مصطلحات نحويّة |
السيّد علي حسن مطر
التابعُ في اللغة : اسم فاعل من الفعل ( تَبِـعَ ) ، يقال : « تَبعَ الشيءَ تَبَعاً
وتُباعاً في الاَفعال ، وتَبِـعتُ الشيءَ تُبوعاً : سرتُ في أثره . . . وتبعتُ القومَ
تَبَعاً وتَباعَةً ـ بالفتح ـ إذا مشيتَ خلفهم ، أو مرّوا بك فمضيتَ معهم » (1) .
لم يستعمل النحاة في البداية لفظ ( التابع ) عنواناً للمعنى الاصطلاحي
النحوي ، فقد عبّر سيبويه ( ت 180 هـ ) عن التوابع بقوله : « هذا باب مجرى
النعت على المنعوت ، والشريك على الشريك ، والبدل على المبدل منه ،
وما أشـبه ذلك » (2) .
ويبدو أنّ ابن السرّاج ( ت 316 هـ ) أوّل من استعمل لفظ التابع في
قوله : « باب توابع الاَسماء في إعرابها » (1) .
ولعلّ الرمّاني ( ت 384 هـ ) أوّل من حدّ التابع بمعناه النحوي ، إذ
قال : « التوابع هي الجارية على إعراب الاَُوَل » (2) .
وقريب منه قول ابن بابشاذ ( ت 469 هـ ) : « التابع في العربية هو
الجاري على ما قبله في إعرابه » (3) .
وسوف يلاحظ النحاة(4) على هذا الحدّ أنّه ليس مانعاً ؛ إذ يشمل
خبر المبتدأ ، وحال المنصوب ، والمفعول الثاني ، فإنّها تشارك ما قبلها في
إعرابه ، مع إنّها ليست من التوابع اصطلاحاً ، ولاَجل ذلك عمدوا لاِخراجها
بإضافة قيود احترازية للتعريف .
وحـدّه الزمخشـري ( ت 538 هـ ) بقولـه : « التـوابع هي الاَسماء التي
لا يمسّـها الاِعراب إلاّ على سبيل التبع لغيرها » (5) .
وقد أخذ بهذا الحدّ ابن هشام ( ت 761 هـ ) وأدخل فيه بعض
التعديل بقوله : « التوابع هي الكلمات . . . » (6) ، ولم يقل : ( هي الاَسماء ) ،
ليجعل الحدّ شاملاً الكلمات التي ليست أسماءً كما في توكيد الاَفعال
وحدّه ابن يعيش ( ت 643 هـ ) بقوله : « التوابع هي الثواني المساوية
للاََوّل في الاِعراب ، بمشاركتها له في العوامل ، ومعنى قولنا : ( ثوانٍ ) أي :
فروع في استحقاق الاِعراب؛ لاَنّها لم تكن المقصود ، وإنّما هي من لوازم
الاََوّل كالتتمّة له ، وذلك نحو : قامَ زيدٌ العاقلُ ، فزيد ارتفع بما قبله من
الفعل المسند إليه ، والعاقل ارتفع بما قبله أيضاً من حيث كان تابعاً لزيد
كالتكملة له؛ إذ الاِسناد إنّما كان إلى الاسم في حال وصفه ، فكانا لذلك
اسماً واحداً في الحكم » (1) .
وأمّا ابن الحاجب ( ت 646 هـ ) فقد حدّ التابعَ بأنّه : « كلّ ثانٍ أُعرب
بإعراب سابقهِ من جهة واحدة » (2) .
وممّا ذكره الجامي في شرحه : قوله : ( من جهة واحدة ) يخرج خبر
المبتدأ ، وثاني مفعولَي ظننتُ؛ « لاَنّ العامل في المبتدأ والخبر وإن كان هو
الابتداء . . . لكنّ هذا المعنى من حيث إنّه يقتضي مسنداً إليه صار عاملاً في
المبتدأ ، ومن حيث إنّه يقتضي مسنداً صار عاملاً في الخبر ، فليس
ارتفاعهما من جهة واحدة ، وكذا ( ظننتُ ) من حيث إنّه يقتضي شيئاً مظنوناً
فيه ومظنوناً ، عمل في مفعولَيه ، فليس انتصابهما من جهة واحدة ، وكذلك
( أعطيتُ ) من حيثُ إنّه يقتضي آخذاً ومأخوذاً ، عمل في مفعولَيه ، فليس
انتصابهما من جهة واحدة » (3) .
