مـصطلحـات نحـويّـة
|
السـيّد علي حسـن مطر
التوكيد لغةً : « مصدر وكّد العقدَ والعهدَ : أوثقه ، والهمزُ فيه لغة ، يقال
أوكدتّه وأكّدتّه وآكدتّه إيكاداً ، وبالواو أفصح ، أي : شـددته ، وتوكّد الأمر
وتأكّد بمعنى... ووكّد الرحلَ والسرجَ توكيداً : شـدّه » (1).
قبل أن يستقرّ لفظ (التوكيد) عنواناً للمعنى الاصطلاحي النحوي
اسـتعمل النحاة ألفاظاً متعدّدة للتعبير عن هذا المعنى ، فعبّر سـيبويه (ت
180 هـ) عنه بـ : (التوكيد ، والصفة ، والبدل) (2)..
وعبّر عنه الفرّاء (ت 207 هـ) بـ : (التشديد) (1)..
وعبّر عنه المبرّد (ت 285 هـ) بـ : (التوكيد ، والنعت ، والصفة) (2).
وقد قسّم النحاة التوكيدَ إلى : لفظي ومعنوي ، والأوّل يحصل بتكرار
لفظ المؤكّد مفرداً أو جملة ، ويحصل الثاني بألفاظ مخصوصة وهي : النفس
والعين وكلّ وكلا وكلتا وجميع وأجمع وجمع وأجمعون وجمعاء.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه القسمة لم تكن واضحة ومحدّدة منذ
البداية ؛ فإنّنا نجد ابن السرّاج (ت 316 هـ) يقول : التأكيد قسمان : أوّلهما
تأكيد « بتكرير الاسم ، نحو : رأيت زيداً زيداً ، رأيت زيداً نفسَـه...
[ وثانيهما ] ما يجيء للإحاطة والعموم ، تقول : جاءني القوم أجمعون...
وجاءني القومُ كلّهم » (3) ، فأدرج في القسم الأوّل التوكيد اللفظي وبعضاً من
التوكيد المعنوي في الاصطلاح الذي استقرّ في ما بعد ، وأدرج في القسم
الثاني ما تبقّى من التوكيد المعنوي.
ويردُ عليه إنّ قوله : ( بتكرير الاسم ) يجعل التوكيد اللفظي قاصراً عن
شمول جميع أفراده ؛ إذ يخرج عنه توكيد الفعل والحرف والجملة ، ولأجل
ذلك عبّر ابن معطي (4) وأبو علي الشلوبيني (5) عن التوكيد اللفظي بـ : ( تكرار
وأمّا أبو بكر الزبيدي (ت 379 هـ) فقد عبّر عن التوكيد بالنعت ،
وقسّمه إلى نعت إحاطة ونعت تخصيص ، وقال : « ونعوت الإحاطة : أجمع
وجمعاء... وكلّهم وكلّهنّ وكلاهما وكلتاهما... ونعوت التخصيص هي :
نفسه ونفسها وأنفسهما وأنفسهم وأنفسهنّ » (1).
وواضح أنّ هذه قسمة لخصوص التوكيد المعنوي.
وعبّر الزمخشري (ت 538 هـ) عن التوكيد اللفظي بالتوكيد الصريح ،
وعن المعنوي بالتوكيد غير الصريح (2).
ولعلّ ابن يعيش (ت 643 هـ) أوّل من قسّم التوكيد إلى لفظيّ
ومعنوي ، وأنّ « اللفظيّ يكون بتكرير اللفظ ، وذلك نحو قولك : ضربتُ
زيداً زيداً... وأمّا التأكيد المعنوي فيكون بتكرير المعنى دون لفظه ، نحو
قولك : رأيت زيداً نفسَه ، ومررت بكم كلّكم » (3).
وأمّا الحدّ الاصطلاحي للتوكيد ، فأقدم ما وجدته منه لابن جنّي (ت
379 هـ) ، وهو : « لفظ يتبع الاسمَ المؤكَّد لرفع اللبس وإزالة الاتّساع » (4).
