بعدقبل


لكنّ الأكثر يأخذون برواية الشيعي ، إذا كانوا يرونه ثقة صدوقاً في نقـله.. سـواء كان ممّن يتكلّم في معاوية وأمثاله ، أو في عثمان وأعوانه ، أو في الشيخين وأصحابهما.
واختلفوا في الاحتجاج برواية الرافضي الصدوق على ثلاثة أقوال :
أحدها : المنع مطلقاً.
والثاني : الترخّص مطلقاً.
والثالث : التفصيل ، فتقبل رواية غير الداعية ، وتردّ رواية الداعية( 1 ).
فإن كان المراد من « الرافضي » هو « الشيعي الغال » : وهو الذي يقدّم عليّاً عليه السلام على أبي بكر وعمر ، كما هو صريح الحافظ ابن حجر ، وتدلّ عليه الشواهد والقرائن الكثيرة ؛ فهو..
وإنْ كان المراد من « الشيعي » : من يحبُّ عليّاً عليه السلام أو يقدّمه على عثمان أو يتكلّم في معاوية ، ومن « الرافضي » : خصوص من يقدّم عليّـاً عليه السلام على أبي بكر وعمر ؛ ففي الصحاح ممّن يقدّمه عليهما كثيرون ، بل فيها مَن كان يتكلّم فيهما أيضاً.
وعلى كلّ تقدير يصـحُّ قول السـيّد في عنوان المراجعة : « مائة من أسناد الشـيعة في أسناد السُـنّة ».
____________
( 1 ) ميزان الاعتدال 1|27 ، علوم الحديث لابن الصلاح ، وقد عزا القول بالتفصيل إلى الكثير أو الأكثر من العلماء ، ونصّ شارحه الزين العراقي على أنّ البخاري ومسلماً احتجّا أيضاً بالدعاة.. انظر : التقييد والإيضاح : 145 ـ 146.
قلـت : قد ذكرنا سابقاً أسامي جمعٍ منهم.

( 49 )

خامساً ـ زيادة توضيح لعنوان المراجعة :
ونقول في تشييد كلام السـيّد وتوضيح عنوان المراجعة ـ مضافاً إلى ما تقـدّم ـ :
إنّه قد تمثّل التشيّع في القرون الثلاثة الأُولى بالقول بأفضلية عليٍّ عليه السلام من جميع الصحابة ، وتقديمه على أبي بكر وعمر خاصّةً.. إلاّ أنّه قد مرّ بظروفٍ صعبة جدّاً ؛ فقد كانت السلطات تلاحق من عرفت فيه سمة من سمات التشيّع ، حتّى الاسم مثل « علي » و« الحسن » و« الحسين »... فلم يجد الشيعة بُدّاً من إخفاء عقيدتهم في أهل البيت عليهم السلام ، بل لقد جاء بترجمة بعض المحدِّثين أنّه كان علويّاً ولم يكن يظهر نَسبَه( 1 ) ، وكم من عالمٍ محدِّثٍ عُرض عليه سبُّ أمير المؤمنين والبراءة منه ، فلمّا أبى عن ذلك أُوذي من قِبَل السلطة آنذاك وبكلّ قسـوة!!( 2 ).
وفي مثل هذه الظروف يكون التكلّم في عثمان ، بل تفضيل عليٍّ عليه السلام عليه من أجلى آيات التشيّع ، ومن أقوى الأدلّة على القول بإمامة عليٍّ عليه السسلام بلا فصلٍ ؛ ولذا قال الدارقطني : « اختلف قوم من أهل بغداد ، فقال قوم : عثمان أفضل ، وقال قوم : عليّ أفضل ، فتحاكموا إليَّ فأمسكت وقلت : الإمساك خير ، ثمّ لم أرَ لديني السكوت وقلت للّذي استفتاني : ارجع إليهم وقل لهم : أبو الحسن يقول : عثمان أفضل من عليّ باتّفاق جماعة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ، وهو أوّل
____________
( 1 ) انظر مثلاً : ترجمة أبي عبـدالله ابن المطبقي في تاريخ بغداد 8|97.
( 2 ) انظر مثلاً : ترجمة عطيّة العوفي في تهذيب التهذيب 7|200 ، وترجمة مصدع المعرقب في تهذيب التهذيب 10|143 ، ولهما نظائر كثيرون ويصعب حصرهم.

( 50 )

