بعدقبل

تشـييد المـراجَعـات
وتفنيد المكــابَـرات
(16)






السـيّد عليّ الحسـيني الميلاني



قوله تعالى : ( والّذين آمنوا بالله ورسوله اُولئك هم
الصدّيقون والشهداء عند ربّهم . . .
) (1) .

قال السـيّد :
« وهم الصدّيقون والشهداء والصالحون » .

قال في الهامش :
« أخـرج ابن النجّـار ـ كما في الحديث 30 ممّا أشرنا إليه من الصواعق ـ عن ابن عبّـاس ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : الصدّيقون ثلاثة : حزقيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النجّار صاحب ياسين ، وعليّ بن أبي طالب .
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر ـ كما في الحديث 31 ممّا أشرنا إليه من الصواعق ـ عن ابن أبي ليلى ، أنّ رسول الله قال : الصدّيقون ثلاثة :
____________
(1) سورة الحديد 57 : 19 .
(14)

حبيب النجّار مؤمن آل ياسين قال : ( يا قوم اتّبعوا المرسلين ) (1) ، وحزقيل مؤمن آل فرعون قال : ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله ) (2) ، وعليّ بن أبي طالب ، وهو أفضلهم .
والصحاح في سبقه وكونه الصـدّيق الاَكبر والفاروق الاَعظم ، متواترة » .

فقيـل :
« الحديث المذكور في الحاشية موضوع ، أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من رواية أبي نعيم في المعرفة ، وابن عساكر عن ابن أبي يعلى ( والصواب : أبي ليلى ) ولم يتكلّم شارحه المناوي بشيء غير أنّه قال : رواه ابن مردويه والديلمي .
لكنْ قال شيخ الاِسلام ابن تيميّة : هذا حديث كذب .
وأقرّه الذهبي في مختصر المنهاج ( 309 ) .
وكفى بهما حجّة .
ولمّا عزاه ابن المطهّر الشيعي لرواية أحمد ، أنكره عليه شيخ الاِسلام في ردّه عليه فقال : لم يروه أحمد ، لا في المسند ولا في الفضائـل ، ولا رواه أبداً ، وإنّما زاده القطيعي عن الكديمي : حدّثنا الحسن بن محمّـد الاَنصاري ، حدّثنا عمرو بن جميح (3) ، حدّثنا ابن أبي ليلى ، عن أخيه ، عن عبـد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، مرفوعاً .
____________
(1) سورة يسَ 36 : 20 .
(2) سورة غافر 40 : 28 .
(3) كذا ، والصحيح : جميع .

(15)

فعمرو هذا قال فيه ابن عديّ الحافظ : يُتّهم بالوضع .
والكديمي معروف بالكذب .
فسقط الحديث .
ثمّ قد ثبت في الصحيح تسمية غير عليٍّ صدّيقاً ، ففي الصحيحين : إنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم صعد أُحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فرجف بهم ، فقال النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : أُثبت أُحد ، فما عليك إلاّ نبيّ وصدّيق وشهيدان .
وأقرّه الذهبي في مختصره ( 452 ـ 453 ) .
( سلسلة الاَحاديث الضعيفة 1 | 358 ) .
وليس العجب من عبـد الحسين الشيعي في إيراد هذا الحديث ، بل العجب كلّ العجب من ابن حجر الهيتمي ، في سوقه هذا الحديث وأمثاله في فضائل عليٍّ من صواعقه ، وقوله قبل سردها : واقتصرت هنا على ذِكر أربعين حديثاً لاَنّهما من غرر فضائله . ( الصواعق : 121 ) .
وقول المؤلّف : ( والصحاح في سبقه ، وكونه الصدّيق الاَكبر والفاروق الاَعظم متواترة ) مجازفة منه كعادته .
والكلمة الحقّ في هذا الصدد هي قول شيخ الاِسلام ابن تيميّة : والناس قد رووا أحاديث مكذوبة في فضل أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ومعاوية وغيرهم ، لكن المكذوب في فضل عليٍّ أكثر ، لاَنّ الشيعة أجرأ على الكذب من النواصب .
وقال أبو الفرج ابن الجوزي : فضائل عليٍّ الصحيحة كثيرة ، غير أنّ الرافضة لم تقنع ، فوضعت له ما يضع لا ما يرفع ، وحوشيت حاشيته من الاجتياح للباطل .
(16)


( قال : ) واعلم أنّ الرافضة على ثلاثة أصناف :
1 ـ صنف منهم سمعوا أشياء من الحديث ، فوضعوا أحاديث وزادوا ونقصوا .
2 ـ وصنف لم يسمعوا ، فتراهم يكذبون على جعفر الصادق ويقولون : قال جعفر وقال فلان .
3 ـ وصنف ثالث عوامّ جهلة ، يقولون ما يريدون ممّا يسوغ في العقل وما لا يسوغ .
( منهاج السُـنّة 4 | 119 ) » .

