بعدقبل

مصطلحات نحويّة
(15)





السيّد علي حسن مطر



ثامن وعشـرون ـ مصطلح التابع
التابعُ في اللغة : اسم فاعل من الفعل ( تَبِـعَ ) ، يقال : « تَبعَ الشيءَ تَبَعاً وتُباعاً في الاَفعال ، وتَبِـعتُ الشيءَ تُبوعاً : سرتُ في أثره . . . وتبعتُ القومَ تَبَعاً وتَباعَةً ـ بالفتح ـ إذا مشيتَ خلفهم ، أو مرّوا بك فمضيتَ معهم » (1) .
لم يستعمل النحاة في البداية لفظ ( التابع ) عنواناً للمعنى الاصطلاحي النحوي ، فقد عبّر سيبويه ( ت 180 هـ ) عن التوابع بقوله : « هذا باب مجرى النعت على المنعوت ، والشريك على الشريك ، والبدل على المبدل منه ، وما أشـبه ذلك » (2) .
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة « تبع » .
(2) الكتاب ، سيبويه ، تحقيق عبـد السلام هارون 1 | 421 .

(170)

ويبدو أنّ ابن السرّاج ( ت 316 هـ ) أوّل من استعمل لفظ التابع في قوله : « باب توابع الاَسماء في إعرابها » (1) .
ولعلّ الرمّاني ( ت 384 هـ ) أوّل من حدّ التابع بمعناه النحوي ، إذ قال : « التوابع هي الجارية على إعراب الاَُوَل » (2) .
وقريب منه قول ابن بابشاذ ( ت 469 هـ ) : « التابع في العربية هو الجاري على ما قبله في إعرابه » (3) .
وسوف يلاحظ النحاة(4) على هذا الحدّ أنّه ليس مانعاً ؛ إذ يشمل خبر المبتدأ ، وحال المنصوب ، والمفعول الثاني ، فإنّها تشارك ما قبلها في إعرابه ، مع إنّها ليست من التوابع اصطلاحاً ، ولاَجل ذلك عمدوا لاِخراجها بإضافة قيود احترازية للتعريف .
وحـدّه الزمخشـري ( ت 538 هـ ) بقولـه : « التـوابع هي الاَسماء التي لا يمسّـها الاِعراب إلاّ على سبيل التبع لغيرها » (5) .
وقد أخذ بهذا الحدّ ابن هشام ( ت 761 هـ ) وأدخل فيه بعض التعديل بقوله : « التوابع هي الكلمات . . . » (6) ، ولم يقل : ( هي الاَسماء ) ، ليجعل الحدّ شاملاً الكلمات التي ليست أسماءً كما في توكيد الاَفعال
____________
(1) الموجز في النحو ، ابن السرّاج ، تحقيق مصطفى الشويمي وبن سالم دامرجي : 61 .
(2) الحدود في النحو ، الرمّاني ، ضمن رسائل في النحو واللغة ، تحقيق مصطفى جواد ويوسف مسكوني : 39 .
(3) شرح المقدّمة المحسبة ، ابن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 2 | 407 .
(4) كابن الحاجب وابن مالك في حدّيهما الآتيـين .
(5) المفصّل في علم العربيّة ، الزمخشري : 110 .
(6) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد : 283 .

(171)

