ومن توغّل في مناصبة آل الرسول عليهم الصلاة والسلام لا يستبعد
مـنه أن يصـرف مناقبـهم عنهم ويعزوها إلى غيرهـم ، أو ينفيها من رأسٍ ،
أو يضع لأعداء الله ورسوله ما يعارضها ويناقضها.
وابن بكّار متّهم في نقله هذا ؛ إذ إنّ ولادة أمير المؤمنين عليه السلام في
الكعبة أمر اختصّه به ربّ البيت جلّ وعلا ، فكيف يطيق الزبير ـ وأضرابه ـ
الصبر على ذلك ، ويدع تلك الخصيصة بكراً لم تمسّها يد خيانة وإثم ، بل
ديدن أُولئك النواصب ـ والعياذ بالله ـ السعي في إطفاء نور الله تعالى ،
( ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نورَه ولو كره الكافرون ) (1)..
فلا ينثنون عن الاجتهاد في صَرف المناقب والفضائل عن أهلها إلى
من ليس أهلاً لها ممّن انكشف أمره وظهرت سريرته.
وحسبُك تصديقاً لذلك ما أخرجه أحمد بن حنبل في فضائل
الصحابة ، قال : حدّثنا عبـد الرزّاق ، قال : أنا معمر ، قال : سألت الزهري :
مَن كان يكتب الكتاب يوم الحديبية؟
فضحك وقال : هو عليّ ، ولو سألت هؤلاء ـ يعني بني أُميّة ـ قالوا :
عثمان (2).
وقد عمد كَذَبَتُهم إلى معارضة الأحاديث الواردة في فضل عليٍّ وأهل
البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فوضعوا لأعدائِهم مثلها ، وكالوا
لهم بمكيال الجزاف ما كالوا ـ كما لا يخفى على من ألمَّ بطرف من أحاديث
الفضائل وسبر غورها ـ امتثالاً لأمر معاوية ـ ابن آكلة الأكباد ، اللعين ابن
وإذا أمعنت النظر في ما سقناه لك لا أظنّك ترتاب ـ بعدئذٍ ـ في أنّ
حديث ولادة حكيم بن حزام في الكعبة ممّا قُصد به مناقضة هذه المنقبة
الشـريفة ، والخصيصـة المنيـفة التي ثبتت لأمير المؤمنين الإمـام عليّ بن
أبي طالب عليه السلام.
فأيّ وزنٍ يقام لمثل هذه المفتعَلات ، لا سيّما من مثل هذا الناصب
العنيد ، فتنبّه لذلك ـ يرحمك الله ـ فإنّه ممّا تنكشف به حقيقة الأمر في هذا
المقام ، والله سبحانه وتعالى وليّ الهداية والتوفيق.
وأمّا الجهة الثالثة :
فإنّ مصعب بن عثمان بن عروة بن الزبير بن العوّام ، الذي روى عنه
الزبير بن بكّار مجهول الحال لا يعرف عنه شيء ، وهو إن لم يكن كصاحبه
الزبـير فلن يكون أهون منه شـرّاً ، فإنّ آل الزبير شـجرة خبيثة ملعونة ، كما
لا يخفى على من وقف على مشاهدهم مع آل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
هـذا ، مضافاً إلى أنّ مصعب بن عثمان الزبيري يروي في الجمهرة
عن عامر بن صالح بن عبـدالله بن عروة بن الزبير ، وقد قال فيه ابن معين :
كان كذّاباً ، وقال فيه أيضاً : كذّاب خبيث ، عدوّ الله.
وقال ابن عديّ : عامّة حديثه مسروق من الثقات ، وأفراد ينفرد بها.
وقال الأزدي : ذاهب الحديث.
وقال ابن حبّان : كان يروي الموضوعات عن الثقات..
وغير ذلك ممّا تجده مسطوراً بترجمته في تهذيب الكمال وسير
أعلام النبلاء وتهذيب التهذيب (1).
ومصعب هذا هو الواسطة بين الزبير وبين عامر بن صالح ، ولا إخاله
يقصر عنهما في شيءٍ من ذلك ، فكيف يُعتمد على كتاب الزبير مع هذا
الذي بيّـنّـا لك من حاله وكشفنا عن مكنون أمره.
