صلةقبل


وفي شرح المواقف : فأشار عمر على أبي بكر بقتل خالد قصاصاً . فقال أبو بكر : لا أغمد سيفاً شهره الله على الكفّار . وقال عمر لخالد : لئن وليت الاَمر لاَقيدنّك به(1) .
وفي تاريخ دمشق : قال عمر : إنّي ما عتبت على خالد إلاّ في تقدّمه وما كان يصنع في المال . .
وكان خالداً إذا صار إلـيه شـيئاً قسـمه في أهل الغنى ولم يرفع إلى أبـي بكر حسابه ، وكان فيه تقدّم على أبي بكر ، يفعل الاَشياء التي لا يراها أبو بكر ، وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته ، وصالح أهل اليمامة ، ونكح ابنة مجاعة بن مرارة ، فكره ذلك أبو بكر ولم ير أن يعزله(2) .
هـذا ، وقد كان مالك من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، واستعمله صلى الله عليه وآله وسلم على صدقات قومه ، وهو من أشراف الجاهلية والاِسلام .
ثمّ إنّ ضرار بن الاَزور زميل خالد بن الوليد في قتل مالك قد شـنّ الغارة على حيّ من بني أسـد فأخذ امرأة جميلة فوطئها بهبة من أصحابه ، ثمّ ذكر ذلك لخالد ، فقال : قد طيّبتها لك؛ فكتب إلى عمر فأجاب برضـخه بالحجارة(3) .
وبعد فتح الشام أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن محارب بن دثار : إنّ أُناساً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم شربوا الخمر بالشام وقالوا : شربنا لقول الله : (ليس على الّذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما
____________
(1) المواقف : 403 ، شرح المواقف 8|307 ـ 308 .
(2) تاريخ دمشق 5|112 .
(3) لاحظ : تاريخ دمشق 7|31 ، خزانة الاَدب 2|8 ، الاِصابة 2|209 .

( 70 )

طعموا) (1) . . الآية (2) .
وفي كتاب من أبي بكر له : لعمري يا بن أُمّ خالد! إنّك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد . كتبه إليه لمّا قال خالد لمجاعة : زوّجني ابنتك . فقال له مجاعة : مهلاً ، إنّك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك . قال : أيّها الرجل! زوّجني . فزوّجه ، فبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه الكتاب ، فلمّا نظر خالد في الكتاب جعل يقول : هذا عمل الاَُعيسـر . يعني عمر بن الخطّاب(3) .
هـذا ، وقد كان خالد بن الوليد من نجوم قيادات الفتوح .
وفي الاِصابة ـ في ترجمة خالد بن الوليد ـ : قال عمر لاَبي بكر : اكتب إلى خالد لا يعطي شيئاً إلاّ بأمـرك . فكتب إليه بذلك ، فأجابه خالد : إمّا أن تدعني وعملي وإلاّ فشأنك بعملك . فأشار عليه عمـر بعزله ، فقال أبو بكر : فمن يجزي عنّي جزاء خالد . قال عمر : أنا . فتجهّز عمر . . .
إلى أن قال ـ بعد ثني أبي بكر لعمر عن الخروج ـ : فلمّا قبل عمر كتب إلى خالد : أن لا تعطي شاة ولا بعيراً إلاّ بأمري . فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر ، فقال عمر : ما صدقت الله إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أُنفّذه . فعزله ، ثمّ كان يدعوه إلى أن يعمل فيأبى إلاّ أن يخلّيه يفعل ما شاء فيأبى عمر ، قال مالك : وكان عمر يشبه خالداً(4) .
وعن عبـد الرحمن بن عوف ، قال : إنّه دخل على أبي بكر في مرضه
____________
(1) سورة المائدة 5 : 93 .
(2) لاحظ : الدرّ المنثور 2|321 .
(3) لاحظ : تاريخ الخميس 3|343 ، وتاريخ الطبري 3|254 .
(4) الاِصابة 1|415 .

( 71 )

الذي توفّي فيه فأصابه مهتمّاً . . . فقال أبو بكر : إنّي ولّيت أمركم خيركم في نفسي ، فكلّكم ورم أنفه من ذلك ، يريد أن يكون الاَمر له دونه ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولمّا تقبل وهي مقبلة حتّى تتّخذوا ستور الحرير ، ونضائد الديباج ، وتألموا الاضطجاع على الصوف الاَذري كما يألم أحدكم أن ينام على حسك السعدان ، والله لاَن يُقدّم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدّ خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا ، وأنتم أوّل ضالّ بالناس غداً فتصدّونهم عن الطريق يميناً وشمالاً ، يا هادي الطريق! إنّما هو الفجر أو البحر(1) .
وروى البخاري في صـحيحه ، عن هند بنت الحارث : إنّ أُمّ سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قالت : استيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة فزعاً يقول : سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟! من يوقظ صواحب الحجرات ـ يريد أزواجه ـ لكي يصلّين؟! ربّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة(2) . .
قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث : وفي رواية سفيان : ماذا أنزل الليلة من الفتن؟! وماذا فتح من الخزائن؟! قال ابن بطال في هذا الحديث : إنّ الفتوح في الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه القتال بسببه ، وأن يبخل به فيمنع الحقّ أو يبطر صاحبه فيسرف ، فأراد صلى الله عليه وآله وسلم تحذير أزواجه من ذلك كلّه ، وكذا غيرهنّ ممّن بلغه ذلك .
وقال ابن حجر في شرح «ربّ كاسية . . . » : واللفظة وإن وردت في أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لكنّ العبرة بعموم اللفظ؛ كاسية للشرف في الدنيا لكونها
____________
(1) لاحظ : الاَموال ـ لاَبي عبيـد ـ : 131 ، تاريـخ الطبري 4|52 ، الاِمامة والسـياسة ـ لابن قتيبة ـ 1|18 ، مروج الذهب 1|414 ، العقد الفريد 2|254 .
(2) صحيح البخاري 9|88 ح 18 كتاب الفتن ب 6 .