عقدٍ يحلّ في الرفض »( 1 ).
والسبب في ذلك واضح ؛ لأنّ القول بأفضليّة عليّ من عثمان يفضي إلى بطلان خلافة عثمان ، وبذلك تبطل خلافة أبي بكر وعمر ، لأنّ خلافة عثمان منهما وفرع على خلافتهما ، ولذا كان سكوت الدارقطني مضرّاً بدينه!! ولذا أيضاً كان القول بأفضليّة عثمان أوّل عقدٍ يحلّ في الرفض!!
أتصدّق أن يكون الراوي عن أبي سعيد الخدري : « إنّ عثمان أُدخل حفرته وإنّه لكافر بالله » من القائلين بأنّ أبا بكر وعمر إماما هدىً ؟!!
إنّه أبو هارون العبدي الشيعي ، وقد روى ذلك عنه ابن عدي في الكامل حيث ترجمه ، وذكر أسماء بعض الأكابر الّذين حدّثوا عنه ، ثمّ قال : « وقد كتب الناس حديثه »( 2 ).
لكن أوّل عقدٍ يحلُّ في الرفض ـ حسب تعبيره ـ هو الدفاع عن معاوية والمنع من لعنه ، وطرد من تكلّم فيه( 3 ) وإيذاؤه ، كما فعلوا بغير واحدٍ من أئمّتهم..
لا أقول : إنّ كلّ من تكلّم في معاوية فهو شيعي إمامي( 4 ).
____________
( 1 ) سير أعلام النبلاء 16|457.
( 2 ) انظر : ترجمة أبي هارون العبدي ـ من رجال الترمذي وابن ماجة ـ في ميزان الاعتدال 3|173 ، والكامل ـ لابن عدي ـ 6|146.
( 3 ) بل عليهم أنْ يدافعوا عن يزيد!! ولذا قال التفتازاني بعد أن لَعَنَ يزيد بن معاوية وكلّ من حمل ظلماً على أهل البيت عليهم السلام : « فإنْ قيل : فمن علماء المذهب من لم يجوّز اللعن على يزيد مع علمهم بأنّه يستحقّ ما يربو على ذلك ويزيد. قلنا : تحامياً عن أنْ يُرتقى إلى الأعلى فالأعلى ، كما هو شعار الروافض... ». شـرح المقاصـد 5|311.
( 4 ) فالحاكم النيسابوري صاحب المستدرك على الصحيحين لا نعدّه شيعياً إماميّاً لمجرّد

( 51 )

بل أقول : بأنّ ذلك كان أحد الأساليب للاِعلان عن العقيدة ؛ لأنّ التكلّم في معاوية ينتهي إلى التكلّم في عمر فأبي بكر..
ولذا قال الذهـبي في « يحيى بن عبـد الحميد الحماني » ـ بعد قول ابن عدي : لا بأس به ـ : « قلت : إلاّ أنّه شيعي بغيض ، قال زياد بن أيوب : سمعت يحيى الحماني يقول : كان معاوية على غير ملّة الإسلام. قال زياد : كذب عدوّ الله »( 1 )..
ولذا مزّقوا ما كتبوا عمّن روى مثالب معاوية( 2 ).
ولعلّ هذا الذي ذكرناه هو مرادهم من قولهم بترجمة بعض الأعلام : « فيه تشيّع يفضي به إلى الرفض »( 3 ).
وكيف يكون المحدِّث ابن أبي دارم الكوفي « مستقيم الأمر عامّة دهره » « ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب » ؟!
إنّ معنى استقامة أمر الرجل أنْ يكون ثقةً صدوقاً في نقله ، وكذلك
____________
تصحيحه على شرط البخاري ومسلم حديث الطير ونحوه من الأحاديث المعتبرة الدالّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، أو لمجرّد انحرافه عن معاوية وتكلّمه فيه بصراحةٍ ووضوح..
ولكنْ إذا ثبت قول ابن طاهر فيه : « كان شديد التعصّب للشيعة في الباطن ، وكان يظهر التسنّن في التقديم والخلافة » ، وأنّه كان يقول : إنّ عليّـاً وصيّ ، ـ ولهذه الأُمور وغيرها وصفه بعضهم بـ : « رافضي خبيث » ـ ؛ كان من القائلين بإمامة مولانا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وعلى هذا الأساس أورده السـيّد رحمه الله في المائة ، والله العالم.
راجع : ترجمة الحاكم في ميزان الاعتدال 3|608 ، وسير أعلام النبلاء 17|162 ، ولسان الميزان 5|236 الطبعة الحديثة ، والطبقات ـ للسبكي ـ 4|155 ، وغيرها.
( 1 ) ميزان الاعتدال 4|392.
( 2 ) انظر مثلاً : ميزان الاعتدال 1|27.
( 3 ) سير أعلام النبلاء 17|507 ، ترجمة ابن السمسار الدمشقي.

( 52 )

كان ابن أبي دارم ـ المتوفّى سنة 351 ـ إلاّ أنّه من ناحية العقيدة كان يعيش في تقيّةٍ عامّة دهره ، فلا يتظاهر بما يخالف عقيدة الجمهور ، حتّى آخر أيّام حياته ، فلمّا حضرته الوفاة روى : « إنّه عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت بمحسن » ، وروى في قوله تعالى ( وجاء فرعون... )( 1 ) : « جاء فرعون : عمر ، وقبله : أبو بكر ، والمؤتفكات : عائشة وحفصة » ومن هذا الوقت وصف بـ : « الرافضي الكذّاب »( 2 ).