ومراده : أنّه يتبعه في الإعراب ، والظاهر من قوله : (يتبع الاسم
المؤكد... إلى آخره) أنّه ناظر إلى تعريف خصوص التوكيد المعنوي دون
وأمّا ما ذكره بعض النحاة كابن بابَشاذ (ت 469 هـ) من أنّ : « التأكيد
هو : تمكين المعنى في النفس بإعادة لفظ أو معنى لفظ » (1) ، وابن معطي
(ت 628 هـ) من أنّه : « تحقيق المعنى في نفس السامع » (2) ، وغيرهما (3) ،
فهو بيان للتوكيد بمعناه المصدري بوصـفه فعلاً يحدثه المتكلّم ؛ ولا بيانَ
فيه لمعنى اللفظ المؤكّد الذي هو أحد التوابع الخمسـة.
وقد حدّ ابن عصفور (ت 669 هـ) التأكيد بأنّه : « لفظ يراد به تمكين
المعنى في النفس ، أو إزالة الشكّ عن الحديث ، أو المحدَّث عنه... فالذي
يراد به تمكين المعنى في النفس : التأكيد اللفظي... والذي يراد به إزالة
الشكّ عن الحديث : التأكيد بالمصـدر ، فإذا قلت : (مات زيدٌ موتاً) ارتفع
المجاز ، والذي يراد به إزالة الشكّ عن المحدّث عنه : التأكيد بالألفاظ التي
يبوّب لها في النحو ، وهي : للواحد المذكَّر : نفسُـهُ وعينُـهُ وكلُّـه... » (4).
ويلاحظ عليه : إنّ إدخاله المفعول المطلق وهو من المنصوبات في
باب التوكيد الذي هو من التوابع غير سديد.
ب ـ البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، الإشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي 1 | 361.
ب ـ شرح جمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1 | 262 ـ 264.
وأمّا ابن الحاجب (ت 646 هـ) فقد حدّ التوكيد بأنّه : « تابع يقرّرُ أمرَ
المتبوع في النسبة أو الشمول » (1).
« والتقرير ههنا : أن يكون مفهوم التأكيد ومؤدّاه ثابتاً في المتبوع ،
ويكون لفظ المتبوع يدلّ عليه صريحاً ، كما كان معنى (نفسـه) ثابتاً في
قولك : جاءَني زيدٌ نفسه ؛ إذ يفهم من زيدٍ نفس زيد... ثمّ إنّ التأكيد يقرّرُ
ذلك الأمرَ ، أي : يجعله مستقرّاً متحقّقاً بحيث لا يظنّ به غيره » (2).
وقد « أخرج المصنّف الصفة والعطف والبدل عن حدّ التأكيد بقوله :
« يقرّرُ أمرَ المتبوع » ، أمّا البدل والعطف فظاهر خروجهما به وأمّا الصفة ؛
فلأنّ وضعها للدلالة على معنىً في متبوعها وإفادتها توضيح متبوعها في
بعض المواضع ليست بالوضع ، وأمّا عطف البيان فهو لتوضيح متبوعه ، فهو
يقرّرُ أمرَ المتبوع ويحقّقه لكن لا في النسبة والشمول » (3).
وظاهر كلام ابن الحاجب أنّه يريد بهذا الحدّ التوكيد بكلا نوعيه
اللفظي والمعنوي ؛ ذلك أنّه طرح هذا الحدّ في الكافـية ثمّ عقّبه بتقسيم
التوكيد إلى لفظي ومعنوي ، وكذلك صنع في الوافـية وهي أُرجوزته التي
نظـم بها الكافـية ؛ إذ قال :
وعلى هذا جرى كلّ من الرضيّ والجامي في شرحهما للكافية ،
ب ـ شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2 | 357.
ج ـ الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة الرفاعي 2 | 56.
وممّن تابع ابن الحاجب على حـدّه المذكور ابن هشام (ت
761 هـ) (2) …ف وجمال الدين الفاكهي (ت 279 هـ) (3) ، إلاّ أنّهما خصّاه بالتوكيد
المعنوي.
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فإنّه قسّم التوكيد أوّلاً إلى معنوي
ولفظي ، وطرح حدّين للتوكيد المعنوي :
* أوّلهما : أنّه « تابع يعتضد به كون المتبوع على ظاهره ؛ فإنّ ذكر
(النفس) في قولك : (قَتلَ الأميرُ نفسُـه كافراً) يرفع احتمال كون القتل
بالأمر لا بالمباشرة ، وإذا ارتفع احتمال التأويل اعتضد الظهور ، وكذا ذكر
كلّهم في قولك : (جاء بنو فلانٍ كلُّهم) يرفع احتمال وضع العام في موضع
الخاصّ » (4).
