وجماعةً توقّـفوا...

فمن الناس من حكم بالكفر ، لا على الّذين أجابوا وحسب ، بل حتّى
على مَن توقّف ، فقد ذكروا أنّ المحاسبي الزاهد العارف ، شيخ الصوفية ،
خلّف له أبوه مالاً كثيراً ، فتركه ، وقال : لا يتوارث أهل ملّتين ، لأنّ أباه كان
من المتوقّفين في مسألة خلق القرآن
( 1 ).

وأحمد بن حنبل ، قال عن يعقوب بن شيبة ، صاحب
المسند الكبير :
« مبتدع ، صاحب هوىً » فقال الخطيب : « وصفه أحمد بذلك لأجل
الوقف »
( 2 ).

وترك الناس كلّهم حديث إسحاق بن أبي إسرائيل ـ من رجال
البخاري وأبي داود والنسائي ـ لكونه من الواقفة في مسألة خلق القرآن
( 3 ).

وأمّا الّذين أجابوا.. فقد حكم عليهم بعضهم بالارتداد ، ودافع عنهم
آخرون حاملين ذلك منهم على التقيّة!! حفظاً لماء وجههم ، وكرامةً
لصحاحهم ؛ لكونها قد أخرجت أحاديثهم...

كعليّ بن المديني ، الذي وصفوه بأمير المؤمنين في الحديث ، فإنّه قد
أجاب ، وقبل الأموال على ذلك ، فكثر الكلام حوله ، بين طاعنٍ فيه وبين
مدافعٍ عنه.. قال إبراهيم بن عبـدالله بن الجنيد : سمعت يحيى بن معين
وذُكر عنـده علي بـن المديـني فحملوا علـيه ، فقلت : مـا هـو عنـد الناس
إلاّ مرتدّ ، فقال : ما هو بمرتدّ ، هو على إسلامه ، رجل خاف فقال
( 4 ).
____________
( 1 ) حلية الأولياء 10|75.
( 2 ) تاريخ بغداد 14|350.
( 3 ) سير أعلام النبلاء 11|477.
( 4 ) سير أعلام النبلاء 11|57.
( 29 )

هذا ، وقد ترك مسلم وأبو زرعة الرازي وإبراهيم الحربي الرواية عنه
بسبب ذلك
( 1 ) ..

أمّا العقيلي فقد أورده في كتابه في الضعفاء
( 2 ).

والذهبي من جملة المدافعين عن ابن المديني ، فإنّه قال : « قد كان
ابن المديني خوّافاً متاقياً في مسألة القرآن » ، ثمّ شدّد النكير على العقيلي
ذِكْره إيّاه في الضعفاء ، وكلّ ذلك من أجل أنّ البخاري قد شحن
صحيحه
بحديث علي بن المديني... كما قال
( 3 ).

وكأبي معمر الهذلي ، ويحيى بن معين ـ وكلاهما من رجال
الصحيحين ـ ، قال الذهبي : « روى سعيد بن عمرو البرذعي عن أبي زرعة ،
قال : كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمّار ولا أبي معمر
ولا يحيى بن معين ، ولا عن أحدٍ ممّن امتُحِن فأجاب ».

ثمّ حاول الدفاع فقال : « قلت : هذا أمر ضيّق ، ولا حرج على من
أجاب في المحنة ، بل ولا على من أُكره على صريح الكفر عملاً بالآية ،
وهذا هو الحقّ. وكان يحيى من أئمّة السُـنّة ، فخاف من سطوة الدولة
وأجاب تقيّـةً »
( 4 ).

هذا باختصارٍ بالنسبة إلى المرجئة والقدرية والمعتزلة والواقفة في
مسألة القرآن ، ونحوهم..

وقد ظهر اختلافهم الشديد في قبول أو ردّ أحاديث مَن كان من أهل
____________
( 1 ) ميزان الاعتدال 3|138.
( 2 ) الضعفاء الكبير 3|235 رقم 1237.
( 3 ) ميزان الاعتدال 3|140.
( 4 ) سير أعلام النبلاء 11|87.
( 30 )
هذه الفرق وإنْ كان صادقاً في روايته ، متقناً في نقله..

ويبقى الكلام في الرواية عن النواصب ونحوهم ، وعن الشـيعة..
* حكم الرواية عن النواصب :

أمّا في الرواية عن النواصب والخوارج ، وأعداء عليٍّ وأهل البيت
عليهم السلام.. فقد أسّـس بعضهم قاعدةً مفادها أنّ هؤلاء لا يكذبون
أصلاً ، فبنى على ذلك قبول أحاديثهم مطلقاً..

يقول ابن تيميّة : « والخوارج أصدق من الرافضة وأدْيَن وأورع! بل
الخوارج لا نعرف عنهم يتعمّدون الكذب ، بل هم أصدق!! »
( 1 ).

هذا كلامه في الخوارج الّذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام..

ويقول الذهبي : إنّ التكلّم في من حارب عليّـاً من الصحابة قبيحٌ
يؤدَّب فاعلُـه!..

قال : ولا نذكر أحداً من الصحابة إلاّ بخير ، ونترضّى عنهم ، ونقول :
هم طائفة من المؤمنين بَغَت على الإمام عليّ ، وذلك بنصّ قول المصطفى
صلوات الله عليه لعمّار : تقتلك الفئة الباغية...
( 2 ).