وليت شعري كيف تقوم الحجّة بمثل هذا الإسناد المشتمل على
أشقياء النواصب؟!
أم كيف يُركن إلى ذلك القول ويحتفل به ومصعب بن عثمان لم
يدرك ولادة حكيم بن حزام التي كانت قبل الإسـلام ، ولم يُعلَم المحكي
عنه في هذا النقل؟!
ومن هنا يظهر لك ما في كلام مَن حكينا عنه القول بولادة حكيم بن
حزام في بيت الله الحرام في أوائل هذا الباب مرسلاً إيّاه إرسال المسلّمات ،
وملقياً القول في ذلك على عواهنه من دون تدبّر فيه!
فهذا الخبر ظاهر النكارة ، جليّ الشذوذ ، بيّن الإرسال ، وما هذا حاله
* وممّن روى ولادة حكيم بن حزام في جوف الكعبة : أبو عبـدالله
الحاكم النيسابوري في كتابه المستدرك على الصحيحين..
قال : سمعت أبا الفضل الحسن بن يعقوب ، قال : سمعت أبا أحمد
محمّـد بن عبـد الوهّاب يقول : سمعت عليّ بن عثّام العامري يقول : وُلد
حكيم بن حزام في جوف الكعبةرحمه الله دخلت أُمّه الكعبة ، فمخضت فيها ،
فولدت في البيت (2).
قلـت :
مع إنّ القول بولادة حكيم بن حزام في البيت الحرام شاذٌّ ، لم يذهب
إليه إلاّ شرذمة قليلة لا يعبأ بهم ، فإنّ ذلك مجرّد دعوىً من ابن عثّام ، وغاية
ما هنالك أنّه قد يكون بلغه القول بولادة حكيم بن حزام في جوف البيت
العتيق ـ زاده الله شرفاً ـ عمّن لا يقصر حاله عن مثل أشقياء آل الزبير
وأضرابهم من المنافقين الناصبين ، وإلاّ فمجرّد قول ابن عثّام لا تقوم به
حجّة ألبتّـة..
هـذا ، مع إنّ أبا الحسن عليّ بن عثّام بن عليّ العامري الكلابي
الكوفي أكثر ما حمل عنه الحكايات ، والزهديّات ، والتفسير ، وأقاويله في
الرجال (3).
وأنت خبير بأنّ من أصناف الوضّاعين قوم يُنسبون إلى الزهد كما هو
مذكور في كتب الموضوعات (1) ، ولست أعني أنّ كلّ زاهدٍ وضّاع ـ حاشا
لله ـ بل المقصود أنّ أكثر هؤلاء القوم لا يتحاشون الكذب ولو على الله
ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يتحرّجون من ذلك ؛ لتظاهرهم بالزهد وهم خلوٌّ منه في
الوقت نفسه!
وقد ذكر شيخنا العلاّمة الأميني ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه الغدير
طائفة من أُولئك الزهّاد الكذّابين والمتقشّفين الوضّاعين (2).
وقال يحيى بن سعيد القطّان : لم نرَ الصالحين في شيءٍ أكذب منهم
في الحديث (3).
وقال أيضاً : ما رأيت الكذب في أحدٍ أكثر منه في من يُنسب إلى
الخير والزهد (4).
فلا يبعد أن يكون إخبار ابن عثّام من هذا القبيل جرياً على ديدن
زهّاد ذلك الزمان ، أو أن يكـون قلّد في ذلك بعض من سبقه ممّن يقول
* جعفر بن الزبير ؛ قال عنه ابن حبّان : يروي عن القاسم وغيره أشياء
موضوعة ، وكان ممّن غلب عليه التقشّف. تهذيب التهذيب 2 | 92 طبعة حيدر آباد
الدكن ، اللآلئ المصنوعة 1 | 17.
* إبراهيم بن محمّـد الآمدي الخوّاص ؛ أحد الزهّاد ، قال ابن طاهر : أحاديثه
موضوعة. لسان الميزان 1 | 99 رقم 294 طبعة حيدر آباد الدكن.
