بعدقبل

مـصطلحـات نحـويّـة
(17)





السـيّد علي حسـن مطر



واحد وثلاثون ـ مصطلح التوكيـد
  • التوكيد لغةً :
التوكيد لغةً : « مصدر وكّد العقدَ والعهدَ : أوثقه ، والهمزُ فيه لغة ، يقال أوكدتّه وأكّدتّه وآكدتّه إيكاداً ، وبالواو أفصح ، أي : شـددته ، وتوكّد الأمر وتأكّد بمعنى... ووكّد الرحلَ والسرجَ توكيداً : شـدّه » (1).

قبل أن يستقرّ لفظ (التوكيد) عنواناً للمعنى الاصطلاحي النحوي اسـتعمل النحاة ألفاظاً متعدّدة للتعبير عن هذا المعنى ، فعبّر سـيبويه (ت 180 هـ) عنه بـ : (التوكيد ، والصفة ، والبدل) (2)..
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة « وكـد ».
(2) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 2 | 385 ـ 387.

( 266 )

وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بـ : (التشديد) (1)..
وعبّر عنه المبرّد (ت 285 هـ) بـ : (التوكيد ، والنعت ، والصفة) (2).
وقد قسّم النحاة التوكيدَ إلى : لفظي ومعنوي ، والأوّل يحصل بتكرار لفظ المؤكّد مفرداً أو جملة ، ويحصل الثاني بألفاظ مخصوصة وهي : النفس والعين وكلّ وكلا وكلتا وجميع وأجمع وجمع وأجمعون وجمعاء.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه القسمة لم تكن واضحة ومحدّدة منذ البداية ؛ فإنّنا نجد ابن السرّاج (ت 316 هـ) يقول : التأكيد قسمان : أوّلهما تأكيد « بتكرير الاسم ، نحو : رأيت زيداً زيداً ، رأيت زيداً نفسَـه... [ وثانيهما ] ما يجيء للإحاطة والعموم ، تقول : جاءني القوم أجمعون... وجاءني القومُ كلّهم » (3) ، فأدرج في القسم الأوّل التوكيد اللفظي وبعضاً من التوكيد المعنوي في الاصطلاح الذي استقرّ في ما بعد ، وأدرج في القسم الثاني ما تبقّى من التوكيد المعنوي.
ويردُ عليه إنّ قوله : ( بتكرير الاسم ) يجعل التوكيد اللفظي قاصراً عن شمول جميع أفراده ؛ إذ يخرج عنه توكيد الفعل والحرف والجملة ، ولأجل ذلك عبّر ابن معطي (4) وأبو علي الشلوبيني (5) عن التوكيد اللفظي بـ : ( تكرار
____________
(1) معانـي القرآن ، يحيى بن زياد الفـرّاء ، تحقيق عبـد الفتّاح شلبي وعلي النجدي ناصف 3 | 122.
(2) المقتضب ، محمّـد بن يزيد المبّرد ، تحقيق عبـد الخالق عضيمة 3 | 210 ، 342 ، 4 | 105.
(3) الموجز في النحو ، أبو بكر محمّـد بن السرّاج ، تحقيق مصطفى الشويمي وبنسالم دامرجي : 61 ـ 62.
(4) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 235 ـ 236.
(5) التوطئة ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق يوسف أحمد المطوّع : 187.

( 267 )

اللفظ ) بنحو يجعله شاملاً لجميع أفراده.
وأمّا أبو بكر الزبيدي (ت 379 هـ) فقد عبّر عن التوكيد بالنعت ، وقسّمه إلى نعت إحاطة ونعت تخصيص ، وقال : « ونعوت الإحاطة : أجمع وجمعاء... وكلّهم وكلّهنّ وكلاهما وكلتاهما... ونعوت التخصيص هي : نفسه ونفسها وأنفسهما وأنفسهم وأنفسهنّ » (1).
وواضح أنّ هذه قسمة لخصوص التوكيد المعنوي.
وعبّر الزمخشري (ت 538 هـ) عن التوكيد اللفظي بالتوكيد الصريح ، وعن المعنوي بالتوكيد غير الصريح (2).
ولعلّ ابن يعيش (ت 643 هـ) أوّل من قسّم التوكيد إلى لفظيّ ومعنوي ، وأنّ « اللفظيّ يكون بتكرير اللفظ ، وذلك نحو قولك : ضربتُ زيداً زيداً... وأمّا التأكيد المعنوي فيكون بتكرير المعنى دون لفظه ، نحو قولك : رأيت زيداً نفسَه ، ومررت بكم كلّكم » (3).