والحروف ، نحو : جاءَ جاءَ زيدٌ ، ولا لا .
وحدّه ابن يعيش ( ت 643 هـ ) بقوله : « التوابع هي الثواني المساوية للاََوّل في الاِعراب ، بمشاركتها له في العوامل ، ومعنى قولنا : ( ثوانٍ ) أي : فروع في استحقاق الاِعراب؛ لاَنّها لم تكن المقصود ، وإنّما هي من لوازم الاََوّل كالتتمّة له ، وذلك نحو : قامَ زيدٌ العاقلُ ، فزيد ارتفع بما قبله من الفعل المسند إليه ، والعاقل ارتفع بما قبله أيضاً من حيث كان تابعاً لزيد كالتكملة له؛ إذ الاِسناد إنّما كان إلى الاسم في حال وصفه ، فكانا لذلك اسماً واحداً في الحكم » (1) .
وأمّا ابن الحاجب ( ت 646 هـ ) فقد حدّ التابعَ بأنّه : « كلّ ثانٍ أُعرب بإعراب سابقهِ من جهة واحدة » (2) .
وممّا ذكره الجامي في شرحه : قوله : ( من جهة واحدة ) يخرج خبر المبتدأ ، وثاني مفعولَي ظننتُ؛ « لاَنّ العامل في المبتدأ والخبر وإن كان هو الابتداء . . . لكنّ هذا المعنى من حيث إنّه يقتضي مسنداً إليه صار عاملاً في المبتدأ ، ومن حيث إنّه يقتضي مسنداً صار عاملاً في الخبر ، فليس ارتفاعهما من جهة واحدة ، وكذا ( ظننتُ ) من حيث إنّه يقتضي شيئاً مظنوناً فيه ومظنوناً ، عمل في مفعولَيه ، فليس انتصابهما من جهة واحدة ، وكذلك ( أعطيتُ ) من حيثُ إنّه يقتضي آخذاً ومأخوذاً ، عمل في مفعولَيه ، فليس انتصابهما من جهة واحدة » (3) .
____________
(1) شرح المفصّل ، ابن يعيش 3 | 38 .
(2) أ ـ الاَمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حمّودي 3 | 61 .
ب ـ شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2 | 277 .
(3) الفوائد الضيائية ، عبـد الرحمن الجامي ، تحقيق أُسامة الرفاعي 2 | 31 ـ 32 .

(172)


وأمّا ابن مالك ( ت 672 هـ ) فقد طرح صياغتين لحدّ التابع :
الاَُولى : التابع : « ما ليس خبراً من مشارك ما قبله في إعرابه وعامله مطلقاً » (1) .
وشرحه السلسيلي قائلاً : « خرجَ عنه بنفي كونه خبراً ( حامض ) من قولكَ : ( هذا حلوٌ حامضٌ ) ؛ فإنّه مشارك لِما قبله في إعرابه وعامله ، إلاّ إنّه خبر ، وخرج عنه بقيد المشاركة في العامل التمييز في نحو : ( اشتريت رطلاً زيتاً ) ؛ لاَنّ مشاركته لِما قبله إنّما هي في الاِعراب فقط؛ لاَنّ عامل المميّز ( اشتريت ) ، وعامل التمييز ( المميّز ) وهو ( الرطل ) ، وخرج عنه بقيد ( الاِطلاق ) المفعول الثاني من ( أعطيتُ زيداً درهماً ) و( ظننتُ عَمْراً كريماً ) ، والحال في ( أبصرتُ زيداً راكباً ) ؛ لاَنّ مشاركة هذه الاَصناف الثلاثة لِما قبلها في الاِعراب ليس بلازم(2)؛ إذ قد تزول عند تبديل العامل ، نحو : مررتُ بزيدٍ راكباً ، وظُنّ عمروٌ كريماً » (3) .
والثانية : ما ذكره في كافِـيَـته بقوله :

التـابع التالـي بلا تقيُّـدِ * في حاصلِ الاِعراب والمجدَّدِ

وقال في شرحه : « التالي يعمُّ خبر المبتدأ وثاني المفعولين ، وحالَ المنصوب ، والجواب المجزوم بعد شرط مجزوم ، وقولي : ( بلا تقيُّـدِ ) مُخرج لِما سوى التابع؛ لاَنّها لا تساوي ما قبلها في الاِعراب ، إلاّ مع كون عامله الموجود في الحال غير متبدّل ، فلو تبدّل بعامل متجدّد لزال التوافق
____________
(1) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات : 163 .
(2) المناسب : ليست بلازمة .
(3) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمّـد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبـدالله البركاتي 2 | 733 .

