(186)
(187)
مَرْثِيَّةُ
الإِمامِ الحُسَينِ عليه السلام
نَظْمُهْا
المُلاَّ حَبيْبِ اللهِ الشَّريفِ الْكاشَانيْ
1262 ـ 1340 هـ ق
تَحْقيقُ
فارِسْ حَسًّونْ كَريمْ
(188)
(189)
مقدّمـة التحقـيق :
بسـم الله الرحمن الرحـيم

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلاته وسلامه على حبيبه المصطفى ،
وعلى أخيه ووصيّه عليّ المرتضى ، وعلى آلهما المنتجبين .
وبعـد :

لا شكّ أنّ وقعة الطفّ هي من الوقائع التاريخيّة الخالدة ، التي أولاها
الباحثون والمتابعون والمحبّون عنايتهم البالغة ، منذ أن جرت سنة 61 هـ
وإلى اليوم ، فلقد نُقلت هذه الواقعة من جيلٍ إلى جيلٍ بكامل جزئيّاتها ، مع
ما رافقها وما أحاط بها مـن ظروف وأحداث ، وما اتّسمت به من مُثُل رائعة
في البطولة والتضحية الّتي أبداها الاَصحاب الخلّص ـ ناهيك عن بطولات
أهل البيت عليهم السلام ، رجالهم ونسائهم ، صغارهم وكبارهم ـ فقد هزّوا ضمائر
البشريّة جمعاء ، وأضحى ـ بعدئذ ـ يوم العاشر من المحرّم هو النشيد
الخالد الّذي يومئ إلى قوافل المجد التي سارت لتحطّم الصخور ، وتدوس
الاَشواك ، وتجذّ لواعج الظمأ ولهيب الصحراء لتصل بالنهاية إلى شاطىَ
الاَمان الاَخضر وضفاف الحقّ والخير والحرّيّة .

ورأت الاِنسانيّة نفسها تستيقظ في هذا اليوم من كلّ سنة لتقف باكية
لمصيبة الحسين عليه السلام ، وتعود بعدها إلى غفلتها التي اعتادت عليها . .
(190)

ولكن عاشوراء يظلّ مستيقظاً يخبرنا بشروق يمزّق غشاوة الظلمة عن
أعيننا ، وينثر النور في دروب المصلحين .
عاشـوراء والشـعراء :

إضافة إلى هؤلاء الباحثين والمتابعين فإنّ الشعراء أيضاً لعبوا دورهم
وتركوا آثارهم في حفظ هذه الواقعة وبقائها حيّة في الوجدان الجماهيري ،
فصارت عاشوراء لا تحتاج الشعر إلاّ كزينة لها ، ومظهر تتجلّى به ، ووتر
يرنّم أُنشودة التضحية والفداء .

ولا غرو أن تثير عاشوراء ـ عند الشعراء ـ كوامن الاِبداع وينابيع
العطاء ليقفوا أمام جلالها وعظمتها وقفة تأمّل ، وبمرور الاَيّام تولّد لنا تراثاً
أدبيّاً حسينيّاً خالداً قد ملاَ فراغاً طالما عانى منه العطاشى الّذين جاؤوا في
العصور الّتي تلت عصر الحسين عليه السلام ، فلم يدركوا تلك المظلوميّة المنتصرة ،
فهم بمطالعتهم وتصفّحهم صفحات هذا التراث الاَدبي وعطائه الزاخر ،
يشعرون وكأنّهم حاضري أرض كربلاء ويشاهدون بأُمّ أعينهم تكاتف
الاِيمان على حدة ، وتكاتف الكفر على حدة أُخرى .
شعر الرثاء :

لم يكن هذا النوع من الشعر جديداً على الاَدب العربيّ ، فقد كان هذا
الشعر تعبيراً عن عواطف الشاعر وأحاسيسه الحزينة حتّى قبل واقعة
كربلاء ، فتارة يكون تجاه شخص معيّن ، وتارة أُخرى تجاه قضيّة معيّنة ،
وتارة ثالثة تجاه شيء ما يشعر الشاعر وكأنّه يفقده أو يذهب عنه .

