اجلس يـا
خالد فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك... » ، ثمّ التفت إلى
أصحابه فقال : « انصرفوا رحمكم الله »( 1 ).
26 ـ وقال عليه السلام في العبد الصالح عمرو بن الحمق الخزاعي ، صاحب
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد تشدّد في موالاته لأمير المؤمنين ، واستبسال في
نصرته : « اللّهمّ نوّر قلبه بالتقى ، واهده إلى صراط مستقيم ، ليت أنّ في
جندي [شيعتي] مائة مثلك! »( 2 ).
27 ـ وقال عليه السلام في عديّ بن حاتم بن عبـدالله الطائي ، الصحابي
المعروف ، مخاطباً بني حِزْمِر : « إنّي أراه رأسكم قبل اليوم ، ولا أرى قومه
كلّهم إلاّ مسلمين له غيركم »( 1 ) وكان شديد الذود عن أمير المؤمنين عليه السلام ،
متفانياً في ولايته ، وشهد معه مشاهده.
28 ـ وقال عليه السلام في عبـدالله بن كعب المرادي ـ عندما استشهد في
صفّين ـ : « رحمه الله ، جاهَد معنا عدوّنا في الحياة ، ونصح لنا في الوفاة »
وكان قد أبلغ الأسود بن قيس السلام لأمير المؤمنين عليه السلام في آخر رمق له
وأوصاه بنصرته عليه السلام ( 2 ).
29 ـ وعامر بن واثلة بن عبـدالله الكناني الليثي ، أبو الطفيل ، وهو
آخر من مات من الصحابة ، توفّي سنة 100 هـ ، ولم يروِ عنه البخاري ؛ لأنّه
كان من شـيعة عليّ عليه السلام ، وقد شهد مع عليّ عليه السلام جميع حروبه ، ومادح عليّ
عليه السلام بشعره ، ومن ثقاته( 3 ).
30 ـ وقال عليه السلام في سعد بن مسعود الثقفي ، عمّ المختار بن أبي
عبيد : « أمّا بعد ، فإنّك قد أدّيت خراجك ، وأطعت ربك ، وأرضيت
إمامك ، فعل المبرّ التقي النجيب ، فغفر الله ذنبك ، وتقبّل سعيك ، وحسّن
مآبك »( 4 ).
31 ـ وقال عليه السلام في صعصعة بن صوحان بن حجر العبدي ، الذي كان
لسانه السيف البتّار دفاعاً عن عليٍّ عليه السلام ، وشهد معه الجمل وبقيّة حروبه :
« إنْ كنتَ لِما علمت خفيف المؤونة عظيم المعونة »( 1 ) ، وهو نظير ما قاله
عليه السلام لأخيه زيد..
وقد قتل مع أخيه سيحان ( 32 ) يوم الجمل ودفنا في قبر واحد.
33 ـ أمّا سليـمان بن صـرد بن الجـون الخزاعي ، فهو من صحابة
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن وجوه الشيعة في الكوفة ، شهد مع عليّ عليه السلام صفّين ، وقد أتاه
بعد التحكيم في صفّين ووجهه مضروباً بالسيف ، فلمّا نظر إليه عليٌّ عليه السلام
قال : « ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً )( 2 )
فأنت ممّن ينتظر وممّن لم يبدّل »( 3 ).
وقد قاد ثورة التوّابين على ابن زياد في الكوفة بعد استشهاد الإمام
الحسـين عليه السلام .
34 ـ وقال عليه السلام في حجر بن عديّ بن معاوية الكندي ـ له صحبة ـ ،
الذي كان من خواصّه ، وشهد معه حروبه ، بصيراً بمعرفة عليّ عليه السلام ومقامه
في الدين : « لا حرمك الله الشهادة ، فإنّي أعلم أنّك من رجالها »( 4 ).
وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً في استشهاده على الحقّ ، وأنّ أهل
السماء يغضبون لقتله( 5 ).
35 ـ حبّة بن جوين البجلي العرني ، أبو قدامـة ، مـن أصحـاب
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام ، وشهد معه حروبه ، وروى حديث الغدير.
36 ـ وقال عليه السلام لجندب بن كعب بن عبـدالله الأزدي الغامدي ، من
أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام : « يا جندب! ليس هذا زمان ذاك »( 1 ) ، وذلك
عندما أصرّ جندب عليه عليه السلام أن يدعو إليه عندما بويع عثمان لأنّه أحقّ
بالخلافة ممّن تقدّم عليه ، وأنّه سيجد من يناصره.
37 ـ جعدة بن هبيرة بن أبي وهب القرشي المخزومي ، وأُمّه أُمّ هاني
بنت أبي طالب ، وكان ممّن يحفيه عليه السلام ويوليه عناية خاصّة( 2 ).
38 ـ وقال في جارية بن قدامة التميمي السعدي وكان من صحابة
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام ، ثابتاً صلباً في ولائه له ، شديداً على أعدائه ، من جملة
شرطة الخميس.