أقـول :
أمّا كونه « رافضياً » فنعم ، وأمّا كونه « كذّاباً » فلماذا وقد شهدتم باستقامته عامّة دهره ؟!
إنّ هذا من موارد تناقضات الذهبي أيضاً ؛ إذ نصّ في غير موضعٍ على أنّ الرفض غير مضرٍّ بالوثاقة ، وتبعه على ذلك ابن حجر في مقدّمة فتح الباري حيث يريد الدفاع عن كتاب البخاري ، لكنّه ـ هو الآخر ـ ناقض نفسه في مواضع كثيرة.
ولو أنّك راجعت ميزان الاعتدال والمغني في الضعفاء للذهبي ، لوجدته يجرح ويضعّف ـ لا سيّما في الثاني ـ كثيراً من الأعلام ورجال الحديث ، لا لشيء فيهم سوى التشيّع..
وكذا ابن حجر في تهذيب التهذيب ولسان الميزان.
فما أكثر تناقضات القوم في كلّ باب!!
ولكنّ الله تعالى شاء أنْ يشتمل أصحّ كتب القوم على روايات ثلّةٍ من
____________
( 1 ) سورة الحاقّة 69 : 9.
( 2 ) ميزان الاعتدال 1|139.

( 53 )

الرجال المشاهير ، مع وصفهم لهم بـ : « الغلوّ في التشيّع » أو بـ : « الرفض » ، ومع تصريحهم بتراجم كثيرٍ منهم بأنّه « كان يشتم... » ونحو ذلك ، ممّا يدلُّ على كونهم من القائلين بإمامة أمير المؤمنين بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مباشرةً ، وهو مذهب الشيعة الإمامية( 1 ).
ففي ترجمة ( أبان بن تغلب ) : « كان مذهبه مذهب الشيعة ، وهو معروف في الكوفيّين » ، و : « كان غالياً في التشيّع ».
وفي ترجمة ( إبراهيم بن أبي يحيى ) : « كذّاب رافضي ».
وفي ترجمة ( أحمد بن المفضّل ) : « كان من رؤساء الشيعة ».
وفي ترجمة ( إسماعيل الملائي ) : « كان شيعيّاً من الغلاة الّذين يكفّرون عثمان ».
وفي ترجمة ( السدّي ) : « يشتم أبا بكر وعمر ».
وفي ترجمة ( إسماعيل الفزاري ) : « يشتم السلف ».
وفي ترجمة ( تليد بن سليمان ) : « رافضي يشتم أبا بكر وعمر ».
وفي ترجمة ( جابر الجعفي ) : « رافضي يشتم ».
وفي ترجمة ( جعفر بن سليمان ) : « البغض ما شئت ».
وفي ترجمة ( جمع بن عميرة ) : « من عتق الشيعة ».
وفي ترجمة ( أبي النعمان الأزدي ) : « من المحترقين في التشيّع ».
وفي ترجمة ( الحارث الهمداني ) : « كان غالياً في التشيّع » « نقم عليه إفراطه في حبّ عليٍّ وتفضيله له على غيره ».
وفي ترجمة ( الحسن بن حي ) : « كان لا يترحّم على عثمان ».
____________
( 1 ) اقتصرنا على الشخصيّات الّذين استشهد بهم السـيّد ، وإلاّ فهم أكثر وأكثر.

( 54 )

وفي ترجمة ( خالد بن مخلد القطواني ) : « كان شتّاماً معلناً بسوء مذهبه ».
وفي ترجمة ( داود بن أبي عـوف ـ أبي الجحاف ـ ) : « شيعي ، عامّـة ما يرويه في فضائل أهل البيت ».
وفي ترجمة ( زبيد اليامي ) : « من أهل الكوفة الّذين لا يحمدون على مذاهبهم ».
وفي ترجمة ( سالم بن أبي حفصة ) : « كان من رؤوس مَن ينتقص من أبي بكر وعمر ».
وفي ترجمة ( سعد بن طريف ) : « يفرط في التشيّع ».
وفي ترجمة ( سلمة بن الفضل ) : « كان أهل الري لا يرغبون فيه لسوء رأيه ».
وفي ترجمة ( سليمان بن قرم ) : « كان رافضياً غالياً ».
وفي ترجمة ( شريك القاضي ) : « أنت تنتقص أبا بكر وعمر ».
وفي ترجمة ( عبّاد بن يعقوب ) : « كان داعية إلى الرفض » « يشتم عثمان » و« السلف ».
وفي ترجمة ( عبدالله بن عمر ـ مشكدانة ـ ) : « كان غالياً في التشيّع ».
وفي ترجمة ( عبـد الرحمن بن صالح الأزدي ) : « ألَّف كتاباً في مثالب الصحابة ، رجل سوء ».
وفي ترجمة ( عبـد الرزّاق بن همّام ) : « مذهبه مذهب التشيّع ، و« حدّث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها أحد ، وبمثالب لغيرهم مناكير ».
وفي ترجمة ( عبـد الملك بن أعين ) : « كان رافضياً » و : « من عتق الشيعة ».
وفي ترجمة ( عبـيدالله بن موسى ) : « شيعي منحرف ».
( 55 )