  • حدّ التوكيد :
وأمّا الحدّ الاصطلاحي للتوكيد ، فأقدم ما وجدته منه لابن جنّي (ت 379 هـ) ، وهو : « لفظ يتبع الاسمَ المؤكَّد لرفع اللبس وإزالة الاتّساع » (4).
ومراده : أنّه يتبعه في الإعراب ، والظاهر من قوله : (يتبع الاسم المؤكد... إلى آخره) أنّه ناظر إلى تعريف خصوص التوكيد المعنوي دون
____________
(1) الواضح في علم العربية ، أبو بكر الزبيدي ، تحقيق أمين علي السـيّد : 26 ـ 27.
(2) المفصّل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 111.
(3) شرح المفصّل ، ابن يعيش 3 | 39 ـ 40.
(4) اللمع في العربية ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 84.

( 268 )

اللفظي ، إذ لو أراد به الأعـمّ من المعنوي واللفظي فإنّه لن يكون جامعاًرحمه الله لخروج توكيد الحرف والفعل والجملة.
وأمّا ما ذكره بعض النحاة كابن بابَشاذ (ت 469 هـ) من أنّ : « التأكيد هو : تمكين المعنى في النفس بإعادة لفظ أو معنى لفظ » (1) ، وابن معطي (ت 628 هـ) من أنّه : « تحقيق المعنى في نفس السامع » (2) ، وغيرهما (3) ، فهو بيان للتوكيد بمعناه المصدري بوصـفه فعلاً يحدثه المتكلّم ؛ ولا بيانَ فيه لمعنى اللفظ المؤكّد الذي هو أحد التوابع الخمسـة.
وقد حدّ ابن عصفور (ت 669 هـ) التأكيد بأنّه : « لفظ يراد به تمكين المعنى في النفس ، أو إزالة الشكّ عن الحديث ، أو المحدَّث عنه... فالذي يراد به تمكين المعنى في النفس : التأكيد اللفظي... والذي يراد به إزالة الشكّ عن الحديث : التأكيد بالمصـدر ، فإذا قلت : (مات زيدٌ موتاً) ارتفع المجاز ، والذي يراد به إزالة الشكّ عن المحدّث عنه : التأكيد بالألفاظ التي يبوّب لها في النحو ، وهي : للواحد المذكَّر : نفسُـهُ وعينُـهُ وكلُّـه... » (4).
ويلاحظ عليه : إنّ إدخاله المفعول المطلق وهو من المنصوبات في باب التوكيد الذي هو من التوابع غير سديد.
____________
(1) شرح المقدّمة المحسـبة ، طاهر بن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 2 | 47.
(2) الفصول الخمسون ، ابن معطي : 235.
(3)أ ـ اللباب في علل البناء والإعراب ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق غازي طليمات 1 | 394.
ب ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، الإشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي 1 | 361.
(4)أ ـ المقرّب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل أحمد عبـد الموجود وعلي محمّـد معوّض : 316.
ب ـ شرح جمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1 | 262 ـ 264.

( 269 )

وأمّا ابن الحاجب (ت 646 هـ) فقد حدّ التوكيد بأنّه : « تابع يقرّرُ أمرَ المتبوع في النسبة أو الشمول » (1).
« والتقرير ههنا : أن يكون مفهوم التأكيد ومؤدّاه ثابتاً في المتبوع ، ويكون لفظ المتبوع يدلّ عليه صريحاً ، كما كان معنى (نفسـه) ثابتاً في قولك : جاءَني زيدٌ نفسه ؛ إذ يفهم من زيدٍ نفس زيد... ثمّ إنّ التأكيد يقرّرُ ذلك الأمرَ ، أي : يجعله مستقرّاً متحقّقاً بحيث لا يظنّ به غيره » (2).
وقد « أخرج المصنّف الصفة والعطف والبدل عن حدّ التأكيد بقوله : « يقرّرُ أمرَ المتبوع » ، أمّا البدل والعطف فظاهر خروجهما به وأمّا الصفة ؛ فلأنّ وضعها للدلالة على معنىً في متبوعها وإفادتها توضيح متبوعها في بعض المواضع ليست بالوضع ، وأمّا عطف البيان فهو لتوضيح متبوعه ، فهو يقرّرُ أمرَ المتبوع ويحقّقه لكن لا في النسبة والشمول » (3).
وظاهر كلام ابن الحاجب أنّه يريد بهذا الحدّ التوكيد بكلا نوعيه اللفظي والمعنوي ؛ ذلك أنّه طرح هذا الحدّ في الكافـية ثمّ عقّبه بتقسيم التوكيد إلى لفظي ومعنوي ، وكذلك صنع في الوافـية وهي أُرجوزته التي نظـم بها الكافـية ؛ إذ قال :
تأكيدُهم متبوعه قـد قرّرا * في نسبة أو في شمـولٍ حصرا
إن كُرّرَ اللفظ فقُلْ : لفظيُّ * وغيـر تكـريـرٍ فمعنــويُّ
وعلى هذا جرى كلّ من الرضيّ والجامي في شرحهما للكافية ،
____________
(1) أ ـ شرح الوافية نظم الكافية ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي : 264.
ب ـ شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2 | 357.
ج ـ الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة الرفاعي 2 | 56.
(2) شرح الرضيّ على الكافية 2 | 357.
(3) الفوائد الضيائيّة 2 | 57.