39 ـ جابر بن عبـدالله الأنصاري ، الصحابي المعروف ، شهد مع
الإمام عليه السلام صفّين ، وكان يدور في سكك الأنصار ومجالسهم ويقول : عليّ
خير البشر ، فمن أبى فقد كفر ، يا معشر الأنصار! أدّبوا أولادكم على حبّ
عليّ ، فمن أبى فانظروا في شأن أُمّـه( 3 ).
وعن الصادق عليه السلام أنّه آخر من بقي من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان رجلاً
منقطعاً إلى أهل البيت( 4 ).
40 ـ ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري ، من أصحـاب
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، شهد أُحداً وما بعدها ، وكان له بلاء مع عليّ عليه السلام في حروبه ،
واستعمله على المدائن ، وكان معاوية يهابه( 1 ).
41 ـ أبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدمة الأنصاري الخزرجي ، من
أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، شهد أُحداً وما بعدها ، وشهد مع عليّ عليه السلام حروبه ، كان
شديد الإيمان بعليّ عليه السلام ، وقد ولاّه مكّة.
42 ـ أبو رافـع ، مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، شهد معه صلى الله عليه وآله وسلم المشاهد ما عدا
بدراً ، ولازم عليّـاً عليه السلام ، وكان على بيت المال من قبله( 2 ).
43 ـ أبو سعيد سعد بن مالك بن شيبان الأنصاري الخدري ، من
صحابـة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان معه في عـدّة من المشاهد ، ولازم عليّـاً عليه السلام وكان
معه في حرب النهروان( 3 ).
44 ـ أبو الأسود الدؤلي ، ظالم بن عمرو ، وهو من الثابتين على محبّة
عليّ عليه السلام ووُلده ، شهد معه حروبه.
وغيرهم ممّن مدحهم أمير المؤمنين عليه السلام .
للبحث صلة...
الحاوي
|
الشيخ رسول جعفريان
يحيى بن حميد بن ظافر الطائي الحلبي ( 575 ـ 630 هـ )( 1 ) :
أحد كبار المؤرّخين الشيعة البارزين من أهل مدينة حلب ، كتب
وصنّف ـ إضافة إلى التاريخ ـ في مجالات العلم والمعرفة الأُخرى.
لكن آثار هذه الشخصية الشيعية الكبيرة قد اندثرت ؛ بسبب سيطرة
الحكّام النوريّين والأيوبيّين والمماليك على بلاد الشام ، وحصارهم للشيعة
والتشيّع.
والقائمة الطويلة لمصنّفاته تشير إلى اشتمال كلّ واحد منها على عدّة
مجلّدات ، كما نقل عنه من أتى بعده من المؤرّخين الشاميّـين في كتبهم ؛
وهذا دليل على مرتبته العلمية الرفيعة.
والواقع إنّ هذا العالِم كان استمراراً لحركة القافلة الكبيرة لعلماء
الشيعة الّذين تعهّدوا قيادة الطائفة ـ التي كانت تشكّل غالبية سكّان مدينة
حلب ـ منذ أواخر القرن الثالث وحتّى القرنين السادس والسابع الهجري في
هذه المدينة الكبيرة.
ولعلّ النقطة البديعة التي يمكن أن تبيّـن مكانته كعالم شيعي كبير
وشعبي في هذه المدينة ، هي ما ذكره ابن شـدّاد ـ المتوفّى سنة 684 هـ ـ :
من بين مساجد حلب ، يوجد مسجد باسم مسجد منتجب الدين يحيى بن
أبي طيّ ، الشهير بابن النجّـار( 1 ).
إنّ انتماء هذا العالِم إلى التشـيّع والإمامية ظاهر للعيان بكلّ وضوح ؛
فقد نشأ وتربّى على يد عالم شيعي بارز ، هو ابن شهرآشوب المازندراني ،
الذي كان زوجاً لابنة عمّـته ، كما أنّ بعض مصنّفاته ترتبط ـ بشكل ما ـ
بالثقافة الشيعيّة ، مثل :
المجالس الأربعين في مناقب الأئمة الطاهرين عليهم السلام.
شرح نهج البلاغة « في سـتّة مجلّدات ».
أخبار شعراء الشيعة.
تضوّع اللطائم في شرح خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام .
ذخر البشر في معرفة الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام .
ولعلّ أبرز من كتب عن أحوال ابن أبي طيّ في المصادر الحديثة هو
كلود كاهن ؛ إذ كتب المدخل إلى حياة ابن أبي طيّ في دائرة المعارف
الإسلامية « النسخة المصحّحة الثانية » التي هي مختصرة جدّاً( 2 )..
وكتب السـيّد فكرت ـ بالفارسية ـ تاريخ حياته المفصّلة في دائرة
المعارف الإسلاميّة الكبرى ( 2|7 ـ 676 ).
ولعل أنسب وأشمل تعريف بحياة وشخصيّة ابن أبي طيّ ، هو عرض
ما ورد عنه في النصوص القديمة..
كتابات القدماء عن ابن أبي طيّ وكتبه.
