|
مـصطلحـات نحـويّـة (16) |
السـيّد علي حسـن مطر
البدل في اللغة : العِوَض ، ومنه قوله تعالى : (عسى ربّنا أن يبدلنا
خيراً منها)(1) . .
قال ابـن فارس : «البـاء والدال واللام أصـل واحـد ، وهو : قيام
الشـيء مقامَ الشيء الذاهب ، يقال : هذا بَدَلُ الشيء وبديله ، ويقولون :
بدَّلتُ الشيءَ ، إذا غيّرته ، وإن لم تأت له ببدله . . . وأبدلته إذا أتيتَ له
ببدل»(2) .
وقال ابن منظور : «وبَدَلُ الشيء غيره . . . بِدْلُ الشيءِ وبدَله وبديله :
الخَلَفُ منه ، والجمع أبدال»(3) .
البدل والمبدل من مصطلحات البصريّـين(1) ، أمّا الكوفيّون فقد عبّروا
عن المعنى الاصطلاحي بـ : «الترجمة والمترجم والتبيين والتكرير
والمردود»(2) .
وقال سيبويه (ت 180 هـ) بشأن التعريف بالبدل : «هذا باب من
الفعل يستعمل في الاسم ، ثمّ يبدل مكان ذلك الاسم اسم آخر ، فيعمل فيه
كما عمل في الاَوّل ، وذلك قولك : رأيت قومَكَ أكثرَهم»(3) .
وقال المبرّد (ت 285 هـ) : «قيل : بدل ، لاَنّ الذي عمل في الذي
قبله ، قد صار يعمل فيه بأن فُرِّغ له»(4) ، وقال أيضاً : «اعلم أنّ البدل في
جميع أبواب العربية يحلّ محلّ المبدل منه ، وذلك قولك : مررتُ برجلٍ
زيدٍ ، وبأخيك أبي عبـدالله ، فكأنّكَ قلت : مررتُ بزيدٍ ، ومررتُ بأبي
عبـدالله»(5) .
وقال الرمّاني (ت 384 هـ) في حدّ البدل : «قول يقدّر في موضع
ب ـ مجالس ثعلب ، أحمد بن يحيى ثعلب ، تحقيق عبـد السلام هارون 1|20 .
ج ـ شرح الاَشموني على الاَلفيّة 3|123 .
د ـ شرح التصريح على التوضيح ، خالد الاَزهري 2|155 .
وحدّه ابن برهان العكبري (ت 456 هـ) بقوله : «البدل من التوابع ،
إلاّ أنّه في تقدير جملتين في الاَصل ، إذا قلت : ضربتُ زيداً رأسَه ،
فالاَصل : ضربتُ زيداً ضربتُ رأسَه ، فحذفت (ضربتُ) الثانية وانتصب
(رأسُه) بـ(ضربت) الاَُولى»(2) .
وميزة هذا الحدّ أنّه يأخذ أوّل مرّة (التابع) جنساً في تعريف البدل .
وحدّه الزمخشري (ت 538 هـ) بقوله : «هو الذي يعتمد بالحديث ،
وإنّما يذكر الاَوّل لنحوٍ من التوطئة ، وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين
لايكون في الاِفراد . . . وقولهم : إنّه في حكم تنحية الاَوّل ، إيذان منهم
باستقلاله بنفسه ومفارقته التأكيد والصفة في كونهما تتمّتين لِما يتبعانه ،
لاأن يعنوا إهدار الاَوّل واطراحه ، ألا تراك تقول : زيدٌ رأيتُ غلامَهُ رجلاً
صالحاً ، فلو ذهبت تهدر الاَوّل ، لم يسـد كلامُك»(3) .
وأمّا ابن معطي (ت 628 هـ) فقد حدّ البدل بأنّه : «تفسير اسم باسم
يقدر إحلاله في محل الاَوّل»(4) .
ويلاحظ عليه : أنّ البدل لا يختصّ بالاسم؛ فإنّه يكون بالفعل
وبالجملة أيضاً .
وحدّه ابن يعيش (ت 643 هـ) بما يقارب مضمون حدّ الرمّاني
المتقدّم ، فقال : «البدلُ : ثانٍ يقدّر في موضع الاَوّل ، نحو قولك : مررتُ
وحدّه ابن الحاجب (ت 646 هـ) بأنّه : «تابعٌ مقصودٌ بما نسب إلى
المتبوع دونه»(2) . .