( 270 )

فأشارا إلى أنّ تأكيد النسبة ، أي : تقرير كون المتبوع منسوباً أو منسوباً إليه ، يتمّ أمّا بإعادة لفظه أو بالنفس والعين ، وأمّا تأكيد الشمول وتقرير ما يتعلّق بالمتبوع من إتّصافه بكون ما نسب إليه شاملاً لجميع أجزائه وأفراده ؛ فإنّه يتمّ باستعمال كلّ وجميع وأخواتهما (1).
وممّن تابع ابن الحاجب على حـدّه المذكور ابن هشام (ت 761 هـ) (2) …ف وجمال الدين الفاكهي (ت 279 هـ) (3) ، إلاّ أنّهما خصّاه بالتوكيد المعنوي.
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فإنّه قسّم التوكيد أوّلاً إلى معنوي ولفظي ، وطرح حدّين للتوكيد المعنوي :
* أوّلهما : أنّه « تابع يعتضد به كون المتبوع على ظاهره ؛ فإنّ ذكر (النفس) في قولك : (قَتلَ الأميرُ نفسُـه كافراً) يرفع احتمال كون القتل بالأمر لا بالمباشرة ، وإذا ارتفع احتمال التأويل اعتضد الظهور ، وكذا ذكر كلّهم في قولك : (جاء بنو فلانٍ كلُّهم) يرفع احتمال وضع العام في موضع الخاصّ » (4).
وقد تابعه على هذا الحدّ كلّ من السيوطي (ت 911 هـ) (5) والفاكهي (6) ، إلاّ أنّ هذا الأخير جعله شاملاً لكلّ من التوكيد اللفظي
____________
(1) أ ـ شرح الرضيّ على الكافية 2 | 357 ـ 359.
ب ـ الفوائد الضيائيّة 2 | 56.
(2) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 428.
(3) شرح الحدود النحوية ، الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الابراهيم : 181.
(4) شرح الكافية الشافية ، ابن مالك ، تحقيق عبـد المنعم هريدي 3 | 1169 ـ 1170.
(5) البهجة المرضيّة ، جلال الدين السيوطي ، تحقيق مصطفى الدشتي 2 | 59.
(6) شرح الحدود النحوية ، الفاكهي : 181.

( 271 )

والمعنوي.
ويقاربه حدّ الأشموني (ت 900 هـ) بأنّه : « التابع الرافع احتمال إرادة غير الظاهر » (1).
وعقَّب عليه الصبّان بقوله : « وإنّما اقتصر الشارح على رفع الاحتمال المذكور ؛ لأنّ رفع توهّم السهو والغلط إنّما يكون بالتأكيد اللفظي... وخرج بقوله : (الرافع... إلى آخره) ما عدا التوكيد حتّى البدل ؛ فإنّه وإن رفع الاحتمال في نحو : مررت بقومِك كبيرهم وصغيرهم ، أوّلهم وآخرهم ، إلاّأنّ ذلك عارض نشأ من خصوص المادّة » (2).
وأمّا الحدّ الثاني الذي طرحه ابن مالك للتوكيد المعنوي فهو : « التابعُ الرافع توهّم إضافةٍ إلى المتبوع ، أو أن يراد به الخصوص ، ومجيئه في الغرض الأوّل بلفظ النفسِ والعينِ... ومجيئه في الغرض الثاني تابعاً لذي أجزاءٍ يصحُّ وقوعُ بعضها موقعه مضافاً إلى ضميره بلفظ كلّ أو جميع أو عامّة... » (3).
وتابعه على هذا الحدّ ابنه بدر الدين (ت 686 هـ) (4).
وأمّا التوكيد اللفظي فقد حدّه ابن مالك بأنّه : « إعادة اللفظ أو تقويته بموافقه معنىً » (5) ، ووجه الضعف فيه أنّه حدّ للتوكيد بمعناه المصدري الذي هو فعل المتكلّم ، وليس حدّاً للفظ المؤكّد الذي هو أحد التوابع ، وقد أخذ به الأشموني وقال في شرحه : « التوكيد اللفظي هو إعادة اللفظ أو
____________
(1) شرح الأشموني على الألفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2 | 402.
(2) حاشية الصبّان على شرح الأشموني 3 | 72.
(3) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات : 164.
(4) شرح ابن الناظم على الألفيّة : 196.
(5) تسهيل الفوائد : 166.