وقد تابعه على هذا الحدّ كلّ من السيوطي (ت 911 هـ) (5)
والفاكهي (6) ، إلاّ أنّ هذا الأخير جعله شاملاً لكلّ من التوكيد اللفظي
ب ـ الفوائد الضيائيّة 2 | 56.
ويقاربه حدّ الأشموني (ت 900 هـ) بأنّه : « التابع الرافع احتمال إرادة
غير الظاهر » (1).
وعقَّب عليه الصبّان بقوله : « وإنّما اقتصر الشارح على رفع الاحتمال
المذكور ؛ لأنّ رفع توهّم السهو والغلط إنّما يكون بالتأكيد اللفظي... وخرج
بقوله : (الرافع... إلى آخره) ما عدا التوكيد حتّى البدل ؛ فإنّه وإن رفع
الاحتمال في نحو : مررت بقومِك كبيرهم وصغيرهم ، أوّلهم وآخرهم ،
إلاّأنّ ذلك عارض نشأ من خصوص المادّة » (2).
وأمّا الحدّ الثاني الذي طرحه ابن مالك للتوكيد المعنوي فهو : « التابعُ
الرافع توهّم إضافةٍ إلى المتبوع ، أو أن يراد به الخصوص ، ومجيئه في
الغرض الأوّل بلفظ النفسِ والعينِ... ومجيئه في الغرض الثاني تابعاً لذي
أجزاءٍ يصحُّ وقوعُ بعضها موقعه مضافاً إلى ضميره بلفظ كلّ أو جميع أو
عامّة... » (3).
وتابعه على هذا الحدّ ابنه بدر الدين (ت 686 هـ) (4).
وأمّا التوكيد اللفظي فقد حدّه ابن مالك بأنّه : « إعادة اللفظ أو تقويته
بموافقه معنىً » (5) ، ووجه الضعف فيه أنّه حدّ للتوكيد بمعناه المصدري
الذي هو فعل المتكلّم ، وليس حدّاً للفظ المؤكّد الذي هو أحد التوابع ، وقد
أخذ به الأشموني وقال في شرحه : « التوكيد اللفظي هو إعادة اللفظ أو
وأخذ بهذا الحدّ أيضاً كلّ من الفاكهي (2) والمكودي (ت 108 هـ) ،
إلاّ أنّ هذا الأخير اختزله بقوله : « إعادة اللفظ بموافقه » ولم يحصر الموافقة
بكونها في المعنى ؛ « لأنّ الموافقة تارة تكون باللفظ والمعنى نحو : أُدرجي
أُدرجي ، وأُخرى بالمعنى دون اللفظ نحو : أنت بالحقّ جدير قَمِنٌ » (3).
وأمّا ابن عقيل (ت 769 هـ) فقد حدّ التوكيد بمعناه المصدري
أيضاً ، فقال : « هو تكرار اللفظ الأوّل » (4) ، وعقّب عليه الخضري في
حاشـيته بأنّ تكرار اللفظ الأوّل يكون « أمّا بعينه كما مثّلَه ، ولا يضّر فيه
بعضُ تغيير نحو : ( فمهِّل الكافرين أمهلهم ) (5)... أو بمرادفه كقوله :
أنت بالخيرِ حقيقٌ قَمِنٌ » (6).
وأمّا ابن هشام (ت 761 هـ) فإنّه حدّ التوكيد بأنّه : « اللفظ المكرّر به
ما قبله » (7) ، وهو حدّ للتوكيد بوصفه تابعاً ؛ لأنّه « مبنيّ على أنّ المراد به :
ولم أجد بعد هذا تجديداً في حـدّ التوكيد لدى النحاة المتأخّـرين.
*
*
للعطف في اللغةِ عدّة معانٍ أهمّها : « الرجوع ، والانصراف ،
والإشفاق ، والميل » (1) ، والمعنى الأوّل هو أنسب المعاني اللغوية بالمعنى
الاصطلاحي ، قال الصبّان : « وسمّي هذا التابع عطف البيان ؛ لأنّ المتكلّم
رجع إلى الأوّل فأوضحه به » (2).