( 72 )

أهل التشريف وعارية يوم القيامة .
كما قد أُشـير في أحاديث نبويّة أُخرى إلى هذه الاَوضاع ، نظير ما رواه البخاري ومسلم في كتاب الفتن عنه صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّكم سترون بعدي أثرة وأُموراً تنكرونها»(1) .
ثمّ إنّ هذا غيض من فيض ، ولو أراد الباحث استقصاء حوادث الفتوحات والممارسات التي حدثت ، لتوفّر لديه مجلّداً ضخماً في ذلك ، إن لم يكن مجلّـدات .
  • الثالثة : إنّ الاَجواء السائدة لدى المسلمين في عهود الفتوحات الاَُولى ، وما كان لديهم من حماس ديني ملتهب ، ومن قوّة نظر وإشراف في مراقبة الحكم والحاكم ، بجانب عوامل أُخرى ـ نتعرّض لها كلّها ـ من إعداد وصنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كانت سبب النصر والظفر والفتوحات .
    وبعبارة أُخرى : الخطّة المرسومة من القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين ولوظيفة الحكم من بعده ، سواء على صعيد التقنين ، أو على صعيد البناء الروحي للمسلمين ، أو على صعيد البناء العسكري والقوّة الضاربة ، أو على صعيد الوحدة الاجتماعية المترابطة ، أو على صعيد بناء الدولة وأجهزة الحكم؛ كانت تملي القيام بالجهاد وفتح البلدان .
    هذا كلّه بالاِضافة إلى البريق النيّر الذي أوجده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الدين الاِسلامي في أسماع الملل والاَقوام المختلفة ، من العدالة وكرائم الخلق في القانون والتنفيذ ، ونشـدة الحقّ والنصفة . .
    فإنّ نظرة تحليلية في الاَُصول الاجتماعية والسياسية والقانونية التي
    ____________
    (1) صحيح البخاري 9|84 ح 4 كتاب الفتن ب 2 .
    ( 73 )

    كانت العرب تعيشها قبل البعثة النبويّة الشريفة مقارنة بالنظام الاجتماعي والسياسي والروحي والقانوني الذي بناه وأسّـسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، هذه النظرة والمقارنة كفيلة لفهم أنّ القيادة في الفتوحات بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن تلعب ذلك الدور الخطير المؤثّر في الوصول إلى نتائج الفتوحات ، سواء القيادة السياسية ، أو القيادة العسكرية .
    ويستطيع القارئ أن يلمس ذلك من بعض النصوص التاريخية أو الروائية التي ذكرناها آنفاً ، فضلاً عمّا لو تتبّع واستقصى ذلك بنفسه من خلال كتب السير والتاريخ والحديث؛ فإنّ سرّ الفوز بتلك النتائج يكمن في عظمة النظام الذي بنى صـرحه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الاَصعدة المختلفة .
    وقد أشار إلى ذلك عدّة من الباحثين في حقل العلوم الاِسلاميّة أو العلوم الاِنسانية ، ولنضرب الاَمثلة لنماذج تلك العوامل المزبورة :
    * فأمّا رقابة المسلمين الشديدة على الحكم والحاكم ، التي ربّاهم عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومحاسبتهم لكلّ صغيرة وكبيرة ، وأنّ الظروف المحيطة بالحاكم والحكم ما كانت تسمح له بتغيير كلّ معالم النظام السياسي والاجتماعي والمعنوي الذي شيّده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فمن أمثلة ذلك :
    قـول عمـر بن الخطّاب لابن عبّـاس : لـو وليـها عثمان لحمـل بني أبي معيط على رقاب الناس ، ولو فعلها لقتلوه(1) .
    وفي نقل آخر عنه : لو ولّيتها عثمان لحمل آل أبي معيط على رقاب الناس ، والله لو فعلت لفعل ، ولو فعل لاَوشكوا أن يسيروا إليه حتّى يجزّوا رأسـه(2) . .
    ____________
    (1) أنساب الاَشراف 5|16 .
    (2) ذكره القاضي أبو يوسف في الآثار : 217 .