( 272 )

تقويته بموافقه معنىً... فالأوّل يكون في الاسم والفعل والحرف والمركّب غير الجملة والجملة ، نحو : جاءَ زيدٌ زيدٌ... وقامَ قامَ زيدٌ ، ونَعَم نَعَم ، وكقوله : فحتّامَ حتّامَ العناءُ المطوّلُ ، والجملة كقولكَ : أُدرجي أُدرجي... والثاني كقوله : أنتَ بالخيرِ حقيق قَمِنٌ » (1).
وأخذ بهذا الحدّ أيضاً كلّ من الفاكهي (2) والمكودي (ت 108 هـ) ، إلاّ أنّ هذا الأخير اختزله بقوله : « إعادة اللفظ بموافقه » ولم يحصر الموافقة بكونها في المعنى ؛ « لأنّ الموافقة تارة تكون باللفظ والمعنى نحو : أُدرجي أُدرجي ، وأُخرى بالمعنى دون اللفظ نحو : أنت بالحقّ جدير قَمِنٌ » (3).
وأمّا ابن عقيل (ت 769 هـ) فقد حدّ التوكيد بمعناه المصدري أيضاً ، فقال : « هو تكرار اللفظ الأوّل » (4) ، وعقّب عليه الخضري في حاشـيته بأنّ تكرار اللفظ الأوّل يكون « أمّا بعينه كما مثّلَه ، ولا يضّر فيه بعضُ تغيير نحو : ( فمهِّل الكافرين أمهلهم ) (5)... أو بمرادفه كقوله : أنت بالخيرِ حقيقٌ قَمِنٌ » (6).
وأمّا ابن هشام (ت 761 هـ) فإنّه حدّ التوكيد بأنّه : « اللفظ المكرّر به ما قبله » (7) ، وهو حدّ للتوكيد بوصفه تابعاً ؛ لأنّه « مبنيّ على أنّ المراد به :
____________
(1) شرح الأشموني على الألفية 2 | 408.
(2) شرح الحدود النحوية : 183.
(3) شرح المكودي على ألفيّة ابن مالك : 124.
(4) شرح ابن عقيل على الألفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد المجيد 2 | 214.
(5) سورة الطارق 86 : 17.
(6) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ، ضبط وتصحيح محمّـد البقاعي 2 | 614.
(7) أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـدالحميد 3 | 24.

( 273 )

المؤكّد ، حيث قال : اللفظ... إلى آخره » (1).
ولم أجد بعد هذا تجديداً في حـدّ التوكيد لدى النحاة المتأخّـرين.

* * *

____________
(1) شرح التصريح على التوضيح ، خالد الأزهري ، حاشية الشيخ يس العليمي 2 | 126.
( 274 )

اثنان وثلاثون ـ مصـطلح عطف البيان
  • العطف لغةً :
للعطف في اللغةِ عدّة معانٍ أهمّها : « الرجوع ، والانصراف ، والإشفاق ، والميل » (1) ، والمعنى الأوّل هو أنسب المعاني اللغوية بالمعنى الاصطلاحي ، قال الصبّان : « وسمّي هذا التابع عطف البيان ؛ لأنّ المتكلّم رجع إلى الأوّل فأوضحه به » (2).

  • عطف البيان اصطلاحاً :
عبّر سيبويه (ت 180 هـ) عن عطف البيان بأربعة عناوين ، وهي : الصفة ، والبدل ، والعطف ، وعطف البيان (3).
وقد ورد تعبيره بـ (عطف البيان) في قوله : « وتقول : يا زيدُ زيدُ الطويل... وقال رؤبة :
إنّي وأسطـارٍ سُطـرنَ سطرا * لَقائِلٌ : يا نصرُ نصراً نصرا (4)

وأمّا قول رؤبة فعلى أنّه جعل نصراً عطفَ البيان (5) ونصبه ، كأنّه على
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة « عطف ».
(2) حاشية الصبّان على شرح الأشموني 3 | 85.
(3) الكتاب ، سيبويـه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1 | 432 ـ 433 وج 2 | 184 وص190 وص 192.
(4) والشاهد فيـه على فهم سيبويـه : نصبُ (نصراً نصراً) حملاً على محلِّ (نصر) الأُولى ؛ لأنّها في محلِّ نصـب.
(5) لكنّ ابن مالك يقول : « والأوْلى عندي جعله توكيداً لفظيّاً ؛ لأنّ عطف البيان حقّه

=


( 275 )