وبعد استشهاد الاِمام الحسين عليه السلام تكيّف شعر الرثاء باللون الدامع
(191)
الحزين ، لاسيّما وإنّ هذا الاستشهاد رافقه غلظة وفظاعة وقساوة الخصم ،
فلقد كان شعر الرثاء سابقاً ينحصر عند فقدان عزيز ، أو يضطرّ الشاعر أن
يسكب دموعه أمام سلطان من أجل الحصول على المال أو الجاه ، أو
لظروف قبليّة أو سياسيّة أو غيرها .

غير إنّ الرثاء الحسينيّ زخر بكلّ العواطف النبيلة ، وغمر بالدمع
الساخـن والمتفاعـل مع مصيبة الطـفّ ، ليس لكـونها حصلت لذرّيّة
الرسـول صلى الله عليه وآله ، بل إنّها واقعة كانت تحفل بكلّ أشكال الاِثارة ، رسمت من
خلالها ملاحـم البطولة والفداء والعقيدة والاِيثار لتعيد الحياة إلى مهمّة
الشاعر الاِساسيّة ، ألا وهي التفاعل الشعوريّ الصادق مع حاجات الاَُمّة
وثقافتها الاَصيلة .

وإضافة إلى ما فرضته واقعة الطفّ من أُمور نفسيّة وروحيّة فإنّ هناك
بواعث أُخرى تلازمت ، منها تشجيع الاَئمّة عليهم السلام على شعر الرثاء لما له من
الاَجر الكبير في الآخرة ، وهذا بحدّه كافٍ لاِشعال جذوة مشاعر الشعراء
الحسـينيّين .

ومن أوائل شعراء الرثاء التوّابون ، الّذين ندموا على عدم نصرهم
الاِمام الحسين بن عليّ عليه السلام وخذلانه ، أمثال : عوف بن عبـد الله الاَحمر
الاَزدي ، وعبيد الله بن الحرّ الجعفيّ الكوفيّ .

ولم يقتصر الرثاء الحسينيّ على شعراء المسلمين فحسب ، بل شمل
حتّى المسيحيّين العرب ، الّذين تفاعلوا مع هذه الواقعة ورأوا إنّها قضيّة
إنسانيّة تستحقّ الوقوف عندها وإشباع الحسّ الشعريّ من أفانينها ، وأصدق
مثال على ذلك الشاعر بولس سلامة ، الّذي كتب قصيدته الملحميّة حول
أهل البيت عليهم السلام ، وكان يردّد : إنّي مسيحيّ ولكنّ التاريخ مشاع للجميع .
(192)

وهكذا سارت حركة شعر الرثاء حتّى ظهرت موسوعات شعريّة ، لم
تكن سوى امتدادٍ مضخّمٍ لما أرساه هؤلاء الشعراء من أرضيّة موطّدة .

والقصيدة الّتي بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ هي أُنموذج صادق من
شعر الرثاء .
ترجمة الناظم (1)
اسمه الشريف :

هو الملاّ حبيب الله الشريف بن عليّ مدد بن رمضان الساوجي
الكاشاني .
ولادتـه :

ولد قدس سره بكاشان في حدود سنة 1262 هـ ـ 1846 م .
قبس من حياتـه :

كان والده من العلماء الفضلاء من أهل ساوة ، سافر إلى قزوين
فسكنها مـدّة ، ثـمّ انتقل إلى كاشـان فقطنها وتـزوّج بها ، وولد له فيها نجله
ـ حبيب الله قدس سره ـ .

ولمّا بلغ الخامسة من العمر أرسل أهل ساوة إلى أبيه وطلبوا منه
____________
(1) تجد ترجمته أيضاً في : أعيان الشيعة 4 | 559 ، طبقات أعلام الشـيعة ـ القرن
الرابع عشر ـ 1 | 360 ـ 361 ، مصفى المقال : 120 ، معجم المؤلّفين 3 | 187 .
وخير ما كُتب عنه قدس سره هو ما كتبه بقلمه الشريف مترجماً نفسه في كتابه : لباب
الاَلقاب : 148 ـ 157 .
(193)
العودة إلى ساوة للقيام بوظائف الشرع ، فعاد إليها وبقي المترجَم بكاشان
يتتلمذ فيها على جملة من المشائخ .

ولمّا قارب عمره التاسعة عشرة هاجر إلى طهران ، وواصل دراسته
هناك حتّى هاجر إلى العراق سنة 1281 هـ .

ولمّا وصل إلى كربلاء بلغه خبر وفاة الشيخ مرتضى الاَنصاري
فتوقّف ، ثمّ زار النجف ، وعاد إلى كاشان .
مشائخـه :

1 ـ الميرزا أبو القاسم الكلانتري الطهراني .