    ( 74 )

    وهذا ما حدث؛ إذ ثار المسلمون على عثمان وقتلوه ، بسبب الاِثرة في السلطة وفي المال وفي مقدّرات المسلمين التي خصّـصها بذويه وعشـيرته وبني أُميّة .
    وهذه القوّة لرقابة الناس التي يصوّرها عمر في العقد الثالث الهجري فكيف هي في العقد الثاني ، وفي أوائل العهد الذي تلا العهد النبوي؟!
    وقول عليّ عليه السلام لعثمان؛ وقد كان في بيت المال بالمدينة سـفط فيه حلي وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلّى به بعض أهله ، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك ، وكلّموه فيه بكلام شديد حتّى أغضـبوه فقال : هذا مال الله ، أعطيه من شئت وأمنعه من شئت ، فأرغم الله أنف من رغم . .
    وفي لفظ آخر : لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أُنوف أقوام .
    فقال له عليّ عليه السلام : إذاً تُمنع من ذلك ويُحال بينك وبينه(1) .
    وقد صعد عمر المنبر يوماً وقال : لو صرفناكم عمّا تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم؟
    فأجابه عليّ عليه السلام : إذاً كنّا نسـتتيبك ، فإن تبت قبلناك .
    فقال : وإنْ لم؟
    قال : نضرب عنقك الذي فيه عيناك .
    فقال عمر : الحمد لله الذي جعل في هذه الاَُمّة من إذا اعوججنا أقام أَودنا(2) .
    ____________
    (1) أنساب الاَشراف 6|161 .
    (2) مناقب الاِمام عليّ عليه السلام ـ للخوارزمي ـ : 98 ح 100 .

    ( 75 )

    والحاصل : إنّ أمثلة هذا العامل كثيرة جدّاً يجدها الباحث بمجرّد رجوعه إلى ذاكرته في أحداث العقود الهجرية الاَُولى التي تلت العهد النبوي الاَوّل .
    نعم ، ليس المراد من وجود هذا العامل أنّه لم تكن للتكتّلات السياسية في صفوف الصحابة ـ من المهاجرين والاَنصار ، وائتلاف السقيفة ، والبيت الهاشمي وأنصاره ـ أيّ دور ، إمّا في تغيير وتبديل الخطّة المرسومة من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإمّا في المحافظة على بقائها؛ إذ الاَُمور نسبية ، وإنّما الغرض بيان الجانب الغالب .
    * وأمّا تعيين وظيفة المسلمين والدولة من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بشأن الفتوحات؛ فقد كان إخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بفتح المسلمين لفارس والروم وسقوط ملك كسرى وقيصر على أيديهم ، إخباراً ملأ آذان المسلمين في مواقع عديدة أنبأ فيها بذلك ، كما في حفر الخندق في غزوة الاَحزاب(1)وغيره ، وقد كان وعداً قطعياً منه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك للمسلمين ، وهذا الوعد الصادق استيقن به المسلمون ، كما رأوا صدق الوعود منه صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ، وكان هذا باعثاً للاَمل ولقوّة الروح فيهم التي لا تستجيب لليأس أو الخوف .
    كما إنّ تعيين القرآن الكريم والنبيّ الاَمين صلى الله عليه وآله وسلم هذه الوظيفة للمسلمين كان بياناً لمشروعية الجهاد في نفسه لدى العديد ممّن لم ير مشروعية لِما نتج عن بيعة السقيفة .
    ولقد كان في أمره صلى الله عليه وآله وسلم ـ في أيّامه الاَخيرة ـ بتجهيز جيش أُسامة ، وحثّه على إنفاذه ، ولعنه من تخلّف عنه ، دلالة على مدى العناية الشديدة
    ____________
    (1) انظر : تاريخ الطبري 2|92 .
    ( 76 )

    التي كان يوليها صلى الله عليه وآله وسلم لاَمر الجهاد .
    * وأما روح الفداء وطلب الشهادة والتضحية ، والتعطّش لدرجات الآخرة والرضوان؛ فقد كانت ما تزال ملتهبة بفضل أنوار النبوّة وقرب العهد من الوحي ، ومشاهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحيّة في أذهانهم ، ووقائع الغزوات الكبرى في الاِسلام ، التي خلّدت أسماء نجوم الشهادة ، فلم تكن هناك تعبئة من القيادة السياسية أو العسكرية للجهاد بقدر ما كانت محاولة تدبير للحالة الاندفاعية الموجودة والحماس الملتهب .
    الرابعة : سبب إخفاق الفتوح عن الوصول إلى الوعود الاِلهيّة؛ فإنّ المحاولة في التدبير هي التي أضفت لوناً على الجهاد والفتوح ، وغيّرت من خلق وغايات هذا الباب ، وساهمت في تقليل حيوية عوامله ومعدّاته ، على نحو تدريجي ، بسبب الممارسات التي ارتكبت ، سواء بالاِضافة إلى البلدان المفتوحة وأهاليها ، أو بالاِضافة إلى الرموز الخاصّة من القيادات العسكرية وغيرها ، ممّن كانت تربطه بالسلطة علائق معينة ، وسواء على صعيد المال أو الاَعراض أو النفوس . .
    مضافاً إلى إنّ الانفتاح على الاَقوام الاَُخرى كان يتطلّب كفالة شرعية من مختلف الجوانب الروحية والعلمية والتربوية والقانونية والسياسية ، وغيرها من الجوانب التي لم تكن القيادة المركزية مؤهّلة لتلك المهمّة في ظلّ التحديد والحصار لدور الاِمام عليّ عليه السلام ، حامل علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والقيّم الثاني المبيّن للدين ، والوزير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تأسيس الدعوة وتشييدها حتّى آخر لحظات حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . .
    بسبب كلّ هذا لم يُكتب للوعد الاِلهي في قوله تعالى : (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره


    ( 77 )

    المشركون
    )(1) ، الذي تكرّر في ثلاث سور ـ وغيره من الوعود الاِلهيّة ، كقوله تعالى : (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذِكر أنّ الاَرض يرثها عبادي الصالحون)(2) ، ووعده تعالى في قوله : (ونريد أن نمنّ على الّذين استضعفوا في الاَرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين)(3) ، وقوله سبحانه : (أمّن يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الاَرض)(4) ـ التحقّق في العاجل .
  • الخامسة : الاهتراء الداخلي الذي بدأ عدّه العكسي وأخذ يدبّ في جسد الاَُمّة ووحدة المسلمين؛ وقد حذّر منه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في طوائف من الحديث ، نظير قوله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أشرف على أطم من آطام المدينة : «هل ترون ما أرى؟!» .
    قالوا : لا .
    قال : «فإنّي لاَرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر»(5) .
    وقوله صلى الله عليه وآله وسلم عندما استيقظ من النوم محمرّاً وجهه : «لا إله إلاّ الله ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب»(6) .
    وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «هلكة أُمّتي على يدي غِلمة من قريش» فقال مروان : لعنة الله عليهم غلمة؛ رواه البخاري ، عن ابن سعيد ، عن جدّه ، وقال :
    ____________
    (1) سورة التوبة 9 : 32 ، وسورة الفتح 48 : 28 ، وسورة الصفّ 61 : 9 .
    (2) سورة الاَنبياء 21 : 105 .
    (3) سورة القصص 28 : 5 .
    (4) سورة النمل 27 : 62 .
    (5) صحيح البخاري 9|86 ح 11 كتاب الفتن ب 4 ، ورواه مسلم أيضاً في صحيحه 8|168 .
    (6) صحيح البخاري 9|86 ح 10 كتاب الفتن ب 4 .

    ( 78 )

    فكنت أخرج مع جدّي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلماناً أحداثاً قال لنا : عسى أن يكونوا منهـم(1) . .
    وقال ابن حجر في فتح الباري ـ بعد نقل الحديث؛ إذ ذكر البخاري تتمّة له من لعن مروان لاَُولئك الغلمة ـ : تنبيه : يتعجّب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع إنّ الظاهر أنّهم من وُلده ، فكأنّ الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشـدّ في الحجّة عليهم لعلّهم يتّعظون ، وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد ، أخرجها الطبراني(2) .
    وقد رواه مسلم في صـحيحه ، عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : «يهلك أُمّتي هذا الحيّ من قريش» .
    قالوا : فماذا تأمرنا؟
    قال : «لو أنّ الناس اعتزلوهم»(3) .
    قال النووي ـ في شرحه بعد مطابقته بين الروايتين ـ : إنّ المراد برواية مسـلم طائفـة من قريـش ، وهذا الحديث من المعجزات ، وقد وقع ما أخبـره صلى الله عليه وآله وسلم (4) .
    وقد تقدّم أنّ أبا بكر ابتدأ بتولية ابن أبي سفيان ، وقد أمن بذلك من مواجهة أبي سفيان لتنصيبه في السقيفة .
    وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «أنا فرطكم على الحوض ، ليُرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت لاَُناولهم اختُلجوا دوني ، فأقول : أيّ ربّ أصحابي ،
    ____________
    (1) صحيح البخاري 9|85 ح 9 كتاب الفتن ب 3 .
    (2) فتح الباري 13|13 ذ ح 7058 .
    (3) صحيح مسلم 8|186 كتاب الفتن .
    (4) صحيح مسلم بشرح النووي 18|35 ح 2917 .

    ( 79 )

    فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك»(1) .
    وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «أنا فرطكم على الحوض ، من ورده شرب منه ، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ليردنّ علَيَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يحال بيني وبينهم ، أقول : إنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي»(2) .
    قال ابن حجر في فتح الباري : إنْ كانوا ممّن لم يرتدّ لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن أو بدعة من اعتقاد القلب؛ فقد أجاب بعضهم بأنّه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتّباعاً لاَمر الله فيهم حتّى يعاقبهم على جنايتهم ، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لاَهل الكبائر من أُمّته فيخرجون عند إخراج الموحّدين من النار ، والله أعلم(3) .
    وقد تواصل هذا الاهتراء في نظام الحكم إلى أن وصل إلى الحالة التي أشرنا إليها في عهد عثمان ، فقد أعطى عبدالله بن سعد بن أبي سرح ـ أخاه من الرضاعة ـ الخمس من غنائم إفريقية في غزوها الاَوّل(4) .
    قال البلاذري في الاَنساب : لمّا قدم الوليد ـ ابن عقبة بن أبي معيط ابن أبي عمرو بن أُميّة ، الذي نزلت فيه آية : (إن جاءكم فاسق بنبإٍ)(5) ـ الكوفة ألفى ابن مسعود على بيت المال ، فاستقرضه مالاً ، وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثمّ تردّ ما تأخذ ، فأقرضه عبـدالله ما سأله ، ثمّ إنّه اقتضاه إيّاه ،
    ____________
    (1) صحيح البخاري 9|83 ح 2 كتاب الفتن ب 1 .
    (2) صحيح البخاري 9|83 ح 3 كتاب الفتن ب 1 .
    (3) فتح الباري 13|5 ذ ح 7050 و 7051 .
    (4) تاريخ ابن كثير 7|152 ، أنساب الاَشراف 5|26 ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 1|67 .
    (5) سورة الحجرات 49 : 6 .