* معلّى بن صبيح الموصلي ؛ قال ابن عمّار : كان من عبّاد الموصل ، وكان
يضع الحديث ويكذب. لسان الميزان 6 | 64 رقم 947 طبعة حيدر آباد الدكن.
وروى الحاكم النيسابوري في المستدرك أيضاً في باب مناقب حكيم
ابن حزام ، قال : أخبرنا أبو بكر محمّـد بن أحمد بن بالويه ، ثنا إبراهيم بن
إسحاق الحربي ، ثنا مصعب بن عبـدالله ـ وذكر نسب حكيم ـ ، قال : وأُمّه
فاختة بنت زهير بن أسـد بن عبـد العزّى ، كانت ولدت حكيماً في الكعبة
وهي حامل ، فضربها المخاض وهي في جوف الكعبة ، فولدت فيها ،
فحملت في نطع وغسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم..
قال : ولم يولد قبله ولا بعده في الكعبة أحد.
قال الحاكم : وَهَم مصعب في الحرف الأخير ، فقد تواترت الأخبار أنّ
فاطمة بنت أسـد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في
جوف الكعبة (1).
وقد تابع الذهبي في تلخيص المستدرك أبا عبـدالله الحاكم في تعقّبه
على مصعب ، وهذا يدلّ على إنّ ولادة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في الكعبة
أمر متسالم عليه ، حتّى إنّ الذهبي ـ على تعنّته ـ لم يسعه إلاّ إقرار الحاكم
على تعقّبه.
وبهـذا جاز حديث الولادة في الكعـبة القنطرة ؛ إذ سـلم من طعنه ،
ومـا ذلك إلاّ لاشـتهاره في الآفاق ، واجتماع الكلمة على صحّته بالاتّفاق.
وقد ظهرت في هذه الرواية نزعةٌ لرجلٍ من آل الزبير ، أعني مصعب
ابن عبـدالله بن مصعب بن ثابت بن عبـدالله بن الزبير أبو عبـدالله الزبيري ،
فإنّـه وإن لم يسـند ما ذكره إلى قائلٍ يوثَـق بقوله ويُسكَن إلى نقله ، بل
وبهذا ونظائره يتقرّر لديك صحّة ما أسلفناه في شأن آل الزبير
وأضرابهم بالنسبة إلى مناقب آل البيت الكرام ، عليهم أفضل الصلاة وأزكى
السلام ، وفضائلهم التي ملأت الخافقين.
وجُلّ أحاديث ولادة حكيم بن حزام في البيت الحرام ينتهي إسنادها
إلى شقيّ من أشقياء آل الزبير ، أخذ ذلك بعضهم عن بعض.
وأبو عبـدالله الحاكم وإن لم يردّ دعوى مصعبٍ وغيره ولادةَ ابن
حزام في البيت العتيق هنا صريحاً ، إلاّ إنّه صرّح بنفيها في ما أخرجه الإمام
الحافظ أبو عبـدالله محمّـد بن يوسف بن محمّـد الكنجي في كتابه كفاية
الطالب..
قال : أخبرنا الحافظ أبو عبـدالله محمّـد بن محمود النجّار ، بقراءتي
عليه ببغداد ، قلت له : قرأت على الصفّار بنيسابور ، أخبرتني عمّتي عائشة ،
أخبرنا ابن الشيرازي ، أخبرنا الحاكم أبو عبـدالله محمّـد بن عبـدالله الحافظ
النيسابوري ، قال : وُلد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بمكّة في بيت
الله الحرام ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجبٍ سنة ثلاثين من
عام الفيل ، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه ، إكراماً له
بذلك وإجلالاً لمحلّه في التعظيم (1).
* وممّن روى ولادة حكيم بن حزام في الكعبة البيت الحرام : أبو
الوليد محمّـد بن عبـدالله بن أحمد الأزرقي في كتابه أخبار مكّة وما جاء
فيها من الآثار..
قال : حدّثني محمّـد بن يحيى ، حدّثنا عبـد العزيز بن عمران ، عن
عبـدالله بن أبي سليمان ، عن أبيه : أنّ فاختة ابنة زهير بن الحارث بن أسـد
ابن عبـد العزّى ـ وهي أُمّ حكيم بن حزام ـ دخلت الكعبة وهي حامل
فأدركها المخاض فيها ، فولدت حكيماً في الكعبة ، فحُملت في نطع وأُخذ
ما تحت مَـثْبرها فغسل عند حوض زمزم ، وأُخذت ثيابها التي ولدت فيها
فجعلت لَقىً (1).