عبّر سيبويه (ت 180 هـ) عن عطف البيان بأربعة عناوين ، وهي :
الصفة ، والبدل ، والعطف ، وعطف البيان (3).
وقد ورد تعبيره بـ (عطف البيان) في قوله : « وتقول : يا زيدُ زيدُ
الطويل... وقال رؤبة :
وأمّا قول رؤبة فعلى أنّه جعل نصراً عطفَ البيان (5) ونصبه ، كأنّه على
=
وفـي معـرضِ التعريـف بالمعـنى الاصـطلاحي لعطف البـيان قال
ابـن السرّاج (ت 316 هـ) : « عطف البيان كالنعت والتأكيد في إعرابهما
وتقديرهما ، وهو مبيّن لِما تجريه عليه كما يبيّنان ، وإنّما سمّي عطفَ البيان
ولم يُقَل نعتٌ ؛ لأنّه غير مشتقّ من فعل ، ولا هو تحلية ، ولا ضرب من
ضـروب الصفات... وهو مفرّق بين الاسم الذي يجري عليه وبين ما له
مثلُ اسمه ، نحو : رأيتُ زيداً أبا عمرٍو » (2).
وعرّفه أبو عليّ الفارسي (ت 377 هـ) بقوله : « عطف البيان أن يجري
الاسم الذي ليس بحليةٍ ولا فعلٍ ولا نسب على الاسم الذي قبله ، فيبيّنه كما
تبـيّنُ هذه الأشـياءُ التي هي صفـات ما تجـري عليه ، وذلك نحـو : رأيتُ
أبا عبـدالله زيداً » (3).
وحدّه ابن جنّي (ت 393 هـ) بقوله : عطفُ البيان « أن تقيم الأسماءَ
الصريحة غير المأخوذة من الفعل مقام الأوصاف المأخوذة من الفعل ،
تقول : قامَ أخوك محمّـدٌ » (4).
وهو حدّ لعطف البيان بمعناه المصدري بوصفه عملاً يمارسـه
المتكلّم ، ومراده بالأسماء الصريحة : الأسماءُ الجامدة غير المشـتقّة ، تحرّزاً
من دخول النعت في الحدّ.
وحدّه ابن برهان العكبري (ت 456 هـ) قائلاً : « عطف البيان يتعلّق
بالاسم تعلّق الصفة ، ويفارق الصفة بأنّه غير مشتقّ ، فإذا كان الاسم مشتقّاً
أو في معنى المشـتقّ سمّاه النحويّون صفةً ، وإذا كان جوهراً غير مشتقّ
سـمّوه عطف بيان » (1).
وقال ابن بابَشاذ (ت 469 هـ) : إنّه ما « يجري مجرى النعت ، إلاّ إنّه
يكون بغير المشـتقّ » (2).
وهو بنفس مضمون حدّ ابن برهان ، لكنّه أخصر منه.
والملاحظ إلى الآن أنّ اهتمام النحاة منصبّ على الاحتراز عن دخول
النعت في حدّ عطف البيان ، دون الالتفات إلى إخراج بقيّة التوابع كالبدل في
نحو : جاءَني أخوك زيدٌ ، فإنّ زيداً يصحّ إعرابه بدلَ كلّ من أخيك ، كما
يصحّ إعرابه عطف بيان.
وأمّا الجرجاني (ت 471 هـ) فقد حدّه بقوله : عطف البيان « هو الاسم
الذي يكون الشيء به أعرف ، فيبيَّنُ به غيره ، كقولك : مررتُ بأخيكَ زيدٍ ،
بيّنتَ الأخ بزيدٍ ، و [ مررتُ ] بزيدٍ أبي عبـدالله ، إذا كان معروفاً بكنيته ،
وبأبي عبـدالله زيدٍ ، إذا كان معروفاً بالاسم » (3).
وحدّه الزمخشريّ (ت 538 هـ) بأنّه : « اسم غير صفة يكشف عن
المراد كشفها ويُنزّل من المتبوع منزلة الكلمة المستعملة من الكلمة الغريبة
إذا ترجمت بها ، وذلك نحو قوله : أقسمَ بالله أبو حفص عمر... فهو كما
ترى جارٍ مجرى الترجمة حيثُ كشفَ عن الكنيةِ لقيامه بالشهرةِ دونها...