    ( 80 )

    فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان ، فكتب عثمان إلى عبـدالله بن مسعود : إنّما أنت خازن لنا ، فلا تعرض للوليد في ما أخذ من المال . .
    فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال : كنت أظنّ أنّي خازن للمسلمين ، فأمّا إذ كنت خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك . وأقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال(1) .
    حتّى آل الاَمر إلى ليالي بني أُميّة وبني العبـّاس ونظام حكمهم ، وعن السيّدة عائشة : إنّ الخلافة سلطان الله يؤتيه البرّ والفاجر(2) .
    وروى البخاري ، عن أيّوب ، عن نافع ، قال : لمّا خلع أهل المدينة يـزيد بـن معاويـة جمـع ابـن عمر حشـمه وولـده فـقال : إنّي سـمعت النبـيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ينصب لكلّ غادر لواء يوم القيامة ، وإنّا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله ، وإنّي لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثمّ ينصب له القتال ، وإنّي لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الاَمر إلاّ كانت الفيصل بيني وبينه(3) .
    وقد قتل يزيد في العام الاَوّل من خلافته سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . .
    وفي العام الثاني استباح المدينة المنوّرة وأهلها ونساءها . .
    وفي العام الثالث رجم الكعبة . .
    بل إنّه أمر بأخذ البيعة من أهل المدينة على أنّهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم بما شاء؛ مع إنّ البخاري روى في صـحيحه ، عن
    ____________
    (1) أنساب الاَشراف 5|30 ، ولاحظ : العقد الفريد 2|272؛ وغيرها من الاَرقام التي سطّرتها الكتب والسير من هذا القبيل .
    (2) الدرّ المنثور 6|19 .
    (3) صحيح البخاري 9|103 ح 55 كتاب الفتن ب 21 .

    ( 81 )

    ابن عمر ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : «السمع والطاعة على المرء المسلم في ما أحـبّ أو كـره مـا لـم يـؤمـر بمعـصيـة ، فـإذا أُمـر بـمعـصيـة فـلا سـمع ولا طاعة . . . »(1) .
  • السادسة : من كلّ ما سبق يتّضح جليّاً سرّ تركيز عليّ عليه السلام في عهده الذي تسلّم فيه مقاليد الاَُمور على إصلاح الداخل والبناء الذاتي؛ إذ كيف يدعو الآخرين من الملل الاَُخرى إلى الدين ، وأبناء الدين الاِسلامي أنفسهم لا يعملون به؟! وعطّلوه ومحوا رسومه التي كانت على عهد النبيّ الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنطق القرآن : (يا أيّها الّذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(2) . .
    و(أتأمرون الناس بالبرّ وتنسـون أنفسكم وأنـتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)(3) . .
    وقال تعالى : (واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّة واعلموا أنّ الله شديد العقاب * واذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعفون في الاَرض تخافون أن يتخطّفكم الناس فآواكم وأيّدكم بنصره ورزقكم من الطيّبات لعلّـكم تشكرون * يا أيّها الّذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون * واعلموا أنّما أموالكم وأولادكم فتنة وأنّ الله عنده أجرٌ عظيمٌ)(4) .
    وذكر ابن حجر في فتح الباري في شرح كتاب الفتن ، الذي صدّره
    ____________
    (1) صحيح البخاري 9|113 ح 8 كتاب الاَحكام| باب السمع والطاعة للاِمام ما لم تكن معصية| باب 4 .
    (2) سورة الصفّ 61 : 2 و 3 .
    (3) سورة البقرة 2 : 44 .
    (4) سورة الاَنفال 8 : 25 ـ 28 .

    ( 82 )

    البخاري بالآية ، قال : أخرج الطبري من طريق الحسن البصري ، قال : قال الزبير : لقد خُوِّفنا بهذه الآية ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وما ظننّا أنّا خُصصنا بها . .
    وقال : عند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عبّـاس ، قال : أمر الله المؤمنين أن لا يقرّوا المنكر بين أظهرهم؛ فيعمّهم العذاب .
    ولهـذا الاَثـر شـاهد مـن حـديث عـديّ بـن عميـرة : سـمعـت رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : «إنّ الله عزّ وجلّ لا يعذّب العامّة بعمل الخاصّة حتّى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله الخاصّة والعامّـة»(1) .
    فإذا لم يحكم العدل في ما بين المسلمين فكيف يطالب غيرهم به؟! وقد روي ـ ما مضمونه ـ : إنّ قائلاً قال للاِمام السجّاد عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام : أتركت الجهاد في الثغور وخشونته وأقبلت على الحجّ ونعومته؟! وقد قال تعالى : (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقّاً في التوراة والاِنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)(2) . . الآية .
    فقال له زين العابدين عليه السلام : «أكمل الآية» .
    فقال : (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود
    ____________
    (1) فتح الباري 13|4 ح 7048 .
    (2) سورة التوبة 9 : 111 .