وأمّا ابن مالك ( ت 672 هـ ) فقد طرح صياغتين لحدّ التابع :
الاَُولى : التابع : « ما ليس خبراً من مشارك ما قبله في إعرابه وعامله
مطلقاً » (1) .
وشرحه السلسيلي قائلاً : « خرجَ عنه بنفي كونه خبراً ( حامض ) من
قولكَ : ( هذا حلوٌ حامضٌ ) ؛ فإنّه مشارك لِما قبله في إعرابه وعامله ، إلاّ إنّه
خبر ، وخرج عنه بقيد المشاركة في العامل التمييز في نحو : ( اشتريت رطلاً
زيتاً ) ؛ لاَنّ مشاركته لِما قبله إنّما هي في الاِعراب فقط؛ لاَنّ عامل المميّز
( اشتريت ) ، وعامل التمييز ( المميّز ) وهو ( الرطل ) ، وخرج عنه بقيد
( الاِطلاق ) المفعول الثاني من ( أعطيتُ زيداً درهماً ) و( ظننتُ عَمْراً
كريماً ) ، والحال في ( أبصرتُ زيداً راكباً ) ؛ لاَنّ مشاركة هذه الاَصناف
الثلاثة لِما قبلها في الاِعراب ليس بلازم(2)؛ إذ قد تزول عند تبديل العامل ،
نحو : مررتُ بزيدٍ راكباً ، وظُنّ عمروٌ كريماً » (3) .
والثانية : ما ذكره في كافِـيَـته بقوله :
وقال في شرحه : « التالي يعمُّ خبر المبتدأ وثاني المفعولين ، وحالَ
المنصوب ، والجواب المجزوم بعد شرط مجزوم ، وقولي : ( بلا تقيُّـدِ )
مُخرج لِما سوى التابع؛ لاَنّها لا تساوي ما قبلها في الاِعراب ، إلاّ مع كون
عامله الموجود في الحال غير متبدّل ، فلو تبدّل بعامل متجدّد لزال التوافق
ويحسن التعقيب على هذا الحدّ بالاِشارة إلى النقاط التالية :
* الاَُولى : إنّ قوله : ( بلا تقيّـد ) وقوله : ( في حاصلِ الاِعرابِ
والمجدَّدِ ) بمعنىً واحدٍ ، وهو ما عبّر عنه بـ ( الاِطلاق ) في الحدّ السابق ،
فالمناسب الاكـتفاء بأحدهما في التعريف ، وهذا ما فعله ابن الناظم ( ت
686 هـ ) في شـرحه على الألفـيّة ؛ إذ عـرّف التابـع بقـوله : « هو المشـارك
ما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدّد » (2) .
* الثانية : إنّه اقتصر في هذا التعريف على مشاركة التابع للمتبوع في
الاِعراب ، ولم يشر إلى مشاركته إيّاه في العامل؛ إذ لا ضرورة لذلك بعد
الالتفات إلى إنّ قيد المشاركة في الاِعراب مطلقاً ومهما تغيّرت العوامل ،
يخرج من التعريف ما ليس تابعاً كالتمييز في نحو : اشتريتُ رطلاً زيتاً؛ فإنّ
مشاركته للمميَّـز في الاِعراب ليست لازمة؛ إذ تزول بتغيّر العامل نحو : هذا
رطلٌ زيتاً .
* الثالثة : إنّه لم يقيّد التابع بكونه ( ليس خبراً ) لاِخراج ( حامض )
من قولنا : هذا حلوٌ حامضٌ ، وقد يقال بخروجه دون حاجة للقيد المذكور؛
« لاَنّه لا يتبع ما قبله في إعرابه المتجدّد؛ لاَنّك تقول : نظرت إلى رمّانٍ حلوٍ
حامضاً ، أي في حال كونه حامضاً ، إلاّ أنْ يقال : مع كون المجموع بمعنى
( مُـزّ ) لا يصحّ جعل حامض حالاً » (3) .