فهـذا رأي مـثل الذهـبي الـذي أصـبحت آراؤه وأقوالـه حجّـةً عـند
المتأخّرين منهم ، يرجعون إليها ويعتمدون عليها..!!

وقال ابن حجر : « ... وأيضاً ، فأكثر من يوصف بالنصب يكون
مشهوراً بصدق اللهجة والتمسّك بأُمور الديانة ، بخلاف من يوصف
____________
( 1 ) منهاج السُنّة 7|36.
( 2 ) سير أعلام النبلاء 8|209.
( 31 )
بالرفض فإنّ غالبهم كاذب ولا يتورّع في الأخبار ، والأصل فيه أنّ الناصبة
اعتقدوا أنّ عليّـاً رضي الله عنه قتل عثمان أو كان عليه ، فكان بغضهم له
ديانةً بزعمهم. ثمّ انضاف إلى ذلك أنّ منهم من قتلت أقاربه في حروب
عليّ »
( 1 ).

في حين أنّ المناوي ـ مثلاً ـ ينقل في
شرح الجامع الصغير إجماع
فقهاء الحجاز والعـراق من أهل الحديث والرأي ، منهم مالك والشافعي
وأبو حنيفة والأوزاعي ، وعن الجمهور الأعظم من المتكلّمين والمسلمين أنّ
عليّـاً مصيب في قتاله لأهل صِفّين كما هو مصيب في قتاله أهل الجمل ،
وأن الّذين قاتلوه بغاة ظالمون له
( 2 ).

بل العجيب أنّ بعض الأعلام منهم قال : « كان عمّار بن ياسر
فاسقاً »!! وقائل هذا الكلام من رجال أبي داود ، وقد وثّقه أبو زرعـة ،
وذكره ابن حبّان في
الثقات( 3 ) ، وقال ابن حجر : « صدوق يخطئ »
( 4 ).

ومن العجيب أيضاً أن القوم أخرجوا في صحاحهم عمّن كان يستغفر
للحجّاج بن يوسف الثقفي!! فقد ذكروا بترجمة عبـدالله بن عون ـ من
رجال الصحاح الستّة ـ : « قال معاذ بن معاذ : ما رأيت رجلاً أعظم رجاءً
لأهل الإسلام من ابن عون ، لقد ذُكر عنده الحجّاج وأنا شاهد ، فقيل :
يزعمون أنّك تستغفر له ؟! فقال : ما لي لا أستغفر للحجّاج من بين الناس ،
____________
( 1 ) تهذيب التهذيب ، وانتقده بالتفصيل صاحب كتاب العتب الجميل على أهل
الجرح والتعديل فأفاد وأجاد جزاه الله خيراً.
( 2 ) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 6|366.
( 3 ) تهذيب التهذيب 5|155.
( 4 ) تقريب التهذيب 1|407.
( 32 )
وما بيني وبينه ؟! وما كنت أُبالي أن أستغفر له الساعة!

قال معاذ : وكان إذا ذُكر عنده الرجل بعيب قال : إنّ الله تعالى
رحيـم »
( 1 ).

وروايتهم في الصحاح عمّن كان « يحمل على عليٍّ » كثيرة جدّاً..

فقد أخرج أرباب الصحاح السـتّة عن مغيرة بن مقسم ، ووثّقه
الذهبي ، وكان يحمل على عليٍّ عليه السلام
( 2 )..

وأخرجوا عن قيس بن أبي حازم ، ووثّقه الذهبي ، وكان يحمل على
عليٍّ عليه السلام
( 3 )..

وعن أبي قلابة الجرمي البصري ، وترجم له الذهبي وذكر له كرامات
ومناقب!! وكان يحمل على عليٍّ عليه السلام ولم يرو عنه شيئاً
( 4 )..

وأخرج مسلم والأربعة عن الفأفاء ، وقد نصَّ الذهبي على كونه
ناصبيّـاً
( 5 ).

فبالله عليك!! كيف يكون من يتحامل على عليٍّ عليه السلام ثقةً
يُنقل بواسطته الحديث عن رسول الله ويُذكر في الكتب الموصوفة
بالصحاح ؟!

وكيف يكون النواصب عدولاً ، وعداؤه علامة النفاق ؛ للأحاديث
الصحيحة المتّفق عليها ، والمنافق فاسق بالإجماع ؟!
____________
( 1 ) حلية الأولياء 3|41.
( 2 ) سير أعلام النبلاء 6|12.
( 3 ) سير أعلام النبلاء 4|199.
( 4 ) سير أعلام النبلاء 4|468.
( 5 ) سير أعلام النبلاء 5|374.
( 33 )
رابعاً ـ الشـيعة والتشـيّع :

وما اختلفوا في فرقةٍ بمثل اختلافهم في الشيعة ، وما اختلفوا في
أحاديث أهل الفرق بمثل اختلافهم في أحاديث الشيعة..

وقبل الورود في شرح ذلك ، لا بُـدّ من التنبيه على إنّ بعضهم عندما
يريدون الطعن على الشيعة يخلطون ـ عن عمدٍ أو جهلٍ ـ بينهم وبين الغُلاة
ـ المعتقدين للنبوّة أو الربوبية في أئمّة أهل البيت عليهم السلام ـ ، هؤلاء
الّذين تبرّأت منهم الطائفة منذ اليوم الأوّل ، وطردهم الأئمّة عليهم السلام
وحذّروا منهم الأُمّـة..