قوله : يا زيدُ زيداً » (1).
وفـي معـرضِ التعريـف بالمعـنى الاصـطلاحي لعطف البـيان قال ابـن السرّاج (ت 316 هـ) : « عطف البيان كالنعت والتأكيد في إعرابهما وتقديرهما ، وهو مبيّن لِما تجريه عليه كما يبيّنان ، وإنّما سمّي عطفَ البيان ولم يُقَل نعتٌ ؛ لأنّه غير مشتقّ من فعل ، ولا هو تحلية ، ولا ضرب من ضـروب الصفات... وهو مفرّق بين الاسم الذي يجري عليه وبين ما له مثلُ اسمه ، نحو : رأيتُ زيداً أبا عمرٍو » (2).
وعرّفه أبو عليّ الفارسي (ت 377 هـ) بقوله : « عطف البيان أن يجري الاسم الذي ليس بحليةٍ ولا فعلٍ ولا نسب على الاسم الذي قبله ، فيبيّنه كما تبـيّنُ هذه الأشـياءُ التي هي صفـات ما تجـري عليه ، وذلك نحـو : رأيتُ أبا عبـدالله زيداً » (3).
وحدّه ابن جنّي (ت 393 هـ) بقوله : عطفُ البيان « أن تقيم الأسماءَ الصريحة غير المأخوذة من الفعل مقام الأوصاف المأخوذة من الفعل ، تقول : قامَ أخوك محمّـدٌ » (4).
وهو حدّ لعطف البيان بمعناه المصدري بوصفه عملاً يمارسـه المتكلّم ، ومراده بالأسماء الصريحة : الأسماءُ الجامدة غير المشـتقّة ، تحرّزاً من دخول النعت في الحدّ.
____________
=
أن يكون للأوّل به زيادة وضوح ، وتكرير اللفظ لا يتوصّل به إلى ذلك ». همع الهوامع ، السيوطي ، تحقيق عبـد السلام هارون 5 | 190.
(1) الكتاب 2 | 185 ـ 186.
(2) الأُصول في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق عبـد الحسين الفتلي 2 | 45.
(3) الإيضاح العضدي ، أبو علي الفارسي ، تحقيق حسن الشاذلي فرهود : 281.
(4) اللمع في العربية ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 90.

( 276 )

وحدّه ابن برهان العكبري (ت 456 هـ) قائلاً : « عطف البيان يتعلّق بالاسم تعلّق الصفة ، ويفارق الصفة بأنّه غير مشتقّ ، فإذا كان الاسم مشتقّاً أو في معنى المشـتقّ سمّاه النحويّون صفةً ، وإذا كان جوهراً غير مشتقّ سـمّوه عطف بيان » (1).
وقال ابن بابَشاذ (ت 469 هـ) : إنّه ما « يجري مجرى النعت ، إلاّ إنّه يكون بغير المشـتقّ » (2).
وهو بنفس مضمون حدّ ابن برهان ، لكنّه أخصر منه.
والملاحظ إلى الآن أنّ اهتمام النحاة منصبّ على الاحتراز عن دخول النعت في حدّ عطف البيان ، دون الالتفات إلى إخراج بقيّة التوابع كالبدل في نحو : جاءَني أخوك زيدٌ ، فإنّ زيداً يصحّ إعرابه بدلَ كلّ من أخيك ، كما يصحّ إعرابه عطف بيان.
وأمّا الجرجاني (ت 471 هـ) فقد حدّه بقوله : عطف البيان « هو الاسم الذي يكون الشيء به أعرف ، فيبيَّنُ به غيره ، كقولك : مررتُ بأخيكَ زيدٍ ، بيّنتَ الأخ بزيدٍ ، و [ مررتُ ] بزيدٍ أبي عبـدالله ، إذا كان معروفاً بكنيته ، وبأبي عبـدالله زيدٍ ، إذا كان معروفاً بالاسم » (3).
وحدّه الزمخشريّ (ت 538 هـ) بأنّه : « اسم غير صفة يكشف عن المراد كشفها ويُنزّل من المتبوع منزلة الكلمة المستعملة من الكلمة الغريبة إذا ترجمت بها ، وذلك نحو قوله : أقسمَ بالله أبو حفص عمر... فهو كما ترى جارٍ مجرى الترجمة حيثُ كشفَ عن الكنيةِ لقيامه بالشهرةِ دونها...
____________
(1) شرح اللمع ، ابن برهان العكبري ، تحقيق فائز فارس 1 | 235.
(2) شرح المقدّمة المحسبة ، ابن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 2 | 421.
(3) الجمل ، عبـد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر : 32 ـ 33.

( 277 )

والذي يفصله لك من البدل شيئان :
أحدهما : قول المرّار : أنا ابنُ التاركِ البكريّ بشرٍ... لأنّ بشراً لو جُعل بدلاً من البكريّ ، والبدلُ في حكم تكرير العامل ، لكان التارك في التقدير داخلاً على بشرٍ (1).
والثاني : إنّ الأوّل ها هنا هو ما يعتمد بالحديث ، وورد الثاني من أجلِ أن يوضّح أمره ، والبدل على خلاف ذلكرحمه الله إذ هو... المعتمد بالحديث والأوّل كالبساط لذِكره » (2).
ويلاحظ أنّ الحاجة إلى هذا التعقيب الخارج عن مضمون الحدّ ، لبيان وجه الفرق بين عطف البيان وبين البدل ، تكشف عن قصور الحدّ وأنّه ليس مانعاً من دخول الأغيار.
وحدّه المطرّزي (ت 610 هـ) بنفس مضمون حدّ الزمخشري ، فقال : إنّه « اسم غير صـفة يجري مجرى التفسير » (3).
وحدّه ابن معطي (ت 628 هـ) بقوله : « هو اسم يفسّـره اسم كما يفسّـره النعتُ ، إلاّ إنّه ليس مشتقّاً ولا في حكم المشتقّ ، فأشبه البدل ، والفرق بينهما أنّه لا ينوي فيه إحلال الثاني محلّ الأوّل » (4).
ويلاحظ أنّ عبارتـه وإن أعطت صورة عن عطف البيان ، إلاّ إنّها ليست حدّاً لـه بمعناه المصـدري ، ولا بوصـفه لفظاً تابعاً ، وكان المناسب أن يقول : (هو اسم يفسّـرُ اسماً) ليكون حدّاً لعطف البيان بوصفه أحد
____________
(1) وهو غير جائز ؛ لأنّ اسم الفاعل بالألف واللام لا يضاف إلاّ لِما فيه الألف واللام.
(2) المفصّل في علم العربيّة ، الزمخشري : 122 ـ 123.
(3) المصباح في علم النحو ، المطرّزي ، تحقيق ياسين محمود الخطيب : 109.
(4) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي : 236.