وقال في شرحه «تابع؛ يشمل التوابع كلّها ، وقولنا : مقصود؛ دخل
فيه المعطوف ، فأخرجناه بقولنا : دونه؛ يعني دون المتبوع . . . فإذا قلنا :
أعجبني زيدٌ حُسْنُهُ ، فالاِعجاب منسوب إلى الحسن ، وإنّما ذكر زيد للتوطئة
والتمهيد ، والمعطوف دخلَ مع المعطوف عليه في المعنى الذي سيق
المعطوف عليه لاَجله؛ فإنّ قولنا : قام زيد وعمرو ، شركت بين زيد وعمروٍ
في القيام بما هو قيام؛ لاَنّه يستحيل أن يكون قيام زيدٍ قيامَ عمروٍ ، وإنّما
التشريك في معقول القيام ، لا في القيام المضاف إلى زيد»(3) .
وقد أشار ابن الحاجب نفسه إلى أنّ «هذا الحدّ إنّما يكون شاملاً لغير
بدل الغلط؛ إذ بدل الغلط لم يذكر ما قبله لتوطئة ولا لتمهيد ، فإن قصدت
دخوله في الحدّ قلت : وذُكر المتبوع وليس هو المقصود ، وإنّما ذكره
النحويون في باب البدل وإن كان الاَوّل غلطاً والاَغلاط لا ثبوت لها؛ لاَنّ
الكلام وقع على الثاني وليس بغلط»(4) .
ب ـ الاَمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حمّودي 3|62 .
ج ـ الاِيضاح في شرح المفصّل ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي 1|449 .
وعلّق الرضيّ على حدّ ابن الحاجب بأنّه : «لا يطّرد ما قاله في نحو :
جاءَني زيدٌ بل عمروٌ؛ فإنّ المقصود هو الثاني دون الاَوّل [فيدخل في حدّ
البدل] مع أنّه عطف نسق»(1) .
وأمّا ابن عصفور (ت 669 هـ) فقد حدّ البدل بأنّه : «إعلامُ السامع
بمجموع اسمين أو فعلين على جهة تبيـين الاَوّل أو تأكيده ، وعلى أن ينوى
بالاَوّل منهما الطرح معنىً لا لفظاً»(2) .
وممّا ذكره في شرحه : «ومثال ذلك : قام زيدٌ أخوك ، ألا ترى أنّ
السامع أعلمته بمجموع [الاسمين] : زيد وأخيك ، وقولنا : (أو فعلين) مثال
ذلك قولك الشاعر :
ألا ترى أنّ السامع أعلمته الشرط بمجموع (تأتِنا وتُلْمم) .
وقولنا : (على جهة البيان) تحرّز من العطف ، ألا ترى أنّك إذا قلت :
قامَ زيدٌ وعمروٌ ، أعلمته بالقيام بمجموع زيد وعمروٍ ، إلاّ أنّ الثاني وهو
عمروٌ ، ليس فيه بيان لزيد كما في قولكَ : قام زيدٌ أخوك . . . وقولنا : (على
أن ينوى بالاَوّل منهما الطرح) تحرّز من النعتِ والتأكيد؛ ألا ترى أنّك إذا
قلتَ : قام زيدٌ العاقل ، أو قامَ زيدٌ نفسه ، فقد أعلمت السامع بمجموع زيدٍ
والعاقل ، وكذلك أعلمته بزيدٍ ونفسه على جهة تبيين الاَوّل وهو زيد بالثاني
وهو نفسـه ، لكنّه لم ينوَ بزيد في النعت والتأكيد الطرح كما نويته في
البدل . . . وقولنا : (من جهة المعنى لا من جهة اللفظ)؛ لاَنّه لو نوي بالاَوّل
الطرح لفظاً ، ولم يعتدّ به أصلاً لَما جاز مثلُ : ضربت زيداً يده؛ إذ لو لم
ويلاحظ على حـدّ ابن عصفور ما يلي :
* أوّلاً ـ أنّ افتتاحه بقوله : (إعلام السامع) غير فنيّ؛ لاَنّه يجعل الحدّ
بياناً للبدل بمعناه المصدري بوصفه فعلاً يمارسه المتكلّم ، بينما المطلوب
بيان المعنى الاصطلاحي النحوي لكلمة (البدل) .
* ثانياً ـ أنّ قوله : (مجموع اسمين أو فعلين) غير شامل لجميع أفراد
البدل؛ لاَنّ «البدل والمبدل منه إمّا اسمان معاً ، وإمّا فعلان معاً ، وإمّا اسم
وفعل ، وإمّا جملتان معاً ، وإمّا أحدهما جملة والآخر غير جملة»(2) .