أحدهما : قول المرّار : أنا ابنُ التاركِ البكريّ بشرٍ... لأنّ بشراً لو
جُعل بدلاً من البكريّ ، والبدلُ في حكم تكرير العامل ، لكان التارك في
التقدير داخلاً على بشرٍ (1).
والثاني : إنّ الأوّل ها هنا هو ما يعتمد بالحديث ، وورد الثاني من
أجلِ أن يوضّح أمره ، والبدل على خلاف ذلكرحمه الله إذ هو... المعتمد
بالحديث والأوّل كالبساط لذِكره » (2).
ويلاحظ أنّ الحاجة إلى هذا التعقيب الخارج عن مضمون الحدّ ،
لبيان وجه الفرق بين عطف البيان وبين البدل ، تكشف عن قصور الحدّ وأنّه
ليس مانعاً من دخول الأغيار.
وحدّه المطرّزي (ت 610 هـ) بنفس مضمون حدّ الزمخشري ، فقال :
إنّه « اسم غير صـفة يجري مجرى التفسير » (3).
وحدّه ابن معطي (ت 628 هـ) بقوله : « هو اسم يفسّـره اسم كما
يفسّـره النعتُ ، إلاّ إنّه ليس مشتقّاً ولا في حكم المشتقّ ، فأشبه البدل ،
والفرق بينهما أنّه لا ينوي فيه إحلال الثاني محلّ الأوّل » (4).
ويلاحظ أنّ عبارتـه وإن أعطت صورة عن عطف البيان ، إلاّ إنّها
ليست حدّاً لـه بمعناه المصـدري ، ولا بوصـفه لفظاً تابعاً ، وكان المناسب
أن يقول : (هو اسم يفسّـرُ اسماً) ليكون حدّاً لعطف البيان بوصفه أحد
وحدّه الشلوبيني (ت 645 هـ) بأنّه : « الاسم الجاري على اسم قبله
يبيّنه كما يبيّنه النعت ، إلاّ إنّه لا يكون نعتاً ؛ لمانع عدم الاشتقاق أو معناه
فيه ، والمقصود من الاسمين الأوّل ، والفرق بينه وبين البدل ما ذكرناه من
معناه (1) غك ، وفي اللفظ يقع في باب النداء ، نحو : يا عبـدَالله زيداً ، على
العطفِ المبيّن ، ويا عبـدَالله زيدٌ ، بالضمّ على البدل » (2).
وفيه شيء من الإطالة ، وهو أقرب إلى شرح حقيقة المعرّف ، منه إلى
الحدّ الفنّي المبيّن لذاتيات المحدود بالجنس والفصل.
وحدّه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بقوله : « عطف البيان تابع غير صفة
يوضّح متبوعه ، مثل : أقسمَ بالله أبو حفصٍ عمر ، وفصله من البدل لفظاً في
مثلِ : أنا ابنُ التاركِ البكريّ بِشْرٍ » (3).
وهو أوّل حدٍّ يؤخذ فيه (التابع) جنساً لعطف البيان ، وقال الرضيّ
في شرحه : « قوله : (يوضّـح متبوعه) يخرج التأكيدرحمه الله لأنّه لا يوضّحُ المؤكّد ،
بل يحقّق أصل نسبته ، أو شمول النسبة لأجزائِه ، وعدمُ إيضاح المنسوق
[ عطف النسق ] لمتبوعه ظاهر (4) ، وكذا البدل عند النحاةرحمه الله لأنّ الأوّل عندهم
في حكم الطرح وفي حكم المعدوم ، فلم يبق إلاّ الصفة وعطف البيان ،
فلمّا قال : (غير صفة) خرجت الصفة » (5).
ب ـ شرح الوافية نظم الكافية ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي : 270.
وقال الرضيّ في بحث البدل : « وأنا إلى الآنَ لم يظهر لي فرق جليّ
بيـن بـدل الكلّ مـن الكـلّ ، وبيـن عطف البـيان ، بل لا أرى عطـف البيان
إلاّ البدل ، كما هو ظاهر كلامِ سيبويه ؛ فإنّه لم يذكر عطف البيان » (1).