لقد افتتح ابن تيميّة
منهاجـه بالسـبّ والشتم للشيعة.. فنقل ـ بأسانيد
ساقطة ـ عن الشعبي أنّه قال : « لو كانت الشـيعة من البهائم لكانوا حمراً ،
ولـو كانت من الطـير لكانت رخماً » إلى أن قال ـ بعد صحائف كثيرة
شـحنها بالافتراءات والأكاذيب ـ : « لكنْ قد لا يكون هذا كلّه في الإماميـة
الاثني عشرية ولا في الزيدية ، ولكنْ قد يكون كثير منه في الغالية »
( 1 ).

وإذا كان يعترف بأنّ « الغالية » ليسوا من « الشيعة الإمامية الاثني
عشرية » فلماذا هذا التخليط والتخبيط ؟!
* الشـيعة لغـةً :

والشـيعة لغةً : الأتباع والأنصار ، فقـد جاء في القاموس وشرحـه :
« شـيعة الرجل أتباعه وأنصاره ، وأصل الشيعة الفرقة من الناس على حدة ،
____________
( 1 ) منهاج السُـنّة 1|57.
( 34 )
وكلّ من عاون إنساناً وتحزّب له فهو له شيعة. قال الكميت :
وما لي إلاّ آل أحمد شيعة * وما لي إلاّ مشعب الحقّ مشعبُ

ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنّث ، بلفظ واحدٍ
ومعنىً واحد.

وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يتولّى عليّـاً وأهل بيته رضي الله
عنهم أجمعين ، حتّى صار اسماً لهم خاصّاً ، فإذا قيل فلان من الشيعة
تعرف أنّه منهم ، وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم. وأصل ذلك من
المشايعة ، وهي المطاوعة والمتابعة... »
( 1 ).

وقد كانت غلبة هذا الاسم على كلّ من شايع عليّـاً وتابعه وقدّمه على
غيره منذ عصر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بل لعلّ هذه التسمية
كانت في بدء أمرها منه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، كما يستفاد ذلك من
الأحاديث ، ونصّ عليه بعض العلماء ؛ فقد ذكر الأُستاذ محمّـد كرد علي أنّ
النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي حثّ على ولاء عليٍّ وأهل بيته ،
وهو أوّل من سمّى أولياءهم بالشـيعة.

قال : وفي عهده ظهر التشـيّع وتسمّى جماعة بالشـيعة.

قال : عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليٍّ في عصر رسول الله
مثل سلمان القائل : بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ
ابن أبي طالب والموالاة له ؛ ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول : أُمر
الناس بخمسٍ فعملوا بأربع وتركوا واحدةً ، ولمّا سئل عن الأربع قال :
الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحجّ. قيل : فما الواحدة التي
____________
( 1 ) تاج العروس في شرح القاموس : مادّة « شيع ».
( 35 )
تركوها ؟! قال : ولاية عليّ بن أبي طالب. قيل له : وإنّها لمفروضة معهنّ ؟!
قال : نعم ، هي مفروضة معهنّ ؛ ومثل أبي ذرّ الغفاري ، وعمّار بن ياسر ،
وحذيفة بن اليمان ، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وأبي أيّوب
الأنصاري... » في جمع كثيرٍ ذكرهم
( 1 ).
أقـول :

وقد سبقه إلى ذلك غير واحدٍ من الأئمّة ، كالحافظ ابن عبـد البرّ ، فقد
ذكر بترجمة أمير المؤمنين عليه السلام : « روي عن سلمان وأبي ذرّ
والمقداد وخبّاب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن الأرقم : إنّ عليّ بن
أبي طالب رضي الله عنه أوّل من أسلم ؛ وفضّله هؤلاء على غيره »
( 2 ).

ولا يخفى أنّ معنى « وفضّله هؤلاء على غيره » هو القول بتعيّنه
للخلافة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وبطلان تقدّم غيره عليه ،
لأنّ تولية المفضول مع وجود الأفضل ظلم... وقد نصَّ على هذا ابن تيميّة
أيضـاً
( 3 ) . في جماعةٍ من حفّاظهم..
أقول :

ومنهم : عامر بن واثلة أبو الطفيل المكّي ، قال ابن حجر العسقلاني :
« أثبت مسلم وغيره له الصحبة ، وقال أبو علي ابن السكن : روي عنه رؤيته
لرسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم من وجوهٍ ثابتة... وقال ابن عديّ :
____________
( 1 ) خطط الشام 5|251 ـ 256.
( 2 ) الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3|1090.
( 3 ) منهاج السُـنّة 6|475 و ج 8|223 و 228.
( 36 )
له صحبة. وكان الخوارج يرمونه باتّصاله بعليٍّ وقوله بفضله وفضل أهل
بيته ، وليس بحديثه بأس. وقال ابن المديني : قلت لجرير : أكان مغيرة
يكره الرواية عن أبي الطفيل ؟ قال : نعم. وقال صالح بن أحمد بن حنبل
عن أبيه : مكّيُّ ثقة ، وكذا قال ابن سعد وزاد : كان متشـيّعاً.

