السيد علي الميلاني
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الاولين والاخرين.
أما بعد ،
فإن الله عزوجل أرسل نبيه العظيم صلى الله عليه وآله وسلم « بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون » (1) وأنزل عليه القرآن « حجة الله على خلقه ، أخذ عليه ميثاقهم ،
وأرتهن عليهم أنفسهم ، أتم نوره ، وأكمل به دينه » (2).
وكما كتب سبحانه لدينه الخلود ، لكونه خير الاديان وأتمها وقال : « ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين » (3) كذلك تعهد بحفظ القرآن الذي وصفه أمير المؤمنين عليه
السلام بأنه « أثافي الاسلام وبنيانه » (4) حيث قال « إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون » (5).
وكان النبي صلى الله عليه وآله يعلم الناس القرآن ، وينظم أمور المجتمع على
وهكذا كانت الايات تحفظ بألفاظها ومعانيها ، وكانت أحكام الاسلام وتعاليمه تنشر وتطبق في المجتمع الاسلامي.
غير أنه صلى الله عليه وآله كان يلقي إلى سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام ـ إبتداء أو كلما سأله ـ تفسير الايات وحقائقها ، والنسب الموجودة فيما بينها ، من المحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، والمطلق
والمقيد ، والمجمل والمبين ، إلى غير ذلك... يقول عليه السلام :
« وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا ولد ، يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ،
ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم
ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر امه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به.
ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة ، ولقد
سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله ، فقلت : يارسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته ، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى ، إلا أنك لست بنبي ، ولكنك لوزير
، وإنك لعلى خير... » (6).
وبذلك توفرت في شخصه ـ دون غيره ـ الاعلمية بالكتاب والسنة ، التي هي من اولى الصفات المؤهلة للامامة وقيادة الامة بعد النبي صلى الله عليه وآله.
*
*
وتوفي النبي صلى الله عليه وآله ، وتقمص الذين كان يلهيم الصفق بالاسواق
عن تعلم القرآن وأحكام الدين ـ حتى أبسط مسائله اليومية ـ الخلافة ، وآل أمرها إلى ما آل إليه... فقام سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام مقام النبي صلى الله عليه وآله في حفظ الكتاب والسنة وتعليمهما الناس ، والترغيب فيهما ، والحث عليهما... فهو من جهة يبادر إلى جمع القرآن مضيفا إليه ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله حول آياته من التفسير والتأويل وغير ذلك ، ويدرس جماعة من أهل بيته وأصحابه ومشاهير الصحابة مما وعاه عن النبي صلى
الله عليه وآله من علوم الكتاب والسنة ، حتى كان من أعلامهم الحسن والحسين عليهما السلام ، و عبدالله بن العباس ، و عبدالله بن مسعود ، وأمثالهم.
ومن جهة اخرى يراقب ما يصدر عن الحكام وغيرهم عن كثب ، كي ينفي عن الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين.
فكان عليه السلام المرجع الاعلى لعموم المسلمين في جميع امورهم الدينية حتى اضطر بعض أعلام الحفاظ إلى الاعتراف بذلك وقال : « وسؤال كبار الصحابة له ، ورجوعهم إلى فتاواه وأقواله ، في المواطن
الكثيرة ، والمسائل المعضلات ، مشهور » (7).
وهكذا... كان سعي أمير المؤمنين عليه السلام في حفظ القرآن بجميع معاني الكلمة ، وهكذا كان غيره من أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وكان الاهتمام بالقرآن العظيم من أهم أسباب تقدم الاسلام ورقي المسلمين ، كما كان التلاعب بالعهدين من أهم الامور التي أدت إلى انحطاط اليهود والنصارى ، فأصبح الهجوم على القرآن نقطة التلاقي بين
اليهود والنصارى والمناوئين للاسلام والمسلمين ، لانهم إن نجحوا في ذلك فقد طعنوا الاسلام في الصميم.
لكن الله سبحانه قد تعهد بحفظ القرآن وأن « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه » (8) فاندحروا في جميع الميادين صاغرين ، والحمد لله رب العالمين.
لكن « اسطورة تحريف القرآن » ما زالوا يرددونها بين حين وآخر ، وعلى لسان بعض الكتاب المتظاهرين باسم الاسلام وياللاسف ، يستأجرونهم لتوجيه الضربة إلى
ونحن في هذا البحث تعرضنا لهذه « الاسطورة » وكأنها « مسألة » جديرة بالبحث والتعقيب والتحقيق ، ودرسنا كل ما قيل أو يمكن أن يقال في هذا الباب دراسة موضوعية ، فوجدنا الادلة على نفي التحريف من الكتاب والسنة ـ وغيرهما ـ كثيرة وقويمة ، وليس في المقابل إلا روايات غير صالحة لمعارضة تلك الادلة ، إن لم تكن ضعيفة أو قابلة للحمل على بعض الوجوه
إن القول بعدم تحريف القرآن هو مذهب
المسلمين عامة ، لكن المشكلة هي أن أكثر هذه الروايات مخرجة في الكتب الموصوفة بـ « الصحة » عن أهل السنة ، مسندة إلى جماعة من الصحابة ، وعلى رأسهم من اعترف منهم بأن « كل الناس أفقه منه حتى
ربات الحجال »... لكن الحق عدم صحة تلك الاحاديث أيضا ، وأن تلك الكتب ـ كغيرها ـ تشتمل على أباطيل وأكاذيب ، وسندلل على ذلك في موضعه إن شاء الله.
فإلى القراء الكرام الحلقة الاولى من هذا البحث الذي كتبته قبل خمسة عشر عاما تقريبا ، ووضعته في بابين ، عنوان أحدهما : الشيعة والتحريف ، وعنوان الاخر : أهل السنة والتحريف ، وفي كل باب فصول...
وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه رضاه ، إنه سميع مجيب.
من الواضح أنه لايجوز إسناد عقيدة أو قول إلى طائفة من الطوائف إلا على ضوء كلمات أكابر علماء تلك الطائفة ،
وبالاعتماد على مصادرها المعتبرة.