( 278 )

التوابـع الخمسـة.
وحدّه الشلوبيني (ت 645 هـ) بأنّه : « الاسم الجاري على اسم قبله يبيّنه كما يبيّنه النعت ، إلاّ إنّه لا يكون نعتاً ؛ لمانع عدم الاشتقاق أو معناه فيه ، والمقصود من الاسمين الأوّل ، والفرق بينه وبين البدل ما ذكرناه من معناه (1) غك ، وفي اللفظ يقع في باب النداء ، نحو : يا عبـدَالله زيداً ، على العطفِ المبيّن ، ويا عبـدَالله زيدٌ ، بالضمّ على البدل » (2).
وفيه شيء من الإطالة ، وهو أقرب إلى شرح حقيقة المعرّف ، منه إلى الحدّ الفنّي المبيّن لذاتيات المحدود بالجنس والفصل.
وحدّه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله : « عطف البيان تابع غير صفة يوضّح متبوعه ، مثل : أقسمَ بالله أبو حفصٍ عمر ، وفصله من البدل لفظاً في مثلِ : أنا ابنُ التاركِ البكريّ بِشْرٍ » (3).
وهو أوّل حدٍّ يؤخذ فيه (التابع) جنساً لعطف البيان ، وقال الرضيّ في شرحه : « قوله : (يوضّـح متبوعه) يخرج التأكيدرحمه الله لأنّه لا يوضّحُ المؤكّد ، بل يحقّق أصل نسبته ، أو شمول النسبة لأجزائِه ، وعدمُ إيضاح المنسوق [ عطف النسق ] لمتبوعه ظاهر (4) ، وكذا البدل عند النحاةرحمه الله لأنّ الأوّل عندهم في حكم الطرح وفي حكم المعدوم ، فلم يبق إلاّ الصفة وعطف البيان ، فلمّا قال : (غير صفة) خرجت الصفة » (5).
____________
(1) أي : من أنّ المقصود في عطف البيان الأوّل ، وفي البدل الثاني.
(2) التوطئة ، أبو علي الشلوبيني ، تحقيق يوسف المطوّع : 185.
(3)أ ـ شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2 | 394.
ب ـ شرح الوافية نظم الكافية ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي : 270.
(4) لأنّه غالباً غيره.
(5) شرح الرضيّ على الكافية 2 | 394.

( 279 )

وقال الرضيّ في بحث البدل : « وأنا إلى الآنَ لم يظهر لي فرق جليّ بيـن بـدل الكلّ مـن الكـلّ ، وبيـن عطف البـيان ، بل لا أرى عطـف البيان إلاّ البدل ، كما هو ظاهر كلامِ سيبويه ؛ فإنّه لم يذكر عطف البيان » (1).

أقـول :
تقدّم في بداية البحث أنّ سيبويه ذكر (عطف البيان) عنواناً للمعنى الاصطلاحي ، وعبّر عنه أيضاً بالعطف والصفةِ والبدل ، وهذا يكشف عن أنّ المعنى الاصطلاحي لم يستقرّ له عنوان محدّد حتّى ذلك الوقت ، وعليه فلا يكون تعبيره بعنوان البدل ظاهراً في أنّه يرى عطف البيان هو البدل الاصطلاحي ، كما أنّ تعبيره بعنوان الصفة لا يكون ظاهراً في أنّ عطف البيان هو النعتُ اصطلاحاً.
هـذا ، وتحسـن الإشارة إلى أنّ ابـن الحاجب نفسـه كان قد التفت إلى أنّه في بعضِ الموارد يمكن أن يعرب التابع عطفَ بيان وبدلاً أيضاً ، وأرجـع ذلك إلى اختلاف القصد ، قال : « فإن قلتَ : جاءني زيدٌ أبو عمرٍو ، فقـد أوضـحتَ زيداً بأبي عمرٍو... [ فإذا ] قصدت إيضاح الأوّل بالثاني ، فهـو عطـف بـيان لا بـدل ، والأوّل هو المقصـود ، وإن قصـدت أنّ الثاني هـو المقصـود بالنسـبة ، والأوّل كالتوطـئةِ لـه ، كان بدلاً لا موضّحاً للأوّل » (2).
وحدّه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه : « جريان اسم جامدٍ معرفة على اسم دونه في الشهرة أو مثله ، يبيّنه كما يبيّنه النعت ، ولا يشترط فيه أن
____________
(1) شرح الرضيّ على الكافية 2 | 379.
(2) شرح الوافية نظم الكافية : 270 ـ 271.