قلت : أساء أبو محمّـد ابن حزم فضعّف أحاديث أبي الطفيل وقال :
كان صاحب رايـة المختـار الكـذّاب ، وأبو الطفيـل صحابي لا شـكّ فيه ،
ولا يؤثّر فيه قول أحدٍ ولا سيّما بالعصبيّة والهوى »
( 1 ).

وأمّا التابعون ، الّذين فضّلوا أمير المؤمنين عليه السلام على غيره من
الصحابة مطلقاً ، فكثيرون لا يحصون.. ذكر ابن قتيبة منهم جماعة
( 2 ).

فهؤلاء هم الشيعة.. والتشيّع هو القول بإمامة عليٍّ عليه السلام بعد
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.. فالمعنى الذي أراده رسول الله في
هذه التسمية هو المفهوم اللغوي لهذه اللفظة.. كما لا يخفى على من راجع
الأحاديث
( 3 ).
* التشـيّع في اصطلاح القوم :

ولكنّ القوم ـ كما أشرنا من قبل ـ اختلفوا في معنى هذا الاسم
اصطلاحاً ، وكذا في مصداقه والمسمّى به.. واضطربت كلماتهم اضطراباً
شـديداً.
____________
( 1 ) مقدّمة فتح الباري : 410.
( 2 ) كتاب المعارف : 341.
( 3 ) كالأحاديث الواردة بذيل قوله تعالى : ( إنّ الّذين آمـنوا وعملوا الصالحات أُولئك هم خير البريّة ) راجع : الدرّ المنثور 6|379.
( 37 )

فالذي يظهر من كلماتهم في بعض المواضع أنّ مرادهم من « التشيّع »
هو ما ذكرناه من تقديم عليٍّ عليه السلام وتفضيله على غيره من الصحابة ،
ففي ترجمة الشافعي أنّ أحمد بن حنبل سئل عن الشافعي فقال : ما رأينا
منه إلاّ كلّ خيـر ، فقيـل له : يا أبا عبـدالله! كان يحيى وأبو عبـيد لا يرضيانه
ـ يشـير إلى التشـيّع ، وأنّـهما نسـباه إلـى ذلك ـ ، فقال أحمـد بن حنـبل :
مـا ندري ما يقولان! والله ما رأينا منه إلاّ خيراً.

قال الذهبي ـ بعد نقله ـ : « قلت : من زعم أنّ الشافعي يتشيّع فهو
مفترٍ لا يدري ما يقول » وقال الذهبي بعد روايته شعر الشافعي :
يا راكبا قف بالمحصب من منى * وآهتف بقاعد خيفنا والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضا كمـلتطم الفرات الفائض
إنْ كان رفضاً حبُّ آلِ محمّـد * فليشهــد الثقلان أنّي رافضي

قال : « قلت : لو كان شيعياً ـ وحاشاه من ذلك ـ لَما قال : الخلفاء
الراشدون خمسة ، بدأ بالصدّيق ، وختم بعمر بن عبـد العزيز »
( 1 ).

فالتشيّع هو القول بإمامة عليٍّ عليه السلام بعد رسول الله صلّى الله
عليه وآله وسلّم ، وليس مجرّد محبّته ، أو القول بأفضليّته مع القول بإمامة
الشيخين ، ولو كان بأحد هذين المعنيين أو نحوهما لَما نَـزَّه عنه الشافعي ،
كما هو واضح.

وعن ابن المبارك في « عوف بن أبي جميلة » ـ من رجال الصحاح
السـتّة ـ : « ما رضي عوف ببدعةٍ حتّى كان فيه بدعتان : قدري وشيعي »..
____________
( 1 ) سير أعلام النبلاء 10|58 ـ 59 ، وللشافعي أشعار أُخرى من هذا القبيل مرويّة عنه
في المصادر المعتبرة ، وإنْ كان بعض المعاندين لأهل البيت عليهم السلام يحاولون
كتمها أو إنكارها أو التقليل من عددها أو التشكيك في نسبتها...!!
( 38 )
فهو يريـد من « التشـيّع » تقديـم أمير المؤمنـين على جمـيع الصحابـة ،
ولـذا جعله « بدعةً » ؛ إذ ليس مجرّد محبّته ببدعة بالإجماع..

وممّا يشهد بذلك قول بندار في عوفٍ المذكور : « كان قدرياً
رافضيـاً ».

وقال الذهبي بعد نقل الكلامين : « قلت : لكـنّه ثقة مكثر »
( 1 ).

وبما ذكرنا يظـهر أنّ قول الذهبي وابن حجر من أنّ : « الشيعي الغالي
في زمان السلف وعُرفهم هو من يتكلّم في عثمان والزبير وطلحة وطائفةٍ
ممّن حارب عليّـاً رضي الله عنه وتعرّض لسـبّه »
( 2 ) غير صحيح ؛ لأنّ
« الشيعي » بلا غلوٍّ ـ في عُرفهم ـ هو تقديمه على سائر الصحابة جميعاً.

وأمّا قول ابن حجر : « والتشيّع محبّة عليّ وتقديمه على الصحابة ،
فمنْ قدّمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيّعه ، ويطلق عليه رافضي ،
وإلاّ فشيعي »
( 3 ).