وفي ترجمة ( عثمان بن عمير ) : « رديء المذهب ، يؤمن بالرجعة »( 1 ).
وفي ترجمة ( عدي بن ثابت ) : « رافضي غال ».
وفي ترجمة ( العلاء بن صالح ) : « من عتق الشيعة ».
وفي ترجمة ( علي بن زيد بن جدعان ) : « كان رافضياً ».
وفي ترجمة ( علي بن صالح ) : « هو من سلف الشيعة وعلمائهم ».
وفي ترجمة ( علي بن غراب ) : « كان غالياً في التشيّع ».
وفي ترجمة ( علي بن هاشم بن البريد ) : « كان مفرطاً في التشيّع ».
وفي ترجمة ( فطر بن خليفة ) : « مذهبه مذهب الشيعة » و : « خشبي( 2 ) مفرط ».
وفي ترجمة ( موسى بن قيس الحضرمي ) : « من الغلاة في الرفض ».
____________
( 1 ) العقيدة بالرجـعة من عقائد الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، وهي في مجملها : القول بأنّ الله يرجع إلى الدنيا عليّاً والأئمّة والمخلصين من شيعتهم ، في زمن المهدي عليه السلام ، ويرجع أيضاً رؤساء الظلم والنفاق في هذه الأُمّة ، فينتقم أولئك من هؤلاء..
وكأنّ القول بالرجعة عند الجمهور نقص موجبٌ للضعف ، مع أنّ به آيات من القرآن الكريم ؛ قال أبو حريز البصري ـ من رجال البخاري في التعاليق والأربعة ـ : هي 72 آية. تهذيب التهذيب 5|164.
وبه روايات معتبرة كثيرة ، وقد قال به بعض الصحابة كأبي الطفيل ـ كما في المعارف ـ وعدّة من الأئمّة من غير الإمامية.
كما أنّ في كتب الجمهور أيضاً أحاديث في وقوع ذلك في زمن بعض الأنبياء ، وفي زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بل لقد رووا أنّ رسول الله أرجع إلى الدنيا والديه وعرض عليهما الإسلام ـ في ما يروون ـ فقبلا ، وعادا فماتا. انظر : شرح المواهب اللدنّية 1|166.
ولو شئنا التفصيل لفعلنا ، لكنّه خارج عمّا نحن بصدده الآن ، وبما ذكرناه الكفاية.
( 2 ) من ألقاب القائلين بإمامة عليٍّ عليه السلام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأنّ إمامة غيره باطلة ، في كلام النواصب.

( 56 )

وفي ترجمة ( نفيع بن الحارث ) : « يغلو في الرفض ».
وفي ترجمة ( هارون بن سعد ) : « رافضي بغيض ».
وفي ترجمة ( يزيد بن أبي زياد ) : « من أئمّة الشيعة الكبار ».

وتلخّـص :
إنّ « التشيّع » ليس إلاّ « الرفض » لخلافة من تقدّم على عليٍّ عليه السلام ، وقد كان هذا هو المرتكز في أذهان الناس وعند قدماء علماء الجرح والتعديل ، الّذين تكلّموا في الرواة الموصوفين بالتشيّع ، وضعّفوهم وردّوا أحاديثهم بهذا السبب..
وأمّا الفصل بين المصطلحين المذكورين ، بتخصيص « التشيّع » بمن يتكلّـم فـي معاوية وعائشة وطلحة والزبير ، أو يتكلّـم فيـهم وفي عثمان ، أو يقدّم عليّاً عليه ، وجعل « الرفض » لمن يقدّم عليّاً على أبي بكر وعمر ، كما جاء في كلام الذهبي وابن حجر ، وتبعهما عليه بعض الكتّاب المعاصرين ، فهو على إطلاقه غير صحيح ؛ لأنّ من الموصوفين بالتشيّع بسبب التكلّم في معاوية مَن هو من أهل السُـنّة يقيناً ، كالنسائي ، الذي لاقى ما لاقى من أهل الشام كما هو معروف ، وفيهم مَن هو من القائلين بإمامة عليٍّ عليه السلام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، كالرواجني ، الذي وصِف أيضاً بالمبتدع تارةً وبالرافضي أُخرى..
وأمّا المتكلّمون في عثمان ، فهم قائلون بإمامة عليٍّ عليه السلام كذلك يقيناً ، إلاّ أنّهم كانوا في تقيّة ، وما كان بإمكانهم أنْ يتظاهروا بعقيدتهم إلاّ بهذه الطريقة ، ثمّ إنّ جماعةً كبيرةً منهم باحوا بعقيدتهم ، من رفض خلافة مَن تقدّم على أمير المؤمنين ، والتكلّم فيه ، كما جاء بترجمتهم.
ولا يخـفى إنّ هذا التحقـيق فـي أحوال المائـة ، الّذين ذكرهم السـيّد ـ طاب ثراه ـ إنّما جاء على ضوء كلمات القوم ، وبغضّ النظر عمّا في كتب
( 57 )

أصحابنا عنهم ، وإلاّ فإنّ العديد منهم يعدّون من أخصّ أصحاب الأئمّة المعصومين ، عليهم وعلى جدّهم صلوات ربّ العالمين.

