الدكتور السيد مصطفى جمال الدين
النحو ـ في فهم المحققين من النحاة ـ هو : نظام تأليف الجملة.
والجملة : مركب إسنادي من كلمتين ، أو أكثر ، يؤدي الربط بينهما إلى أن يكون لكل منهما (وظيفة) نحوية خاصة.
والوظيفة النحوية : هي ما تؤديه إحدى الكلمتين بالنسبة إلى الاخرى من كونها (فعلا) لها ، أو (فاعلا) ، أو (مفعولا) ، أو (حالا) ، أو (تمييزا) ، أو (مستنثنى) ، أو (نعتا) ، أو (بدلا) ، أو (مضافا) ، أو (مضافا
إليه) إلى آخر ما تؤديه الكلمات المرتبطة ببعضها ، أو الكلمات الرابطة بينها ، من (معاني النحو) التي فصلها النحاة إلى أبواب النحو المعروفة.
وقد صنف النحاة السابقون هذه الكلمات ـ سواء منها ما كان رابطا أو مرتبطا ـ إلى ثلاثة أصناف سميت عندهم (أقسام الكلم) هي : الاسم ، والفعل ، والحرف. ولم يخرج أحد منهم على هذا التقسيم غير ما يروى عن أبي جعفر أحمد بن صابر من أنه زاد قسما رابعا سماه (الخالفة) وهو إسم الفعل (1) وقد ادعى بعض المحدثين أن الذي أطلق مصطلح الخالفة على
اسم الفعل هو الفراء (2).
أما الدارسون المحدثون فقد جلب انتباههم أن بعض الكلمات لا يمكن أن
وهناك محاولة اخرى لتقسيم الكلمة سبعة أقسام بإضافة (الصفة ، والخالفة ، والظرف) إلى هذه الاقسام الاربعة كما فعل الدكتور تمام حسان (5) ، وسيأتي عرض وجهة نظر الدارسين المحدثين ، والاسس
التي قام عليها تقسيمهم للكلمات ، مع مناقشة ما يستحق المناقشة منها ، بعد استيفاء القول في وجهة نظر السابقين من النحاة في التقسيم الثلاثي وعرض مايبدو لي من تقسيم رأيت أنه أجدر من غيره.
وكان النحاة السابقون يرجعون في تقسيمهم الثلاثي إلى أساسين مختلفين تبنى كل واحد
منهما فريق من النحاة :
أ ـ الوجهة التأليفية الاسنادية
فقد تبنى جماعة منهم وجهة نظر
تنبني على تأليف الجملة وإسنادها أي أنهم جعلوا أساس التقسيم قائما على طبيعة تركيب الجملة ، وصلاحية كل كلمة في هذا التركيب ، فما كان من الكلمات صالحا لان يقع في الجملة مسندا ومسندا إليه فهو (
الاسم) مثل : زيد وقائم ، وما كان صالحا لان يقع مسندا فقط فهو (الفعل) مثل : قام ويقوم ، وما كان غير صالح لان يقع مسندا ولا مسندا إليه فهو (الحرف) مثل : من وعن.
يقول ابن معط (ـ 628 هـ) : « إن المنطوق به إما أن يدل على معنى يصح الاخبار عنه وبه وهو الاسم ، وإما أن يصح الاخبار به لاعنه ، وهو الفعل ، وإما ألا يصح الاخبار عنه ولا به ، وهو الحرف » (6).
ومن الطبيعي أن يكون هذا التوجيه مردودا عند بعض النحاة ، لانه ـ كما يقولون ـ قائم على قسمة غير حاصرة ، إذ يمكن افتراض قسم رابع هو : (أن يخبرعنه لا به) وسواء وجد هذا القسم أم لم يوجد ،
فإن مجرد احتماله مخل بانحصار القسمة (7).
الوجهة المعنوية الدلالية
وهناك جماعة من النحاة تبنوا في تقسيمهم الثلاثي وجهة نظر مبنية على دلالة الكلمة على معناها ، بغض النظر عن صلاحيتها للاسناد ، أي أن أساس التمايز بين أقسام الكلمة هو افتراقها في (دلالة) كل كلمة
على المعاني التي وضعت بإزائها ، فالكلمة : إما أن تدل على معنى مستقل في نفسه ، أي أن معناها يدرك من لفظها سواء ربطت بعنصر لفظي آخر أم لم تربط ، أو تدل على معنى غير مستقل ، والثاني (الحرف) ؛
لان معناه لا يظهر إلا إذا ربط بكلمة اخرى.