فإن أراد عُرف السلف ، فقد عرفت ما فيه..

وإنْ أراد عُرف زمانه كما جاء في كلامه ـ تبعاً للذهبي ـ : « والغالي في
زماننا وعُرفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة ويتبرّأ من الشيخين أيضاً ، فهذا
ضالّ مفتر »
( 4 ) ؛ دلّ على نقطتين مهمّتين :

إحداهما : اختلاف العُرف والاصطلاح أو تبدّله ، وهذا ما ينبغي
التمحيص عن أسبابه والغرض منه.
____________
( 1 ) سير أعلام النبلاء 6|384.
( 2 ) ميزان الاعتدال 1|5 ، لسان الميزان 1|103 الطبعة الحديثة.
( 3 ) مقدّمة فتح الباري : 460.
( 4 ) ميزان الاعتدال 1|6 ، لسان الميزان 1|103.
( 39 )

والأُخرى : الترادف بين « غلوّ التشـيّع » و« الرفض ».

وقال الذهبي بترجمة « الدارقطني » « شيخ الإسلام » المتّهم بالتشيّع :

« جمهور الأُمّة على ترجيح عثمان على الإمام عليّ ، وإليه نذهب ،
والخطب في ذلك يسير ، والأفضل منهما بلا شكّ أبو بكر وعمر ، من
خالف في ذا فهو شيعي جلد ، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحّة إمامتهما
فهو رافضي مقيت ، ومن سبّهما واعتقد أنّهما ليسا بإمامَي هدىً فهو من
غلاة الرافضة ، أبعدهم الله »
( 1 ).

إلاّ أنّه قال بترجمة « الفأفاء » « الإمام الفقيه » « الناصبي » في كلامٍ له :

« صار اليوم شيعة زماننا يكفّرون الصحابة ، ويبرؤون منهم جهلاً
وعدواناً ، ويتعدّون إلى الصدّيق... »
( 2 ).

فتراه لا يصفهم بـ : « الغلوّ » ، ولا يسمّيهم بـ : « الرافضة ».. فيناقض
نفسـه ، ولا يبقى فرق في العرف بين السلف والخلف.

ثمّ إنّ لهم في « التشـيّع » اصطلاحات :

منها : « فيه تشيّع يسير » أو « خفيف » كقول الذهبي بترجمة « وكيع بن
الجرّاح » ـ وهـو مـن رجال الصحاح السـتّة ـ بعـد نقل وصـف بعضهم إيّاه
بـ : « الرفض ».. « والظاهر أنّ وكيعاً فيه تشيّع يسير لا يضرّ إن شاء الله!!
فإنّه كوفي في الجملة ، وقد صـنّف كتاب فضائل الصحابة ، سمعناه ، قدّم
فيه باب مناقب عليٍّ على مناقب عثمان »
( 3 ).

فتقديم ذِكر مناقب عليٍّ على عثمان « تشيّع يسير » لكنّه « لا يضرّ إن
____________
( 1 ) سير أعلام النبلاء 16|458.
( 2 ) سير أعلام النبلاء 5|374.
( 3 ) سير أعلام النبلاء 9|154.
( 40 )
شاء الله »!!

وقوله بترجمة أبي نعيم الفضل بن دكين ـ وهو من رجال الصحاح
السـتّة ـ : « كان في أبي نعيم تشيّع خفيف » ثمّ روى أنّه قال : « حبّ عليٍّ
عبادة ، وخير العبادة ما كتم »
( 1 ).

ومنها : « فيه أدنى تشيّع » كقوله في « أبي غسّان النهدي » ـ وهو من
رجال الصحاح الستّة ـ : « فيه أدني تشيّع ، أخبرنا أحمد بن عبـد الرحمن بن
يوسف المقرئ... عن زيد بن أرقم : إنّ النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم
قال لعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين : أنا حرب لمن حاربتم ، وسلم لمن
سالمتم » ثمّ روى عن الحسين الغازي ، قال :

« سألت البخاري عن أبي غسّان ، قال : وعمّاذا تسأل ؟! قلت :
التشـيّع!

فقال : هـو على مذهب أهل بلـده ، ولو رأيـتم عبـيدالله بن موسى
وأبا نُعيم وجماعة مشايخنا الكوفيّين لَما سألتمونا عن أبي غسّان ».

وهنا اضطرّ الذهبي لأنْ يقول : « قلت : وقد كان أبو نعيم وعبيـدالله
معظّمَين لأبي بكر وعمر ، وإنّما ينالان من معاوية وذويه. رضي الله عن
جميع الصحابة »
( 2 ).
أقـول :

لا شكّ أنّ معاوية وذويه قد حاربوا أهل البيت عليهم السلام ، وإنّما
قصد أبو غسّان من رواية هذا الحديث النيل ممّن حاربهم ، فكان فيه « أدنى
____________
( 1 ) سير أعلام النبلاء 10|151.
( 2 ) سير أعلام النبلاء 10|432.
( 41 )
تشيّع ».. لكنّ عبيـدالله بن موسى وأبا نعيم ومشايخ البخاري الكوفيّـين
كانت عقيدتهم فوق عقيدة أبي غسّان ، وإلاّ لَما قال البخاري كذلك ، فكيف
يكونون إنّما ينالون « من معاوية وذويه » فقط ؟!