ولقد تعرض علماء الشيعة منذ القرن الثالث إلى يومنا الحاضر لهذا الموضوع في كتبهم في عدة من العلوم ، ففي كتب الاعتقادات يتطرقون إليه حيثما يذكرون الاعتقاد في القرآن الكريم ، وفي كتب الحديث حيث
يعالجون الاحاديث الموهمة للتحريف بالنظر في أسانيدها ومداليلها ، وفي بحوث الصلاة من كتب الفقه باعتبار وجوب قراءة سورة كاملة من القرآن في الصلاة بعد قراءة سورة الحمد ، وفي كتب اصول الفقه
حيث يبحثون عن حجية ظواهر ألفاظ الكتاب.
وهم في جميع هذه المواضع ينصون على عدم نقصان القرآن الكريم ، وفيهم من يصرح بأن من نسب إلى الشيعة أنهم يقولون بأن القرآن أكثر من هذا الموجود بين الدفتين فهو كاذب ، وفيهم من يقول بأن عليه
إجماع علماء الشيعة بل المسلمين ، وفيهم من يستدل على النفي بوجوه من الكتاب والسنة وغيرهما ، بل لقد أفرد بعضهم هذا الموضوع بتأليف خاص.
وعلى الجملة ، فإن الشيعة الامامية تعتقد بعدم تحريف القرآن ، وأن الكتاب الموجود بين أيدينا هو جميع ما أنزله الله عزوجل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من دون أي زيادة أو نقصان.
هذه عقيدة الشيعة في ماضيهم وحاضرهم ، كما جاء التصريح به في كلمات كبار علمائها ومشاهير مؤلفيها ، منذ أكثر من ألف عام حتى العصر الاخير.
يقول الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي ، الملقب بالصدوق ـ المتوفى سنة 381 ـ : « إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله هو ما
ويقول الشيخ محمدبن محمد بن النعمان ، الملقب بالمفيد ، البغدادي ـ المتوفى سنة 413 ـ : « وقد قال جماعة من أهل الامامة : إنه لم ينقص من كلمة ، ولا من آية ، ولا من سورة ، ولكن حذف ما كان مثبتا في
مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله ، وتفسيرمعانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتا منزلا وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز.
وعندي أن هذا القول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، وإليه أميل والله أسأل توفيقه للصواب » (10).
ويقول الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي ، الملقب بعلم الهدى ـ المتوفى سنة 436 ـ : « إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ، والحوادث الكبار والوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، وأشعار
العرب المسطورة ، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حد لم يبلغه في ما ذكرناه ، لان القرآن معجزة النبوة ، ومأخذ العلوم الشرعية والاحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا
في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد ؟ ! ».
وقال : « إن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتابي سيبويه والمزني ، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما
يعلمونه من جملتها ، حتى لو أن مدخلا أدخل في كتاب سيبويه بابا في النحو ليس من الكتاب لعرف وميز ، وعلم أنه ملحق وليس في أصل الكتاب ، وكذلك القول في كتاب المزني ، ومعلوم أن العناية بنقل
القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء ».
وقال : « إن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الان... ».
« واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان ، حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتلى عليه ، وأن
جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود واُبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة ختمات.
كل ذلك يدل بأدنى تأمل علىأنه كان مجموعا مرتبا غير مبتور ولا مبثوث ».
« وذكر أن من خالف في ذلك من الامامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث ، نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا بصحتها ، لا يرجع بمثلها عن المعلوم
المقطوع على صحته » (11).
ولقد عرف واشتهر هذا الرأي عن الشريف المرتضى حتى ذكر ذلك عنه كبار علماء أهل السنة ، وأضافوا أنه كان يكفر من قال بتحريف القرآن ، فقد نقل ابن حجر العسقلاني عن ابن حزم قوله فيه : « كان من
كبار المعتزلة الدعاة ، وكان إماميا ، لكنه يكفر من زعم أن القرآن بدل أو زيد فيه ، أو نقص منه ، وكذا كان صاحباه أبوالقاسم الرازي وأبو يعلى الطوسي » (12).
ويقول الشيخ محمد بن الحسن أبوجعفر الطوسي ، الملقب بشيخ الطائفة المتوفى سنة 460 في مقدمة تفسيره : « والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه وفنون أغراضه ، وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا
يليق به أيضا ، لان الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الاليق بالصحيح عن مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى ـ رحمه الله تعالى ـ وهو الظاهر من الروايات.
غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الاحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، والاولى الاعراض عنها وترك التشاغل بها
لانه يمكن تأويلها ، ولوصحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين ، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من
ويقول الشيخ الفضل بن الحسن أبوعلي الطبرسي ، الملقب بأمين الاسلام ـ المتوفى سنة 548 ـ ما نصه : «... ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه ، فإنه لا يليق بالتفسير ، فأما الزيادة فمجمع على بطلانها ، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة : إن في القرآن تغييرا ونقصانا...
والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه ، وهو الذي نصره المرتضى ـ قدس الله روحه ـ واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات » (14).
والقول بعدم التحريف لازم كلام الشيخ الحسن بن يوسف ، الشهير بالعلامة الحلي ـ المتوفى سنة 726 ـ في كتابه « نهاية الاصول » كما سيأتي الاشارة إليه.
ويقول الشيخ زين الدين البياضي العاملي ـ المتوفى سنة 877 ـ في قوله تعالى « وإنا له لحافظون » : « أي إنا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان » (15).
وألف الشيخ علي بن عبد العالي الكركي العاملي ، الملقب بالمحقق الثاني ـ المتوفى سنة 940 ـ رسالة في نفي النقيصة في القرآن الكريم ، حكاها عنه السيد محسن الاعرجي البغدادي في كتابه « شرح الوافية
في علم الاصول ».
واعترض في الرسالة على نفسه بما يدل على النقيصة من الاخبار ، فأجاب : « بأن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل والسنة المتواترة أو الاجماع ، ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه. وجب طرحه » (16).
وبه صرح الشيخ فتح الله الكاشاني ـ المتوفى سنة 988 ـ في مقدمة تفسيره « منهج الصادقين » ، وبتفسير الاية « وإنا له لحافظون ».
وهو صريح السيد نور الله التستري ، المعروف بالقاضي الشهيد ـ المستشهد سنة 1019 ـ في كتابه « إحقاق الحق » في الامامة والكلام.