قال السـيّد :
« هذا آخر من أردنا ذكرهم في هذه العجالة ، وهم مائة بطل من رجال الشيعة ، كانوا حجج السُـنّة وعيبة علوم الأُمّة ، بهم حفظت الآثار النبوية ، وعليهم مدار الصحاح والسُـنن والمسانيد ، ذكرناهم بأسمائهم ، وجئنا بنصوص أهل السُـنّة على تشيّعهم ، والاحتجاج بهم... وأظنّ المعترضين سيعترفون بخطئهم في ما زعموه من أنّ أهل السُـنّة لا يحتجّون برجال الشيعة... في سلف الشيعة ممّن يحتجّ أهل السُـنّة بهم ـ غير الّذين ذكرناهم ـ أضعاف أضعاف تلك المائة عدداً ، وأعلى منهم سنداً ، وأكثر حديثاً ، وأغزر علماً ، وأسبق زمناً ، وأرسخ في التشيّع قدماً ، ألا وهم رجال الشيعة من الصحابة... وفي التابعين... ممّن يستغرق تفصيلهم المجلّدات الضخمة... ».

أقـول :
وقد أوضحنا ـ ولله الحمد ـ مقاصد السيّد وشيّدنا مطالبه ، بما لا مزيد عليه ، ولا يدع مجالاً للمكابرة..
ومن المعلوم ، إنّ التشيّع لعليٍّ عليه السلام بمعنى تقديمه على غيره من الصحابة والقول بإمامته وخلافته بعد رسول الله بلا فصل ، إنّما يتحقّق بالاقتداء بـه واتّباعه والأخذ منه ، وكذلك بالأئمّة المعصومين من بعده ، عملاً بقول الرسـول الأكرم : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا... » ، وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوحٍ ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها
( 58 )

غـرق »( 1 ).
فالشيعة في أُصول الدين وما يجب الاعتقاد به من المبدأ وصفاته والمعاد ، وفروعـه من الأحكام الشرعية ، من الحلال والحرام وغير ذلك ، تبعٌ للكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولباب مدينة العلم وأهل العصمة..
فإيمانهم بالرجـعة ـ مثلاً ـ يرجع إلى الكتاب والسُـنّة ، وعملهم بالتقيّة ـ أحياناً ـ امتثالٌ لأمر الله ورسوله ـ وقد وجدنا إنّ أئمّة العامّة عملوا بها في مسألة خلق القرآن ، كما رأينا إنّ جمعاً من الأعلام منهم يروون حديث الرجعة ويقولون بها ـ وهكذا في سائر الشؤون.
فالشيعة الإمامية أهل السُـنّة النبوية حقيقةً ، وهم المسلمون حقّاً ، وهم أهل النجاة في الآخرة..
وعلى غيرهم إقامة الدليل القطعي على صحّة عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم.. وأنّى لهم ذلك..
ومن شاء التفصيل فليرجع إلى كتب العقائد..
والحمد لله ربّ العالمين.
هذا تمام الكلام في هذه المراجعة ، وبه يتمّ الكلام في المبحث الأوّل من كتاب المراجعـات.

للبحث صلة . . .


____________
(1) وقد تقدم البحث عن الحديثين سابقا . وأما الرواية : « إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي » كما في بعض كتب القوم فقد حققنا في رسالة مفردة أن لا سند لها ولا يتم لها معنى إلا بالرجوع الى أهل بيت الهدى . فراجع : الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنّة .
( 58 )

عدالة الصحابة
( 6 )





الشيخ محمد السند



موقف الصديقة فاطمة عليها السلام تجاه الصحبة والصحابة

فـقد روي عن المفـضّـل بن عمـر ، قـال : « قال مولاي جعفـر الصادق عليه السلام : لمّا وُلّي أبو بكر بن أبي قحافة...
ثمّ سرد عليه السلام منعه فاطمة وعليّ وأهل بيته الخمس والفيء وفدكاً ، ومجيء فاطمة لمحاجّة أبي بكر بقوله تعالى : ( فآتِ ذا القربى حقّه )( 1 ).
وأنّها ووُلدها أقرب الخلائق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبقوله تعالى : ( واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فأنّ لله خُمُسَهُ وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )( 2 ) وقوله تعالى : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُولة بين الأغنياء )( 3 ) وأنّ ما لله فهو لرسوله ،
____________
( 1 ) سورة الروم 30 : 38.
( 2 ) سورة الأنفال 8 : 41.
( 3 ) سورة الحشر 59 : 7.

( 60 )

وما لرسـوله فهـو لذي القربـى ، وأنّها وعلـيٍّ ووُلدهما ذوو القربى الّذين قـال الله تـعالـى فيهـم : ( قـل لا أسألكـم علـيه أجـراً إلاّ المـودّة في القربى )( 1 )..
فنظر أبو بكر بن أبي قحافة إلى عمر بن الخطّاب وقال : ما تقول ؟
فقال عمر : ومَن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ؟!
قالت فاطمة عليها السلام : اليتامى الّذين يأتمّون بالله وبرسوله وبذي القربى ، والمساكين الّذين أُسكنوا معهم في الدنيا والآخرة ، وابن السبيل الذي يسلك مسلكهم.
قال عمر : فإذاً الخمس والفيء كلّه لكم ولمواليكم وأشياعكم ؟!
فقالت فاطمة عليها السلام : أمّا فدك فأوجبها الله لي ولولدي دون موالينا وشيعتنا ، وأمّا الخمس فقسّمه الله لنا ولموالينا وأشياعنا كما يقرأ في كتاب الله.
قال عمر : فما لسائر المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ؟!
قالت فاطمة : إنْ كانوا موالينا ومن أشياعنا فلهم الصدقات التي قسّمها الله وأوجبها في كتابه فقال الله عزّ وجلّ : ( إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب )( 2 )... إلى آخر القصّة.
قال عمر : فدك لكِ خاصّة والفيء لكم ولأوليائكم ؟! ما أحسب أصحاب محمّـد يرضون بهذا!!
____________
( 1 ) سورة الشورى 42 : 23.
( 2 ) سورة التوبة 9 : 60.