(173)

في الاِعراب ، بخلاف المسمّى تابعاً في الاصطلاح؛ فإنّ موافقته لِما قبله في الاِعراب لا تتقيّـد بعاملٍ دون عامل » (1) .
ويحسن التعقيب على هذا الحدّ بالاِشارة إلى النقاط التالية :
* الاَُولى : إنّ قوله : ( بلا تقيّـد ) وقوله : ( في حاصلِ الاِعرابِ والمجدَّدِ ) بمعنىً واحدٍ ، وهو ما عبّر عنه بـ ( الاِطلاق ) في الحدّ السابق ، فالمناسب الاكـتفاء بأحدهما في التعريف ، وهذا ما فعله ابن الناظم ( ت 686 هـ ) في شـرحه على الألفـيّة ؛ إذ عـرّف التابـع بقـوله : « هو المشـارك ما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدّد » (2) .
* الثانية : إنّه اقتصر في هذا التعريف على مشاركة التابع للمتبوع في الاِعراب ، ولم يشر إلى مشاركته إيّاه في العامل؛ إذ لا ضرورة لذلك بعد الالتفات إلى إنّ قيد المشاركة في الاِعراب مطلقاً ومهما تغيّرت العوامل ، يخرج من التعريف ما ليس تابعاً كالتمييز في نحو : اشتريتُ رطلاً زيتاً؛ فإنّ مشاركته للمميَّـز في الاِعراب ليست لازمة؛ إذ تزول بتغيّر العامل نحو : هذا رطلٌ زيتاً .
* الثالثة : إنّه لم يقيّد التابع بكونه ( ليس خبراً ) لاِخراج ( حامض ) من قولنا : هذا حلوٌ حامضٌ ، وقد يقال بخروجه دون حاجة للقيد المذكور؛ « لاَنّه لا يتبع ما قبله في إعرابه المتجدّد؛ لاَنّك تقول : نظرت إلى رمّانٍ حلوٍ حامضاً ، أي في حال كونه حامضاً ، إلاّ أنْ يقال : مع كون المجموع بمعنى ( مُـزّ ) لا يصحّ جعل حامض حالاً » (3) .
____________
(1) شرح الكافية الشافية ، ابن مالك ، تحقيق عبـد المنعم هريدي 2 | 1146 ـ 1147 .
(2) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 191 .
(3) حاشية الملوي على شرح المكودي : 119 ـ 120 .

(174)


ويلاحظ أنّ النحاة المتأخّرين ـ باستثناء الاَُشموني ( ت 900 هـ ) (1) والفاكهي ( ت 972 هـ ) (2) ـ قد أخذوا بمضمون الحدّ الاَخير لابن مالك ، ولم يعيـروا اهتماماً لتقيـيد تعريف التابـع بكونـه ( غير خبر ) ، فـقد حدّه ابن جماعة ( ت 733 هـ ) بأنّه : « الموافق متبوعاً في إعرابه مطلقاً » (3) . .
وعرّفه ابن عقيل ( ت 769 هـ ) بأنّه : « الاسم المشارك لِما قبله في إعرابه مطلقاً » (4) .
ويرد عليه : إنّ أخذ ( الاسم ) جنساً في حدّ التابع يجعله غير جامع لاَفـراده ممّـا لا يكون التابـع فيه اسـماً ، وهذا الاِيراد يتوجّـه أيضـاً لقول ابن مالك في ألفيّـته :
يتبعُ في الاِعرابِ الاَسماءَ الاَُوَلنعتٌ وتوكيدٌ وعطفٌ وبَدَل
وقد نبّه على ذلك الاَُشموني واعتذر عنه بقوله : « إنّ التوكيد والبدل وعطف النسق تتبع غير الاسم ، وإنّما خصّ الاَسماء بالذِكر لكونها الاَصل في ذلك » (5) .
ويشكل على الحدود السابقة جميعها بـ : « نحو قامَ قامَ زيد ، ونَعَم ونَعَم ، ولا لا ، ولا تبعيّة في شيء منها [ في الاِعراب ] ، ويجاب عن الاِشكال بأنّ المراد : يتبع في الاِعراب وجوداً وعدماً ، وقريب منه أن يقال :
____________
(1) شرح الاَشموني على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2 | 392 .
(2) شرح الحدود النحوية ، الفاكهي ، تحقيق محمّـد الطيّب الاِبراهيم : 175 .
(3) شـرح الكافيـة ، محمّـد بن إبراهيـم بن جماعـة ، تحـقيـق محمّـد عبـد النبـيّ عبـد المجيد : 210 .
(4) شرح ابن عقيل على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2 | 190 .
(5) شرح الاَُشموني على الاَلفية 2 | 61 .