* ثالثاً ـ أنّ قوله : (على أن ينوى بالاَوّل منهما الطرح معنىً لا لفظاً)
ليس موضع اتّفاق جميع النحاة ، فقد قال الرضيّ : «وعلى ما ذكرناه من
فوائد البدل والمبدل منه ، يتبيّن أنّ الاَوّل ليس في حكم الطرح معنىً إلاّ في
بدل الغلط»(3) .
وأمّا ابن مالك (ت 672 هـ) فقد طرح صياغتين لحدّ البدل :
أُولاهما : «هو التابع المستقلّ بمقتضى العامل تقديراً دون مُتبع»(4) .
وممّا ذكره السلسيلي في شرح هذا التعريف : «قوله : (المستقلّ
بمقتضى العامل تقديراً) يخرج ما سوى البدل [من التوابع] إلاّ المعطوف
بـ(بل) فإنّه داخل تحت المستقلّ بمقتضى العامل ، ولكن حصول تقدير
الاستقلال له بمتبع ، وحصوله للبدل بغير متبع»(5) .
=
وقد عالج ابن مالك بهذا الحدّ النقص الذي كان يعاني منه حدّ ابن
الحاجب المتقدّم؛ فإنّه ذكر في حدّ البدل كونه مقصوداً بالحكم دون المبدل
منه ، ممّا جعل الحدّ غير مانع من دخول الاَغيار كالمعطوف بـ(بل) بعد
الاِثبات ، نحو : جاءني زيدٌ بل عمروٌ ، فعمد ابن مالك إلى إخراجه بإبدال
قيد (دون المبدل منه) بقيد (بلا واسطة) .
وقد أصبح هذا الحدّ هو التعريف النهائي للبدل ، فقد أخذ به معظم
النحاة بعد ابن مالك كابن الناظم (ت 686 هـ)(2) ، وابن هشام (ت 167 هـ)(3)
وابن عقيل (ت 769 هـ)(4) ، والسيوطي (ت 119 هـ)(5) ، والفاكهي (ت
972 هـ)(6) .
ويجدر بالذكر أنّ ابن هشام وإن أخذ بحدّ ابن مالك ، إلاّ أنّه لم
ب ـ شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد :
439 .
ج ـ أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين
عبـد الحميد 3|64 ـ 65 .
أحدها : ما ليس مقصوداً بالحكم كـ(جاءَ زيدْ لا عمرو) ، و(ما جاء
زيدٌ بل عمرو) أو (لكن عمرو) ، أمّا الاَوّل فواضح؛ لاَنّ الحكم السابق
منفيّ عنه ، وأمّا الآخران؛ فلاَنّ الحكم السابق هو نفي المجيء ، والمقصود
به إنّما هو الاَوّل .
النوع الثاني : ما هو مقصود بالحكم هو ما قبله ، فيصدق عليه أنّه
مقصود بالحكم ، لا أنّه المقصود [به وحده دون غيره] وذلك كالمعطوف
بالواو ، نحو : جاء زيد وعمرو ، و : ما جاء زيد ولا عمرو ، وهذان النوعان
خارجان بما خرج به النعت والتوكيد والبيان .
النوع الثالث : ما هو مقصود بالحكم دون ما قبله ، وهذا هو المعطوف
بـ(بل) بعد الاِثبات ، نحو جاءَني زيدٌ بل عمروٌ ، وهذا النوع خارج بقولنا :
(بلا واسطة) ، وإذا تأمّلت ما ذكرته في تفسير هذا الحدّ ، وما ذكره الناظم
وابنه ومن قلّدهما ، علمت أنّهم عن إصابة الغرض بمعزل»(1) .
وأمّا الاِشبيلي (ت 688 هـ) فقد حدَّ البدل بأنّه : «التابع على تقدير
تكرار العامل ، والتوابع كلّها ليس فيها تكرار للعامل ، فإذا قلتَ : جاءني
أخوك زيدٌ ، فهو على تقدير : جاءني أخوك جاءَني زيدٌ»(2) .
وأمّا أبو حيّـان الاَندلسي (ت 745 هـ) فإنّه ذكر حدّين للبدل ، تابع
وعقّب عليه ابن هشام قائلاً : «وبيان ذلك : أنّك تقول : قام زيدٌ
أخوكَ ، فيكون ذكر زيد لمجرّد التوطئة والتمهيد لذكر المقصود بالنسبة وهو
الاَخ ، وفائدة هذه أنّ الحكم مستفيد بها فضل تقوية وتقرير؛ لاَنّه بمنزلة
إسناد الحكم إلى المحكوم عليه مرّتين ، وهذا الحدّ . . . مختلٌّ؛ فإنّه إنّما
يصدق على بعض أمثلة البدل ، وهو البدل من المسند إليه ، وأمّا البدل من
المنصوب والمجرور فلا»(3) .
*
*