قلـت :
من وقف على كتاب الأزرقي وأمعن النظر في أسانيد أحاديثه وآثاره ،
ظهر له اشتمالها على مَن رُمي بالكذب واختلاق الحديث ، كمحمّـد بن
عمر الواقدي ، ومَن تركوا حديثه ، كعبـد العزيز بن عمران ، وغيرهما ممّن
لم يحتجّوا بحديثه ، وقد روى عنهم في مواضع كثيرة من كتابه المذكور ،
وهذا ممّا يوهن الاعتماد عليه ، ويوجب التثبّت في ما يرويه..
قال الشيخ محمّـد عبـد العزيز الخولي : للأزرقي كتاب في تاريخ
مكّة ، محشوّ بكثير من الأخبار الملفّقة والخرافات الموضوعة كثيراً ،
فليحذر المرء كثيراً من أمثلة هذه الكتب (2).
والمنصف اللبيب إذا نظر في إسناد هذه الرواية علم أنّه ممّا لا تقوم
* أمّا عبـد العزيز بن عمران بن عبـد العزيز بن عمر بن عبـد الرحمن
ابن عوف الزهـري المدنـي الأعرج ، المعـروف بابن أبي ثابت ؛ فقد نصَّ
ابن معين على أنّه لم يكن من أصحاب الحديث.
وقال عثمان الدارمي ، عن يحيى : ليس بثقة.. وعنه أيضاً ، قال : قد
رأيته ببغداد وكان يشتم الناس ويطعن في أنسابهم ، ليس حديثه بشيء.
وقال محمّـد بن يحيى الذهلي : عَلَيَّ بدنة إنْ حدّثت عنه حديثاً.
وضعّفه جدّاً.
وقال البخاري : منكَر الحديث ، لا يُـكتب حديثه.
وقال النسائي : متروك الحديث.. وقال مرّةً : لا يُـكتب حديثه.
وقال ابن حبّان : يروي المناكير عن المشاهير.
وقال أبو حاتم : ضعيف ، منكَر الحديث جدّاً.
وقال ابن أبي حاتم : امتنع أبو زرعة من قراءة حديثه ، وتركَ الرواية
عنـه.
وقال الترمذي والدارقطني : ضعيف (1).
* وأمّا عبـدالله أبي سليمان الأُموي ، مولى عثمان أبي أيّوب ؛ فمتّهم
في نقله ؛ لانتسابه إلى بني أُميّة ، الشجرة الملعونة في القرآن (2).
تفسير ابن جزّي الكلبي 2 | 174 ، تفسير القرطبي 10 | 183 ـ 481 ، تفسير
الفخر الرازي 20 | 239 ، زاد المسير 5 | 40 ـ 42 ، البحر المحيط 6 | 54 ـ 55 ،
=
فظهر من جميع ما ذكرنا أنّ روايـة الأزرقي سـاقطة ، لا يؤخذ بها
ولا يعرّج عليها ، والله الموفّق والمستعان.
ثمّ اتّفق لي أن رأيت في كتاب جمهرة النسب من كتب أبي المنذر
هشام بن محمّـد بن السائب الكلبي ما هذا لفظه : حكيم بن حزام بن
خويلد ، عاش عشرين ومائة سنة ، وكانت أُمّه ولدته في الكعبة (1).
قلـت :
إنّ القوم قد شنّعوا على الكلبي وتكلّموا فيه فلم يرضَـوه..
فقد ذكره الذهبي في تذكرة الحفّاظ وقال : أحد المتروكين ، ليس
بثقة ، ثمّ رماه بالرفض (2)..
وقال بترجمته في ميزان الاعتدال وسير أعلام النبلاء : قال الدارقطني
وغيره : متروك ، وقال ابن عساكر : رافضي خبيث (3).
وحكى الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ، عن يحيى بن معين أنّه
قال : غير ثقة ، وليس عن مثله يُروى الحديث..