(175)

يتبع في الاِعراب إن كان هناك إعراب » (1) .
ويشكل عليها أيضاً بنحو : « يا زيدُ الفاضلُ ، ويا سعيدُ كرزٌ ، بضمّ الفاضلِ وكرز اتّباعاً لضمّة زيد وسعيد؛ فإنّ تبعية الفاضلِ وكرزٍ لزيدٍ وسعيدٍ ليست تبعيةً في الاِعراب ، والجواب : إنّ المراد الاِعراب وما يشبهه من حركة عارضة لغير الاِعراب ، مع إنّهما تابعان لزيد وسعيد في إعراب غير ظاهر ، بل هو محلّيّ في المتبوع ، وتقديري في التابع منع من ظهوره حركة الاِتباع » (2) .

***

____________
(1) شرح التصريح على التوضيح ، الشيخ خالد الاَزهري 2 | 108 .
(2) حاشية الصبّان على شرح الاَُشموني 3 | 56 ـ 57 .

(176)

تاسع وعشرون ـ مصطلح النعت

للنعت في اللغة عدّة معانٍ ، أهمّها (1) :
* أوّلاً : « وصفُكَ الشيءَ . . . والنعت ما نُعتَ به ، نَعَتَه ينعتُه نعتاً : وصـفه » .
* ثانياً : الجيّد من كلّ شيء .
* ثالثاً : الفَرَس الذي يكون غايةً في العتق .
والمعنى الاَوّل هو المناسب للمعنى الاصطلاحي النحوي .
وقال في القاموس : النعتُ والوصفُ مصدران بمعنىً واحد ، والصفة تطلق مصدراً بمعنى الوصف ، واسماً لِما قام بالذات من المعاني كالعلم والسواد (2) .
استعمل سيبويه ( ت 180 هـ ) ألفاظ النعت والوصف والصفة عناوين للمعنى الاصطلاحي النحوي (3) ، وعليه فلا صـحّة لِما ذكره بعض القدماء
____________
(1) لسان العرب ، ابن منظور ، مادّة « نعت » .
(2) القاموس المحيط ، الفيروزآبادي ، مادّة « نعت » .
(3) الكـتاب ، سـيبويـه ، تحـقيـق عبـد السـلام هـارون 1 | 421 ـ 429 و 2 | 5 ـ 13 و 192 ـ 193 .

(177)

والمحدثين (1) من أنّ النعت مصطلح كوفيّ وأنّ الوصف والصفة من مصطلحات البصريّـين .
وأقدم من وجدته يعرف النعتَ اصطلاحاً ابن جنّي ( ت 392 هـ ) بقوله : « الوصف : لفظ يتبع الاسم الموصوف تحليةً له وتخصيصاً ممّن له مثل اسمه ، بذِكر معنىً في الموصوف أو في شيءٍ من سببه » (2) .
والمراد بقوله : ( يتبع ) التبعيّة في الاِعراب ، وقوله : ( تحلية له وتخصيصاً ) بيان للغرض من الاِعراب ، وليست له مدخلية في بيان ذات المعرَّف ، وقوله : ( بذكر معنى في الموصوف أو في شيء من سببه ) إشارة إلى ما استقرّ لديهم في ما بعد من تقسيم النعت إلى حقيقي وسببي .
وحدّه ابن بابَشاذ ( ت 469 هـ ) بأنّه : « تحلية المنعوت بفعله أو بصناعته أو بنسبه أو بـ ( ذي ) التي بمعنى صاحب » (3) .
وواضح أنّ هذا تعريف للنعت بمعناه المصدري وبما هو فعل يمارسه الناعت ، وليس تعريفاً للنعت بمعناه الاسمي بوصفه أحد التوابع النحوية .
وحدّه الزمخشري ( ت 538 هـ ) بأنّه : « الاسم الدالّ على بعض أحوال
____________
(1) أ ـ همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، السيوطي ، تحقيق عبـد العال سالم مكرم 5 | 171 .
ب ـ حاشية الخضري على ألفيّة ابن مالك ، ضبط وتصحيح يوسف البقاعي 2 | 598 .
ج ـ المدارس النحوية ، شوقي ضيف : 202 .
(2) اللمع في العربية ، ابن جنّي ، تحقيق فائز فارس : 82 .
(3) شرح المقدّمة المحسبة ، طاهر بن أحمد ابن بابشاذ ، تحقيق خالد عبـد الكريم 2 | 413 .