أقـول :
هذا تمام كلامِ المتقّول على السـيّد في هذا المقام ، وسننبّه على ما فيه ، بعد الفراغ من الردّ على ما ذكره أئمّته ، أمّا السباب والشتائم فنمرّ عليها مّر الكرام . .
فاعلم أنّ العلاّمة الحلّي ، الحسن بن المطهّر ، قد استدلّ بقوله تعالى : ( والّذين آمنوا بالله ورسله أُولئك هم الصدّيقون والشهداء عند ربّهم ) (1) وجعله « البرهان السادس والعشرون » من براهين الكتاب على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، وقال في ذيل الآية ما نصّه :
« روى أحمد بن حنبل بإسناده ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : الصدّيقون ثلاثة : حبيب بن مري النجّار ، مؤمن آل ياسين ، الذي قال : ( يا قوم اتّبعوا المرسلين ) ،
____________
(1) سورة الحديد 57 : 19 .
(17)

وحزقيل ، مؤمن آل فرعون ، الذي قال : ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله ) ، وعليّ بن أبي طالب الثالث ، وهو أفضلهم .
ونحوه رواه ابن المغازلي الفقيه الشافعي ، وصاحب كتاب الفردوس .
وهذه فضيلة تدلّ على إمامته » .
وأورد الحديث في ما استدلّ به من السُـنّة على إمامته عليه السلام ، قائلاً :
« وعن ابن أبي ليلى ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار مؤمن آل ياسين ، وحزقيل مؤمن آل فرعون ، وعليّ بن أبي طالب ، وهو أفضلهم » .
فهنا مطالب :

(18)

المطلب الاَوّل
في رواة الحديث المذكور
من أئمّة أهل السُـنّة وحفّاظهم

فإنّ من يراجع كتبهم المشهورة يجد الجمّ الغفير منهم يروونه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ومنهم :
1 ـ أحمـد بن حنبـل ، المتوفّى سنة 241 ، كما في فضـائل الصحابة ـ له ـ 2 | 627 و 655 ، ورواه غير واحد عن كتاب المناقب له ، كالمحبّ الطبري في الرياض النضرة 3 | 104 .
2 ـ محمّـد بن إسماعيل البخاري ، صاحب الصحيح ، المتوفّى سنة 256 ، رواه في التاريخ الكبير ، كما في الدرّ المنثور 5 | 262 وفي طبعة 7 | 53 .
3 ـ أبو داود السجستاني ، صاحب الصحيح ، المتوفّى سنة 275 ، كما في الدرّ المنثور 7 | 53 .
4 ـ محمّـد بن سليمان الحضرمي ، المعروف بالمطيَّن ، المتوفّى سنة 297 ، كما في شواهد التنزيل 2 | 226 ح 942 .
5 ـ أبو القاسم الطبراني ، المتوفّى سنة 360 ، كما في الدرّ المنثور 7 | 52 .
6 ـ أبو أحمد عبـدالله بن عديّ الجرجاني ، المتوفّى سنة 365 ، كما في الدرّ المنثور 7 | 53 .
7 ـ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ، المتوفّى سنة 385 ، في
(19)