ويلاحظ أنّ النحاة المتأخّرين ـ باستثناء الاَُشموني ( ت 900 هـ ) (1)
والفاكهي ( ت 972 هـ ) (2) ـ قد أخذوا بمضمون الحدّ الاَخير لابن مالك ،
ولم يعيـروا اهتماماً لتقيـيد تعريف التابـع بكونـه ( غير خبر ) ، فـقد حدّه
ابن جماعة ( ت 733 هـ ) بأنّه : « الموافق متبوعاً في إعرابه مطلقاً » (3) . .
وعرّفه ابن عقيل ( ت 769 هـ ) بأنّه : « الاسم المشارك لِما قبله في
إعرابه مطلقاً » (4) .
ويرد عليه : إنّ أخذ ( الاسم ) جنساً في حدّ التابع يجعله غير جامع
لاَفـراده ممّـا لا يكون التابـع فيه اسـماً ، وهذا الاِيراد يتوجّـه أيضـاً لقول
ابن مالك في ألفيّـته :
يتبعُ في الاِعرابِ الاَسماءَ الاَُوَلنعتٌ وتوكيدٌ وعطفٌ وبَدَل
وقد نبّه على ذلك الاَُشموني واعتذر عنه بقوله : « إنّ التوكيد والبدل
وعطف النسق تتبع غير الاسم ، وإنّما خصّ الاَسماء بالذِكر لكونها الاَصل
في ذلك » (5) .
ويشكل على الحدود السابقة جميعها بـ : « نحو قامَ قامَ زيد ، ونَعَم
ونَعَم ، ولا لا ، ولا تبعيّة في شيء منها [ في الاِعراب ] ، ويجاب عن
الاِشكال بأنّ المراد : يتبع في الاِعراب وجوداً وعدماً ، وقريب منه أن يقال :
ويشكل عليها أيضاً بنحو : « يا زيدُ الفاضلُ ، ويا سعيدُ كرزٌ ، بضمّ
الفاضلِ وكرز اتّباعاً لضمّة زيد وسعيد؛ فإنّ تبعية الفاضلِ وكرزٍ لزيدٍ وسعيدٍ
ليست تبعيةً في الاِعراب ، والجواب : إنّ المراد الاِعراب وما يشبهه من
حركة عارضة لغير الاِعراب ، مع إنّهما تابعان لزيد وسعيد في إعراب غير
ظاهر ، بل هو محلّيّ في المتبوع ، وتقديري في التابع منع من ظهوره حركة
الاِتباع » (2) .
*
*
للنعت في اللغة عدّة معانٍ ، أهمّها (1) :
* أوّلاً : « وصفُكَ الشيءَ . . . والنعت ما نُعتَ به ، نَعَتَه ينعتُه نعتاً :
وصـفه » .
* ثانياً : الجيّد من كلّ شيء .
* ثالثاً : الفَرَس الذي يكون غايةً في العتق .
والمعنى الاَوّل هو المناسب للمعنى الاصطلاحي النحوي .
وقال في القاموس : النعتُ والوصفُ مصدران بمعنىً واحد ، والصفة
تطلق مصدراً بمعنى الوصف ، واسماً لِما قام بالذات من المعاني كالعلم
والسواد (2) .
استعمل سيبويه ( ت 180 هـ ) ألفاظ النعت والوصف والصفة عناوين
للمعنى الاصطلاحي النحوي (3) ، وعليه فلا صـحّة لِما ذكره بعض القدماء
وأقدم من وجدته يعرف النعتَ اصطلاحاً ابن جنّي ( ت 392 هـ )
بقوله : « الوصف : لفظ يتبع الاسم الموصوف تحليةً له وتخصيصاً ممّن له
مثل اسمه ، بذِكر معنىً في الموصوف أو في شيءٍ من سببه » (2) .