(178)

الذات » (1) . . وتابعه عليه المطرّزي ( ت 016 هـ ) (2) .
وقد لاحظ عليه ابن الحاجب : إنّه « غير مستقيم؛ فإنّه ينتقض بالحال؛ فإنّه يدلّ على بعض أحوال الذات وليس بصفة » (3) . .
ولم يرتضه ابن يعيش ( ت 643 هـ ) وفضّل الاَخذ بتعريف ابن جنّي المتقدّم قبل أن يشرع في عرض الاِشكالات على حدّ الزمخشري ، فقال : « والصفة لفظ يتبع الموصوف في إعرابه تحلية وتخصيصاً له بذِكر معنىً في الموصوف أو في شيءٍ من سببه . . . وقوله : ( الاسم الدالّ على بعض أحوال الذات ) تقريب وليس بحدٍّ على الحقيقة ؛ لاَنّ الاسم ليس بجنس لها؛ ألا ترى أنّ الصفة قد تكون بالجملة والظرف ، نحو : مررت برجلٍ قامَ . . . وبرجلٍ في الدارِ ، فقولنا : ( لفظ ) أسـدُّ؛ لاَنّه يشمل الاسم والجملة والظرف ، وقوله : ( الدالّ على بعض أحوال الذات ) لا يكفي فصلاً؛ ألا ترى أنّ الخبر دالّ على بعضِ أحوال الذات ، نحو : زيدٌ قائمٌ . . . فإنْ أضاف إلى ذلك ( الجاري عليه في إعرابه ) أو ( التابع له في إعرابه ) استقام حـدّاً وفصله عن الخبر؛ إذ الخبر لا يتبع المخبر عنه في إعرابه » (4) .
وحدّه ابن الحاجب ( ت 646 هـ ) بأنّه : « تابع يدلّ على معنىً في متبوعه مطلقاً » (5) ، أو « من غير تقيـيد » (6) .
وقال في شرحه : « يدخل في ( تابع ) جميع التوابع ، ويخرج عنه خبر
____________
(1) المفصّل في علم العربية ، جار الله الزمخشري : 114 .
(2) المصباح في علم النحو ، ناصر المطرّزي ، تحقيق ياسين محمود الخطيب : 108 .
(3) الاِيضاح في شرح المفصّل ، ابن الحاجب ، تحقيق موسى العليلي 1 | 441 .
(4) شرح المفصّل ، ابن يعيش 3 | 47 .
(5) شرح الرضيّ على الكافية ، تحقيق يوسف حسن عمر 2 | 283 .
(6) الاِيضاح في شرح المفصّل 1 | 441 .

(179)