كتابه المؤتلف والمختلف 2 | 770 .
8 ـ أبو بكر ابن مردويه الاَصبهاني ، المتوفّى سنة 410 ، كما في الدرّ المنثور 7 | 52 .
9 ـ أبو نعيم الاَصبهاني ، المتوفّى سنة 430 ، في معرفة الصحابة 1 | 86 ح 340 ، وانظر : الدرّ المنثور 7 | 53 .
10 ـ أبو بكر الخطيب البغدادي ، المتوفّى سنة 463 ، في تاريخ بغداد 5 | 595 .
11 ـ ابن المغازلي الواسطي الشافعي ، المتوفّى سنة 483 ، في كتابه مناقب عليّ بن أبي طالب : 221 ح 293 و 294 .
12 ـ الحاكم الحسكاني ، المتوفّى بعد سنة 490 ، في شواهد التنزيل 2 | 223 ـ 226 ح 938 ـ 942 .
13 ـ شيرويه بن شهردار الديلمي ، المتوفّى سنة 509 ، في فردوس الاَخبار 2 | 38 ح 3681 ، كما في الدرّ المنثور وغيره .
14 ـ الموفّق بن أحمد ، المعروف بالخطيب الخوارزمي ، المتوفّى سنة 568 ، في كتابه مناقب عليّ بن أبي طالب : 310 ح 307 .
15 ـ أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي ، المتوفّى سنة 571 ، كما في تاريخ دمشق 42 | 43 ح 8374 .
16 ـ الفخر الرازي ، المتوفّى سنة 606 ، أرسله في تفسيره 27 | 57 إرسال المسلّمات .
17 ـ ابن النجّار البغدادي ، المتوفّى سنة 643 ، كما في الدرّ المنثور .
18 ـ محبّ الدين الطبري الشافعي ، المتوفّى سنة 694 ، رواه في الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشّرة 2 | 153 ، وذخائر العقبى في
(20)

مناقب ذوي القربى : 56 .
19 ـ جلال الدين السيوطي ، المتوفّى سنة 911 ، رواه في الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 5 | 262 .
20 ـ ابن حجر الهيتمي المكّي ، المتوفّى سنة 973 ، في الصواعق المحرقة : 192 ـ 193 .
21 ـ الشيخ علي المتّقي الهندي ، المتوفّى سنة 975 ، في كنز العمّال 11 | 601 ح 32896 ـ 32898 ، ومنتخب كنز العمّال ـ بهامش مسند أحمد ـ 5|30 ـ 31 .
22 ـ المناوي ، المتوفّى سنة 1031 ، صاحب فيض القدير في شرح الجامع الصغير ، رواه في كتابه المذكور 4 | 237 ـ 238 وفي طبعة 4 | 313 ح 5148 و 5149 .

***


(21)

المطلب الثاني
في مواضع ذِكر هذا الحديث وألفاظه

فقد أوردوه تارةً بتفسير الآية : ( واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية . . . ) (1) ، وأُخرى بتفسير الآية : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه . . . ) (2) ، وثالثة بتفسير الآية : ( والّذين آمنوا بالله ورسله . . . ) (3) .
* وهو في لفظٍ : « الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار مؤمن آل يسَ الذي قال : ( يا قوم اتّبعوا المرسلين ) ، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال ( أتـقـتلون رجلاً أن يقول ربّي الله ) ، وعليّ بن أبي طالب ، وهو أفضلهم » .
رواه أبو نعيم في المعرفة وابن عساكر ، عن ابن أبي ليلى (4) .
* وفي لفظ : « عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أنّه قال : ثلاثة ما كفروا بالله قطّ : مؤمن آل ياسين ، وعليّ بن أبي طالب ، وآسية امرأة فرعون » (5) .
وقد أورد الحافظ السيوطي في الدرّ المنثور اللفظين المذكورين عن
____________
(1) سورة يسَ 36 : 13 ، انظر : الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 5 | 262 .
(2) سورة غافر 40 : 28 ، انظر : تفسير الفخر الرازي 27 | 57 .
(3) سورة الحديد 57 : 19 ، انظر : شواهد التنزيل 2 | 303 .
(4) معرفة الصحابة 1 | 86 ح 340 ، تاريخ دمشق 42 | 43 ح 8374 ، وانظر : فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4 | 238 .
(5) ترجمة عليّ بن أبي طالب عليه السلام من تاريخ دمشق 2 | 282 .

(22)