والمراد بقوله : ( يتبع ) التبعيّة في الاِعراب ، وقوله : ( تحلية له
وتخصيصاً ) بيان للغرض من الاِعراب ، وليست له مدخلية في بيان ذات
المعرَّف ، وقوله : ( بذكر معنى في الموصوف أو في شيء من سببه ) إشارة
إلى ما استقرّ لديهم في ما بعد من تقسيم النعت إلى حقيقي وسببي .
وحدّه ابن بابَشاذ ( ت 469 هـ ) بأنّه : « تحلية المنعوت بفعله أو
بصناعته أو بنسبه أو بـ ( ذي ) التي بمعنى صاحب » (3) .
وواضح أنّ هذا تعريف للنعت بمعناه المصدري وبما هو فعل
يمارسه الناعت ، وليس تعريفاً للنعت بمعناه الاسمي بوصفه أحد التوابع
النحوية .
وحدّه الزمخشري ( ت 538 هـ ) بأنّه : « الاسم الدالّ على بعض أحوال
وقد لاحظ عليه ابن الحاجب : إنّه « غير مستقيم؛ فإنّه ينتقض
بالحال؛ فإنّه يدلّ على بعض أحوال الذات وليس بصفة » (3) . .
ولم يرتضه ابن يعيش ( ت 643 هـ ) وفضّل الاَخذ بتعريف ابن جنّي
المتقدّم قبل أن يشرع في عرض الاِشكالات على حدّ الزمخشري ، فقال :
« والصفة لفظ يتبع الموصوف في إعرابه تحلية وتخصيصاً له بذِكر معنىً في
الموصوف أو في شيءٍ من سببه . . . وقوله : ( الاسم الدالّ على بعض
أحوال الذات ) تقريب وليس بحدٍّ على الحقيقة ؛ لاَنّ الاسم ليس بجنس
لها؛ ألا ترى أنّ الصفة قد تكون بالجملة والظرف ، نحو : مررت برجلٍ
قامَ . . . وبرجلٍ في الدارِ ، فقولنا : ( لفظ ) أسـدُّ؛ لاَنّه يشمل الاسم والجملة
والظرف ، وقوله : ( الدالّ على بعض أحوال الذات ) لا يكفي فصلاً؛ ألا
ترى أنّ الخبر دالّ على بعضِ أحوال الذات ، نحو : زيدٌ قائمٌ . . . فإنْ أضاف
إلى ذلك ( الجاري عليه في إعرابه ) أو ( التابع له في إعرابه ) استقام حـدّاً
وفصله عن الخبر؛ إذ الخبر لا يتبع المخبر عنه في إعرابه » (4) .
وحدّه ابن الحاجب ( ت 646 هـ ) بأنّه : « تابع يدلّ على معنىً في
متبوعه مطلقاً » (5) ، أو « من غير تقيـيد » (6) .
وقال في شرحه : « يدخل في ( تابع ) جميع التوابع ، ويخرج عنه خبر
وعلّق الرضيّ على هذا الحدّ بقوله : « يدخل فيه البدل في نحو
قولك : ( أعجبني زيدٌ عِلمُهُ ) ، ولو قال : ( يدلّ على معنىً في متبوعه أو
متعلّقه ) لكان أعمّ؛ لدخولِ نحو : مررتُ برجلٍ قائم أبوه ، فيه . . . وأمّا
التأكيد المفيد للاِحاطة ، فداخل في هذا الحدّ؛ إذ ( كلّهم ) في : جاءني القوم
كلّهم يدلّ على الشمول الذي في القوم . . . وقوله : ( مطلقاً ) قصد به إخراج
الحال في نحو قولك : ضربتُ زيداً مجرّداً؛ فإنّ ( مجرّداً ) دالّ على معنىً
في زيد ، لكن لا مطلقاً ، بل مقيّداً بحال الضرب » (2) .