المبتدأ والمفعول الثاني؛ لِما ذكرناه في حدّ التابع ، وقولنا : يدلّ على معنىً في متبوعه يخرج عنه ما سواه » (1) ، أي : ما سوى النعت من التوابع .
وعلّق الرضيّ على هذا الحدّ بقوله : « يدخل فيه البدل في نحو قولك : ( أعجبني زيدٌ عِلمُهُ ) ، ولو قال : ( يدلّ على معنىً في متبوعه أو متعلّقه ) لكان أعمّ؛ لدخولِ نحو : مررتُ برجلٍ قائم أبوه ، فيه . . . وأمّا التأكيد المفيد للاِحاطة ، فداخل في هذا الحدّ؛ إذ ( كلّهم ) في : جاءني القوم كلّهم يدلّ على الشمول الذي في القوم . . . وقوله : ( مطلقاً ) قصد به إخراج الحال في نحو قولك : ضربتُ زيداً مجرّداً؛ فإنّ ( مجرّداً ) دالّ على معنىً في زيد ، لكن لا مطلقاً ، بل مقيّداً بحال الضرب » (2) .
وقد أجاب ابن الحاجب عن إشكال عدم مانعيّة الحدّ وشموله للحال المؤكّدة قائلاً : « إنّما أتى قوله ( من غير تقييد ) على سبيل التبيين ، لا على معنى أنّـه داخل في تتمّـة الحدّ؛ والحال ليس بتابع؛ نعم ، لو قلنا في الحال : ما بيّن هيئة الفاعل أو المفعول ، لوردت الصفة ، إذن فنقول في الصفة ( من غير تقييد ) فتخرج حينئذٍ » (3) .
وأمّا ابن عصفور ( ت 669 هـ ) فقد حدّ النعتَ بأنّه : « اسم أو ما هو في تقديره من ظرف أو مجرور أو جملة ، يتبع ما قبله ، لتخصيص نكرةٍ ، أو لاِزالة اشتراك عارض في معرفة ، أو مدحٍ ، أو ذمٍّ ، أو ترحّم ، أو تأكيد ممّا يدلّ على حليته أو نسبه أو فعله أو خاصّة من خواصّـه » (4) .
____________
(1) شرح الرضيّ على الكافية 2 | 285 .
(2) شرح الرضيّ على الكافية 2 | 287 .
(3) الاَمالي النحوية ، ابن الحاجب ، تحقيق هادي حمّودي 3 | 58 ـ 59 .
(4) أ ـ المقرّب ، ابن عصفور ، تحقيق عادل عبـد الموجود وعلي معوّض : 294 .
ب ـ شرح جمل الزجّاجي ، ابن عصفور ، تحقيق صاحب أبو جناح 1 | 193 .

(180)

وفي هذا الحدّ شيء من الاِطالة ، رغم ما ذهب إليه بعض النحاة من عدّه « أحسن تعاريف النعت؛ باعتبار تعرّضـه لتفاصيله » (1)؛ فإنّ ذِكر التفاصيل في الحدود غير محبّذ؛ لاَنّ المطلوب فيها بيان ذاتيّات المحدود ، وأمّا التفاصيل فإنّ بيانها يترك إلى شرح الحـدّ .
وأمّا ابن مالك ( ت 672 هـ ) فقد طرح حدّين للنعت :
أوّلهما : « هو التابع المقصود بالاشتقاق وضعاً أو تأويلاً » (2) .
وممّا ذكره السلسيلي في شرحه : « قوله : ( التابع ) جنس يشمل سائر التوابع ، وقوله : ( المقصود بالاشتقاق ) أخرج بقيّة التوابع ، ( وضعاً ) نحو : مررت برجلٍ كريمٍ ، ( أو تأويلاً ) كذي مالٍ من قولهم : مررتُ برجلٍ ذي مالٍ . . . وقوله : ( المقصود بالاشتقاق ) ولم يقل : المشتقّ؛ ليخرج ما غلب من الصفات المشتقّة حتّى صار التعيين به أكمل من العَلَم كالصدّيق والصَّعِق » (3) .
وثانيهما : ما ذكره في أُرجوزته بقوله :
فالنـعـت تـابعٌ مـتمٌّ ما سـبق * بوسـمهِ أو وسـمِ مـا بـهِ اعتـلق

وبعبارة أُخرى : هو « التابع المكمّل متبوعه ببيان صفة من صفاته . . . أو من صفات ما تعلّق به ، وهو سببيّه » (4) .
وقد شرحه ابن مالك نفسه قائلاً : « فقولي : ( متمّ ما سبق ) مخرج لعطف النسق والبدل ، ويشترك مع النعت في قولي : ( متمّ ما سبق ) التوكيد
____________
(1) حاشية الملوي على شرح المكودي : 119 .
(2) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمّـد كامل بركات : 167 .
(3) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمّـد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبـدالله البركاتي 2 | 747 .
(4) شرح ابن عقيل على الاَلفيّة ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 2 | 191 .