أما القسم المستقل فهو : إما أن يقترن معناه بأحد الازمنةالثلاثة فهو (الفعل) أو لا يقترن فهو (الاسم).
وقد تبنى أكثر النحاة هذا الاساس في التقسيم (8) لذلك جاءت تعريفاتهم للاقسام مبنية عليه :
فالاسم : (كلمة دلت على معنى في نفسها من غير اقتران بزمان محصل) (9).
والفعل : (كلمة دلت على معنى في نفسها مقترن بأحد الازمنة الثلاثه) ، وقد أضاف الرضي إلى التعريف قيد : (من حيث الوزن) ليشير إلى أن (الحدث) معنى يدل عليه الفعل بمادته ، و (الزمن) معنى يدل عليه
الفعل بصيغته (10).
والحرف : (ما دل على معنى في غيره ، نحو من وإلى وثم) (11) وهم يقصدون : أن (التعريف) أو (التنكير) ليس هو معنىتحمله كلمة (أل) أو (التنوين) وإنما هو معنى تحمله كلمة (رجل)
عندما تسبقها (أل) أو يلحقها التنوين.
نقد الاساس النحوي للتقسيم .
أ ـ ونقدنا للاساس الاول أن النحاة السابقين لم يقبلوه ، لعدم قيامه ـ كما قالوا ـ على (القسمة الحاصرة) فمن الواضح أن الفروض أربعة ، أي أن الكلمة ـ عندهم ـ إما أن تكون مسندا فقط ، أو مسندا إليه فقط ، أو
تكون مسندا ومسندا إليه ، أولا مسندا ولا مسندا إليه ، والاول : الفعل ، والثاني : ضمير الرفع المتصل ، والثالث : الاسم ، والرابع : الحرف.
ومع وجود هذا الفرض الرابع ، والتمثيل له بضمائر الرفع المتصلة ، فكيف يصح جعلها من قسم الاسم ، وليس قسما رابعا.
ب ـ أما عن وجهة النظر الاخرى ، أي بناء تقسيم الكلمة على أساس دلالتها على المعنى بنفسها أو بغيرها ، فإن الملاحظ عليه : أنهم يعنون بذلك أن تكون الكلمة مستقلة بإدراك المعنى من لفظها أو غير مستقلة ،
المستقلة هي التي يدرك السامع معناها الذي وضعت له ، سواء كانت مرتبطة بكلمة اخرى أو غيرمرتبطة ، فكلمات : (رجل ، فرس ، قيام ، قعود) يفهم السامع معناها عند النطق بها منفردة مثل : (رجل) أو مؤلفة
مثل : (جاءني رجل). أما الكلمات غير المستقلة مثل : من ، وأل ، وهل فهي التي لا يفهم عند النطق بها معنى (الابتداء ، أو التعريف ، أو الاستفهام) إلا ضمن كلمة اخرى ، أو جملة تامة ، فكلمة (رجل) هي التي تكون (معرفة)
عندما تدخل عليها (أل) ، وجملة : (قام محمد) هي التي تكون (مستفهما عنها) عندما تدخل عليها (هل).
والملاحظ أنهم خصوا غير المستقل بالحرف فقط ، وأشركوا الاسم والفعل
ولنا على ذلك الملاحظات الاتية في الجهتين معا :
1 ـ عدم الاستقلال بالمعنى
فمن جهة تخصيصهم الكلمات غيرالمستقلة بالحرف فقط ، لا يوجد له وجه معقول ، فهناك كلمات كثيرة أدخلوها في قسم
الاسماء ، كالضمائر ، والاشارة ، والموصول ، وأسماء الاستفهام ، وأسماء الشرط ، وغيرها ليست لها تلك المعاني المستقلة ، لان معناها لا يفهم إلا ضمن كلمة اخرى ، أو جملة ، ولنقارن بين كلمة (أل) التي
يفترض أنها حرف ، وكلمة (الذي) التي يفترض أنها اسم ، فسنجد أن معناهما سواء من ناحية عدم الاستقلال بإدراكه من اللفظ المنفرد ، فجملة : (الذي جاءني بالامس زيد) لو اقتطعنا منها كلمة (الذي) فما
المعنى الذي تدل عليه منفردة ؟! ولو قلنا : (هذا) ـ وحدها ـ لبقي المعنى غامضا حتى نأتي بالمشار إليه لفظا مثل : (هذا الرجل خير من أخيه) أو حسا كالاشارة الخارجية ، وحينئذ يغني معنى (الذي) بصلتها (
جاءني) ، ولا يبقى لـ (هذا) معنى غير معنى (الرجل) المشار إليه لفظا أو حسا.