ويقول الشيخ محمد بن الحسين ، الشهير ببهاء الدين العاملي ـ المتوفى سنة 1030 ـ : « الصحيح أن القرآن العظيم محفوظ عن ذلك ، زيادة كان أونقصانا ، ويدل عليه قوله تعالى : « وإنا له لحافظون »
. وما اشتهر بين الناس من إسقاط إسم أمير المؤمنين عليه السلام منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك ـ في علي ـ ، وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء » (17).
ويقول العلامة التوني ـ المتوفي سنة 1071 ـ صاحب كتاب « الوافية في الاصول » : « والمشهور أنه محفوظ ومضبوط كما انزل ، لم يتبدل ولم يتغير ، حفظه الحكيم الخبير ، قال الله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا
له لحافظون ».
ويقول الشيخ محمد محسن الشهير بالفيض الكاشاني ـ المتوفى سنة 1019 ـ بعد الحديث عن البزنطي ، قال : دفع إلي أبو الحسن عليه السلام مصحفا وقال : لا تنظر فيه ، ففتحته وقرأت فيه : لم يكن الذين كفروا
... فوجدت فيها اسم سبعين رجلا...
قال : « لعل المراد أنه وجد تلك الاسماء مكتوبة في ذلك المصحف تفسيرا للذين كفروا والمشركين مأخوذة من الوحي ، لا أنها كانت من أجزاء القرآن وعليه يحمل ما في الخبرين السابقين...
وكذلك كل
ما ورد من هذا القبيل عنهم عليهم السلام ، فإنه كله محمول على ما قلناه ، لانه لو كان تطرق التحريف والتغيير في ألفاظ القرآن لم يبق لنا اعتماد على شيء منه ، إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن تكون محرفة ومغيرة
، وتكون على خلاف ما أنزله الله ، فلا يكون القرآن حجة لنا ، وتنتفي فائدته وفائدة الامر باتباعه والوصية به ، وعرض الاخبار المتعارضة عليه ».
ثم استشهد ـ رحمه الله تعالى ـ بكلام الشيخ الصدوق المتقدم ، وبعض الاخبار (18).
وقال في « الاصفى » بتفسير قوله تعالى « وإنا له لحافظون » : « من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان » (19).
ويقول الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ـ المتوفى سنة 1104 ـ ما تعريبه : « إن من تتبع الاخبار وتفحص التواريخ والاثار علم ـ علماً قطعياً ـ بأن القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتر ، وأن آلاف
الصحابة كانوا يحفظونه ويتلونه ، وأنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجموعا مؤلفا » (20).
وقال الشيخ محمد باقر المجلسي ـ المتوفى سنة 1111 ـ بعد أن أخرج الاحاديث الدالة على نقصان القرآن ـ ما نصه : « فإن قال قائل : كيف يصح القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى علىالحقيقة من
غير زيادة ولا نقصان وأنتم تروون عن الائمة عليهم السلام أنهم قرأوا : كنتم خير أئمة اخرجت للناس ، وكذلك : جعلناكم أئمة وسطا ، وقرأوا : ويسئلونك الانفال ، وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي
الناس ؟.
قيل له : قد مضى الجواب عن هذا ، وهو : إن الاخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها ، فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما امرنا به حسب ما بيناه.
مع أنه لا ينكر أن تأتي القراءة علىوجهين منزلتين ، أحدهما ، ما تضمنه المصحف ، والثاني : ما جاء به الخبر ، كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى... » (21).
وهو ظاهركلام السيد علي بن معصوم المدني الشيرازي ـ المتوفى سنة 1118 ـ في « شرح الصحيفة السجادية » فليراجع (22).
وإليه ذهب السيد أبوالقاسم جعفر الموسوي الخونساري ـ المتوفى سنة 1157 ـ في كتابه « مناهج المعارف » فليراجع.
وقال السيد محمد مهدي الطباطبائي ، الملقب ، ببحر العلوم ـ المتوفى سنة 1212 ـ ما نصه : « الكتاب هو القرآن الكريم والفرقان العظيم والضياء والنور والمعجز الباقي على مر الدهور ، وهو الحق الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من لدن
وقال الشيخ الاكبر الشيخ جعفر ، المعروف بكاشف الغطاء ـ المتوفى سنة 1228 ـ ما نصه : « لا ريب في أن القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان ، كما دل عليه صريح الفرقان وإجماع العلماء في
جميع الازمان ، ولا عبرة بالنادر وما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها » (24).
وقال السيد محسن الاعرجي الكاظمي ـ المتوفى سنة 1228 ـ ما ملخصه :
« وإنما الكلام في النقيصة ، وبالجملة فالخلاف إنما يعرف صريحا من علي بن إبراهيم في تفسيره ، وتبعه على ذلك بعض المتأخرين
تمسكا بأخبار آحاد رواها المحدثون على غرها ، كما رووا أخبار الجبر والتفويض والسهو والبقاء على الجنابة ونحو ذلك ».
ثم ذكر أن القوم إنما ردوا مصحف علي عليه السلام « لما اشتمل عليه من التأويل والتفسير ، وقد كان عادة منهم أن يكتبوا التأويل مع التنزيل ، والذي يدل على ذلك قوله عليه السلام في جواب الثاني : ولقد
جئت بالكتاب كملا مشتملا على التأويل والتنزيل ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ. فإنه صريح في أن الذي جاءهم به ليس تنزيلا كله » (25).
وقال السيد محمد الطباطبائي ـ المتوفي سنة 1242 ـ ما ملخصه : « لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا في أصله وأجزائه ، وأما في محله ووضعه وترتيبه ، فكذلك عند محققي أهل السنة
للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله ، لان هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم مما توفر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله ، فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن
وقال الشيخ إبراهيم الكلباسي الاصبهاني ـ المتوفى سنة 1262 ـ : «... إن النقصان في الكتاب مما لا أصل له » (27).
وصرح السيد محمد الشهشهاني ـ المتوفى سنة 1289 ـ بعدم تحريف القرآن الكريم في بحث القرآن من كتابه « العروة الوثقى » ، ونسب ذلك إلى جمهور المجتهدين (28).
وصرح السيد حسين الكوه كمري ـ المتوفى سنة 1299 ـ بعدم تحريف القرآن ، واستدل على ذلك بامور نلخصها فيما يلي :
1 ـ الاصل ، لكون التحريف حادثا مشكوكاً فيه.
2ـ الاجماع.