( 61 )

قالت فاطمة : فإنّ الله عزّ وجلّ رضي بذلك ، ورسوله رضي به ، وقسّم على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخالفة ، ومن عادانا فقد عادى الله ، ومن خالفنا فقد خالف الله ، ومن خالف الله فقد استوجب من الله العذاب الأليم والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة.
فقال عمر : هاتي بيّنة يا بنت محمّـد على ما تدّعين ؟!
فقالت فاطمة عليه السلام : قد صدّقتم جابر بن عبـدالله وجرير بن عبـدالله ولم تسألوهما البيّنة! وبيّنتي في كتاب الله.
فقال عمر : إنّ جابراً وجريراً ذكرا أمر هيّناً ، وأنت تدّعين أمراً عظيماً يقع به الردّة من المهاجرين والأنصار!
فقالت عليها السلام : إنّ المهاجرين برسول الله وأهل بيت رسول الله هاجروا إلى دينه ، والأنصار بالإيمان بالله ورسوله وبذي القربى أحسنوا ، فلا هجرة إلاّ إلينا ، ولا نصرة إلاّ لنا ، ولا اتّباع بإحسان إلاّ بنا ، ومن ارتدّ عنّا فإلى الجاهلية »( 1 ).
فها هي بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمحّص عن الضابطة القرآنية في حسن الصحبة وسوئها ، وهي على الموالاة والمتابعة لرسول الله وأهل بيته لا المعاداة لهم والمخالفة ، وأنّ الهجرة تحقّقت بهم ، والنصرة بنصرة الله ورسـوله وذي القربى ، فلا هجرة إلاّ إليهم لا إلى غيرهم ، ولا نصرة إلاّ لهم لا عليهم ، ولا اتّباع بإحسان إلاّ باتّباع سبيلهم وصراطهم.. إهدنا الصراط المستقيم صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين ، سبيل وصراط المطهّرين من المعصية والذنوب ، ومن الضلالة والجهل
____________
( 1 ) الكشـكول في ما جرى على آل الرسـول : 203 ـ 205 ، وبحار الأنوار 29|194 ح40 ، نقلاً عنه.

( 62 )

والعمى..
ودلّلت على ذلك بأن قرن تعالى بين رسوله وبين ذي القربى في مواطن ، كما في اختصاص الخمس والفيء ـ الذي وصفه عمر بأنّه أمراً عظيماً ـ بالله ورسوله وذي القربى ، لمكان اللام ، دون اليتامى والمساكين وابن السبيل ، والتفرقة للدلالة على أنّ ملكية التصرّف هي شأنه تعالى ورسوله وذي القربى ، وأنّ مودّة ذوي القربى المفترضة في الكتاب كأجر لكلّ الرسالة هو موالاتهم ومجانبة عدائهم ومخالفتهم ، فمدار حسن الصحبة على ذلك وسوئها على خلافه.
ولقـد أنصف أحمد بن حنبل ؛ إذ يروي عنه الفقيه الحنبلي ابن قدامـة عند قوله : « وأمّـا حمل أبي بكر وعمر ( رض ) على سهم ذي القربـى في سبيل الله ، فقد ذُكر لأحمد فسكت وحرّك رأسه ولم يذهب إليه ، ورأى أنّ قول ابن عبّـاس ومن وافقه أَوْلى ؛ لموافقته كتاب الله وسُـنّة رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ، فإنّ ابن عبّـاس لمّا سئل عن سهم ذي القربى فقال : إنّا كنّا نزعم أنّه لنا فأبى ذلك علينا قومنا ؛ ولعلّه أراد بقوله ( أبى ذلك علينا قومنا ) فِعل أبي بكر وعمر ( رض ) في حملهما عليه في سبيل الله ومن تبعهما على ذلك ، ومتى اختلف الصحابة وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسُـنّة كان أَوْلى ، وقول ابن عبّـاس موافق للكتاب والسُـنّة »( 1 ).
وروى البخاري بسنده عن عائشة ، في كتاب المغازي باب 38 باب غزوة خيبر : إنّ فاطمة عليها السلام بنت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من
____________
( 1 ) المغني 7|301.

