كلمة العدد : |
لم يترك أئمّة أهل البيت عليهم السلام جانباً من جوانب الحياة
العمليّة في الاِسلام إلاّ وأوضحوا حكم الله فيه للفرد والجماعة ، حتّى غدا
الدين الحنيف منظومةً متكاملة . .
وغير خفيٍ على أحد ما للكتاب من دورٍ أساسٍ في نقل علومهم
عليهم السلام إلى الاَجيال من بعدهم حتّى قيام الساعة ، فهو ـ أي الكتاب ـ
الوعاء الذي يجمع بين دفّتيه شتّى أخبارهم ورواياتهم وتفاصيل أحكامهم
وحيواتهم المباركة ، وقد درج على القيام بذلك جلّ أصحابهم وأتباعهم من
خلال ما حبّرته أقلامهم في دأبٍ منقطع النظير واجتهادٍ في إيصال كلمة
الحقّ إلى شيعتهم وغيرهم . . معرّضين أنفسهم إلى صنوف التنكيل وقطع
الاَعناق والاَرزاق من حكّام عصورهم ، من أُمراء الجور والانحراف . .
وهكذا استمرّت تلك المسيرة الحقّة حتّى وصلت بين أيدينا أمانتُها
وقد يبدو ـ قبل هذه المقدّمة ـ من الغرابة بمكانٍ أن يصرّح سادة
المذهب عليهم السلام ـ كما ورد في أكثر من خبرٍ وعن غير واحدٍ من
المصادر ـ بهذه الوتيرة الواضحة والاَسلوب المباشر حاثيّن مواليهم قائلين :
« احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها » !
هكذا أمروا عليهم السلام أصحابهم وشيعتهم ، ذلك لاَنّهم كانوا
يعلمون ما للكتابة والتدوين من دورٍ ـ وأيّ دورٍ ـ للانتصاف لخطّهم بعد
انكشاف حجب التضليل والتزييف عندما يتغيّر الزمان لصالح خطّهم
ومدرستهم العظيمة ، وإنّ أنظار أهل الفكر وذوي القلم ستتوجه إليهم
مكتشفةً أنّ علوم الدين ومعالمه لا بدّ أن تؤخذ من أهل بيت الرسول صلّى
الله عليه وآله وسلّم لا من غيرهم ، فهم الاَُمناء عليه دون سواهم . . وقد
أثبتت الاَيام هذه الحقيقة ، وكان الواقع كما أخبروا ، فالاِقبال على فهم هذا
الدين والتمسّك بعُراه من خلال مدرسة أهل البيت عليهم السلام ما يزال
في ازديادٍ؛ ذلك لاَنّ الناس قد أدركوا أنّ الاِسلام الحقّ والصراط المستقيم
إنّما هو خطّ العترة الطاهرة الّذين أنعم الله عليهم كما ورد بتفسير قوله
تعالى : ( صـراط الّذين أنعمت عليهم ) (1) ، وجعلهم الوعاة لدينه كما
ورد بتفسير قوله تعالى : ( وتعيها أُذن واعية ) (2) ، وهم الّذين أحصى الله
فيهم كلّ شيء كما ورد في تفسير قوله تعالى : ( وكلّ شيء أحصيناه في
إمام مبين ) (3) . .
كيف لا ؟ ! والوقـوف على هذا الديـن في أسراره وحقائقه إنّما هو
من خصائص مَن عصَـمهُ الله تعالى ، ولذا قال ـ جلَّ من قائل ـ : ( لا يمسّه
إلاّ المطهّرون ) (1) ، ولا ريب إنّهم الّذين نزل فيهم قوله عزّ وجلّ : ( إنّما
يريد الله ليذهب عنكم الرجس . . ) (2) . .
ولا ريب في إنّ الاِسلام الخالص من شوائب الاَهواء والقياسات
والاستحسانات . . الى آخره ، إنّما هو عند أهل البيت عليهم السلام ومن هنا
كان الواجب المحتّم على أتباعهم الحفاظ ـ ما أمكنهم ـ على تراثهم المدوّن
في الاَسفار والكتب الحاوية لتعاليمهم والمشتملة على معارفهم لتصل إلى
الاَجيال اللاحقة بعد أن وعَتها آذان وقلوب الاَسلاف والآباء ولكي تظلّ لهم
مشاعلَ هداية وسعادةٍ في الدنيا والآخرة . ويجدرُ بنا ـ في هذا المضمار ـ أن
نتابع حركة الحفاظ على هذا التراث المبارك بحسب اختلاف الاَدوار
والاَزمنة والطرق والاَسباب اللازمة . . فيمكننا تلخيص ذلك بما يلي :
1 ـ في عصور الاَئمة عليهم السلام والقرون اللاحقة لها فقد أدّى
العلماء والمحدّثون ما كان عليهم بما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، فقد دوّنوا
أقوال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والاَئمة عليهم السلام على الاَلواح
والخشب والجلود وغيرها . . حافظين تلك الاَقوال من الضياع والنسيان
والتغيير والتحريف .
2 ـ ثم جاء الّذين بعدهم في عصورٍ لاحقةٍ تطوّرت فيها حركة
الكتابة والتدوين بتوفّر الورق ، فكتبوا ما وصل إليهم من تلك الاَلواح
والمدَّونات ، وساهموا في الحفاظ على هذا التراث المقدّس من جهتين :
الاَُولى : الاِبقاء على الاَخبار والروايات والحفاظ عليها من التبعثر
والتشتّت بجمعها في كتب مدوّنة مجلّدة .