كلاّ! ليس الأمر كذلك ، وممّا يشهد لِما قلناه ، تصريح غير واحدٍ
منـهم بأنّ محـدّثي الكوفـة كانوا يقدّمون عليّـاً على عثمان ، وقد ذكر
الذهبـي أيضـاً ذلـك ، وعـدّد أسماء بعضهم ، وفيهم « عبـيدالله بن موسى »
و« عبـد الرزّاق بن همّام »
( 1 ).

وجاء بترجمة « عبـد الرزّاق » : « قلت لعبـد الرزّاق : ما رأيك أنـت ؟!
ـ يعـني في التفضـيل ـ قال : فأبى أن يخـبرني ، وقال : كان سفيان يقول :
أبـو بكر وعمر ، ويسكت. ثـمّ قال لـي سـفيان : أُحبّ أن أخلـوَ بأبي عروة
ـ يعـني معـمراً ـ فقلـنا لمعـمر فقال : نـعم ؛ فخلا بـه ، فلمّا أصبح ، قلت :
يـا أبـا عـروة! كيف رأيـته ؟ قال : هو رجلٌ ، إلاّ أنّـه قلّـما تكاشف كوفـيّاً
إلاّ وجدت فيه شيئاً ـ يريد التشيّع ـ ثمّ قال عبـد الرزّاق : وكان مالك يقول :
أبو بكر وعمر ، ويسكت. وكان معمر يقول : أبو بكر وعمر وعثمان ،
ويسكت ، ومثله كان يقول هشام بن حسّان »
( 2 ).

فمن هذا يُعرف حال عبـد الرزّاق بن همّام ، وحال أهل الكوفة ، ومنه
يفهم أنّ المعنى الصحيح للتشـيّع هو ما ذكرناه ، وإلاّ لَما قال ابن عيينة في
عبـد الرزّاق : « أخاف أنْ يكون من الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا »
( 3 ).

وإلاّ لَما قيل بترجمة « اليامي » : « من أهل الكوفة الّذين لا يحمدون
____________
( 1 ) ميزان الاعتدال 2|588.
( 2 ) سير أعلام النبلاء 9|569.
( 3 ) سير أعلام النبلاء 9|571.
( 42 )
على مذاهبهم »!!

كما يفهم ذلك أيضاً من قول الذهبي بترجمة « محمّـد بن فضيل بن
غزوان الكوفي » ـ وهو من رجال الصحاح السـتّة ـ : « على تشيّع كان فيه » ،
فإنّه وإنْ حاول جعل تشيّعه على حدّ تكلّمه في من حارب أو نازع الأمر
عليّـاً ، إلاّ أنّه روى عن يحيى الحماني : « سمعت فضيلاً ـ أو حُدّثت عنه ـ
قال : ضربت ابني البارحة إلى الصباح أنْ يترحّم على عثمان ، فأبى عليَّ »
( 1 ).

بل لقد وصفوا « تليد بن سليمان » ـ وهو من مشايخ أحمد ومن رجال
الترمذي ـ بالتشيّع ـ كما عن أحمد بن حنبل وغيره ـ مع أنّه « كان يشتم
عثمان » و« يشتم أبا بكر وعمر »
( 2 ).

وسيأتي مزيد من الكلام عن هذا الموضوع...
الرفض في اصطلاح القوم :

لقد تبـيّن من خلال ما تقدّم : أنّ حقيقة التشـيّع ليس مجرّد محبّة
عليٍّ عليه السلام ، أو مجرّد التكلّم في من حاربه كمعاوية وطلحة والزبير
وغيرهم ، أو مجرّد التكلّم في عثمان.. بل التشيّع تقديم عليٍّ عليه السلام
على جميع الصحابة ، والقول بإمامته بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلّم مباشرةً ، ورفض إمامة من تقدّم عليه ، ولذا وصفوا مثل « أبي الطفيل »
الصحابي الجليل بـ : « الرفض » ، كما في كتاب
المعارف( 3 ).

لكن القوم اتّخذوا ـ في علم الرجال والحديث ـ مصطلح « الرفض »
____________
( 1 ) سير أعلام النبلاء 9|174.
( 2 ) تاريخ بغداد 7|138.
( 3 ) المعارف : 624 ، « أسماء الغالية من الرافضة ».
( 43 )
للدلالة على المعنى الأخير ؛ محاولين التفريق بين المصطلحين من أجل
التغطية على حال من اتّصف بحقيقة التشيّع ممّن ذكرناهم وغيرهم..

إنّه مصطلح حادث وضـعوه للطعن في الرواة وردّ أحاديثهم ، وقد
نصّ على ذلك ابن تيميّة بعد أن حكى السبّ والشتم للشيعة عن الشعبي
وغيره ، فقال : « لكن لفظ ( الرافضة ) إنّما ظهر لمّا رفضوا زيد بن علي بن
الحسين ، في خلافة هشام ، وقصّة زيد بن علي بن الحسين كانت بعد
العشرين ومائة... والشعبي توفّي سنة خمس ومائة أو قريباً من ذلك ، فلم
يكن لفظ الرافضة معروفاً آنذاك ، وبهذا وغيره يعرف كذب لفظ الأحاديث
المرفوعـة التي فيها لفظ الرافضـة ، ولكنْ كانوا يسمّون بغير ذلك
الاسم... »
( 1 ).