3ـ منافاة التحريف لكون القرآن معجزة.
4ـ قوله تعالى : « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ».
5 ـ أخبار الثقلين.
6 ـ الاخبار الناطقة بالامر بالاخذ بهذا القرآن (29).
وإليه ذهب الشيخ موسى التبريزي ـ المتوفى سنة 1307 ـ في « شرح الرسائل في علم الاصول ».
وأثبت عدم التحريف بالادلة الوافية السيد محمد حسين الشهرستاني الحائري ـ المتوفى سنة 1315 ـ في رسالة له اسمها « رسالة في حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف » (30).
وقال الشيخ محمد حسن الاشتياني ـ المتوفى سنة 1319 ـ : « المشهور بين المجتهدين والاصوليين ، بل أكثر المحدثين عدم وقوع التغيير مطلقا ، بل ادعى غير واحد
وإليه ذهب الشيخ محمد حسن بن عبدالله المامقاني النجفي ـ المتوفى سنة 1323 ـ في كتابه « بشرى الوصول إلى أسرار علم الاصول ».
وبه صرح السيد محمد باقر ، الشهير بالحجة الطباطبائي ـ المتوفى سنة 1331 ـ في منظومته الشهيرة في علم الكلام ، المسماة بـ « مصباح الظلام في علم الكلام ».
وقال الشيخ عبدالله ابن الشيخ محمد حسن المامقاني المتوفى سنة 1351 ـ بترجمة (الربيع بن خثيم) بعد كلام له : « فتحصل من ذلك كله أن ما صدر من المحدث النوري ـ رحمه الله ـ من رمي الرجل
بضعف الايمان ونقص العقل جرأة عظيمة كجرأته على الاصرار على تحريف كتاب الله المجيد... » (32).
وقال الشيخ محمد جواد البلاغي ـ المتوفى سنة 1352 ـ ما نصه : « ولئن سمعت من الروايات الشاذة شيئا في تحريف القرآن وضياع بعضه ، فلا تقم لتلك الروايات وزناً ، وقل ما يشاء العلم في اضطرابها ووهنها
وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين ، وفيما جاءت به في رواياتها الواهية من الوهن وما ألصقته بكرامة القرآن مما ليس له شبه به... » (33).
فهذه طائفة من كلمات أعلام الامامية في القرون المختلفة الصريحة في نفي التحريف عن القرآن الشريف... وهذا هو رأي آخرين منهم :
كالشريف الرضي ، المتوفى سنة 406 هـ.
والشيخ ابن إدريس ـ صاحب « السرائر في الفقه » ـ ، المتوفى سنة....
والفاضل الجواد ، من علماء القرن الحادي عشر ، في « شرح الزبدة في الاصول ».
والشيخ أبي الحسن الخنيزي ، صاحب الدعوة الاسلامية ، المتوفى سنة 1363 هـ.
والشيخ محمد النهاوندي ، صاحب التفسير ، المتوفى سنة 1371 هـ.
والسيد محسن الامين العاملي ، المتوفى سنة 1371 ، في كتابه « الشيعة والمنار ».
والشيخ عبدالحسين الرشتي النجفي ، المتوفى سنة... ، في « كشف الاشتباه في مسائل جار الله ».
والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، المتوفى سنة 1373 هـ ، في « أصل الشيعة واصولها ».
والسيد عبدالحسين شرف الدين العاملي ، المتوفى سنة 1381 هـ ، في « أجوبة مسائل جار الله ».
والشيخ آغا بزرگ الطهراني ، المتوفى سنة 1389 هـ ، في رسالته في « نفي التحريف عن القرآن الشريف ».
والسيد محمد هادي الميلاني ، المتوفى سنة 1395 ، في فتوى له.
والسيد محمد حسين الطباطبائي ، المتوفى سنة 1402 هـ ، في تفسيره الشهير » الميزان في تفسير القرآن ».
وقد تعرض لهذا الموضوع : السيد أبوالقاسم الخوئي ـ دام ظلّه ـ في كتابه « البيان في تفسير القرآن ».
ولو أردنا أن ننقل كلمات هؤلاء الاعاظم من علماء الشيعة في هذا المضمار لطال بنا المقام ، فمثلا يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء :
« وإن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هوالكتاب الذي أنزله الله
إليه للاعجاز والتحدي ولتعليم الاحكام وتمييز الحلال من الحرام ، وإنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة ، وعلى هذا إجماعهم.
ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف فهو مخطىء يردّه نصّ الكتاب العظيم (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
والاخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة ، وأخبارآحاد لا تفيد علما ولا عملا ، فأما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار» (34).
ويقول السيد شرف الدين : « المسألة الرابعة : نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات...
فأقول : نعوذ بالله من هذا القول ، ونبرأ إلى الله تعالى من هذا الجهل ، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا ، فإن القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنابجميع آياته وكلماته وسائر
حروفه وحركاته وسكناته تواترا قطعيا عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام لا يرتاب في ذلك إلا معتوه ، وأئمة أهل البيت كلهم أجمعون رفعوه إلى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تعالى ،
وهذا أيضا مما لا ريب فيه.
وظواهر القرآن الحكيم فضلا عن نصوصه أبلغ حجج الله تعالى ، وأقوى أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الاولية من مذهب الامامية ، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة ، ولذلك تراهم
يضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار ولا يأبهون بها ، عملا بأوامر أئمتهم عليهم السلام.
وكان القرآن مجموعا أيام النبي صلى الله عليه وآله على ما هو عليه الان من الترتيب والتنسيق في آياته وسوره وسائر كلماته وحروفه ، بلا زيادة ولا نقصان ، ولا تقديم ولا تأخير ، ولا تبديل ولا تغيير.
وصلاة الامامية بمجردها دليل على ذلك ، لانهم يوجبون بعد فاتحة الكتاب في كل من الركعة الاولى والركعة الثانية من الفرائض الخمس ـ سورة واحدة تامة غير الفاتحة من سائر السور ، ولا يجوز
عندهم التبعيض فيها ولا القران بين سورتين على الاحوط ، وفقههم صريح بذلك ، فلولا أن سور القرآن بأجمعها كانت زمن النبي صلى الله عليه وآله على ما هي الان عليه في الكيفية والكمية ما تسنى لهم هذا
القول ، ولا أمكن أن يقوم لهم عليه دليل.