أقـول :
تقدّم في بداية البحث أنّ سيبويه ذكر (عطف البيان) عنواناً للمعنى
الاصطلاحي ، وعبّر عنه أيضاً بالعطف والصفةِ والبدل ، وهذا يكشف عن
أنّ المعنى الاصطلاحي لم يستقرّ له عنوان محدّد حتّى ذلك الوقت ، وعليه
فلا يكون تعبيره بعنوان البدل ظاهراً في أنّه يرى عطف البيان هو البدل
الاصطلاحي ، كما أنّ تعبيره بعنوان الصفة لا يكون ظاهراً في أنّ عطف
البيان هو النعتُ اصطلاحاً.
هـذا ، وتحسـن الإشارة إلى أنّ ابـن الحاجب نفسـه كان قد التفت
إلى أنّه في بعضِ الموارد يمكن أن يعرب التابع عطفَ بيان وبدلاً أيضاً ،
وأرجـع ذلك إلى اختلاف القصد ، قال : « فإن قلتَ : جاءني زيدٌ أبو عمرٍو ،
فقـد أوضـحتَ زيداً بأبي عمرٍو... [ فإذا ] قصدت إيضاح الأوّل بالثاني ،
فهـو عطـف بـيان لا بـدل ، والأوّل هو المقصـود ، وإن قصـدت أنّ الثاني
هـو المقصـود بالنسـبة ، والأوّل كالتوطـئةِ لـه ، كان بدلاً لا موضّحاً
للأوّل » (2).
وحدّه ابن عصفور (ت 669 هـ) بأنّه : « جريان اسم جامدٍ معرفة على
اسم دونه في الشهرة أو مثله ، يبيّنه كما يبيّنه النعت ، ولا يشترط فيه أن
ويلاحظ عليه :
أوّلاً : إنّ قوله : « ولا يشترط فيه... إلى آخره » لا يناسب قوله : « اسم
جامد » بل المناسب له أن يقول : ويشترط فيه أن لا يكون مشتقّاً ولا في
حكمه.
ثانياً : إنّه يرى جواز كون عطف البيان مساوياً للمتبوع في الشهرة ،
خلافاً لمن اشترط كونه أخصّ وأشهر من المتبوع ، « قال في شرح الكافية :
واشترط الجرجاني والزمخشري زيادة تخصـيصه ، وليس بصحيحرحمه الله لأنّه في
الجامد بمنزلة النعت في المشتقّ ، ولا يشـترط زيادة تخصّـص النعت ، فكذا
عطف البيان » (2).
وقد نقل السيوطي عن ابن حيّـان قوله : « شرط ابن عصفور أن يكون
عطف البـيان أعرف من متبـوعه » (3) ، وهذا النـقل منـافٍ لِمـا أثبتـناه عن
ابن عصفور في حدّه لعطف البيان ، ولعلّ له رأياً آخر بهذا الشأن مذكور في
غير كتاب المقـرّب.
وأمّـا ابن مالك (ت 672 هـ) فقـد حدّ عطف البيان بأنّه : « التابع
الجاري مجـرى النعت فـي ظهور المتـبوع ، وفي التوضـيح والتخصـيص ،
جامداً أو بمنزلته » (4).
فقوله : « (الجاري مجرى النعت في ظهور المتبوع) أخرج به النعتَ
وقد أشار ابن مالك بعد ذِكره هذا الحدّ إلى أنّ هناك موارد لا يمكن
فيها إعـراب عطف البـيان بدلاً حتّى تبعاً لاخـتلاف القصـد ، كما لو « قُـرِنَ
بـ (أل) بعد منادى ، أو تَبع مجرّداً بإضافة صفة مقرونة بـ (أل) وهو غير
صالحٍ لإضافتها إليه ، وكذا إذا أُفردَ تابعاً لمنادى » (2).
وحدّه ابن الناظم (ت 686 هـ) بأنّه : « التابع الموضّـح والمخصّـص
متبوعه ، غير مقصودٍ بالنسبة ، ولا مشتقّاً ولا مؤوّلاً بالمشتقّ...
فخرج بقولي : (الموضّح والمخصّص) التوكيد وعطف النسق ،
وبقولي : (غير مقصود بالنسبة) البدل ؛ لأنّه في نيّة تكرار العامل...
وبقولي : (ولا مشتقّاً ولا مؤوّلاً بالمشتقّ) النعت » (3).