عدّةٍ من المصادر ، بتفسير الآية من سورة يسَ ، وأورد قبلهما عن الطبراني وابن مردويه ، عن ابن عبّـاس ، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : « السُّـبَّق ثلاثة : فالسابق إلى موسى يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى صاحب يسَ ، والسابق إلى محمّـد عليّ بن أبي طالب » (1) ممّا يدلّ على اتّحاد مضمون الحديث وإن اختلفت ألفاظه ، مضافاً إلى أنّ « الحديث يفسّر بعضه بعضاً » .
وعلى هذا ، فإنّ لقب « الصدّيق » يختصُّ بسيّدنا الاِمام « عليّ » عليه الصلاة والسلام؛ لاَنّه « لم يكفر بالله قطّ » ولاَنّه « السابق إلى رسول الله » .
وأمّا « أبو بكر » فقد قضى أكثر عمره في « الكفر » ، وأسلم بعد « خمسين » رجل كما في الخبر الصحيح (2) ، فلا يجوز أن يلقَّب بلقب « الصدّيق » .
وفي بعض المصادر جمع بين عنواني « السبق » و « لم يكفروا بالله طرفة عين » ، فقد حكى الحلبي عن الاِمتاع : « وأمّا عليّ بن أبي طالب فلم يكن مشركاً بالله أبداً ، لاَنّه كان مع رسول الله صلّى الله [ وآله ] عليه وسلّم في كفالته كأحد أولاده ، يتبعه في جميع أُموره ، فلم يحتج أنْ يدعى للاِسلام فيقال أسلم » . .
ثمّ قال الحلبي : « ثمّ رأيت في الحديث ما يدلّ لِما في الاِمتاع وهو : ثلاثة ما كفروا بالله قطّ : مؤمن آل ياسين ، وعليّ بن أبي طالب ، وآسية امرأة فرعـون .
والذي في العرائس : روي عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أنّه
____________
(1) الدرّ المنثور بالتفسير بالمأثور 5 | 262 .
(2) تاريخ الطبري 2 | 316 .

(23)

قال : سُبّاق الاَُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين ، حزقيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النجّار صاحب يَس ، وعليّ بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنهم ، وهو أفضلهم » (1) .
ومن هنا يظهر : إنّ كلّ كلام جاء فيه وصف أبي بكر بـ « الصدّيق » فهو ليس من كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وإنْ نسب إليه في كتبهم ولو بسندٍ صحيحٍ عندهم ، كما هو الحال في وصف عمر بـ « الفاروق » فإنّه ليس من رسول الله ، بل لقد نصَّ بعضهم (2) على أنّ « اليهود » هم الّذين لقّبوه بهذا اللقب !
***


____________
(1) السيرة الحلبية 1 | 435 .
(2) تاريخ المدينة المنوّرة ـ لابن شـبة ـ 1 | 662 ، ومصادر أُخرى .

(24)

المطلب الثالث
في اعتبار هذا الحديث سنداً


فقد أرسله بعضهم ـ كالفخر الرازي ـ إرسال المسلَّم ، ووضع الحافظ السيوطي علامة « ح » على أحد لفظيه إشارةً إلى حسنه ، وهو ظاهر العلاّمة المناوي أيضاً ، وجعله الحافظ ابن حجر المكّي من غرر مناقب عليّ عليه السلام .

أقـول :
ومن أسانيده في الكتب المعتبرة : رواية الحافظ الدارقطني ، وهذا نصّ كلامه :
« وأمّا خِربيل ، فهو مؤمن آل ياسين ، ذكره في حديث ابن أبي ليلى عن أبيه عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : الصدّيقون ثلاث : حبيب بن مري النجّار مؤمن آل فرعون ، وخربيل مؤمن آل ياسين ، والثالث عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وهو أفضلهم .
حدّثنا بذلك محمّـد بن القاسم بن بشّار الاَنباري وآخرون ، قالوا : حدّثنا محمّـد بن يونس الكديمي ، حدّثنا عبـد الرحمن بن أبي ليلى ، حدّثنا عمرو بن جميع ، عن ابن أبي ليلى ، عن أخيه عيسى ، عن عبـد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بذلك » (1) .
____________
(1) المؤتلف والمختلف 2|770 .
(25)