    ( 83 )

    الله وبشّر المؤمنين)(1) .
    فقال له زين العابدين عليه السلام : «إذا وجدتُ مَن هم بهذا الوصف فنحن نجاهد معهم» . .
    ويا له من شرط صعب! الحفظ لحدود الله!
    ولقد خطب الاِمام عليّ عليه السلام في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة ، فقال : «ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان ، وكلّ مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود في بيت المال؛ فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تزوّج به النساء ، وفرّق في البلدان ، لرددته إلى حاله ، فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عنه الحقّ فالجور عنه أضيق»(2) .
    فسيف عليّ عليه السلام الذي أُقيم به صرح الاِسلام ، وشُيّد به دعائم الدولة الاِسلاميّة ، عاد مرّة أُخرى لاِزالة الاَود والعوج الذي حصل في نظام المسلمـين السياسي والاجتماعي ، وبناء النموذج الداخلي المثالي للدعوة إلى الاِسلام .
    بل إنّ عليّـاً عليه السلام أقام ـ قبل تسلّمه مقاليد الاَُمور ـ مرابطاً في الخندق العلمي لوجه الدين الاِسلامي ، أمام تحدّيات المسائل الحرجة التي ابتليت بها الاَُمّة ولم يكن لها من يطّلع على حكم الشريعة فيها ، وقد ذكرت المصادر التاريخية الكثير من الموارد لذلك ، وكذا أمام تحدّي الملل والنحل الاَُخرى(3) .
    ____________
    (1) سورة التوبة 9 : 112 .
    (2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 1|90 ، السيرة الحلبية 2|87 .
    (3) لاحظ : ما أخرجه الحافظ العاصمي في كتابه : زين الفتى في شرح سورة (هل أتى) ، في وفد النصارى وأسئلتهم لاَبي بكر ، وغير ذلك من الوقائع .

    ( 84 )

  • السابعة : وننتهي في الفتوحات إلى هذه النقطة : وهي أنّ عقدة الملل الاَُخرى ـ لا سيّما الغربيّين ـ النفسية والذهنية تجاه الدين الاِسلامي ، وعدم إقبالهم عليه ، وعدم البحث عن حلّ لمشاكلهم من منظار ديننا ـ وإن كان له أسباب متعدّدة صاغها أعداء الاِسلام والمسلمين ـ مضافاً إلى النفسية العدوانية ، والعقلية الاستعلائية التي تصعّر بخدّهم؛ إلاّ إنّ شطراً مهمّاً من تلك الاَسباب هي ممارسات المسلمين أنفسهم ، وبالخصوص والتحديد هي رواسب الممارسات التي وقعت في فتوحات البلدان . .
    فإنّ سلبيّات كيفية الاَداء في هذه الفتوحات وما رافقها من تجاوز للموازين الدينية المقرّرة ، التي تحافظ على روح خُلق الشريعة ، فإنّ الحفظ لحدود الله تعالى في باب الجهاد وغيره هو الكفيل الاَمثل لدخول الناس أفواجاً في دين الله تعالى ، والموجب لتحقّق الوعد الاِلهي ـ الذي تأخّر إلى هذا اليوم ـ بإظهار الاِسلام في كافّة أرجاء المعمورة .
    ونلـخّص ما تقدّم في الحلقات السابقة من هذا الموضوع بجملة مختصرة ، وهي : إنّ البحث عن «عدالة الصحابة» لا بُـدّ من التعمّق فيه ، ورفع الاِجمال الذي يكتنفه . .
    هل المراد به : كلّ الصحابة ، أم بعضهم؟!
    ومـن هـم أُولئك البعض؟! هل هم تكتّل بيـعة السـقيفة ورمـوزها ، أم يشمل سـعد بن عبادة والاَنصار والبيت الهاشمي وعليّـاً عليه السلام وسلمان وأبا ذرّ والمقداد وعمّاراً ، وغيرهم ممّن كان في تكتّل عليّ عليه السلام ؟!
    فهل الدائرة هي بحسب ما يُذكر في تعريف الصحابي ، أم أضيق؟!
    ثمّ ما المراد بالعدالة ؟! هل هي بمعنى الاِمامة في الدين؟!
    وما المراد بحجّية قول وعمل الصحابي؟! هل هي بمعنى العصمة؟!