أجل ، إن القرآن عندنا كان مجموعا على عهد الوحي والنبوة ، مؤلفا على ما هو عليه الان ، وقد عرضه الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وتلوه عليه من أوله إلى آخره ، وكان جبرائيل عليه السلام يعارضه
صلى الله عليه وآله بالقرآن في كل عام مرة ، وقد عارضه به عام وفاته مرتين ، وهذا كله من الامور الضرورية لدى المحققين من علماء الامامية ، ولا عبرة ببعض الجاحدين منهم ، كما لا عبرة بالحشوية من أهل السنة
نعم ، لا تخلو كتب الشيعة وكتب السنة من أحاديث ظاهرة بنقص القرآن غير أنها مما لا وزن لها عند الاعلام من علمائنا أجمع ، لضعف سندها ، ومعارضتها بما هو أقوى منها سندا ، وأكثر عددا ، وأوضح دلالة ،
على أنها من أخبار الاحاد ، وخبر الواحد إنما يكون حجة إذا اقتضى عملا ، وهذه لا تقتضي ذلك ، فلا يرجع بهاعن المعلوم المقطوع به ، فليضرب بظواهرها عرض الحائط » (35).
وسئل السيد محمد هادي الميلاني عن رأيه في المسألة فأجاب بما معربه :
« بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، إن الذي نقطع به هو عدم وقوع أي تحريف في القرآن
الكريم ، لا زيادة ولا نقصانا ولا تغييرا في ألفاظه ، ولو جاء في بعض الاحاديث ما يفيد التحريف فإنما المقصود من ذلك ما وقع من تغيير معاني القرآن حسب الاراء السقيمة والتأويلات الباطلة ، لا تغيير ألفاظه
وعباراته.
وأما الروايات الدالة على سقوط آيات أو سور من هذه المعجزة الخالدة فمجهولة أو ضعيفة للغاية ، بل إن تلك الايات والسور المزعومة ـ كالسورتين اللتين رواهما في « الاتقان » أو تلك السورة التي رويت في
« بستان المذاهب » ، وكذا ما جاء في غيرهما من الكتب ـ هي وحدها تكشف عن حقيقتها ، إذ لا يشك الخبير بعد عرضها على اسلوب القرآن البلاغي في كونها مختلقة باطلة.
هذا على أن أحدا لم يقل بالزيادة ، والقول بنقصانه ـ كما توهمه بعضهم ـ لايمكن الركون إليه ، لا سيما بعد الالتفات إلى قوله تعالى « إن علينا جمعه وقرآنه » وقوله تعالى « وإنا له لحافظون » وقوله تعالى « لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه » إلى غيرها من الايات.
وبهذا الذي ذكرنا صرح كبار علماء الامامية منذ الطبقات الاولى كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي ، وهم جميعا يعتقدون بما صرح به رئيس المحدثين الشيخ الصدوق في كتاب
« الاعتقادات » الذي ألفه قبل أكثر
والحاصل : إن من تأمل في الادلة وراجع تأريخ اهتمام المسلمين في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وبعده بضبط القرآن وحفظه ودراسته يقطع أن سقوط الكلمة الواحدة منه محال.
ولو أن أحدا وجد حديثا يفيد بظاهره التحريف وظن صحته فقد أخطأ ، وان الظن لا يغني من الحق شيئا » (36).
والسيد أبوالقاسم الخوئي ـ أدام الله ظله ـ بعد أن ذكر أسماء بعض النافين للتحريف من أعلام الامامية قال : « والحق بعد هذا كله ، إن التحريف بالمعنى الذي وقع النزاع فيه غير واقع في القرآن أصلا بالادلة
التالية... » (37) ثم بين أدلة النفي من الكتاب والسنة وغيرهما.
وللسيد محمد حسين الطباطبائي بحث في « أن القرآن مصون عن التحريف » في فصول ، أورده في تفسيره القيم ، في ذيل تفسير قوله تعالى : « إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ». (38)
ذكرنا في الفصل الاول كلمات لاعلام الامامية في نفي التحريف عن القرآن الكريم ، وقد جاء في بعض تلك الكلمات ـ التي ذكرناها على سبيل التمثيل لا
الاستقراء والحصر ـ الاستدلال بوجوه عديدة على ما ذهبوا إليه.
والواقع ان الادلة الدالة على عدم وجود النقص في القرآن الكريم هي من القوة والمتانة ، بحيث يسقط معها ما دل على التحريف بظاهرها عن الاعتبار لو كان معتبرا ومهما بلغ في الكثرة ، ويبطل القول بذلك
حتى لو ذهب إليه أكثر العلماء.
وقد عقدنا هذا الفصل لايراد تلك الادلة بإيجاز.
والقرآن الكريم فيه تبيان لكل شيء ، وما كان كذلك كان تبيانا لنفسه أيضا ، فلنرجع إليه لنرى هل فيه دلالة على نقصانه أو بالعكس.
أجل إن في القرآن الحكيم آيات تدل بوضوح على صيانته من كل تحريف ، وحفظه من كل تلاعب ، فهو ينفي كل اشكال التصرف فيه ، ويعلن أنه لا يصيبه ما يشينه ويحط من كرامته حتى الابد.
وتلك الايات هي :
1 ـ قوله تعالى : « إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا. أفمن يلقى في النار خير أم من يأتى آمنا يوم القيامة. إعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير. إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد » (39).
واذا كان القرآن العظيم لا يأتيه « الباطل » من بين يديه ولا من خلفه فإنّ من
فهو إذا مصون من قبل الله تعالى عن ذلك منذ نزوله إلى يوم القيامة.
2 ـ قوله تعالى :« إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون » (40).
والمراد من « الذكر » في هذه الايه الكريمة على الاصح هو « القرآن العظيم » فالله سبحانه أنزله على نبيه الكريم ، وتعهد بحفظه منذ نزوله إلى الابد من كل ما يتنافى وكونه منهاجا خالدا في الحياة ودستورا عاما
للبشرية جمعاء.
ومن الواضح ان من أهم ما يتنافى وشأن القرآن العظيم وقد سيته الفذة وقوع التحريف فيه وضياع شيء منه على الناس ، ونقصانه عما أنزله عزوجل على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
3 ـ قوله تعالى: « لا تحرك به لسانك لتعجل به ، ان علينا جمعه وقرآنه ، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ، ثم ان علينا بيانه » (41).