( 280 )

يكون مشتقّاً ولا في حكمه » (1).
ويلاحظ عليه :
أوّلاً : إنّ قوله : « ولا يشترط فيه... إلى آخره » لا يناسب قوله : « اسم جامد » بل المناسب له أن يقول : ويشترط فيه أن لا يكون مشتقّاً ولا في حكمه.
ثانياً : إنّه يرى جواز كون عطف البيان مساوياً للمتبوع في الشهرة ، خلافاً لمن اشترط كونه أخصّ وأشهر من المتبوع ، « قال في شرح الكافية : واشترط الجرجاني والزمخشري زيادة تخصـيصه ، وليس بصحيحرحمه الله لأنّه في الجامد بمنزلة النعت في المشتقّ ، ولا يشـترط زيادة تخصّـص النعت ، فكذا عطف البيان » (2).
وقد نقل السيوطي عن ابن حيّـان قوله : « شرط ابن عصفور أن يكون عطف البـيان أعرف من متبـوعه » (3) ، وهذا النـقل منـافٍ لِمـا أثبتـناه عن ابن عصفور في حدّه لعطف البيان ، ولعلّ له رأياً آخر بهذا الشأن مذكور في غير كتاب المقـرّب.
وأمّـا ابن مالك (ت 672 هـ) فقـد حدّ عطف البيان بأنّه : « التابع الجاري مجـرى النعت فـي ظهور المتـبوع ، وفي التوضـيح والتخصـيص ، جامداً أو بمنزلته » (4).
فقوله : « (الجاري مجرى النعت في ظهور المتبوع) أخرج به النعتَ
____________
(1) المقرّب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبـد الموجود وعليّ معوّض : 327.
(2) همع الهوامع ، السيوطي ، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 5 | 191.
(3) همع الهوامع 5 | 191.
(4) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات : 171.

( 281 )

وعطف النسـق والبـدل ، و(في التوضـيح والتخصـيص) أخرج التأكيد ، و(جامداً) ذكره توكيداً لإخراج النعت ؛ فإنّه من جهة المعنى أشبه شيءٍ بعطف البيان. [ وقوله ] : أو منزل منزلته [ أي منزلة الجامد ] هو العلم الذي كان أصله صـفة ، فغلبت وصارت علماً بالغلبة كالصَعِق » (1).
وقد أشار ابن مالك بعد ذِكره هذا الحدّ إلى أنّ هناك موارد لا يمكن فيها إعـراب عطف البـيان بدلاً حتّى تبعاً لاخـتلاف القصـد ، كما لو « قُـرِنَ بـ (أل) بعد منادى ، أو تَبع مجرّداً بإضافة صفة مقرونة بـ (أل) وهو غير صالحٍ لإضافتها إليه ، وكذا إذا أُفردَ تابعاً لمنادى » (2).
وحدّه ابن الناظم (ت 686 هـ) بأنّه : « التابع الموضّـح والمخصّـص متبوعه ، غير مقصودٍ بالنسبة ، ولا مشتقّاً ولا مؤوّلاً بالمشتقّ...
فخرج بقولي : (الموضّح والمخصّص) التوكيد وعطف النسق ، وبقولي : (غير مقصود بالنسبة) البدل ؛ لأنّه في نيّة تكرار العامل... وبقولي : (ولا مشتقّاً ولا مؤوّلاً بالمشتقّ) النعت » (3).
وحدّه أبو حيّـان (ت 745 هـ) بحدّين :
أوّلهـما : إنّه « تابع أشهر من متبوعه ، نحو : جاءَ أبو حفصٍ عمر ، إذا كان عمر أشهر من الأوّل » (4).
ويلاحظ عليه : إنّه لم يقيّده بكونه جامداً أو غير مشتقّ ، فلا يكون مانعاً من دخول ما يخرج بهذين القيدين.
____________
(1) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، السلسيلي ، تحقيق عبـدالله البركاتي 2 | 763.
(2) تسهيل الفوائد : 171.
(3) شرح ابن الناظم على الألفـيّة : 201.
(4) شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 2 | 240.

