بعدقبل

عدالة الصحابة
(4)







الشيخ محمّد السند



حال المسلمين في أُحـد

قال تعالى في سورة آل عمران : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تَحُسّونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم وتنازعتم في الاَمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تُصعِدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أُخراكم فأثابكم غمّاً بغمّ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثمّ أنزل عليكم من بعد الغمّ أَمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمّتهم أنفسُهم يظنّون بالله غير الحقّ ظنّ الجاهلية يقولون هل لنا من الاَمر من شيء قل إنّ الاَمر كلّه لله يخفون في أنفسهم ما لا يُبدون لك يقولون لو كان لنا من الاَمر شيء ما قُتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الّذين كُتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتليَ الله ما في صدوركم وليمحّص ما في قلوبكم والله عليم بذات


(55)

الصدور * إنّ الّذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنّما استزلّهم الشيطان ببعض ما كسَبوا ولقد عفا الله عنهم إنّ الله غفور حليم ) (1) .
وقال تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطيّب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء فآمِنوا بالله ورسله وإنْ تؤمنوا وتتّقوا فلكم أجر عظيم ) (2) .
وقال تعالى : ( وما محمّـد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) (3) .
فهذه الآيات ترسم لنا وتقسّم من كان في ركب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، بأنّ بعضهم كان يريد الدنيا وبعضهم الآخر يريد الآخرة ، وأنّه وقع من كثير من المسلمين فرار بعدما شاهدوا النصر باستزلال الشيطان لهم بسبب بعض الاَعمال السيّئة السابقة ، وأنّ طائفة منهم يظنّون بالله ظنّ الجاهلية ويخفون ذلك في قلوبهم ، وأنّ من صحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في القتال منهم الطيّب ومنهم الخبيث ، وأنّ وقعة أُحد كانت للتمييز بينهما .
وهذا خلاف رأي من يدّعي التعميم والمساواة في مَن صحب ولازم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أنّ التمييز وقع في مَن كان من المسلمين أُحُديّ!
ومن ذلك يتبيّن أنّ التوصيف بكون الشخص بدرياً أو أُحدياً إنّما يكون منقبة إذا كان من الفئة المؤمنة ، لا ما إذا كان من الفئات الاَُخرى ،
____________
(1) سورة آل عمران 3 : 152 ـ 155 .
(2) سورة آل عمران 3 : 179 .
(3) سورة آل عمران 3 : 144 .

(56)

فليس كلّ بدري أو أُحدي هو من الفئة المؤمنة الممدوحة ، بل بعضهم من الفئات المذمومة في سورتَي الاَنفال وآل عمران .
ثمّ إنّ السورة تحذّر ـ أيضاً ـ من وقوع انقلابٍ من المسلمين على الاَعقاب برحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي كتب السير أنّ جماعة من المسلمين لمّا شاهدوا الهزيمة وظنّوا أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد قُتل ، لاذوا بالفرار وصعدوا الجبل ، واجتمعوا حول صخرة ـ عرفوا بعد ذلك بجماعة الصخرة ـ وقالوا : إنّا على دين الآباء (1) ؛ كي يكون ذلك شافعاً لهم عند قريش ، وفي ما سُطر في السير ما يلوح أنّهم ممّن يُعدّون من أعيان القوم ووجوههم .
والمتأمّل للسور الحاكية للغزوات ـ كما تقدّم في سورة الاَحزاب عن غزوة الخندق ، وسورة التوبة عن غزوة تبوك وحنين وغيرهما ـ يجدها ناطقة بلسان التمييز والتقسيم والتصنيف لمن صحب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وشارك في القتال ، وأنّ هناك الفئة الصالحة الثابتة المؤمنة ، وهناك الطالحة وأصناف أهل النفاق ومحترفيه الّذين في قلوبهم مرض .