وهذا السند لا كلام في رجاله إلاّ في « الكديمي » و « عمرو بن جميع » .
أمّا « محمّـد بن يونس الكديمي » فقد ذكروا أنّه من رجال صحيح أبي داود ، وترجم له الخطيب ترجمة مطوّلة فقال : « كان حافظاً كثير الحديث ، سافر وسمع بالحجاز واليمن ، ثمّ انتقل إلى بغداد فسكنها وحدّث بها ، فروى عنه من أهلها . . . » فذكر جمعاً كثيراً من الاَكابر .
وروى بإسناده عن عبـدالله بن أحمد ، قال : سمعت أبي يقول : كان محمّـد بن يونس الكديمي حسن الحديث ، حسن المعرفة ، ما وجد عليه إلاّ صحبته لسليمان الشاذكوني .
وروى أيضاً عن ابن خزيمة أنّه قال : كتبت عنه بالبصرة في حياة أبي موسى وبندار .
وعن أبي الاَحوص محمّـد بن الهيثم أنّه سئل عن الكديمي فقال : تسألوني عنه ؟ ! هو أكبر مني وأكثر علماً ، ما علمت إلاّ خيراً .
وعن عبدان الاَهوازي أنّه سئل عنه فقال : رجل معروف بالطلب والسماع الكثير ، فاتني عن محمّـد بن معمر بعض التفسير فسمعته من الكديمي .
وعن جعفر الطيالسي : الكديمي ثقة ولكنّ أهل البصرة يحدّثون بكلّ ما يسمعون .
وعن الخطبي : كان ثقة .
وأورد الخطيب كلماتٍ في الطعن عليه ، بل رميه بالكذب ، إلاّ أنّه قال ما نصّه : « قلت : لم يزل الكديمي معروفاً عند أهل العلم بالحفظ ، مشهوراً بالطلب ، مقدّماً في الحديث ، حتّى أكثرَ من روايات الغرائب والمناكير ،
(26)

فتوقّف إذ ذاك بعض الناس عنه ، ولم ينشطوا للسماع منه » (1) .

أقـول :
هذه خلاصة كلماتهم في الرجل ، لكنّ السبب الوحيد في قدح الرجل : صحبته لسلمان الشاذكوني ، كما عن أحمد بن حنبل ، أو تحديثه بكلّ ما سمع كما عن الطيالسي ، أو إكثاره من الغرائب والمناكير كما قال الخطيب . . ولذا أورده الذهبي في ميزانه وجعل من مناكيره : إنّ رسول الله قال لعليّ : سلام عليك يا ريحانتي ، أُوصيك بريحانتَيَّ من الدنيا خيراً ، فعن قليل يهدّ ركناك ، فلمّا قبض النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قال : هذا أحد الركنين ، فلمّا ماتت فاطمة عليها السلام قال : هذا الركن الآخـر .
لكنّ الحافظ ابن حجر لم يذكره في لسانه ؛ لكونه من رجال أبي داود ، وكان قد قرّر أنْ لا يُدخِل في كتابه هذا من أُخرج له في الصحاح السـتّة(2).
والاِنصاف ـ بالنظر إلى ما تقدّم ـ أنّ الرجل ثقة .
ثمّ إنّهم قد رووا الحديث من غير طريق الكديمي ، كما ستعلم .
ومن أسانيده : الروايتان في كتاب فضائل الصحابة لاَحمد بن حنبل :
« حدّثنا محمّد ، قال : حدّثنا الحسن بن عبد الرحمن الاَنصاري ، قال : نا عمرو بن جميع ، عن ابن أبي ليلى ، عن أخيه عيسى ، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم :
____________
(1) تاريخ بغداد 3 | 440 .
(2) راجع : تاريخ بغداد 3 | 435 رقم 1574 ، سير أعلام النبلاء 13 | 302 رقم 139 ، تهذيب التهذيب 9 | 475 ، ميزان الاعتدال 4 | 74 .

(27)

الصـدّيقون ثلاثة : حبيب بن مُريّ النجّار مؤمـن آل يَس ، وخرتـيل مؤمـن آل فرعون ، وعليّ بن أبي طالب ، وهو أفضلهم » (1) .
قال محقّقه : « موضوع لاَجل عمرو بن جميع » .
« وفي ما كـتب إلينا عبـدالله بن غنّام الكوفي ، يذكر أنّ الحسـن بن عبـد الرحمن بن أبي ليلى المكفوف حدّثهم ، قال : أنا عمرو بن جميع البصـري ، عن محمّـد بن أبي ليلى ، عن عيسـى بن عبـد الرحمـن ، عن عبـد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه أبي ليلى ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار مؤمن آل يَس الذي قال ( يا قوم اتّبعوا المرسلين ) ، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله ) ، وعليّ بن أبي طالب الثالث ، وهو أفضلهم » (2) .
قال محقّقه : « موضوع ، والمتّهم به : عمرو بن جميع » .
لكنْ قد عرفت تحسين الحافظ السيوطي ـ وموافقة المناوي له ـ رواية أبي نعيم وابن عساكر ، وهذا هو السند :
« أنبأنا أبو سعد المطرّز وأبو علي الحسن بن أحمد ، قالا : أنبأنا أبو نعيم الحافظ ، أنبأنا إبراهيم بن أحمد بن أبي حصين ، أنبأنا عبـدالله بن غنّام ، أنبأنا الحسن بن عبـد الرحمن ، أنبأنا عمرو بن جميع ، عن ابن أبي ليلى ، عن أخيه عيسى ، عن عبـد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : الصدّيقون ثلاثة : حبيب النجّار مؤمن آل ياسين ، وحزبيل مؤمن آل فرعون ، وعليّ بن أبي طالب ، وهو
____________
(1) فضائل الصحابة 2 | 777 رقم 1072 .
(2) فضائل الصحابة 2 | 814 برقم 1117 .