فعن ابن عباس وغيره في قوله تعالى : «ان علينا جمعه وقرآنه » ان المعنى : إن علينا جمعه ، وقرآنه عليك حتى تحفظه ويمكنك تلاوته ، فلا تخف فوت شيء منه (42).
والمصدر الثاني من مصادر الاحكام والعقائد الاسلامية هوالسنة النبوية الشريفة الواصلة إلينا بالطرق والاسانيد الصحيحة.
ولذا كان على المسلمين أن يبحثوا في السنة عما لم يكن في الكتاب ، وأن يأخذوا منهاتفسير ما أبهمه وبيان ما أجمله ، فيسيروا على منهاجها ، ويعملوا على وفقها ، عملا بقوله سبحانه « ما آتاكم الرسول فخذوه ،
وما نهاكم عنه فانتهوا » (43) وقوله تعالى
وعلى هذا فإنا لما راجعنا السنة وجدنا الاحاديث المتكثرة الدالة بأقسامها العديدة على إن القرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو ما انزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة ونقصان ، وانه كان
محفوظا مجموعا على عهده ، صلى الله عليه وآله وسلم وبقي كذلك حتى الان ، وانه سيبقى على ما هو عليه إلى الابد.
وهذه الاحاديث على أقسام وهي :
لقد جاءت الاحاديث الصحيحة تنص على وجوب عرض الخبرين المتعارضين بل مطلق الاحاديث على القرآن الكريم ، فما وافق
القرآن اخذ به وما خالفه اعرض عنه ، فلولا أن سور القرآن وآياته مصونه من التحريف ومحفوظة من النقصان ما كانت هذه القاعدة التي قررها الائمة من أهل البيت الطاهرين آخذين إياها من جدهم رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ولا امكن الركون إليها والوثوق بها.
ومن تلك الاحاديث المذكورة :
قول الامام الرضا عليه السلام : «... فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله ، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب ، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي صلى الله عليه وآله.. »
(45).
وقول الامام الصادق عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام : « إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه » (46).
وقول الامام الهادي عليه السلام : «... فاذا وردت حقائق الاخبار والتمست
وقول الامام الصادق عليه السلام : « إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهماعلى كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فذروه.. » (48).
وقول الامام الصادق عليه السلام : «... ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة ، وخالف العامة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف الكتاب والسنة ووافق العامة... » (49).
فهذه الاحاديث ونحوها تدل على إن القرآن الموجود الان هو نفس ما أنزله الله عزوجل على النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم. من غير زيادة ولا نقصان ، لانه لو لم يكن كذلك لم يمكن أن يكون القرآن مرجعا للمسلمين يعرضون عليه الاحاديث التي تصل إليهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيعرف بذلك الصحيح ويؤخذ به ،
والسقيم فيعرض عنه ويترك.
ولم تمر على النبي الكريم والقائد العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرصة إلا وانتهزها للوصية بالكتاب والعترة الطاهرة والامرباتباعهما والانقياد لهما والتمسك بها.
لذا تواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم حديث الثقلين الذي رواه جمهور علماء المسلمين بأسانيد متكثرة متواترة ، وألفاظ مختلفة متنوعة عن أكثر من ثلاثين صحابي وصحابية ، وأحد ألفاظه :
« اني تارك فيكم
الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن
وهذا يقتضي أن يكون القرآن الكريم مدونا في عهده صلى الله عليه وآله وسلم بجميع آياته وسوره حتى يصح إطلاق إسم الكتاب عليه ، ولذلك تكرر ذكر الكتاب في غير واحد من سوره الشريفة.
كما انه يقتضي بقاء القرآن كما كان عليه على عهده صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة ، لتتم به ـ وبالعترة ـ الهداية الابدية للامة الاسلامية والبشرية جمعاء ، ما داموا متمسكين بهما ، كما ينص عليه الحديث
الشريف بألفاظه وطرقه ، وإلا للزم القول بعدم علمه صلى الله عليه وآله وسلم بما سيكون في امته ، أو إخلاله بالنصح التام لامته ، وهذا لا يقول به إحد من المسلمين.
وقد وردت طائفة من الاحاديث في فضيلة قراءة سور القرآن الكريم في الصلوات وغيرها ، وثواب ختم القرآن وتلاوته في شهر رمضان وغير ذلك.
ولو كان تطرق النقصان في ألفاظ القرآن لم يبق مجال للاعتماد على شيء من تلك الاحاديث والعمل بها من أجل الحصول على ما تفيده من الاجر والثواب ، لاحتمال أن تكون كل سورة أو كل آية محرفة عما
كانت نازلة عليه.
ومن تلك الاحاديث :
فقد رواه عنه أكثر من ثلاثين من الصحابة واورده من علماء أهل السنة ما يقارب الـ 500 شخصية من مختلف طبقاتهم منذ زمن التابعين حتى عصرنا الحاضر من مؤرخين ومفسرين ومحدثين غيرهم.
وهذا الاحديث يدل بوضوح على عصمة الائمة من العترة ووجوب اطاعتهم وامتثال اوامرهم والاهتداء بهديهم في الامور الدينية والدنيوية ، والاخذ بأقوالهم في الاحكام الشرعية وغيرها.
كما يدل على بقائهم وعدم خلو الارض منهم إلى يوم القيامة كما هو الحال بالنسبة إلى القرآن.
وقد بحثنا هذا الحديث مسندا ودلالة في ثلاثة أجزاء من كتابنا « خلاصة عبقات الانوار في إمامة الائمة الاطهار » الذي طبع منه حتى الان تسعة أجزاء.
قول الامام الباقر عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
« من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين ، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ،
ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين ، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين ، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين ، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار... » (51).
وقول الامام الباقر عليه السلام : « من أوتر بالمعوذتين ، وقل هو الله أحد قيل له : يا عبد الله أبشر فقد قبل الله وترك » (52).
وقول الامام الصادق عليه السلام : «... وعليكم بتلاوة القرآن ، فان درجات الجنة على عدد آيات القرآن ، فاذا كان يوم القيامة يقال لقارىء القرآن إقرأ وارق ، فكلما قرأ آية رقى درجة... » (53).