( 63 )

خمس خيبر..
فقال أبو بكر : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنّا لا نورّث ما تركناه صدقة ، إنّما يأكل آل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم من هذا المال ، وإنّي والله لا أُغيّر من صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً ، فوجدت فاطمة فهجرته ، فلم تكلّمه حتّى توفّيت ، وعاشت بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ستّة أشهر ، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليٌّ ليلاً ، ولم يؤذن بها أبو بكر ، وصلّى عليها( 1 ).
ورواه مسلم في صحيحه بنفس ألفاظه ، وأحمد في مسـنده( 2 ).
وفي هذه الرواية التي هي من طرقهم( 3 ) ، ونظيراتها ممّا رووها ، فضلاً عن طرقنا ، ما يدلّ على إنّها عليها السلام كانت ساخطة على أبي بكر وعمر ، منكرة لخلافتهم وإمامتهم إلى أن توفّيت عليها السلام ، مع إنّ من مات ولم يبايع أو لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية وكفر وضلال ، ممّا يدلّ على نفي إمامتهم وخلافتهم ، لكونها مطهّرة في القرآن من كلّ رجس ، وهي سـيّدة نساء العالمين ، وأنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها.
والغريب في دعـوى أبي بكر بكون الخمـس والفيء الخاصّ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذي القربى صدقة ، فإنّ الناظر على الصدقة الجارية أيضاً هو الوارث لا الأجنبي ، فإنّ ولاية النظارة على الصدقات الجارية أيضاً
____________
( 1 ) صحيح البخاري 5| 177 ، فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7|493.
( 2 ) صحيح مسلم : 1380 ح 1759 ، مسند أحمد 2|242 وص 376 وص 463 ـ 464 ؛ وفيـه : عن أبي هريرة ، قال : قال رسـول الله « : لا تقتسـم ورثـتي ديناراً ولادرهماً ، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة.
( 3 ) صحيح ابن حبّان 14| 573 ح 6607.

( 64 )

هي من نصيب الوارث ، فكيف يمنعها عن الوارث ؟!!
وفي موضع آخر( 1 ) قالت عليها السلام في معرض خطبتها المعروفة تجاه المهاجرين :
قالت ـ بعد الثناء على الله تعالى بأبلغ ثناء ، وذِكر نعمة الرسول صلى الله عليه وآله على هدايته للأُمّة ، وكثرة وشدّة بلاء ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب في إرساء الدين ـ : وأنتم في بُلَهْنِيَةٍ من العيش ـ أي سعة ـ وادعون آمنون ، حتّى إذا اختار الله لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبع خامل الآفلين ، وهدر فنيق المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخاً بكم ، فوجدكم لدعائه مستجيبين ، وللغرّة فيه ملاحظين ، فاستنهضكم فوجدكم خفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، وأوردتموها غير شربكم.
هذا ، والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، بداراً زعمتم خوف الفتنة.. ( ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين )( 2 ) ، فهيهات منكم! وأنّى بكم ؟! وأنّى تؤفكون ؟! وهذا كتاب الله بين أظهركم ، وزواجره بيّنة ، وشواهده لائحة ، وأوامره واضحة ، أرغبةً عنه تدبرون ؟! أم بغيره تحكمون ؟! ( بئس للظالمين بدلا )( 3 )... ( ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )( 4 ).
____________
( 1 ) بلاغات النساء : 12 ـ 20 ، الاحتجاج 1|263 ، بحار الأنوار 29|108 ح 2 وص233 ضمن ح 8 خطبة الزهراء عليها السلام ، وانظر : شرح نهج البلاغة 16|212.
( 2 ) سورة التوبة 9 : 49.
( 3 ) سورة الكهف 18 : 50.

( 65 )

ثمّ لم تريثوا إلاّ ريث أن تسكن نغرتها ، تشربون حسواً ، وتسرون في ارتغاء ، ونصبر منكم على مثل حزّ المُدى ، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا.. ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون )( 2 ) ؟!
ويهاً معشر المهاجرين! أَأُبتـزّ إرث أبي ؟! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟! لقد جئتَ شيئاً فريّاً.. فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّـد والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون و( لكلّ نبإٍ مستقرّ وسوف تعلمون )( 3 ).
ثمّ انحرفت إلى قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهي تقول :
قد كان بعدك أنبـاء وهنبــثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلهـا * واختلّ قومُك فاشهدهم فقد نكبوا
تجهمتنا رجال واستخفّ بنــا * بعد النبيّ وكلّ الخيـر مغتصب
سيعلم المتولى ظلم حامتــنا * يوم القيامة أن سوف ينقـلـب
فقد لقينا الذي لم يلقه أحــد * من البرية لا عجـم ولا عـرب
وقالت عليها السلام ( 4 ) تجاه الأنصار : معشر البقية ، وأعضاد الملّة ، وحصون الإسـلام! مـا هذه الغميـزة في حقّي ، والسِـنة عن ظلامتي ؟! أما كان رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : المرء يُحفظ في ولده ؟! سرعان ما أجدبتم فأكديتم ، وعجلان ذا إهانة ، تقولون : مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! فخطب جليل استوسع وهيه ، واستنهر فتقه ، وبعد وقته ، وأظلمت الأرض لغيبته ،
____________
( 1 ) سورة آل عمران 3 : 85.
( 2 ) سورة المائدة 5 : 50.
( 3 ) سورة الأنعام 6 : 67.
( 4 ) بلاغات النساء : 12 ـ 20.