    ( 85 )

    أم بمعنى حجّية الفتوى كمجتهدين ، مثل بقية المجتهدين ، بحدود اعتبار الاجتهاد وضوابط موازينه الشرعية ؟!
    وعلى هذا ، فلِمَ لا يحتمل القائل خطأ أصحاب السقيفة في بيعتهم ، وخطأ اجتهادهم مع وجود النصَّين القرآني والنبوي على إمامة عليّ عليه السلام ؟!
    ولِـمَ يدّعي القائل امتناع احتمال ذلك؟!
    وكيف يبيّن الملازمة بين فضيلة الشيخين ، وبين امتناع خطأ اجتهادهما ، بعد فرض تسليمه بعدم عصمتهما؟!
    وإذا كانت المسألة اجتهاديّة فلم لا يسوّغ الاجتهاد المخالف؟!
    أم هي بمعنى حجّية روايتهم كرواة ثقات ، بحدود حجّيّة قول الراوي في الخبر؟!
    ثمّ ما هو الغرض المترتّب على سـدّ الحديث والكلام عمّا وقع منهم وبينهم؟!
    وكيف يتلاءم ذلك مع دعوى الاقتداء بهم ، إذا لم تعرف سيرتهم وأعمالهم؟!
    ونذيّـل المقال ببعض الاَحاديث التي ذكرها أصحاب الصحاح :
    1 ـ روى البخاري في صحيحه ، عن أبي وائل ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : إنّ المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، كانوا يومئذ يسرّون واليوم يجهرون(1) .
    وهو مثار سؤال واجه كثيراً من الباحثين في التاريخ الاِسلامي؛ إذ أنّ
    ____________
    (1) صحيح البخاري 9|104 ح 56 كتاب الفتن ب 21 .
    ( 86 )

    القرآن الكريم في سوره المباركة أشار إلى مشكلة كبيرة وخطيرة كانت قائمة تواجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وهي أصناف وطوائف المنافقين ، وقد أشرنا في ما سبق إلى بعض تلك السور الكريمة ، ولا يفتأ القرآن يتابعهم في كلّ خطواتهم ، التي كانت خطيرة على أوضاع المسلمين حتّى آخر حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم . .
    ولكن فجأة لا يرى الباحث في التاريخ وجوداً لهذه المشكلة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ! فهل إنّ أفراد طوائف ومجموعات النفاق قد تابوا وآمنوا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؟! أم إنّ الوضع ـ كما يصفه حذيفة بن اليمان ، الخبير بمعرفة المنافقين ، كما في روايات الفريقين ، والذي شهد مؤامرة العقبة التي دُبّرت في غزوة «تبوك» لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ عاد مؤاتياً لتحرّكهم وفسح المجال لهم بالجهر بمقاصدهم التي يحيكونها ضـدّ الاِسـلام؟!
    2 ـ وروى أيضاً ، عن أبي الشعثاء ، عن حذيفة ، قال : إنّما كان النفاق على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمّا اليوم فإنّما هو الكفر بعد الاِيمان(1) .
    3 ـ وروى مسلم في صحيحه ، عن قيس ، قال : قلت لعمّار : أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر عليٍّ ، أرأياً رأيتموه ، أو شيئاً عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!
    فقال : ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافّة ، ولكنّ حذيفة أخبرني ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : في أصحابي اثنا عشر منافقاً ، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في
    ____________
    (1) صحيح البخاري 9|104 ح 58 كتاب الفتن ب 21 .
    ( 87 )

    سمّ الخياط ، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة؛ وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم .
    والذيل من قول الراوي عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن قيـس(1) .
    وروى مثله بطريق آخر(2) .
    وما قاله عمّار بيّن؛ لاَنّ تنصيب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام يوم الغدير كان على ملأ الناس الراجعين من حجّة الوداع ، وغيرها من المواطن الاَُخرى ، وإنّما أراد عمّار بيان أنّ مناوئي عليّ عليه السلام وخصومه كان حذيفة قد عدّهم من الاثني عشر منافقاً الّذين يمتنع دخولهم الجنّة .
    4 ـ وروى بعد الحديثين السابقين ، عن أبي الطفيل ، قال : كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس ، فقال : أُنشدك بالله ، كم كان أصحاب العقبة؟ قال : فقال له القوم : أخبره إذ سألك!
    قال : كنّا نخبر أنّهم أربعة عشر ، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر ، وأشهد بالله أنّ اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاَشهاد(3) . . الحديث .
    5 ـ وروى مسلم ، عن ابن عمر : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام عند باب حفصة ، فقال بيده نحو المشرق : «الفتنة ها هنا ، من حيث يطلع قرن الشيطان» قالها مرّتين أو ثلاثاً(4) .
    ____________
    (1) صحيح مسلم 8|122 كتاب صفات المنافقين وأحكامهم .
    (2) صحيح مسلم 8|122 كتاب صفات المنافقين وأحكامهم .
    (3) صحيح مسلم 8|123 كتاب صفات المنافقين وأحكامهم .
    (4) صحيح مسلم 8|181 كتاب الفتن وأشراط الساعة .