وذكره العُقيلي وابن الجارود وابن السكن وغيرهم في الضعفاء (4).
وهـذا الكلام من أهل الجرح والتعـديل في ابن الكلبي حجّة ظاهرة
فـي ردّ ذلك النـصّ ودفـعه ؛ فلـم يبـقَ ـ والحمـد لله ـ متشبَّث للناصـبة ،
ولا مستمسك لدعواهم الباطلة في ولادة حكيم بن حزام في الكعبة
المشـرّفـة ، ( فقطـع دابـرُ القـوم الّذيـن ظلـموا والحمـد لله ربّ
العالمين ) (1).
هـذا ، وإنّا لنعلم أنّ تلك الطـعون وهاتـيك القوادح التـي رُمي بها
ابن الكلبي لم تُبْنَ على أصل متين ، ولا على أساس رصين ، وإنّما هي
شنشنة نعرفها من أخزم.
فإذا قيل في الرجل : « رافضـي » فقد قُضي عليه وأُهلك وإن كان أمير
المؤمنين في الحديث ، وأمّا إذا كان ناصبيّاً أو خارجيّاً سبّاباً لعليّ ـ والعياذ
بالله ـ قيل : هو صاحب سُـنّة ، ولنا صدقه وعليه بدعته ، وغير ذلك من
سفاسف أُمورهم ، كما لا يخفى على من وقف على كتبهم وعرف موازينهم
في الجرح والتعديل.
وبالجملـة ، فإنّما حكينا كلامهم في ابن الكلبي لتُقطع بذلك حجّة
النواصب وتُدحض ، ولئلاّ يطمعوا في روايته ، وإلاّ فنحن لا نحفل بشيءٍ
من تلك الأقاويل.
والذي يقوى في النفس ويكاد يجزم به كلّ بحّاثة لبيب ، وتتّفق عليه
كلمة أهل التحقيق والتنقيب ، أنّ عبارة : « وكانت أُمّه ولدته في الكعبة » من
دسّ بعض مَن لا خلاق له في الآخرة في كتاب الجمـهرة.
ويؤيّد ذلك أنّ نسخ الجمـهرة التي بأيـدي الناس اليوم هي من رواية
أبي سعيد الحسن بن الحسين السكّري ، عن شيخه أبي جعفر محمّـد بن
حبيب بن أُميّة البغدادي ، عن هشام بن محمّـد بن السائب الكلبي..
والسكّري قد زاد في متن جمهرة النسب أشياء نبّه على بعضها بقوله :
« قال أبو سـعيد » ، وزاد أشـياء أُخر لـم ينبّه على إنّها من زياداتـه لأمرٍ ما ،
الله أعلم بهرحمه الله فلذلك قد يظنّ بعض مَن لا فطنة له بدقائق الأُمور أنّها من
الأصل ، وليس كذلك (1).
وما نحن فيه من هذا القبيل ، إذ كيف يثبت ابن الكلبي في جمهرته
قولاً لم يذهب إليه إلاّ شواذّ الناس ـ ممّن لا يخفى أمره وحاله ـ في التشبّث
بتلك المقالة الواهية ، ويدع ذِكر ما اشتهر بين الخلائق وتواتر بين الأنام منذ
الصدر الأوّل.
وإذا كان هشام بن السائب رافضيّاً ـ كما زعموا ـ فإنّ الرافضة قد
اتّفقوا قولاً واحداً على أنّه لم يولد في الكعبة المعظّمة مولود سوى عليّ بن
أبي طالب عليه السلام لا قبله ولا بعده..
وحينئذٍ فإمّا أن يكون ابن الكلبي قد اقتصر في أصل الجمهرة على
ذِكر ولادة عليّ عليه السلام في البيت الحرام حسب ، أو ذَكر مع ذلك ولادة حكيم
ابن حزام قولاً ، أو أهمل ذكرهما جميعاً ، فينكشف بذلك تصرّف السكّري
وقبح صنيعه.
وليـته اقتصـر على كتاب هشام ، بل عمـد إلى كتاب المحبّـر لشيخه
ابن حبيب البغدادي ، فزاد عليه ودسّ فيه ما شاء ، دون أن ينبّه على
ومَن كان هذا ديدنه في تحريف المتون والتلاعب بها ، كيف يؤتمن
على روايته للكتب ويُعتمد على ما يحكيه من النصوص؟!!