2 ـ المولى حسين الفاضل الاَردكاني .

3 ـ المولى زين العابدين الگلپايگاني .

4 ـ الشيخ محمّـد الاَصفهاني ـ ابن أُخت صاحب الفصول ـ .

5 ـ الميرزا محمّـد الاندرماني .

6 ـ السـيّد محمّـد حسين بن محمّـد علي بن رضا الكاشاني .

7 ـ المولى هادي المدرّس الطهراني .

وغيرهم .
صورة إجازة أحد مشائخه :
بسـم الله الرحمن الرحـيم

الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على خير خلقه محمّـد وآله
أجمعين .

وبعـد ، فإنّ ولدي الروحاني ، العالم الربّاني ، والعامل الصمداني ،
(194)
النحرير الفاضل ، الفقيه الكامل ، الموفّق المسدّد ، المؤيّد بتأيـيد الله
الصـمد ، حبيب الله بن المرحوم المغفور علاّمة زمانه علي مدد رحمه الله ، قد كان
معي في كثير من أوقات البحث والخوض في العلوم ، وقد قرأ عليَّ كثيراً
من علم الاَُصول والفقه ، وسمع منّي كثيراً من المطالب المتعلّقة بعلم الكلام
والمعارف الدينيّة وما يتعلّق بها . وقد صار بحمد لله ومنّه عالماً فاضلاً ،
وفقيهاً كاملاً ، مستجمعاً لشرائط الفتوى والاجتهاد ، حائزاً لمراتب العلم
والعمل والعدالة والنبالة والسداد ، فأجزت له أن يروي عنّي عن مشائخي
بأسانيدي وطرقي المرقومة في إجازاتي المتّصلة بأهل العصمة عليهم آلاف
الصلاة والسلام والثناء والتحيّة ، وألتمس منه أن يلتزم الاحتياط في الفتوى
والعمل ، وأن لا ينساني في أوقات الاِجابة من الدعاء في حياتي وبعد
مماتي .

وكان تحرير ذلك في الثاني عشر من شهر ذي الحجّة الحرام سنة
1279 .
عبده
محمّـد حسين بن محمّـد علي الحسينيّ |
ما قيل من الثناء عليه :

السـيّد محسن الاَمين : عالم ، فاضل .

آقا بزرگ الطهراني : عالم فقيه ، ورئيس جليل ، ومؤلّف مروّج مكثر .
مؤلّفاته :

بلغت مؤلّفاته ما يقارب 140 أو أكثر بين كتاب ورسالة ، نذكر قسماً
(195)
منها :

1 ـ الاَنوار السانحة في تفسير سورة الفاتحة .

2 ـ إيضاح الرياض .

3 ـ بوارق القهر في تفسير سورة الدهر .

4 ـ تبصرة السائر في دعوات المسافر .

5 ـ تذكرة الشهداء؛ مطبوع على الحجر ، بالفارسيّة .

6 ـ تسهيل الاَوزان في تعيين الموازين الشرعية؛ مطبوع .

7 ـ جذبة الحقيقة؛ في شرح دعاء كميل .

8 ـ خواصّ الاَسماء .

9 ـ الدرّ المكنون في شرح ديوان المجنون .

10 ـ درّة اللاهوت؛ منظومة في العرفان .

11 ـ رجوم الشياطين ؛ في ردّ البابية .

12 ـ زبدة الفرائد؛ بالفارسيّة .

13 ـ شرح القصيدة؛ في مراثي الاِمام الحسين عليه السلام .

14 ـ عقائد الاِيمان؛ بالفارسيّة في شرح دعاء العديلة .

15 ـ كشف السحاب في شرح الخطبة الشقشقيّة .

16 ـ لباب الألقاب ؛ مطبوع .

17 ـ مصابيح الدجى .

18 ـ مصابيح الظلام .

19 ـ مصاعد الصلاح في شرح دعاء الصباح .

20 ـ منتخب الاَمثال؛ في أمثلة العرب .

21 ـ منية الاَُصول؛ نظم عربي في الدراية .
(196)

22 ـ نخبة التبيان في علم البيان .

23 ـ نخبة المصائب .
أولاده :

1 ـ الميرزا محمّـد .