ولكـنّهم اختلـفوا فـي هذا اللفظ أيضـاً ، مفـهومـاً ومصداقـاً ، فعـن
عبـد العزيز بن أبي روّاد ـ وهو من رجال البخاري في التعاليق والأربعة ـ
وقد سُئل مَنْ الرافضي ؟! قال : « مَن كره أحداً من أصحاب محمّـد » ،
ووافقه على ذلك مَن حضر من العلماء
( 2 ).

وعن الدارقطني : أنّ أوّل عقد يحلُّ في الرفض تفضيل عثمان على
عليّ
( 3 ).

واعترضه الذهبي قائلاً : « ليس تفضيل عليٍّ برفضٍ ولا هو ببدعة ، بل
ذهب إليه خلقٌ من الصحابة والتابعين... ومن أبغض الشيخين واعتقد
____________
( 1 ) منهاج السُـنّة 1|35 ـ 36 ، وقد عرفت أنّ واقـع الرفض قديم ، وأنّهم يصفون
بعض الصحابة بالتشيّع وبالرفض ، فكان معناهما في الحقيقة واحداً ، وهو القول
بإمامة عليٍّ عليه السلام بلا فصل.
( 2 ) تهذيب التهذيب 6|302.
( 3 ) سير أعلام النبلاء 16|457.
( 44 )
صـحّة إمامتهما فهو رافضي مقيت ، ومن سبّهما واعتقد أنّهما ليسا بإمامَي
هدىً فهو من غلاة الرافضة »
( 1 ).
أقـول :

بل الحقّ مع الدارقطني ، فإنّ أوّل عقدٍ من عقود رفض خلافة
المشايخ هو القول بتفضيل عليٍّ عليه السلام على عثمان ، وهذا ما سنؤكّد
عليه في ما بعد ، ولكنّ الذهبي يعترف بذهاب خلق من الصحابة والتابعين
إلى تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام..

ثمّ كيف يجتمع بغض الشيخين مع الاعتقاد بصحّة إمامتهما ، ليسمّى
صاحـبه بالرافضـي المقيت ؟! وإذا لـم يكن تفضـيله علـيه السلام برفض
ولا بدعةٍ ، فلماذا قال بعض أئمّتهم في عبـد الرزّاق بن همّام الصنعاني ـ لمّا
سئل عن رأيه في التفضيل فأبى أن يجيب ـ : « أخاف أنْ يكون من الّذين
ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا » ؟!
( 2 ).

ثمّ إنّ الذهبي عنون في
ميزانه ابن عقدة فقال : « أحمد بن محمّـد بن
سعيد بن عقدة ، الحافظ أبو العبّـاس ، محدّث الكوفة ، شيعي متوسّط »
( 3 ) ،
مع أنّه بترجمة « أحمد بن الفرات » ذكر ابن عقدة ووصفه بـ : « الرفض
والبدعة »
( 4 ).

وهـذا من تناقضاتـه بناءً على هذا المصطلح الجديد ، وهو ممّا يؤيّد
ما نذهب إليه في معنى التشيّع كما تقدّم وسيأتي تفصيله.
____________
( 1 ) سير أعلام النبلاء 16|457.
( 2 ) سير أعلام النبلاء 9|569.
( 3 ) ميزان الاعتدال 1|136.
( 4 ) ميزان الاعتدال 1|128.
( 45 )

وأمّا ابن حجر ، فهو يقول بالترادف بين « الرافضي » وبين « الشيعي
الغالي » ، والمقصود منهما من قدّم عليّاً على أبي بكر وعمر ، قال : « فإنْ
انضاف إلى ذلك السبّ أو التصريح بالبغض فغالٍ في الرفض »
( 1 ).

هـذا ما أردنا ذكره في هذا الفصل باختصار ، ويتلخّص في أُمور :
الأوّل : إنّ القوم ليس عندهم علماء يقفون عند آرائهم في الجرح
والتعديل ، بحيث يكون القول الفصل والميزان العدل في هذا الباب.
والثاني : إنّ القوم ليس عندهم قواعد متقنة يرجعون إليها ، وضوابط
محكمة يعتمدون عليها في هذا الباب.
والثالث : إنّ القوم ليس عندهم مصطلحات محدّدة ثابتة متفّق عليها
بينهم ، مفهوماً ومصداقاً.
والرابع : إنّ القوم في أكثر أقوالهم في الجرح والتعديل يتّبعون الهوى
والعصـبية ، وكيف يجوز الأخذ بآراء مَن هذا حاله ؟!
والخامس : إنّ « التشيّع » بالمعنى الصحيح هو « الرفض » لخلافة من
تقدّم على عليٍّ عليه السلام ، ولذا وصف مثل أبي الطفيل الصحابي بكلا
الوصفين ، وكذا كثيرٌ من التابعين والأئمّة الأعلام في مختلف القرون.
حكم الرواية عن الرافضي والشيعي :

وقد اختلفوا في حكم الرواية عن « الرافضي » و« الشيعي » على أثر
اختلافهم في العنوانَين مفهوماً وحكماً.. وتحيّروا في ذلك بشدّة ؛ لكثرة
الرواة الشيعة من جهةٍ ، ولاعتراف القوم بعدالتهم وأمانتهم وضبطهم في
____________
( 1 ) مقدّمة فتح الباري : 460.
( 46 )
النقل من جهةٍ أُخرى ، ولوجود عدد غير قليل منهم في الصحاح وغيرها من
الكتب من جهة ثالثة.