أقدم من كتب عن حياة ابن أبي طيّ ، ياقوت الحموي ، المتوفّى سنة
626 هـ في حلب ، وأوردها عنه في معجم الأُدباء ، إلاّ أنّها ساقطة من
طبعات الكتاب الموجودة ؛ إذ كان قد التقاه في حلب سنة 619 هـ ، وأخذ
تاريخ حياته منه مباشرة ، وقد حكم الحموي ـ المتّهم بأنّه ناصبي( 1 ) ـ
بقسوة على ابن أبي طيّ.
هذا ، وقد نقل ابن حجر في لسان الميزان( 2 ) ترجمة ابن أبي طيّ عن
ياقوت الحموي ، والكتبي نقل ـ بدقّة عن ياقوت أيضاً ـ في فوات
الوفيات(3) القسم الثاني من ترجمة ابن أبي طيّ ، الخاصّ بمصنّفاته ، أمّا
القسم الأوّل الذي يشمل شؤون حياته الشخصية فقد فات الكتبي أن ينقله ،
ورغم ذلك ـ لحسن الحظ ـ حُفظ هذا القسم في مكان آخـر..
وهو ما نقله الشهيد الأوّل في بعض فوائـده ؛ إذ نقل عين ما أورده
الحموي ، عن ابن أبي طيّ ، ما أخبره به عن طفولته وشؤونه الشخصية( 4 ).
ووقع هذا النصّ بيد عبـدالله أفندي ، فنقله في رياض العلماء ،
مشتبهاً بأنّ الشهيد الأوّل قد نقله عن معجم البلدان ، بينما هو منقولاً عن
معجم الأُدباء..
فما ذكره الحموي ـ بموجب نقل الشهيد الأوّل ـ هو التالي :
يحيى بن أبي طيّ أحمد ابن طائي الحلبي : أحد من يتأدّب ويتفقّه( 1 )
على مذهب الإماميّة وأُصولهم ، وله تصانيف في أنواع العلوم..
قال : حدّثني والدي رحمه الله : كان لا يعيش لي ولد ، وكنت أُربّيهم إلى سبع
أو خمس ثمّ يموتون ، ولقد بُشّرت بخمسة وعشرين ولداً فخفت( 2 )بهم ،
وكنت أُكثر الابتهال إلى الله تعالى في أن يرزقني ولداً ويمنّ علَيّ بحياته.
ثمّ ماتت الزوجة فرأيت في النوم كأنّني قد دخلت إلى مسجد عظيم ،
فيه جماعة أعرفهم من الحلبيّـين ، فسلّمت عليهم ، فقام إليّ رجل منهم ،
فأخذ بيدي ، ثمّ أجلسني في زاوية من زوايا المسجد وناولني ريحانة لم أرَ
أذكى ريحاً منها ، فلمّا حصلت الريحانة في يدي إذا هي قد أظهرت ورداً ،
فجعلت أتعجّب من حسنه وذكاء رائحته ، فذبلت منه وردة وسقطت
فحزنت لها ، فقال لي الرجل : ليهنئك أن لن تفقد غيرها.
فقلت للرجل : من أنت أسعدك الله ؟!
فقال : سالم.
فاستيقظت وأنا فرح ، فعبّرت المنام ، فقلت : الريحانة : زوجة
صالحة ، والورد الذي لها : أولاد ، والوردة التي ذهبت : ابني وأفقد أحدهم ،
وفي تلك الأيّام تزوّجت ابنة الفقيد المغربي أبي منصور محمّـد بن
أبي عبـدالله البختري الطائي ، ورُزِقْتُ منها ولداً سمّيته عليّاً ، فعمّر سنة
وأيّاماً ثمّ مات ، فعظم به مصابي ويئست من الولد ، ثمّ لم يبعد الزمان حتّى
تبيّن لي حمل الزوجة ، فأشفقت من ذلك واهتممت( 1 ) ، ولازمت الدعاء في
كلّ صلاة ، وكان قد بلغني أنّه إذا أراد الإنسان طلب الولد ، قال في جوف
الليل في دعاء الوتر قبل الركوع :
« ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين ، ربّ هب لي من لدنك
ذرّيّةً طيّـبة ، إنّك سميع الدعاء..
اللّهمّ لا تذرني فرداً وحيداً مستوحشاً فيقصر شكري عند تفكّري ، بل
هب لي من لدنك ديناً( 2 ) ، وعقباً ذكوراً وإناثاً ، أسكن إليهم في الوحشة ،
وآنس بهم في الوحدة ، وأشكرك عند تمام النعمة..
يا وهاب! يا عزيز! يا عظيم! اعطني في كلّ عافية منّاً منك ، وارزقني
خيراً حتّى أنال منهم( 3 ) رضاك عنّي في صدق الحديث ، وشكر النعمة ،
والوفاء بالعهد ، إنّك على كلّ شيء قدير ».
وكنت أُلازم ذلك ، فلمّا كان أوائل شوّال ، رأيت بعد أن صلّيت
وِرْدي ـ وكنت يومـئذٍ أنام تحت السماء مـن القيـظ( 4 ) ـ كأنّ إنساناً خرج
مـن الحائط ، حتّـى وقف من خلفي من جهة الشمال ، ثمّ استفتح فقرأ :