2 ـ الميرزا محمّـد حسين .
وفاتـه :

توفّي قدس سره يوم الثلاثاء 23 جمادى الآخرة في سنة 1340 هـ ، 1922 م .
قبره ومدفنه :

دفن في المقبرة المعروفة بـ : « دشت افروز » ، الواقعة خارج بلدة
كاشان .
حـول المرثيّـة :

لقد نظم الناظم قصيدته المخمّسة هذه في 60 مقطعاً ، جلّها في رثاء
سـيّد الشهداء الاِمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب وأهل بيته عليهم السلام .

وقد ذكر الناظم قدس سره مرثيّته هذه خلال ترجمته نفسه بقلمه الشريف
في كتابه لباب الاَلقاب : صفحة 157 برقم 132 .
النسـخة المعتمدة :

هي صورة النسخة المخطوطة المحفوظة في مركز إحياء التراث
(197)
الإسلامي برقم 905 ، المأخوذة صورتها عن مكتبة المؤلّف ؛ بكاشان .

كتب الناظم ؛ هذه النسخة بخطّه الشريف وبخطّ النسخ في 11
صفحة وبقياس 16 × 5|21 سانتيمتر .
منهج التحقيق :

قمت في بدء عملي باستنساخ القصيدة وتصحيح ما حوته من أخطاء
إملائيّة ونحويّة . .

وصحّحت أيضاً ـ على قدر الوسع ـ الاَخطاء الّتي تخلّ بالوزن
الشعريّ .

شاكراً له تعالى أن منّ عليّ بحسن توفيقه ، والحمد لله ربّ العالمين .
فارس حسّون كريـم
قـم المقدّسـة
25 محرّم الحرام 1421 هـ . ق
|
(198)
صورة الصفحة الاَُولى من المخطوطة
(199)
صورة الصفحة الاَخيرة من المخطوطة
(200)
بسـم الله الرحمن الرحـيم