فذهب بعضهم إلى جرح الراوي وردّ روايته ، لا لشيء ، إلاّ لتشيّعه
( 1 ) :

ففي ترجمة « ثوير بن أبي فاختة » بعد ذكر تكلّم بعضهم فيه : « قال
الحاكم في
المستدرك : لم ينقم عليه إلاّ التشيّع »
( 2 ).

وفي ترجمة « عبـيدالله بن موسى » عن أحمد بن حنبل : « إنّه تركه
لتشيّعه »
( 3 ).

وفي ترجمة « علي بن غراب » قال الخطيب : « أظنّه طعن فيه لأجل
مذهبه فإنّه كان يتشيّع »
( 4 ).

وفي ترجمة « فطر بن خليفة » عن العجلي : « كان فيه تشيّع قليل »
وعن ابن عيّـاش : « تركت الرواية عنه لسوء مذهبه »
( 5 ).
____________
( 1 ) ولا نذكر آراء الجوزجاني ؛ لأنّه كان ناصبيّاً ، لا يعتبـرون بتجـريحاته للشيعة ، ثمّ
لا عجب من أنْ يتكلّموا في الراوي لأجل تشيّعه ، فإنّ في القوم من تكلّم في أئمّة
العترة الطاهرة بكلّ جرأةٍ ووقاحةٍ حتّى انتقده بعض علمائهم ، كقول ابن سعدٍ
صاحب الطبقات في الإمام الصادق عليه السلام : « كان كثير الحديث ، ولا يحتّج به ،
ويستضعف. سئل مرّةً : هذه الأحاديث من أبيك ؟ فقال : نعم. وسئل مرّةً فقال :
إنّما وجدتها في كتبه » ، فاعترضه ابن حجر قائلاً : « يحتمل أنْ يكون السؤالان وقعا
عن أحاديث مختلفة ، فذكر في ما سمعه أنّه سمعه ، وفي ما لم يسمعه أنّه وجده ،
وهذا يدلّ على تثبّـته ». تهذيب التهذيب 2|104.
قلت : فإنْ كان ابن سعد لا يفهم هذا فما أجهله ، وإنْ كان يفهمه فما أسوء
حاله! وعلى كلّ حالٍ فليس لقوله أيّ اعتبار.
( 2 ) تهذيب التهذيب 2|33.
( 3 ) تهذيب التهذيب 7|48.
( 4 ) تاريخ بغداد 12|45.
( 5 ) مقدّمة فتح الباري : 434.
( 47 )

وفي ترجمة « علي بن المنذر » عن الإسماعيلي : « في القلب منه
شيء ، لست أخيّره »
( 1 ).

وفي ترجمة « عبـدالله بن الجهم الرازي » عن أبي زرعة : « رأيته ولم
أكتب عنه وكان صدوقاً. وقال أبو حاتم : رأيته ولم أكتب عنه وكان
يتشيّع »
( 2 ).

وكم من راوٍ كبيرٍ ومحدِّثٍ شهير ، تركوا أحاديثه لأنّ « عامّة ما يرويه
في فضائل أهل البيت »
( 3 ).

وكم وقع الكلام بينهم بشأن « أحمد بن الأزهر » لأنّه روى بسندٍ
صحيح عن ابن عبّـاس أنّه قال : « نظر رسول الله صلّى الله عليه [وآلهج
وسلّم إلى عليّ بن أبي طالب [عليه السلام] ، فقال : أنت سـيّد في الدنيا
وسـيّد في الآخـرة ، حبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله ، وعدوّك عدوّي
وعدوّي عدوّ الله ، فالويل لمن أبغضك بعدي » ، فقال الذهبي : « هو ثقة بلا
تردّد ، غاية ما نقموا عليه ذاك الحديث في فضل عليّ رضي الله عنه »
( 4 ).

وجاء بترجمة « أحمد بن محمّـد الستيتي » ـ المتوفّى سنة 417 ـ أنّه :
« كان يُتّهم بالتشيّع ، فحلف لنا أنّه بريء من ذلك ، وأنّه من موالي يزيد ،
وأنّه قد زار قبر يزيد »!!
( 5 ).
____________
( 1 ) تهذيب التهذيب 7|337.
( 2 ) تهذيب التهذيب 5|155.
( 3 ) انظر مثلاً : تهذيب التهذيب 2|41 ـ ترجمة جابر بن يزيد الجعفي ـ ،
وج3|170 و374 ـ ترجمة أبي الجحاف داود بن أبي عوف ، وترجمة سالم بن
أبي حفصة ـ ، وج 5|265 ـ ترجمة عبـدالله بن عبـد القدّوس ـ.
( 4 ) سير أعلام النبلاء 12|364.
( 5 ) سير أعلام النبلاء 17|359 ، ويدلّ هذا على أنّ « التسنّن » المقابل لـ : « التشيّع »
هو اتّباع بني أُمية ، وله شواهد كثيرة في التاريخ والرجال ، وقد حققّنا ذلك في
بعض رسائلنا.