وقول الامام الصادق عليه السلام : « الواجب على كل مؤمن إذاكان لنا شيعة أن يقرأ ليلة الجمعة بالجمعة وسبح إسم ربك الاعلى... فاذا فعل ذلك فانما يعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان جزاؤه وثوابه على الله الجنة » (54).
وقول الامام الباقر عليه السلام : « من ختم القرآن بمكة من جمعة إلى جمعة واقل من ذلك واكثر ، وختمه يوم الجمعة ، كتب الله له من الاجر والحسنات من أول جمعة كانت إلى آخر جمعة تكون فيها ، وان
ختمه في سائر الايام فكذلك » (55).
إلى غير ذلك من الاحاديث وما أكثرها ، وقد ذكر الفقهاء ـ رضي الله تعالى عنهم ـ تفصيل ما يستحب أن يقرأ في الصلوات الخمس من سور القرآن (56).
كما روى الشيخ الصدوق ـ رحمه الله تعالى ـ ثواب قراءة كل سورة من القرآن بحسب الاحاديث الواردة عن الائمة عليهم السلام (57).
وبهذا القسم من الاحاديث استدل الشيخ الصدوق على ما ذهب إليه من عدم تحريف القرآن (58).
وهي كثيرة جدا ، نكتفي هنا منها بما جاء في كتب وخطب أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.
قال عليه السلام في خطبة له ينبه فيها على فضل الرسول والقرآن :
« أرسله على حين فترة من الرسل ، وطول هجعة من الامم وانتقاض من المبرم فجاءهم بتصديق الذي بين يديه ، والنور المقتدى به ، ذلك
القرآن.
فاستنطقوه ولن ينطق ، ولكن اخبركم عنه ، الا إن فيه علم ما يأتي ، والحديث عن الماضي ، ودواء دائكم ، ونظم ما بينكم » (59).
وقال عليه السلام :
« واعلموا ان هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش ، والهادي الذي لا يضل ، والمحدث الذي لا يكذب ، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان : زيادة في هدى أو نقصان في
عمى ، واعلموا انه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا لاحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم ، واستعينوا به على لأوائكم ، فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال ، فاسألوا
الله به وتوجهوا إليه بحبه ، ولا تسألوا به خلقه ، إنه ما توجه العباد إلى الله بمثله.
واعلموا إنه مشفع مشفع ، وقائل مصدق ، وإنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه ، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه ، فإنه ينادي مناد يوم القيامة : إلا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله ، غير
حرثة القرآن ، فكونوا من حرثته واتباعه ، واستدلوه على ربكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتهموا عليه أرائكم ،
وقال عليه السلام في كتاب له إلى الحارث الهمداني ـ رضي الله عنه ـ :
« وتمسك بحبل القرآن واستنصحه ، واحل حلاله ، وحرم حرامه... » (61).
وقال عليه السلام « ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، وسراجا لا يخبو توقده وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضل نهجه ، وشعاعا لا يظلم ضوؤه ، وفرقانا لايخمد برهانه ، وحقا لا تخذل أعوانه فهو
معدن الايمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الاسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المستنزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ،
ومنازل لا يضل نهجها القاصدون ، جعله الله ريا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ومحاج لطرق الصلحاء ، ودواء ليس بعده داء ، ونورا ليسمعه ظلمة وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزا لمن
تولاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن إئتم به ، وعذرا لمن إنتحله وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاج به ، وحاملا لمن حمله ، ومطية لمن أعمله ، وآية لمن توسم ، وجنة لمن إستلأم ،
وعلماً لمن وعى ، وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى » (62).
وقال عليه السلام : « فالقرآن آمر زاجر ، وصامت ناطق ، حجة الله على خلقه ، أخذ عليهم ميثاقه ، وارتهن عليه أنفسهم ، أتم نوره ، واكمل به دينه ، وقبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وقد فرغ إلى الخلق من
أحكام الهدى به ، فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه ، فإنه لم يخف عنكم شيئا من دينه ، ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه ، إلا وجعل له علما باديا وآية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه... » (63).
فهذه الكلمات البليغة وامثالها تنص على إن الله تعالى جعل القرآن الكريم نورا يستضاء به ، ومنهاجا يعمل على وفقه ، وحكما بين العباد ، ومرجعا في المشكلات ، ودليلا عند الحيرّة ومتبعا عند الفتنة.
وكل ذلك يقتضي أن يكون ما بأيدينا من القرآن هو نفس القرآن الذي نزل على الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وعرفه أمير المؤمنين وسائر الائمة والصحابة والمسلمون أجمعون.
وروى المحدثون من الامامية أحاديث متكاثرة جدا عن الائمة الطاهرين تتضمن تمسكهم بمختلف
الايات عند المناظرات وفي كل بحث من البحوث ، سواء في العقائد أو الاحكام أو المواعظ والحكم والامثال.
فهم عليهم السلام تمسكوا بالايات القرآنية « في كل باب على ما يوافق القرآن الموجود عندنا ، حتى في الموارد التي فيها آحاد من الروايات بالتحريف ، وهذا أحسن شاهد على إن المراد في كثير من روايات
التحريف من قولهم عليهم السلام كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل » (64).
وصريح جملة من الاحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت ، انهم عليهم السلام كانوا يعتقدون في هذا القرآن الموجود بانه هو النازل من عند الله سبحانه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه الاحاديث كثيرة ننقل هنا بعضها :
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
« كتاب ربكم فيكم ، مبينا حلاله
وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ورخصه وعزائمه ، وخاصه وعامه ، وعبره وامثاله ، ومرسله ومحدوه ، ومحكمه
وقال عليه السلام : « أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ؟ أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن تبليغه وادائه
؟ والله سبحانه يقول : « ما فرطنا في الكتاب من شيء » وقال : « فيه تبيان لكل شيء ». وذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا ، وانه لا اختلاف فيه ، فقال سبحانه « ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » وان القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ، ولا تكشف الظلمات إلا به »
(66).
وعن الريان بن الصلت قال : « قلت للرضا عليه السلام يا إبن رسول الله ما تقول في القرآن ؟
فقال : كلام الله ، لا تتجاوزوه ، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا » (67).