ولا أحسبك تلتفت بعد ظهور أمره وانكشاف خيانته إلى ما لفّقه
الخطيب البغدادي في تاريخه إذ قال بترجمته : كان ثقة ديِّناً صادقاً (2)..
أو تصغِ إلى إطراء ياقوت الحموي إيّاه في معجم الأُدباء بقوله :
الراوية الثقة المكثر (3).
فالسكّري لم يكُ أميناً في ما يرويه كما اتّضح لك أمره ، وإذا ذهبت
أمانة الرجل ذهب منه كلّ شيءٍ ، والعياذ بالله.
هـذا ، وقد تحصّل من جميع ما سلف أنّ القول بولادة حكيم بن
حزام في بيت الله الحرام لا أصل له ، وأنّ هذه الأباطيل إنّما نصرت
بالبراطيل ، فلا مناصّ حينئذٍ من الإذعان بتفرّد أمير المؤمنين ، وقائِد الغرّ
المحجَّلين ، أسـد الله الغالب ، عليّ بن أبي طالب ، صلوات الله وسلامه عليه
بالولادة المباركة في البيت العتيق ، تشريفاً من الله وتكريماً ، وتبجيلاً له
وتعظيماً ، بشهادة ما تقدّم من كلام أعيان العلماء ، وأعلام المحقّقين
الفضلاء.
*
*
وافق الفراغ من تبييض هذه الرسالة ضحى يوم الاثنين ثالث عشر
شهر رجب الأصبّ ، من شهور سنة أربع عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة
النبويّة المباركة ببلدة « قـم » المقدّسـة ، على يد العبد محمّـد باقر المدعوّ
بالإلهيّ القمّي ، حامداً مصـلّياً مسـلّماً.
*
*
1 ـ أبو هريرة ، للإمام السـيّد عبـد الحسين شرف الدين ، ط المطبعة
الحيدريّة | النجف الأشرف ، سنة 1384 هـ.
2 ـ إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل ، للقاضي الشهيد السيّد نور الله المرعشي
التستري ، ط مكتبة السيّد المرعشي العامّة | قم.
3 ـ أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار ، لأبي الوليد محمّـد بن عبـدالله
الأزرقيّ ، ط منشورات الشريف الرضي | قم ، سنة 1411 هـ ، بالتصوير على طبعة
دار الأندلس | بيروت ، سنة 1403 هـ.
4 ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، لابن عبـد البرّ النمري القرطبي
ـ المطبوع بهامش الإصابة ـ الطبعة الأُولى سنة 1328 هـ.
5 ـ أُسـد الغابة في معرفة الصحابة ، لعزّ الدين ابن الأثير الجزريّ ، ط دار
الشعب ، سنة 1393 هـ.
6 ـ الإصابة في تمييز الصحابة ، للحافظ ابن حجر العسقلاني ، الطبعة
الأولى سنة 1328 هـ.
7 ـ الأمالي ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّـد بن الحسن الطوسيّ ، ط
حجريّة بطهران ، سنة 1313 هـ.
8 ـ إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون ( السيرة الحلبيّة ) ، لعليّ بن
برهان الدين الحلبيّ ، ط مكتبة مصطفى البابي الحلبي | مصـر.
9 ـ البحر المحيط في تفسير القرآن ، لمحمّـد بن يوسف أبي حيّان
الأندلسيّ ، ط مطبعة السعادة | القاهرة ، سنة 1328 هـ.
10 ـ تاريخ الأمم والملوك ( تاريخ الطبري ) ، لأبي جعفر محمّـد بن جرير
الطبري ، ط مصر.
11 ـ تاريخ بغـداد ، للخطيب البغدادي ، ط مطبعة السعادة | القاهرة ، سنة
1349 هـ.
12 ـ تاريخ الخلفـاء ، لجلال الدين السيوطي ، تحقيق محمّـد محيي الدين
عبـد الحميد ، ط مطبعة السعادة | القاهرة ، سنة 1371 هـ.
13 ـ تاريخ الخميس ، لحسين بن محمّـد الديار بكري ، ط مؤسّسة
شعبان | بيروت.