    ( 88 )

    وقال عبيـدالله بن سعيد في روايته : قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند باب عائشة(1) . .
    وروى عن ابن عمر ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيت عائشة فقال : رأس الكفر من ها هنا ، من حيث يطلع قرن الشيطان . يعني المشرق . والذيل من تفسير الراوي(2) .
    6 ـ وروى أيضاً ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أخبرني من هو خير منّي ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمّار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول : بؤس ابن سميّة ، تقتلك فئة باغية . وفي طريق : ويس أو : يا ويس ابن سميّة(3) . .
    قال النووي في شرح الحديث : قال العلماء : هذا الحديث حجّة ظاهرة في أنّ عليّـاً رضي الله عنه كان محقّـاً مصيباً ، والطائفة الاَُخرى بغاة ، لكنّهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك ، كما قدّمناه في مواضع ، منها هذا الباب . .
    وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أوجه ، منها :
    إنّ عمّاراً يموت قتيلاً ، وإنّه يقتله مسلمون ، وإنّهم بغاة ، وإنّ الصحابة يقاتلون ، وإنّهم يكونون فرقتين : باغية وغيرها ، وكلّ هذا وقع مثل فلق الصبح ، صلّى الله وسلّم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى(4) .
    وروى بطرق أربعة أُخرى ما يقرب من ألفاظ هذا الحديث من أنّ
    ____________
    (1) صحيح مسلم 8|181 كتاب الفتن وأشراط الساعة .
    (2) صحيح مسلم 8|181 كتاب الفتن وأشراط الساعة .
    (3) صحيح مسلم 8|185 ـ 186 كتاب الفتن وأشراط الساعة .
    (4) صحيح مسلم بشرح النووي 18|34 ح 2916 .

    ( 89 )

    عمّاراً تقتله الفئة الباغية(1) .
    هـذا ، وإذا كان النووي يجوّز خطأ اجتهاد معاوية لوجود النصّ على حقّ وصواب عليٍّ عليه السلام ، فلِمَ لا يجوّز النووي وأهل الجماعة خطأ اجتهاد الشيخين مع وجود النصّ على عليّ عليه السلام ؟!
    فإذا كان الاجتهاد ممكن مع وجود النصّ ، ويمكن تأوّل المجتهد للنصّ ، فلِـمَ لا يمكن خطأ المجتهد في تأوّله؟!
    ولِـمَ يمتـنع خطأ اجتهاد أصحاب السـقيفة في تأوّلهم للنصّ على عليّ عليه السلام ؟!
    ولِمَ لا يسوّغ أهل الجماعة لاَنفسهم الاجتهاد في صحّة أو خطأ بيعة السقيفة ، ويفتحوا باب الاجتهاد في ذلك ما دامت أنّ المسألة اجتهادية؟!
    فكيف يدّعون فيها الضرورة أو التسالم ويغلقون باب الاجتهاد والفحص والتحرّي عن الحقيقة؟!
    7 ـ وروى أيضاً ، عن أبي إدريس الخولاني ، كان يقول حذيفة بن اليمان : والله إنّي لاَعلم الناس بكلّ فتنة هي كائنة في ما بيني وبين الساعة وما بي إلاّ أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسـرّ إليّ في ذلك شيئاً لم يحدّثه غيري ، ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو يحدّث مجلساً أنا فيه عن الفـتن(2) . . الحديث .
    وروى أيضاً ، عن عبـدالله بن يزيد ، عن حذيفة ، أنّه قال : أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، فما منه شيء إلاّ وقد
    ____________
    (1) صحيح مسلم 8|185 ـ 186 ، صحيح مسلم بشرح النووي 18|33 ـ 34 ح 2915 و 2916 .
    (2) صحيح مسلم 8|172 كتاب الفتن وأشراط الساعة .

    ( 90 )

    سألته ، إلاّ أنّي لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة(1) .
    8 ـ ورووا في الصحـاح ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّـه قال : «بـينا أنا قائـم ـ يعني يوم القيامة على الحوض ـ إذا زمرة ، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمّ .
    فقلت : أين؟!
    فقال : إلى النار والله .
    قلت : وما شأنهم؟!
    قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ـ إلى أن قال : ـ فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم»(2) . . الحديث .
    وهو يطابق قوله تعالى : (وما محمّـد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)(3) .
    ومفاد الآية ملحمة قرآنية عمّا بعد حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
    ثمّ إنّ القائلين بعدالة الصحابة ما داموا لا يرون في تفسير فضيلة الشيخين معنى العصمة ، فلِمَ يدّعون الملازمة بين اجتهادهما في أمر الخلافة وبين الصواب ، وأنّ تخطئتهما في ما اجتهدا فيه مخالفة لضرورة الدين أو للمتسالم عندهم؟!
    أليست دعوى ضرورة صوابهما هي تثبيت عصمتهما؟!
    ____________
    (1) صحيح مسلم 8|172 كتاب الفتن وأشراط الساعة .
    (2) صحيح البخاري 8|217 ح 166 كتاب الرقاق باب الحوض .
    (3) سورة آل عمران 3 : 144 .

    ( 91 )

    أَوَليس امتناع الخطأ منهما ينافي القول بأنّ ما أتيا به هو اجتهاد منهما؟!
    كما إنّه ما هو المحصّـل من وراء الفضيلة لهما؟!
    هل بمعنى امتناع خطئهما ، وأنّ ما أتيا به لا يمكن أن يُخطىَ الواقع؛ فبتوسّط تلك الفضيلة لم يكن ما يريانه اجتهاد ، وإنّما هو عين اللوح المحفوظ؟!!
    كلّ هذه الجهات يراها الناظر مدمجة عند القائلين بالمقالة المزبورة!

    للبحث صـلة . . .