قصيدة أنشأتها في مرثيّة الحسين عليه السلام ، وأنا العبد حبيب الله :
(1)
أبسبق الْقَضَاءِ جَـفَّ مِدادي * أَمْ بِجَمْرِ الْغَضَا أُذيبَ فُؤادي
لا وَلا لِلنِّساءِ شَبَّ وِدادي
(1) * مِثْلَ لَيْلَى وَمَـهْدَدِ وَسُـعادِ
مَا تَعَدَّيْتُ عَنْ طَريقِ سَدادي
(2)
لا وَلا أَزْعَجَ الْقَواصِفُ بالـي * لَمْ يَرُعْني هَـواجِسي وَخَيالي
وَانْعِدامٌ لِمَنْصِـــبٍ وَجَلال * وَافْتِـقادٌ لِثَـرْوَةٍ وَجَمــالِ
ما سَبَتْني طَرائِفي وَتلادي
(2)
(3)
ما تَمَنَّيْتُ قَطُّ عَهْـدَ شَبـابي * وَوِصـالَ الْمِلاحِ مِنْ أحْبابِ
وَارْتِـداءً بِنـاعِماتِ ثيـابِ * وَالْتِذاذاً بـِمطعمٍ وَشَــرابِ
ما تَخَطَّيْتُ قَطُّ نَهْجَ رَشادِ
____________
(1) أي : اُوقـد .
(2) التالد : المال القديم الاَصليّ الّذي وُلد عندك ، وهو نقيض الطارف؛ ويقال : التَّلْد
والتُّلْد والتِّلاد والتَّليد والاِتْلاد . لسان العرب 3 | 99 مادّة « تلد » .
(201 )
(4)
لَسْتُ أبْكي عَلَى انْقِضاءِ أَوان * ِكُنْـتُ فيـهِ مُنَعَّمـاً فَرَماني
نائِباتُ الدُّهورِ وَاْلاََزْمــان * بِسِهـامِ الْعِنــادِ وَالْعُـدْوانِ
سَلَبَتْني الْكَرى لَذيذَ رقادي
(1)
(5)
قَـدْ نَسَيْـتُ نَـوائِـبَ اْلاََيّـام * ِوَمَضيضَ
(2) الشُّهورِ وَاْلاََعْوامِ
وَصِعــابَ الْخُطـوبِ وَاْلآلامِ * وَشِــدادَ الْجُـروحِ وَاْلاََسْقـامِ
وَأَذى كُـلِّ حاسِدٍ وَمُعادِ
(6)
لَسْتُ أنْسَى الْحُسَيْنَ حينَ يُنادي * أهْـلَ بَغْـيٍ وَغَـدْرَةٍ وَعِنـادِ
قَـدْ دَعَـوْتُم لِنُصَرَتي وَوِدادي * بِشِحـاذٍ مِـنَ السُّيُـوفِ حِدادِ
فأيْنَ
(3) نصركم وأين ودادي
(7)
قَـدْ دَعَوْتُمُ لاََِنْ أكُونَ إماما * وَمُطـاعاً وَحـاكِماً وَهُماما
____________
(1) الكَرى : النُّعاس . والرُّقود : النَّوم بالليل ، وكذلك الرُّقاد . المحيط في اللغة
6 | 316 مادّة « كرى » ، و5 | 345 مادّة « رقد » .
(2) مَضَّ فلانٌ مَضَضاً ومَضَاضَةً ومَضيضاً : ألِم من وجع المصيبة . ومضّ من الشيء ،
وله : تألّم . المعجم الوسيط 2 | 874 مادّة « مضّ » .
(3) في الاَصل : أينما ، وكذا أنسب .
(202 )
ثُمَّ أَعْطَيْتُموني فيهِ ذِماما * فَاقْتَرَفْتُمْ خَطيئَـةً وَآثاما
وَنَقَضْتُمْ عُهودَكُمْ وَعِهادي
(8)
قَــدْ كَتَبْتُمْ أَنِ ائْتِنـا بِعِجال * كُـفَّ عَنّا أكُفَّ أَهْلِ الضَّلالِ
عَجِّلَنْ عَـجِّلَنْ تَعَــالَ تَعَالَ * نَجِّنا يــا سَليلَ خَيْرِ الرِّجالِ
مِنْ يَزيدَ اللَعينَ وَابْنِ زِيادِ
(9)
فَجَمَعْتُمْ جُنـودَكُـمْ لِقِتالـي * وَأَطَعْتُمْ يَزيدَ رَأْسَ الضَّلالِ
لَـمْ أُبَـدِّلْ حَـرَامَكُمْ بِحَلالِ * لَـمْ أُغَيِّـرْ شَريعَةَ الْمُتَعالي
مَا سَلَكْتُ مَناهِجَ الاِلْحادِ
(10)
وَحَظَرْتُمْ عَلَـيَّ ماءَ فُـراتِ * وَرَمَيْتُمـوني بِـأَسْهُمِ الطُّغاةِ
أَوَ ما تَسْمَعونَ أَنَّ (1) بَناتي * وَنِسائي يَبْكينَ كَالثَّاكِلاتِ (2)