وقد تنبه النحاة أنفسهم إلى ذلك فعللوا سر بناء هذا النوع من الكلمات بكونها مفتقرة إلى الغير في معناها ، كالحرف ، وسموا ذلك بـ (الشبه المعنوي) :
كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا والمعنوي في متى وفي هنا
وإذا كان الامر كذلك فما نصنع بالاسماء المبهمة هذه ؟! أنعتبرها حروفا ، لان تعريف النحاة للحرف : (ما دل على معنى في غيره) شامل لها ؟! أم نظل نصنفها في قسم الاسماء ، مع أن تعريفهم الاسم بأنه : (
مادل على معنى في نفسه) لا ينطبق عليها ؟! فالغلط واقع لا محالة إما في التقسيم أو في التعريف.
2 ـ فكرة الزمن واقترانها بالفعل
أما عن فكرة الزمن وجعلها هي المائزة بين الاسم والفعل مع دلالتها على المعنى المستقل ، فملاحظتنا عليه :
أ ـ إن فكرة الزمن ودلالة الصيغة الفعلية عليها فكرة غير ناضجة
في أذهان النحاة السابقين وقد أنكر ذلك أكثر الباحثين المحدثين سواء في اصول الفقه (12) أم في
ونستطيع تقريب ذلك بأن (الزمان الماضي) مثلا لا يفهم من لفظ (قام) وحدها ، لامن مادتها ، ولا من صيغتها ، وإنما يفهم من سياق الجملة و(مقامها) فإن وقع الفعل في سياق الاخبار عن شيء دل على الزمن
الماضي مثل (قام محمد) وإن وقع في سياق آخر غير الاخبار ، كسياق الشرط مثلا ، دل على الزمن المستقبل مثل : (إن قام محمد قمت) مع أن لفظ (قام) واحد في السياقين ، فلو كان الزمان زمان الصيغة لما
اختلف من سياق إلى سياق.
كذلك فإن صيغة (يفعل) ـ يقوم مثلا ـ لا تدل على الزمان الحاضر والمستقبل إلا بسياق الجملة وقرائن أحوالها ، ففي سياق الخبرتدل على (الحال) وفي سياق التسويف والنفي بـ (لن) تدل على الاستقبال (
سوف يقوم) أو (لن يقوم) ، وفي سياق النفي بـ (لم) أو لما تدل على الماضي البعيد أو القريب (لم يقم... ولما يقم) وهكذا.
وهذا إن دل على شيء فعلى أن الزمان نحوي لا صرفي ، أي أنه يفهم من سياق الجملة وأسلوب تأليفها ، لامن صيغة (فعل. يَفْعَل).
ب ـ إن الزمان النحوي هذا ، لايقتصر على الجمل الفعلية وصيغ الافعال ، بل قد يفهم من الجمل الاسمية وصيغ الاسماء كالمصدر واسم الفاعل ، فأنت تقول مثلا : (أنا ضارب اخيك) فنفهم من سياق الخبر أن
الزمان ماض ، وتقول : (أنا ضارب أخاك) ونفهم من سياق (التهديد) أن الزمان مستقبل.
ونخلص من ذلك كله إلى أنه إذا كنانفهم (الزمن المعين) من وقوع الفعل (قتل) أو الاسم (قاتل) في سياق معين دل ذلك أن الاقتران بالزمن ليس هو المائز بين الاسم والفعل ، لانه ليس زمانهما بل
زمان الجملة.