(181)

وعطف البيان (1) ، والمراد بإتمامها ما سبق : إنّها تكمّل دلالته وترفع اشتراكه واحتماله ، إلاّ إنّ النعت يوصل إلى ذلك التكميل بدلالته على معنىً في المنعوت أو في شيء من سببه ، أي : في المتعلّقات به ، والتوكيد وعطف البيان ليسا كذلك(2) ، فخرجا حين قلت : ( بوسمه أو وسم ما به اعتلق ) ، فالنعتُ المكمّل متبوعه بوسمه كقولي : امْرُرْ بشخصٍ محسنٍ ، والمكمّل متبوعه بوسم ما به اعتلق كقولي : زُرْ فتىً برّاً بَنوه ، فـ ( برّاً ) نعتٌ جارٍ في اللفظ على ( فتىً ) وهو في المعنى لـ ( بنوه ) . . . وكون النعت موافقاً للمنعوت في الاِعراب مستغنىً عن ذِكره بما تقدّم في حدّ التابع من قولي :
التـابـعُ : التالـي بـلا تـقيّـدِ * في حاصل الاِعراب والمجدّدِ » (3)

ويلاحظ أنّ السيوطي قال في تفسير قول ابن مالك ( تابع ) : « أي تالٍ لا يتقدّم أصلاً » (4) . .
ويرد عليه : إنّ النعت وإن كان تالياً متأخّراً عن المنعوت ، إلاّ إنّ هذا التفسير لا يلائم مراد ابن مالك كما يستفاد من سياق كلامه ، بل مراده : إنّ النعت يتبع المنعوت في الاِعراب .
وقد أخذ ابن الناظم ( ت 686 هـ ) بمضمون حدّ والده المتقدّم ، فقال : « النعتُ هو : التابع الموضّح متبوعه والمخصّـص له بكونه دالاًّ على
____________
(1) لاَنّ عطف البيان يوضّح فهو مكمّل لِما قبله ، والتوكيد يوضّح أيضاً من حيث إنّه يثبت الحقيقة ويرفع المجاز . ( حاشية الملوي على شرح المكودي : 120 ) .
(2) أمّا التوكيد؛ فلاَنّ نفس الشيء هو الشيء لا معنىً فيه ، وأمّا البيان؛ فلاَنّ ثاني الاسمين هو عين الاَوّل ، قاله ابن مالك في شرح العمدة . ( شرح التصريح على التوضيح ـ للاَزهري ـ 2 | 108 ) .
(3) شرح الكافية الشافية ، ابن مالك ، تحقيق عبـد المنعم هريدي 3 | 1153 ـ 1155 .
(4) البهجة المرضيّة ، السيوطي ، تحقيق مصطفى الدشتي 2 | 53 .

(182)

معنىً في المتبوع . . . أو في متعلّق به ، وهذا مراده بقوله : متمّ ما سبق » (1) .
وقد لوحظ أنّ النعت قد لا يكون موضّحاً للمعرفة أو مخصّـصاً للنكرة ، فأشكل على حدّ ابن مالك بأنّه : « غير شامل لاَنواع النعت؛ فإنّ النعت قد يكون لمجرّد المدح كـ ( الحمدُ للهِ ربّ العالمين ) ، أو لمجرّد الذمّ ، نحو : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أو الترحّم ، نحو : اللّهمّ أنا عبـدُك المسكين ، أو للتوكيد ، نحو : نفخةٌ واحدةٌ » (2)!
وقد دفع هذا الاِشكال بردّين :
* أوّلهـما : إنّ « المراد بالمتمّم : المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام من توضيح . . . أو تخصيص . . . أو مدح . . . أو ذمّ . . . أو ترحّم . . . أو توكيد . . . » (3) .
وقد ذكر اللقاني هذا الردّ أيضاً بقوله : إنّ عدم شمول الحدّ ناتج عن « تفسير التكميل بما ذكره من التوضيح والتخصيص ، ولو فسّـره بما هو من تتمّاته وتكملاته التي هي أوصافه أو أوصاف ما يتعلّق به كما هو الظاهر؛ لشـمل ذلك » (4) .
* وثانيهما : « إنّ قوله : ( متمٌّ ما سبق ) المقصود منه أصالة إتمام متبوعه ، أي : إيضاحه وتخصيصه ، فلا يرد النعت لغير الاِيضاح ، كالمدح والذمّ والتأكيد؛ لاَنّ هذا أمر عارضٌ ومنه النعت الكاشف إذا خوطب به
____________
(1) شرح ابن الناظم على الاَلفيّة : 191 .
(2) أوضـح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك ، ابن هشام ، تحقيق محمّـد محيي الدين عبـد الحميد 3 | 4 .
(3) شرح الاَُشموني على الاَلفيّة 2 | 393 .
(4) حاشية العليمي على شرح التصريح 2 | 108 .