14 ـ تذكرة الحفّاظ ، للحافظ شمس الدين الذهبي ، ط حيدرآباد ، سنة
1377 هـ.
15 ـ تذكرة خواصّ الأُمّة في مناقب الأئمّة ، لأبي المظفّر يوسف بن
قزأوغلي المعروف بسبط ابن الجوزي ، ط مؤسّسة أهل البيت عليهم السلام | بيروت ، سنة
1401 هـ.
16 ـ تفسير القرآن العظيم ، لإسماعيل بن كثير الدمشقي ، ط دار العلم |
بيروت.
17 ـ التفسير الكبير ، لفخر الدين الرازي ، ط المطبعة البهيّة | مصـر.
18 ـ تكريم المؤمنين بتقويم الخلفاء الراشدين ، لمحمّـد صدّيق بن حسن
القنوجي البخاري ، ط الهند ، سنة 1307 هـ.
19 ـ تهذيب التهذيب ، للحافظ ابن حجر العسقلانيّ ، ط دار إحياء التراث
العربي | بيروت ، سنة 1412 هـ.
20 ـ تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، لجمال الدين يوسف المِزّي ،
تحقيق بشّار عوّاد ، ط مؤسّسة الرسالة | بيروت ، سنة 1403 هـ.
21 ـ الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) ، لأبي عبـدالله محمّـد بن
أحمد القرطبي ، ط مطبعة دار الكتب | القاهرة.
22 ـ جمهرة النسب ، لهشام بن محمّـد بن السائب الكلبي ، تحقيق الدكتور
ناجي حسن ، ط عالم الكتب ومكتبة النهضة | بيروت ، سنة 1407 هـ.
23 ـ الحسـين عليه السلام ، لعليّ جلال الدين الحسيني المصري ، ط
مصـر.
24 ـ الخريدة الغيبيّة في شرح القصيدة العينيّة ، لشهاب الدين محمود بن
عبـدالله الآلوسي البغدادي.
25 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، للشيخ آغا بزرگ الطهراني ، تصوير دار
الأضواء | بيروت.
26 ـ روائح المصطفى ، لصدر الدين أحمد البردواني ، ط كانپور ، سنة
1302 هـ.
27 ـ زاد المسير في علم التفسير ، لأبي الفرج عبـد الرحمن بن الجوزيّ ،
ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشـر | قم ، ط الأُولى سنة 1388 هـ.
28 ـ سبل السلام ـ شرح بلوغ المرام ـ ، لمحمّـد بن إسماعيل الأمير اليمني
الصنعاني ، تحقيق عبـد العزيز الخولي ، تصوير دار المعرفة | بيروت.
29 ـ سير أعلام النبلاء ، لشمس الدين الذهبي ، ط مؤسّسة الرسالة |
بيروت ، ط الرابعة سنة 1406 هـ.
30 ـ سير الخلفاء ، لعبـد الحميد الدهلوي.
31 ـ شرح الشفا ، للملاّ علي القاري الحنفي ـ مطبوع بهامش نسيم الرياض
للخفاجي ـ ، ط اسطنبول.
32 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي ، تحقيق محمّـد
أبوالفضل إبراهيم ، ط مصـر ، سنة 1385 هـ.
33 ـ صحيح مسلم ، لأبي الحسين مسلم بن الحجّاج النيسابوري ، تحقيق
محمّـد فؤاد عبـد الباقي ، ط دار الفكر | بيروت ، سنة 1398 هـ.
34 ـ الصراط السوي في مناقب آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، لمحمود بن محمّـد بن
علي الشيخاني ، نسخة مخطوطة بالمكتبة الناصريّة بلكهنو.
35 ـ عليٌّ وليد الكعبة ، للعلاّمة الحجّة الشيخ محمّـد علي الأُردوبادي ، ط
النجف الأشرف.
36 ـ الغـدير في الكتاب والسُنّة والأدب ، للعلاّمة الشيخ عبـد الحسين
أحمد الأميني النجفي ، تصوير دار الكتاب العربي | بيروت.
37 ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، للحافظ ابن حجر العسقلانيّ ،
ط دار الريّان للتراث | مصر ، سنة 1407 هـ.