( 282 )

وثانيهـما : « هو التابع لمثله أو دونـه في الشـهرة جامـداً » (1) ، وهو مقارب لحدّ ابن عصفور مضموناً.
وحدّه ابن هشام (ت 761 هـ) بحدّين أيضاً :
أوّلهـما : إنّه « تابع غير صفة يوضّح متبوعه أو يخصّـصه » (2).
وهو مماثل لحدّ ابن الحاجب المتقدّم مضافاً إليه قيد (أو يخصّصه) ، وقال في شرحه : « وقولي : (غير صفة) مخرج للصفة ؛ فإنّها توافق عطف البـيان في إفادة توضيح المتبـوع إن كان معرفة وتخـصيصه إن كان نكرة ، فلا بُـدّ من إخراجها وإلاّ دخلت في حدّ [ عطف ] البيان ، وقولي : (يوضّح متبوعه أو يخصّصه) مخرج لِما عدا عطف البيان » (3).

أقـول :
إنّ تقييد عطف البيان بكونه (غير صفة) ؛ لإخراج الصفة في هذا الحدّ وغيره ، ليس فنّـيّاً ؛ لأنّ المطلوب في الحدّ بيان ذاتيّات المحدود بنحوٍ يميّز الأفراد الداخلة فيه عن الخارجة عنه ، ولو كانت طريقة الاستثناء في تمييز عطف البيان عن بقية التوابع صحيحة ، لكان بالإمكان منذ البداية أن نقول في حدّه : إنّه تابع غير صفة ولا توكيد ولا بدل ولا عطف نسق.
وثانيهما : إنّه « تابع موضّـح أو مخصّـص جامد غير مؤوّل » (4).
وهو بمضمـون حدّ ابن الناظم المتـقدّم نفسـه ، إلاّ إنّه لم يذكر فيه
____________
(1) غاية الإحسان في علم اللسان ، أبو حيّـان ، مخطوط 9 | أ.
(2) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 434.
(3) شرح شذور الذهب : 435.
(4) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 297.

( 283 )

قيد (غيـر مقصـود بالنسـبة) : ولا بُـدّ أنّه يرى عدم الحاجـة إليـه ؛ لخروج البـدل بقيـد (الموضّـح) ، وقـد تابعـه على هـذا الحـدّ كـلّ مـن الفاكهي (ت 972 هـ) (1) لا ، والخضري (2).
وممّا ذكره في شرحه : « وقولي : (غير مؤوّل) مخرجٌ لِما وقع من النعوت جامداً ، نحو : (مررتُ بزيدٍ هذا) و (بقاعٍ عرفجٍ) ؛ فإنّه في تأويلِ المشـتقّرحمه الله ألا ترى أنّ المعنى : مررتُ بزيدٍ المشار إليه ، وبقاعٍ خَـشِـنٍ » (3).
وقد أشار ابن هشام إلى أنّه لا يمكن إعراب عطف البيان بدلاً إذا « امتنع الاستغناءُ عنه ، نحو : هندٌ قامَ زيدٌ أخوها (4) ، أو [ امتنع ] إحلاله محلّ الأوّل (5) طن ، نحو : يا زيدُ الحارثُ » (6).
وحدّه ابن عقيل (ت 769 هـ) بأنّه : « التابع الجامد المشبه للصفة في إيضاح متبوعه وعدم استقلاله... فخرج بقوله : (الجامد) الصفة ؛ لأنّها مشـتقّة أو مؤوّلة به ، وخرج بما بعد ذلك : التوكيد ، وعطف النسق ؛ لأنّهما لا يوضّحان متبوعهما ، والبدل الجامدُرحمه الله لأنّه مستقلّ » (7).
____________
(1) شرح الحدود النحوية ، جمال الدين الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الإبراهيم : 179 ـ 180.
(2) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ، ضبط وتصحيح يوسف البقاعي 2 | 616.
(3) شرح قطر الندى : 297.
(4) وجه الامتناع : إنّ البدل في نيّة تكرار العامل ، فلو أعربنا كلمة « أخ » بدلاً ، لكان التقدير : هندٌ قامَ زيدٌ ، قامَ أخوها ، فيخلو خبر الجملة الأُولى من رابط يربطه بالمبتدأ.
(5) وجه الامتناع : إنّه محلّى بـ (أل) ، وأداة النداء لا تدخل على ما فيه (أل).
(6) أوضح المسالك إلى ألفيّـة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 3 | 34.
(7) شرح ابن عقيل على ألفيّـة ابن مالك ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2 | 218 ـ 219.

( 284 )

وقد عقّب الخضري على كلام ابن عقيل بأنّ : « ظاهره إنّ البدل خرج بعدم الاستقلال دون ما قبله ، وليس كذلك ؛ لأنّه يخرج بقيد الإيضاح أيضاً ، فلا حاجـة لذِكر الاسـتقلال ، ولا يـرد على إخراجه أنّ كلّ عطف بيان يصـحّ بدلاً ؛ لأنّ جواز الأمرين منزّل على مقصـدي الإيضـاح والاسـتقلال » (1).
والمتحصّـل من كلام الخضري أنّه يحدّ عطف البيان بأنّه : التابع الجامد الذي يوضّح المتبوع أو يخصّـصه.

* * *

____________
(1) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 2 | 617.