(183)

العالم بحقيقة المنعوت » (1) .
وهذا الردّ لا يقوى على دفع الاِشكال؛ لاَنّنا نريد تعريف ما يعربه النحاة نعتاً ، ولا شـكّ في أنّ ما يردُ لغير الاِيضاح والتخصيص داخل فيه ، مع أنّ التعريف لا يشمله .
وأمّا الاِشبيلي ( ت 688 هـ ) فقد حدّ النعتَ بأنّه : « الاسم الجاري على ما قبله؛ لاِفادة وصف فيه أو في ما هو من سببه » (2) .
ويلاحظ عليه : أخذه الاسم جنساً في التعريف ممّا يُخلّ بجامعيّته ، وإنْ أحسن بعدم تعرّضه لبيان أغراض النعت في متن الحدّ .
وحدّه أبو حيّـان ( ت 745 هـ ) بقوله : « النعتُ هو التابع المشتقّ أو المقدّر بالمشتقّ ، نحو : قام زيدٌ الفاضل ، وجاء زيد الاَسـد » (3) .
« وقوله : ( المشتقّ . . . إلى آخره ) فصل مخرج لِما عدا النعت ، والمراد بالمشتقّ أربعة : اسم الفاعل كضارب ، واسم المفعول كمضروب ، والصفة المشبّهة كحَسَـن ، واسم التفضيل كأعلم وأكبر ، والمراد بالمؤوّل به أربعة أيضاً : الاسم الجامد الدالّ على معنىً في ما أُجري عليه ، كأسـدٍ في المثال؛ فإنّه دالٌّ على معنى الشجاعة ، والظرف والجار والمجرور والجملة بعد النكرات ، نحو : مررت بطائر فوق غصنٍ ، وبرجلٍ من بني تميم ، وقائمٍ أبـوه » (4) .
____________
(1) حاشية الصبّان على شرح الاَُشموني 3 | 59 .
(2) البسيط في شرح جمل الزجّاجي ، الاِشبيلي ، تحقيق عيّاد الثبيتي 1 | 297 .
(3) أ ـ شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق هادي نهر 2 | 217 .
ب ـ غاية الاِحسان في علم اللسان ، أبو حيّان الاَندلسي ، مخطوط ، الورقة 8 | أ .
(4) شرح اللمحة البدرية 2 | 218 .

(184)

ولاحظ ابن هشام ( ت 761 هـ ) على هذا الحدّ أنّه غير مانعٍ ، فأضاف إليه قيداً احترازياً ، وحدّ النعت بأنّه : « التابع المشتقّ أو المؤوّل به ، المباين للفظ متبوعه » (1) .
وقال في شرحه : « إنّ قيد المشتقّ أو المؤوّل به مخرج لبقيّة التوابع؛ فإنّها لا تكون مشتقّة ، ولا مؤوّلة به ، ألا ترى أنّك تقول في التوكيد : جاء القوم أجمعون ، وجاء زيدٌ زيدٌ ، وفي البيان والبدل : جاء زيد أبو عبـدالله ، وفي عطف النسق : جاء زيدٌ وعمرو ، فتجدها توابع جامدة . . . ولم يبق إلاّ التوكيد اللفظي؛ فإنّه قد يجيء مشتقّاً كقولك : جاء زيدٌ الفاضلُ الفاضلُ ، الاَوّل نعت ، والثاني توكيد لفظيّ ، فلهذا أخرجته بقولي : المباين للفظ متبوعه » (2) .
وقد اكتفى النحاة المتأخّرون عمّن ذكرناه باختيار أحد الحدود السالفة ، ولم يأتوا بجديد في مجال تعريف النعت .

***


____________
(1) شرح قطر الندى ، ابن هشام ، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد : 283.
(2) شرح قطر الندى : 283 ـ 284 .