نَادِباتٍ عَلَى الاُْوامِ (3) تُنادي
(11)
جَـدُّهُنَّ الرَّسولُ زَيْنُ الْكُفاةِ * صاحِبُ الْمُعْجِزاتِ وَالآياتِ
____________
(1) أي : الاَنين .
(2) في الاَصل : ونسائي يَصِحْنَ بِالزَّفَراتِ ، وكذا أنسب .
(3) الاَُوام : حرّ العطش . الصحاح ـ للجوهريّ ـ 5 | 1868 مادّة « أوم » .
(203 )
غائِراتُ الْعُيونِ مِنْ فَجَعاتِ * صارِخاتٌ تَسَحُّ (1) بِالْعَبَراتِ
بِالبُكاءِ (2) عُيُونُهُنَّ سَحَّ غَوادِ (3)
(12)
لهف نَفْسي عَلَى الْحُسَيْنِ غَريبا * خَـدَّهُ كـانَ فـي التُّرابِ تَريبا
لَـمْ أَزَلْ بـاكِياً عَلَيْـهِ كَئيبـا * كَـآبَةَ الْفـاقِدِ الْـحَبيبِ قـَريبا
بِدُموعٍ تَصُبُّ صَـبَّ الْعِهادِ (4)
(13)
لَهْفَ نَفْسي عَلَى الْحُسَيْنِ يَجـولُ * فـي تِلالِ الطُّفُوفِ وَهُـوَ يَقولُ
إنَّ أُمّـي لَفَـاطِــمٌ وَبَتــولُ * وَأَبـوهـا نَبِيّكُـــمْ وَرَسـولُ
وَأَبي كانَ هادِياً لِلْعِبادِ
(14)
كَيْفَ تُؤْذوني وَالرَّسولُ الْمَجيدُ * كـانَ جَـدّي وَقَدْ جَفاني يَزيدُ
وَهُـوَ بِـاللهِ كـافِرٌ وَعَنيـدُ * وَجَفـاهُ عَلَـى الـرَّسولِ شَديدُ
____________
(1) السَّحُّ : الصَّبُّ والسَّيَلان من فَوق . . . وعين سَحاحةٌ : صبّابة للدَّمْع . القاموس
المحيط 1 | 227 مادّة « سـحّ » .
(2) البكاء بدل من العبرات ، وعينهنّ فاعل تسحّ . « حاشية الاَصل » .
(3) الغادية : السحابة الّتي تنشأ غُدوة؛ وقيل : الغادية : السحابة تنشأ فتُمطر غُدوة ،
وجمعها غواد . لسان العرب 15 | 118 مادّة « غـدا » .
(4) العهد : المطر الوَسْمِيّ؛ وهو مطر أوّل الربيع ، والجمع : العهاد . لسان العرب
3 | 314 مادّة « عهد » ، و 12 | 636 مادّة « وسـم » .
(204 )
حَيْثُ وَلَّى بِكُوفَةِ ابْنِ زِيادِ
(15)
قَـدْ قَتَلْتُمْ صَحابَتي وَسَليلي * وَابْـنَ عَمِّي مُسْلِمَ بْنَ عَقيلِ
وَفَتَكْتُمْ بِعِتْرَتـي وَخَليلـي * وَسَدَدْتُمْ عَـنِ الْفُراتِ سَبيلي
عِنْ عِنادٍ وَفِتْنَةٍ وَفَسادِ
(16)
لَسْتُ أنْسَى الرَّضيع حِينَ تَلَظَّىَ * جَـاءَهُ السَّهْـمُ بَغْتَةً فَتَعَظّى (1)
شَقَّقَ السَّهْمُ نَحْـرَهٌ فَتَشَظّى (2) * عَرَضَ الْمُاء حَيْثُما يتَحَظّى (3)
آهٍ مِمّا جَنى عَلَيْهِ المُعادي
(17)
آهٍ واحَسْرَتا لِهذَا الـرَّضيعِ * قَدْ شَجا رِزْؤُهُ فُؤادَ الشَّفيـعِ
وَفُؤادَ الْحُسَيْنِ سِبْطَ الرَّفيعِ * شَأْنُـهُ عِنْـدَ رَبٍّ سَميـعِ
خالِقِ الْخَلْقِ رافِعِ الاَعْمادِ
(18)
كَيْفَ أَنْسَى الْحُسَيْنَ وَهُوَ صَريعُ * فِي الطُّفوفِ مُجَدَّلاً وَمَنيعُ
____________
(1) عَظَاه يَعْظوه عَظواً : اغتاله فسقاه ما يقتله . لسان العرب 15 | 72 مادّة « عظي » .
(2) التشظّي : التفرقة . « حاشية الاَصل » .
(3) التحظّي : بهرده بردن ـ بالفارسيّة ـ . « حاشية الاَصل » . معناه : محالفة الحظّ .
(205 )
وَجَرَى دَمْعُهُ وَسالَ نَجيعُ (1) * وَعَـلاهُ التُّـرابُ وَهُوَ فَجيعُ
مِنْ جِراحاتِ أسْهُمٍ وَحِدادِ