وقد أجاب ابن الحاجب عن إشكال عدم مانعيّة الحدّ وشموله للحال
المؤكّدة قائلاً : « إنّما أتى قوله ( من غير تقييد ) على سبيل التبيين ، لا على
معنى أنّـه داخل في تتمّـة الحدّ؛ والحال ليس بتابع؛ نعم ، لو قلنا في
الحال : ما بيّن هيئة الفاعل أو المفعول ، لوردت الصفة ، إذن فنقول في
الصفة ( من غير تقييد ) فتخرج حينئذٍ » (3) .
وأمّا ابن عصفور ( ت 669 هـ ) فقد حدّ النعتَ بأنّه : « اسم أو ما هو
في تقديره من ظرف أو مجرور أو جملة ، يتبع ما قبله ، لتخصيص نكرةٍ ،
أو لاِزالة اشتراك عارض في معرفة ، أو مدحٍ ، أو ذمٍّ ، أو ترحّم ، أو تأكيد
ممّا يدلّ على حليته أو نسبه أو فعله أو خاصّة من خواصّـه » (4) .
وفي هذا الحدّ شيء من الاِطالة ، رغم ما ذهب إليه بعض النحاة من
عدّه « أحسن تعاريف النعت؛ باعتبار تعرّضـه لتفاصيله » (1)؛ فإنّ ذِكر
التفاصيل في الحدود غير محبّذ؛ لاَنّ المطلوب فيها بيان ذاتيّات المحدود ،
وأمّا التفاصيل فإنّ بيانها يترك إلى شرح الحـدّ .
وأمّا ابن مالك ( ت 672 هـ ) فقد طرح حدّين للنعت :
أوّلهما : « هو التابع المقصود بالاشتقاق وضعاً أو تأويلاً » (2) .
وممّا ذكره السلسيلي في شرحه : « قوله : ( التابع ) جنس يشمل سائر
التوابع ، وقوله : ( المقصود بالاشتقاق ) أخرج بقيّة التوابع ، ( وضعاً ) نحو :
مررت برجلٍ كريمٍ ، ( أو تأويلاً ) كذي مالٍ من قولهم : مررتُ برجلٍ ذي
مالٍ . . . وقوله : ( المقصود بالاشتقاق ) ولم يقل : المشتقّ؛ ليخرج ما غلب
من الصفات المشتقّة حتّى صار التعيين به أكمل من العَلَم كالصدّيق
والصَّعِق » (3) .
وثانيهما : ما ذكره في أُرجوزته بقوله :
وبعبارة أُخرى : هو « التابع المكمّل متبوعه ببيان صفة من صفاته . . .
أو من صفات ما تعلّق به ، وهو سببيّه » (4) .
وقد شرحه ابن مالك نفسه قائلاً : « فقولي : ( متمّ ما سبق ) مخرج
لعطف النسق والبدل ، ويشترك مع النعت في قولي : ( متمّ ما سبق ) التوكيد
ويلاحظ أنّ السيوطي قال في تفسير قول ابن مالك ( تابع ) : « أي تالٍ
لا يتقدّم أصلاً » (4) . .
ويرد عليه : إنّ النعت وإن كان تالياً متأخّراً عن المنعوت ، إلاّ إنّ هذا
التفسير لا يلائم مراد ابن مالك كما يستفاد من سياق كلامه ، بل مراده : إنّ
النعت يتبع المنعوت في الاِعراب .
وقد أخذ ابن الناظم ( ت 686 هـ ) بمضمون حدّ والده المتقدّم ،
فقال : « النعتُ هو : التابع الموضّح متبوعه والمخصّـص له بكونه دالاًّ على
وقد لوحظ أنّ النعت قد لا يكون موضّحاً للمعرفة أو مخصّـصاً
للنكرة ، فأشكل على حدّ ابن مالك بأنّه : « غير شامل لاَنواع النعت؛ فإنّ
النعت قد يكون لمجرّد المدح كـ ( الحمدُ للهِ ربّ العالمين ) ، أو لمجرّد
الذمّ ، نحو : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أو الترحّم ، نحو : اللّهمّ أنا
عبـدُك المسكين ، أو للتوكيد ، نحو : نفخةٌ واحدةٌ » (2)!