وجاء فيما كتبه الامام الرضا عليه السلام للمأمون في محض الاسلام وشرائع الدين :
« وإن جميع ما جاء به محمد بن عبدالله هو الحق المبين ، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وانبيائه وحججه
.
والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي « لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد » وانه المهيمن على الكتب كلها ، وانه حق من فاتحته إلى خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وخاصه
وعامه ، ووعده ووعيده ، وناسخه ومنسوخه ،
وعن علي بن سالم عن أبيه قال : « سألت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فقلت له : يا ابن رسول الله ما تقول في القرآن ؟
فقال : هو كلام الله ، وقول الله ، وكتاب الله ، ووحي الله وتنزيله ، وهو الكتاب
العزيز الذي « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد » (69).
ومن الرزايا العظيمة والكوارث المؤلمة التي قصمت ظهر المسلمين وأدت إلى ضلال أكثرهم عن الهدى الذي أراده لهم الله ورسوله ، ذلك الخلاف
الذي حدث عند رسول الله صلى الله عليه وآله وفي اللحظات الاخيرة من عمره الشريف بين صحابته الحاضرين عنده في تلك الحال.
ومجمل القضية هو : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حضرته الوفاة وعنده رجال من صحابته ـ فيهم عمر بن الخطاب ـ قال : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، وفي لفظ اخر : أئتوني بالكتف والدواة ـ أو : اللوح والدواة ـ أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا.
فقال عمر : إن النبي قد غلب عليه الوجع (70) ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله !
وفي لفظ آخر : فقالوا : إن رسول الله يهجر.
من دون تصريح باسم المعارض ـ ! فاختلف الحاضرون ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر !
فلما اكثروا ذلك عنده صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم : قوموا عني (71).
ولسنا نحن الان بصدد محاسبة هذا الرجل لكلامه هذا الذي غير مجرى التأريخ ، وحال دون ما أراده الله والرسول لهذه الامة من الخير والصلاح والرشاد ، إلى يوم القيامة ، حتى إن ابن عباس كان يقول ـ فيما
يروى عنه ـ :
« يوم الخميس وما يوم الخميس » ثم يبكي (72).
وكان رضي الله عنه يقول :
« ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم » (73).
وانما نريد الاستشهاد بقول : « إن عندنا القرآن ، حسبنا كتاب الله » الصريح في وجود القرآن عندهم مدونا مجموعا حينذاك ، ويدل على ذلك انه لم يعترض عليه أحد ـ لا من القائلين قربوا يكتب لكم النبي كتابا ، ولا من غيرهم ـ بان سور القرآن وآياته متفرقة مبثوثة ، وبهذا تم لعمر بن الخطاب والقائلين مقالته ما أرادوا من الحيلولة بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين كتابة الكتاب.
*
*
3 ـ الاجماع
4 ـ تواتر القرآن
5 ـ صلاة الامامية
6 ـ كون القرآن مجموعا على عهد النبي
7 ـ إهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالقرآن
ومن الادلة على عدم نقصان
القرآن : إجماع العلماء في كل الازمان (74).
ومن المعلوم ان الاجماع حجة لدى المسلمين ، اما عند الامامية فلانه كاشف عن رأي المعصوم عليه السلام (75).
ومن الادلة على عدم نقصان القرآن تواتره من طرق الامامية بجميع حركاته وسكناته ، وحروفه وكلماته ، وآياته وسوره ، تواترا قطعيا عن الائمة الطاهرين عليهم السلام عن جدهم رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم (76).
فهم يعتقدون بان هذا القرآن الموجود بأيدينا هو المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا زيادة ولا نقصان.
ومن الادلة على إعتقاد الامامية بعدم سقوط شيء من القرآن الكريم : صلاتهم لانهم يوجبون قراءة سورة كاملة (77) بعد الحمد في الركعة الاولى والثانية (78) من الصلوات الخمس
اليومية من سائر سور القرآن عدا الفاتحة ، ولا يجوز عند جماعة كبيرة منهم القران بين سورتين (79).
وصلاتهم بهذه الكيفية والاحكام دليل ظاهر على إعتقادهم بكون سور القرآن بأجمعها زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ما هي عليه الان ، والا لما تسنى لهم
ومن الادلة على عدم وجود النقص في القرآن ثبوت كونه مجموعا على عهد الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم على ما هو عليه الان
من الجمع والترتيب والتنسيق ، وإن جماعة من الصحابة ختموا القرآن على عهده ، وتلوه ، وحفظوه ، يجد اسماءهم من راجع كتب علوم القرآن وإن جبرئيل كان يعارضه صلى الله عليه وآله وسلم به كل عام مرة
، وقد عارضه به عام وفاته مرتين (81).
وكل هذا الذي ذكرنا دليل واضح على إن القرآن الموجود بين أيدينا هو نفس القرآن الذي كان بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته على عهده فما بعد ، من غير زيادة ولا نقصان.
وهل يمكن لاحد من المسلمين إنكار إهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن ؟
لقد كان حريصا على نشر سور القرآن بين المسلمين بمجرد
نزولها ، مؤكدا عليهم حفظها ودراستها وتعلمها ، مبينا لهم فضل ذلك وثوابه وفوائده في الدنيا والاخرة.
فحثه صلى الله عليه وآله وسلم وترغيبه بحفظ القرآن في الصدور والقراطيس ونحوها ، وامره بتعليمه وتعلمه رجالا ونساء واطفالا مما ثبت بالضرورة بحيث لا مجال لانكار المنكر وجدال المكابر.
وأما المسلمون ، فقد كانت الدواعي لديهم لحفظ القرآن والعناية به متوفرة ، ولذا كانوا يقدمونه علىغيره في ذلك ، لانه معجزة النبوة الخالدة ومرجعهم في الاحكام الشرعية والامور الدينية ، فكيف
يتصور سقوط شيء منه والحال هذه ؟
نعم ، قد يقال : انه كما كانت الدواعي متوفرة لحفظ القرآن وضبطه وحراسته ، كذلك كانت الدواعي متوفرة على تحريفه وتغييره من قبل المنافقين وأعداء الاسلام
والمسلمين ، الذين خابت ظنونهم في أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو آية من آياته.
ولكن لا مجال لهذا الاحتمال بعد تأييد الله سبحانه المسلمين في العناية والاهتمام بالقرآن ، وتعهده بحفظه بحيث « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ».
للبحث صلة...