(19)
إنَّ حُزْني عَلَى الْحُسَيْنِ شَديدُ * كُـلَّ يَـوْمٍ وَلَيْـلَةٍ سَيـَزيـدُ
وَبُكائي عَلَـى الشَّهيدِ شَهيـدُ * وَشَجايَ عَلَى الْغَريبِ مَديدُ (2)
كُلَّ آنٍ وَساعَةٍ فِي ازْدِيادِ
(20)
إنَّ قَلْبي عَلَى الْحُسَيْنِ قـَريحُ * مَدْمَعي فِي الْبُكا عَلَيْـهِ جَريحُ
وَضَجيجي مَعَ الْحَنينِ صَريحُ * وَعَجيجي مَـعَ الاَنينِ فَضيحُ
آهِ مَنْ شَجْوُهُ أذابَ فُؤادي
(21)
آهٍ قَـدْ شيـلَ رَأْسُـهُ بِقَنـاةِ * مُطْـرَحاً جِسْمُهُ بِـأَرْضِ فَلاةِ
لَـمْ أَزَلْ بـاكِياً لِسَبْـيِ بَناتِ * طاهِراتٍ تُساقُ (3) فِي الْفَلَواتِ
كاشِـفاتِ الْوُجـوهِ لِلاََضْـدادِ (4)
____________
(1) النجيع : الدم .
(2) الشجا : الحزن ، والمديد : الطويل .
(3) في الاَصل : تسار ، وكذا أنسب .
(4) الضِدّ واحد الاَضْداد ، والضَّديدُ مثله . . . وضادّه مُضَادّة : إذا باينه مخالفة . مجمع
البحرين 3 | 90 مادّة « ضدد » .
(206 )
(22)
لَسْتُ أنْسَى سَليلَةَ الزَّهْراءِ * زَيْنَباً إذْ تُسـاقُ سَوْقَ إماءِ
سُوقَ كوفانِ سُوقَةَ الاَعْداءِ * وَتُنـادي نِـداءَ أهْلِ عَناءِ
جَدُّنا كانَ أَشْرَفَ الاَجْدادِ
(23)
قَدْ سَبَيْتُمْ بَناتَ خَيْرِ نِساءِ * وَقَتَلْتُمْ سَليلَها فِـي ظَماءِ
وَخَذَلْتُمْ حُسَيْنَهـا بِجَفـاءِ * وَسَلَيْتُمْ نِساءَـهُ كَـالاِماءِ
وَنَكَيْتُمْ مُساعِدي وَسِنادي
(24)
وَنَهَبْتُمْ طَـريفَهُ مَـعْ تَليدِ * وَضَـرَبْتُمْ عِيـلَهُ لِيَزيـدِ
وَسَفَكْتُمْ دِماءَ كلِّ حَميـدِ * وَهَتَكْتُمْ حَريمَ كُـلِّ مَجيدِ
فَاخْسَأُوا يا كِلابَ شَرِّ العِبادِ
(25)
قَـدْ حَمَلْتُمْ ظُهُـورَكُمْ بِثِقـالِ * مِـنْ ذُنـوبٍ ثَقيـلَةٍ كَجِبـالِ
قَـدْ جَفَوْتُمْ كِرامَ خَيْرِ الرِجالِ * وَشَدَدْتُـمْ نِسـاءَهُـمْ بِحِبـالِ
وَيْلَكُمْ سَوْءَةً لِكُلِّ مَعادِ
(207 )
(26)
وَيْلَكُمْ فابْشِروا بِنَارِ جَحيمِ * وَعَــذابٍ مُخَلٍّد وَحَميـم
وَأليمٍ مِـنَ الْعَذابِ مُقيـمِ * وَشَديدٍ مِـنَ الْعِقابِ عَظيمِ
وَيْلَكُمْ مِنْ عَذابِ يَوْمِ التَّنَادِ (1)
(27)
كَيْفَ أَنْسَى الاِمـامَ زَيْـنَ العِبـادِ * في وِثاقِ الْغُلولِ (2) وَالاََصْفادِ (3)
بَيْـنَ نــاسٍ أراذِلٍ أوْغــادِ * حُمَقاءُ اللِئــامِ وَهُـوَ يُنــادِي
وَيْلَكُمْ إنَّني لَخَيْرُ العِبادِ
(28)
وَيْلَكُمْ إنَّني ابْنُ خَيْرِ قَتيلِ * مِنْ بَني هاشِمٍ وَخَيْرِ قَبيلِ
قَدْ كَتَبْتُمْ إلى أبي وَخَليلي * وَعَهَدْتُمْ لَهُ بِعَهْـدٍ جَميـلِ
فَنَقَضْتُمْ عُهودَكُمْ عَنْ عِنادِ
____________
(1) أي : يوم القيامة .
(2) قال ابن الاَثير ـ في حديثه عن الغلول في الغنيمة ـ : وسمّيت : « غُلولاً » لاَنّ
الاَيدي فيها مغلولة؛ أي مَمنوعة ، مَجْعول فيها غلّ ، وهو الحديدة الّتي تجمع يد
الاَسير إلى عنقه ، ويقال لها : « جامعة » أيضاً . النهاية 3 | 380 مادّة « غلل » .
(3) أي : القيود والاَغـلال .