وقد دفع هذا الاِشكال بردّين :
* أوّلهـما : إنّ « المراد بالمتمّم : المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب
المقام من توضيح . . . أو تخصيص . . . أو مدح . . . أو ذمّ . . . أو ترحّم . . .
أو توكيد . . . » (3) .
وقد ذكر اللقاني هذا الردّ أيضاً بقوله : إنّ عدم شمول الحدّ ناتج عن
« تفسير التكميل بما ذكره من التوضيح والتخصيص ، ولو فسّـره بما هو من
تتمّاته وتكملاته التي هي أوصافه أو أوصاف ما يتعلّق به كما هو الظاهر؛
لشـمل ذلك » (4) .
* وثانيهما : « إنّ قوله : ( متمٌّ ما سبق ) المقصود منه أصالة إتمام
متبوعه ، أي : إيضاحه وتخصيصه ، فلا يرد النعت لغير الاِيضاح ، كالمدح
والذمّ والتأكيد؛ لاَنّ هذا أمر عارضٌ ومنه النعت الكاشف إذا خوطب به
وهذا الردّ لا يقوى على دفع الاِشكال؛ لاَنّنا نريد تعريف ما يعربه
النحاة نعتاً ، ولا شـكّ في أنّ ما يردُ لغير الاِيضاح والتخصيص داخل فيه ،
مع أنّ التعريف لا يشمله .
وأمّا الاِشبيلي ( ت 688 هـ ) فقد حدّ النعتَ بأنّه : « الاسم الجاري على
ما قبله؛ لاِفادة وصف فيه أو في ما هو من سببه » (2) .
ويلاحظ عليه : أخذه الاسم جنساً في التعريف ممّا يُخلّ بجامعيّته ،
وإنْ أحسن بعدم تعرّضه لبيان أغراض النعت في متن الحدّ .
وحدّه أبو حيّـان ( ت 745 هـ ) بقوله : « النعتُ هو التابع المشتقّ أو
المقدّر بالمشتقّ ، نحو : قام زيدٌ الفاضل ، وجاء زيد الاَسـد » (3) .
« وقوله : ( المشتقّ . . . إلى آخره ) فصل مخرج لِما عدا النعت ،
والمراد بالمشتقّ أربعة : اسم الفاعل كضارب ، واسم المفعول كمضروب ،
والصفة المشبّهة كحَسَـن ، واسم التفضيل كأعلم وأكبر ، والمراد بالمؤوّل به
أربعة أيضاً : الاسم الجامد الدالّ على معنىً في ما أُجري عليه ، كأسـدٍ في
المثال؛ فإنّه دالٌّ على معنى الشجاعة ، والظرف والجار والمجرور والجملة
بعد النكرات ، نحو : مررت بطائر فوق غصنٍ ، وبرجلٍ من بني تميم ، وقائمٍ
أبـوه » (4) .
ولاحظ ابن هشام ( ت 761 هـ ) على هذا الحدّ أنّه غير مانعٍ ، فأضاف
إليه قيداً احترازياً ، وحدّ النعت بأنّه : « التابع المشتقّ أو المؤوّل به ، المباين
للفظ متبوعه » (1) .
وقال في شرحه : « إنّ قيد المشتقّ أو المؤوّل به مخرج لبقيّة التوابع؛
فإنّها لا تكون مشتقّة ، ولا مؤوّلة به ، ألا ترى أنّك تقول في التوكيد : جاء
القوم أجمعون ، وجاء زيدٌ زيدٌ ، وفي البيان والبدل : جاء زيد أبو عبـدالله ،
وفي عطف النسق : جاء زيدٌ وعمرو ، فتجدها توابع جامدة . . . ولم يبق إلاّ
التوكيد اللفظي؛ فإنّه قد يجيء مشتقّاً كقولك : جاء زيدٌ الفاضلُ الفاضلُ ،
الاَوّل نعت ، والثاني توكيد لفظيّ ، فلهذا أخرجته بقولي : المباين للفظ
متبوعه » (2) .
وقد اكتفى النحاة المتأخّرون عمّن ذكرناه باختيار أحد الحدود
السالفة ، ولم يأتوا بجديد في مجال تعريف النعت .
*
*