والثانية : استدامةُ ذلك باستنساخها بأقلام الناسخين من ذوي الفضل
والخطّ واقتناء الآثار والكتب .
3 ـ ثمّ جاء دور الطباعة حيث مرّت ـ كما هو معلوم ـ بمراحل
عديدة حتّى وصلت إلى ما هي عليه اليوم ، وربّما تجتاز ذلك إلى مراحل
أرقى في المستقبل ، وقد نشطت في هذا الدور حركة طبع الكتاب ونشره
بـين الناس وتوفّره في الاَسواق والبيوت ودور النشر ومعارض الكتاب بما
لا مزيدَ عليه ، ومن هنا تبرز أهميّة هذا الدور الثالث في نشر تراث أهل
البيت عليهم السلام وإيصاله إلى يد كلّ أحد بتحقيقه وإلباسه حللاً لائقةً من
الخطّ والطباعة والاِخراج والتجليد وغير ذلك . .
ولقد واجه هذا التراث العظيم في جميع هذه الاَدوار أخطاراً كثيرة
وصعوبات جمّة . . إذ لم يكن من السهل الاحتفاظ بكلّ هذا العدد من
الاَلواح والمدوّنات ـ في الدور الاَوّل ـ من الضياع والتبعثر ، والاِتلاف
والسرقة ، والماء والنار ، وغير ذلك بما تجيء به الحوادث والطوارئ :
العمدية منها عن سوء قصدٍ أو جهل ، وغير العمدية كالحوادث السماوية
والآفات الاَرضيّة . .
وغير خفي ـ أيضاً ـ أنّ للحفاظ على الكتاب الخطّي والمنسوخ
مستلزمات ضرورية قد لا تتوفّر كلّ حين . . حتّى جاء دورنا الحاضر .
وإنَّ أوّل ما يجب علينا في مقام « الاحتفاظ بكتبنا » هو المحافظة على
ما وصل إلينا من « تراثنا » بين القصور والتقصير من مختلف أنواع الاَخطار
والتحدّيات .
ثمّ يأتي دور « الاحتفاظ » بالكتب والاِبقاء عليها عن طرق التحقيق
والطبع والنشر . . وقد تكون هذه المرحلة أشدّ خطورة من غيرها وأكبر
أهميّة . . فكما إنّه لا مجال لاَنكار ما للمطابع ووسائل الطباعة من دورٍ
أساسٍ فـي الاحتـفاظ بالكتب وبـثّ العلوم ونشـر المعارف . . كذلك ايضاً
لا مندوحة من الخشية عليها من المدّعين وغير ذوي الكفاءة والمروءة . .
تماماً بنفس درجة الخوف عليها من الاَعداء والمخالفين في الاَدوار
السابقة . . إذ إنّ الخشية ـ اليوم ـ تكمن في وقوعها تحت طائلة التحريف
لمتونها أو البتر والاِضافة وعدم مراعاة الاَمانة الاَخلاقية والعلمية في ذلك .
ولقد كان تحريف النصوص في كتب غيرنا شائعاً وسائداً منذ القرون
الاَُولى حتّى يومنا هذا . . فكم من حديثٍ ينقل عن بعض الكتب في
المصادر المعتبرة وأنت لا تجده في الكتاب المنقول عنه أصلاً ، أو قد تجده
بلفظٍ آخر ، وكم من واقعةٍ أو إشارة تاريخية وقضية عقائدية دينية حاولوا
كتمانها أو التعتيم عليها أو مسخها وتزييفها . . ثمّ جاء الناشرون ـ ويا بئس
ما فعلوا ـ فزادوا ونقصوا كما شاؤوا وشاءت أهواؤهم ومصالحهم ونظراتهم
الضيّقة ، وتزلّفهم لهذا أو ذاك ، وتعصّبهم لرأي أو موقف ، وإصرارهم على
نسبة الفضل إلى أحد وغمط حق آخر ، بعيداً عن الخوف من الله ، والحقّ
والمروءة وما تقتضيه الاَمانة .
أمّا كتبنا ، فقد وصلت إلينا ـ والحمد لله ـ خالية من كلّ تصرّف مشين ،
أو تلاعب مخلّ ، بفضل جهود كبار محدّثينا وعلمائنا المخلصين ، الاَبرار
الاَتقياء ، الّذين لا يخافون في الله لومة لائم ، ويبلّغون رسالات الله على مرّ
القرون السالفة والاَيام الماضية . . إلاّ إنّنا نرى ـ اليوم ـ بعض دور النشر أو
مؤسّسات التحقيق أو الاَفراد ممّن يتولّون أمر مقابلة الكتاب ومراجعته قبل
والحقيقة الناصعة ـ مهما بلغت سبل التعتيم عليها وكتمانها وخنقها ـ
ستبقى ناصعة جليّة ، تجهر بالحقّ وتصدع بالصدق ، لا يهمّها تحريف
المحرّفين ، وغمط القالين ، وتضييع القاصرين والمقصّرين . . وسيبقى
التراث المأثور عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام هو الدليل إلى
الهدى ، والعلامة على التقوى ، والسبيل إلى النجاح والنجاة في الدنيا
والآخرة .
هيـئة التـحرير