38 ـ فرائـد السـمطين في فضائل الرسـول والبتـول والمرتـضى
39 ـ الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة عليهم السلام ، لعليّ بن محمّـد بن الصبّاغ
المالكي ، ط مطبعة العدل | النجف الأشـرف.
40 ـ فضائل الصحابة ، لأحمد بن حنبل ، تحقيق وصيّ الله بن محمّـد
عبّاس ، الطبعة الأُولى سنة 1403 هـ.
41 ـ كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، للحافظ محمّـد بن
يوسف الگنجي الشافعي ، ط طهران سنة 1303 هـ.
42 ـ كفاية الطالب لمناقب عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، لحبيب الله بن
الشنقيطي | ط مصـر.
43 ـ اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ، للحافظ جلال الدين
السيوطي ، تصوير دار المعرفة | بيروت ، سنة 1403 هـ.
44 ـ لسان الميزان ، للحافظ ابن حجر العسقلانيّ ، ط حيدرآباد ، سنة
1331 هـ.
45 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ، للإمام أبي علي الفضل بن الحسن
الطبرسيّ ، تصوير المكتبة العلمية الإسلاميّة | طهران.
46 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، للحافظ نور الدين الهيثمي ، ط مطبعة
القدسي ، سنة 1352 هـ.
47 ـ المحبَّر ، لأبي جعفر محمّـد بن حبيب البغدادي ، ط بيروت.
48 ـ مرآة التصوّف ( آئينة تصوّف ) ، لشاه محمّـد حسن الچشتي ، ط
لامبور ، سنة 1311 هـ.
49 ـ مرآة الكائنات ، لمحمّد بن أحمد بن محمّد بن رمضان نشانچي زادة.
50 ـ المستدرك على الصحيحين ، للحاكم النيسابوري ، ط حيدرآباد ، سنة
1344 هـ.
51 ـ مسند أحمد بن حنبل ، لأحمد بن حنبل الشيباني ، ط المطبعة
الميمنيّة | مصر ، سنة 1313 هـ.
52 ـ معجم الأُدباء ، لياقوت بن عبـدالله الرومي البغدادي الحموي ، ط دار
صادر | بيروت ، سنة 1399 هـ.
53 ـ المعجم الكبير ، للحافظ سليمان بن أحمد الطبرانيّ ، تحقيق حمدي
عبـد المجيد السلفي ، ط دار إحياء التراث العربي | بيروت.
54 ـ مناقب آل أبي طالب ، لمحمّـد بن عليّ بن شهرآشوب المازندراني ،
ط طهران.
55 ـ ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، للحافظ شمس الدين الذهبيّ ،
تحقيق علي بن محمّـد البجاوي ، ط عيسى البابي الحلبي ، سنة 1382 هـ.
56 ـ نزل الأبرار بما صحّ في مناقب أهل البيت الأطهار ، لمحمّـد بن
رستم البدخشاني ، تصوير مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام بأصبهان.
57 ـ نزهة المجالس ، لعبـد الرحمن الصفوري الشافعي | ط مصـر.
58 ـ النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم ، لعمر بن محمّـد بن عبـد الوهّاب ،
نسخة مخطوطة بمكتبة آيا صوفيا | تركيـا.
59 ـ نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار ، لمؤمن بن حسن
الشبلنجي ، تصوير منشورات الشريف الرضيّ | قـم.
60 ـ وسيلة المآل بذكر فضائِل الآل ، لأحمد بن الفضل بن محمّـد باكثير
الحضرمي ، نسخة مخطوطة في مكتبة السيّد المرعشي العامّة | قـم ، تاريخ كتابتها
سنة 1280 هـ.
61 ـ وسيلة النجاة ، لمحمّـد مبين السنهاني اللكهنوي ، ط مطبعة گلشن
فيض | لكهنو.
62 ـ وقعة صِفّين ، لنصر بن مزاحم المنقري ، تحقيق عبـد السلام هارون ،
تصوير مكتبة السـيّد المرعشي العامّة | قـم.
63 ـ ينابيع المودّة ، للشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزيّ ، تصوير مكتبة
بصيرتي | قـم.
*
*