( 66 )

واكتأبت خيرة الله لمصيبته ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، وأُضيع الحريم ، وأُزيلت الحرمة عند مماته صلى الله عليه وآله وسلم .
وتلك نازلة علنَ بها كتاب الله في أفنيتكم ، في ممساكم ومصبحكم ، يهـتف بها فـي أسماعـكم ، وقبله حلّـت بأنبـياء الله عزّ وجلّ ورسله : ( وما محمّـد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين )( 1 ).
إيهاً بني قيلة! أَأُهضم تراث أبيَه وأنتم بمرأىً منه ومسمع ؟! تلبسكم الدعوة ، وتشملكم الحيرة ، وفيكم العدد والعدّة ، ولكم الدار ، وعندكم الجنن ، وأنتم الأُلى نخبة الله التي انتخب لدينه ، وأنصار رسوله وأهل الإسـلام والخيرة التي اختار لنا أهل البيت ، فباديتم العرب ، وناهضتم الأُمم ، وكافحتم البهم ، لا نبرح نأمركم وتأتمرون ، حتّى دارت لكم بنا رحا الإسلام ، ودرّ حلب الأنام ، وخضعت نعرة الشرك ، وباخت نيران الحرب ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى حرتم بعد البيان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأسررتم بعد الإعلان ، لقوم نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أوّل مرة.. ( أتخشونهم فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين )( 2 ) ؟!
ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض ، وركنتم إلى الدعة فعجتم عن الدين ، ومججتم الذي وعيتم ، ودسعتم الذي سوّغتم فـ ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ
____________
( 1 ) سورة آل عمران 3 : 144.
( 2 ) سورة التوبة 9 : 13.

( 67 )

الله لغنيٌّ حميد )( 1 ).
ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة منّي بالخذلان الذي خامر صدوركم ، واستشعرته قلوبكم ، ولكن قلته فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وبثّة الصدر ، ومعذرة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها ، مدبرة الظهر ، ناكبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بشنار الأبد ، موصولة بـ ( نار الله الموقدة * التي تطّلع على الأفئدة )( 2 ) ، فبعين الله ما تفعلون.. ( وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون )( 3 ) ، وأنا ابنة ( نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد )( 4 ) فـ ( اعملوا على مكانتكم إن منتـظرون )( 5 ).
ثمّ إنّها عليها السلام تشير في استنهاضها الأنصار إلى بيعتهم ، بيعة العقبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حين عاهدوه على أن يمنعوه وذرّيّته ممّا يمنعون منه أنفسهم وذراريهم.
وكانت تقول عندما دار بها عليٌّ عليه السلام على أتان والحسـنين عليهما السلام معها على بيوت المهاجرين والأنصار : يا معشر المهاجرين والأنصار! انصروا الله فإنّي ابنة نبيّكم وقد بايعتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بايعتموه أن تمنعوه وذرّيّته ممّا تمنعون منه أنفسكم وذراريكم ، فَفُوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيعتكم( 6 ).
____________
( 1 ) سورة إبراهيم 14 : 8.
( 2 ) سورة الهُمَزة 104 : 6 و 7.
( 3 ) سورة الشعراء 26 : 227.
( 4 ) سورة سبأ 34 : 46.
( 5 ) سورة هود 11 : 121 و122.
( 6 ) الاختصاص ـ للشيخ المفـيد ـ : 183 ـ 185 ، وانظـر : شرح نهج البلاغة ـ لابن أبـي الحديد ـ 16|210 ـ 213 ، الاحتجاج 1|206 وص 209 ، الغدير ـ للأميني ـ 7|192 ؛ وذكر جملة من المصادر.

=


( 68 )

وقالت عليها السلام عندما اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها : يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! كيف أصبحت عن علّتك ؟
فقالت عليها السلام : أصبحت والله عائفة لدنياكم ، قالية لرجالكم ، لفظتهم بعد أن عجمتهم ، وشنئتهم بعد أن سبرتهم ، فقبحاً لفلول الحدّ ، وخور القناة ، وخطل الرأي ، و( لبئس ما قدّمت لهم أنفسهُم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون )( 1 ) ، لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها ، وشنت عليهم عارها ، فجدعاً وعقراً وسحقاً للقوم الظالمين.
ويحهم! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوّة ، ومهبط الوحي الأمين ، والطبين بأمر الدنيا والدين ، ألا ذلك هو الخسران المبين ، وما الذي نقموا من أبي الحسن ؟! نقموا والله منه نكير سيفه ، وشدّة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمّره في ذات الله عزّ وجلّ.
والله لو تكافأوا عن زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه لاعتلقه ، ولسار بهم سيراً سجحاً ، لا يكلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً ، تطفح ضفتاه ، ولأصدرهم بطاناً ، قد تحرّى بهم الريّ غير متحلٍّ منه بطائل إلاّ بغمر الماء وردعه شررة الساغب ، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.. ( والّذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيّئاتُ ما كسبوا وما هم بمعجزين )( 2 ).
ألا هلمّ فاستمع! وما عشت أراك الدهر عجباً! وإنْ تعجب فعجب
____________
= أبي الحديد ـ 16 / 210 ـ 213 ، الأحتجاج 1 / 206 وص 209 ، الغدير ـ للأميني ـ 7 / 192 ، وذكر جملة من المصادر .
(1) سورة المائدة 5 : 80.
(2) سورة الزمر 39 : 51.