(28)

أفضلهم » (1) .
ولو كان موضوعاً لَما اتّفق هذا الجمّ الغفير من الاَكابر على روايته ، وهو في فضل عليٍّ عليه السلام ، وبلا تنبيه على أنّه موضوع . . .
ولَما فسّروا به آيات القرآن الكريم . . .
ولَما اعتمده مثل الدارقطني في تعيين اسم مؤمن آل فرعون المختلف في اسمه . . .
ولَما اضطرّ بعضهم إلى تحريفه بوضع اسم « أبي بكر » موضع اسم عليّ (2) . . . !!
وكيف ؟ ! وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « أنا الصدّيق الاَكبر ، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر ، وأسلمت قبل أن يسلم » (3) .
وقال في حديثٍ : « اللّهمّ لا أعرف عبداً من هذه الاَُمّة عبَدَك قبلي غير نبيّك ـ ثلاث مرّات ـ ، لقد صلّيت قبل أن يصلّي الناس سبعاً » .
قال الحافظ الهيثمي : « رواه أحمد وأبو يعلى باختصار ، والبزّار ، والطبراني في الاَوسط .
وإسناده حسن » (4) .
وأخرج ابن ماجة والحاكم بالاِسناد عنه عليه السلام : « إنّي عبـد الله ، وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الاَكبر ، لا يقولها بعدي إلاّ كاذب ، صلّيت قبل
____________
(1) ترجمة الاِمام عليّ عليه السلام من تاريخ دمشق 2 | 282 .
(2) تفسير القرطبي 15 | 306 .
(3) الكنى والاَسماء ـ للحافظ أبي بشر الدولابي ـ 2 | 81 .
(4) مجمع الزوائد 9 | 102 .

(29)

الناس بسبع سنين قبل أن يعبده أحد من هذه الاَُمّة . .
في الزوائد : هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات ، رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال ، وقال : صحيح على شرط الشيخين » (1) .

قلـت :
ومن هذا اللفظ الوارد في كثيرٍ من الكتب يظهر أنّ المراد من كلمة « بعدي » هو البعدية الرتبيّة لا الزمانية ، أي : لا يقولها « غيري » إلاّ كاذب ، ولذا جاءت كلمة « غيري » بدل « بعدي » في بعض المصادر المعتبرة (2) .
وفي كثير من المصادر بالاِسناد عن عبـدالله بن عبّـاس وغيره ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : « ستكون فتنة فمن أدركها فعليه بخصـلتين : كتاب الله وعليّ بن أبي طالب ، فإنّي سـمعت رسـول الله يقول ـ وهو آخذ بيد عليّ ـ : هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو فاروق هذه الاَُمّة ، يفرّق بين الحقّ والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصـدّيق الاَكبر ، وهو خليفتي من بعدي » (3) .
فيكون الحديث نصّـاً في الاِمامة والخلافة لاَمير المؤمنين ، بعد رسـول الله مباشرة ، من وجوهٍ عديدة . . .
ومن هنا لم تتحمّله نفس الذهبي فقال بعد إيراده بترجمة « داهر بن
____________
(1) سنن ابن ماجة 1 | 44 ، المستدرك على الصحيحين 3 | 112 .
(2) تهذيب الكمال 20 | 484 .
(3) الاستيعاب وأُسد الغابة والرياض النضرة ومجمع الزوائد وغيرها .

(30)

يحيى الرازي » : « فهذا باطل ، ولم أر أحداً ذكر داهراً حتّى ولا ابن أبي حاتم بَلَدِيّه » (1) .

قلـت :
فانظر كيف يبطل الحديث مع اعترافه بأنّ أحداً لم يذكر راويه « داهراً » بجرح ؟ ! وانظر من الكاذب ؟ ! ومن المتعصّب ؟ ! واحكم بما يقتضيه الدين والاِنصاف!
***

____________
(1) ميزان الاعتدال 2 | 3 .