وحدّه أبو حيّـان (ت 745 هـ) بحدّين :
أوّلهـما : إنّه « تابع أشهر من متبوعه ، نحو : جاءَ أبو حفصٍ عمر ، إذا
كان عمر أشهر من الأوّل » (4).
ويلاحظ عليه : إنّه لم يقيّده بكونه جامداً أو غير مشتقّ ، فلا يكون
مانعاً من دخول ما يخرج بهذين القيدين.
وثانيهـما : « هو التابع لمثله أو دونـه في الشـهرة جامـداً » (1) ، وهو
مقارب لحدّ ابن عصفور مضموناً.
وحدّه ابن هشام (ت 761 هـ) بحدّين أيضاً :
أوّلهـما : إنّه « تابع غير صفة يوضّح متبوعه أو يخصّـصه » (2).
وهو مماثل لحدّ ابن الحاجب المتقدّم مضافاً إليه قيد (أو يخصّصه) ،
وقال في شرحه : « وقولي : (غير صفة) مخرج للصفة ؛ فإنّها توافق عطف
البـيان في إفادة توضيح المتبـوع إن كان معرفة وتخـصيصه إن كان نكرة ،
فلا بُـدّ من إخراجها وإلاّ دخلت في حدّ [ عطف ] البيان ، وقولي : (يوضّح
متبوعه أو يخصّصه) مخرج لِما عدا عطف البيان » (3).
أقـول :
إنّ تقييد عطف البيان بكونه (غير صفة) ؛ لإخراج الصفة في هذا
الحدّ وغيره ، ليس فنّـيّاً ؛ لأنّ المطلوب في الحدّ بيان ذاتيّات المحدود بنحوٍ
يميّز الأفراد الداخلة فيه عن الخارجة عنه ، ولو كانت طريقة الاستثناء في
تمييز عطف البيان عن بقية التوابع صحيحة ، لكان بالإمكان منذ البداية أن
نقول في حدّه : إنّه تابع غير صفة ولا توكيد ولا بدل ولا عطف نسق.
وثانيهما : إنّه « تابع موضّـح أو مخصّـص جامد غير مؤوّل » (4).
وهو بمضمـون حدّ ابن الناظم المتـقدّم نفسـه ، إلاّ إنّه لم يذكر فيه
وممّا ذكره في شرحه : « وقولي : (غير مؤوّل) مخرجٌ لِما وقع من
النعوت جامداً ، نحو : (مررتُ بزيدٍ هذا) و (بقاعٍ عرفجٍ) ؛ فإنّه في تأويلِ
المشـتقّرحمه الله ألا ترى أنّ المعنى : مررتُ بزيدٍ المشار إليه ، وبقاعٍ خَـشِـنٍ » (3).
وقد أشار ابن هشام إلى أنّه لا يمكن إعراب عطف البيان بدلاً إذا
« امتنع الاستغناءُ عنه ، نحو : هندٌ قامَ زيدٌ أخوها (4) ، أو [ امتنع ] إحلاله محلّ
الأوّل (5) طن ، نحو : يا زيدُ الحارثُ » (6).
وحدّه ابن عقيل (ت 769 هـ) بأنّه : « التابع الجامد المشبه للصفة في
إيضاح متبوعه وعدم استقلاله... فخرج بقوله : (الجامد) الصفة ؛ لأنّها
مشـتقّة أو مؤوّلة به ، وخرج بما بعد ذلك : التوكيد ، وعطف النسق ؛ لأنّهما
لا يوضّحان متبوعهما ، والبدل الجامدُرحمه الله لأنّه مستقلّ » (7).
وقد عقّب الخضري على كلام ابن عقيل بأنّ : « ظاهره إنّ البدل خرج
بعدم الاستقلال دون ما قبله ، وليس كذلك ؛ لأنّه يخرج بقيد الإيضاح
أيضاً ، فلا حاجـة لذِكر الاسـتقلال ، ولا يـرد على إخراجه أنّ كلّ عطف
بيان يصـحّ بدلاً ؛ لأنّ جواز الأمرين منزّل على مقصـدي الإيضـاح
والاسـتقلال » (1).
والمتحصّـل من كلام الخضري أنّه يحدّ عطف البيان بأنّه : التابع
الجامد الذي يوضّح المتبوع أو يخصّـصه.
*
*