يقول الدكتور إبراهيم أنيس ـ وهو يرد على النحاة ربطهم لصيغة الفعل بالزمن ـ : « وقد جعلوا ارتباط الفعل بالزمن عنصرا أساسيا ، به يتميز الفعل من الاسم ، وعز عليهم أن يروا فكرة الزمن تتحقق في المصدر
كما تتحقق في الفعل ، فجادلوا في هذا
من هذه المؤاخذات ، وأمثالها ، كان لابد للبحث النحوي الجديد أن يعيد النظر في تقسيم الكلمة ، على اسس أكثر ضبطا وتمييزا بين الاقسام. وأمامي الان محاولتان :
أ ـ التقسيم الرباعي
وقد ذهب إليه جماعة من الباحثين المحدثين أبرزهم الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه « من أسرار اللغة » (15) والدكتور مهدي المخزومي في كتابه « في النحو العربي
: قواعد وتطبيق » (16) وقد جلب انتباه أصحاب هذه المحاولة ـ كما قلت ـ مسألة المبهمات من الضمائر والموصول والاشارة وأمثالها مما لا يمكن دخوله في أحد الاقسام الثلاثة : الاسم ، والفعل والحرف لعدم
انطباق تعريفات هذه الاقسام عليها ، ولكن الفرق بين محاولتي الباحثين :
1 ـ في التسمية ، فقد أطلق الدكتور أنيس وجماعته على هذا القسم اسم (الضمير) وجعل القسم شاملا للضمائر ، وأسماء الاشارة ،
والموصولات ، والعدد.أما الدكتور المخزومي فقد أطلق عليه اسم (الكناية) وأدخل فيه :الضمائر ، والاشارة ، والموصولات ، وأسماء الاستفهام ، وأسماء الشرط.
2 ـ في التأسيس ، فالمخزومي لم يذكر أساسا ينبني عليه تقسيم الكلمة إلى هذه الاقسام الاربعة ، في حين ذكر الدكتور أنيس أن تقسيمهم إلى هذه الاربعة قائم على اسس ثلاثة : (1 ـ المعنى ، 2 ـ الصيغة ، 3 ـ
وظيفة اللفظ في الكلام) ورأى أن الاكتفاء بأساس واحد من هذه الاسس لا يكفي ، « لان مراعاة المعنى وحده قد يجعلنا نعد بعض الاوصاف مثل : قاتل وسامع ومذيع أسماء وأفعالا في وقت واحد... ومراعاة
ب ـ التقسيم السباعي
وقد عقد الدكتور تمام حسان في كتابه « اللغة العربية معناها ومبناها » فصلا لاقسام الكلم تحدث فيه عن سبعة أقسام هي : الاسم ، والصفة ، والفعل ، والضمير ، والخالفة ، والظرف ، والاداة
.
وجعل هذا التقسيم قائما على أساسي المبنى والمعنى ، فأساس المبنى يضم فوارق صورية هي : (الاعراب ، والرتبة ، والصيغة ، والجدول ، والالصاق والتصام والرسم الاملائي) وأساس المعنى يضم فوارق
معنوية هي : (التسمية ، والحدث ، والزمن ، والتعليق ، والمعنى الجملي).
وقد أطال المؤلف في شرح ذلك مطبقا لها على الاقسام السبعة في محاولة لتبرير هذا التقسيم السباعي ، ولا يسعني تلخيص أساس التقسيم عنده ، والتعليق عليه ، لما فيه من تطويل وتعقيد وتداخل بين الاقسام
، حتى أنه ذكر للاسم ـ مثلا ـ تسع خصائص تشاركه بقية الاقسام في سبعة منها ، وما أدري إذا كانت هذا السبعة لا (تفصل) الاسم عن غيره من الاقسام فما فائدة ذكرها ؟ ومع ذلك فإني سأُشير إلى مواضع
الاختلاف معه بعد عرض وجهة نظري في أساس التقسيم.
في أثناء دراستي « للبحث النحوي عند الأُصولييّن » (18) وجدت لهم اسسا
1 ـ (الدلالة) فاللفظ إما أن يدل على معنى مستقل بالادراك... أو غير مستقل.
2 ـ (الوظيفة) والمقصود بها المعنىالنحوي الذي تؤديه الكلمة ضمن الجملة ، فهي إما أن تكون عنصرا رابطا ـ أي دالة نسبة ـ أو عنصرا مرتبطا ـ أي دالة ماهية ـ.
3 ـ (الصيغة) والمقصود بها الصيغ الاشتقاقية المندمجة بمادة الكلمة فهي إما أن تدل على معنى بسيط مستقل بالادراك ، أو على معنى مركب من المستقل وغير المستقل.
4 ـ (التركيب) والمراد به أن المعنى المركب من معنى المادة ومعنى الصيغة إما أن يكون تركيبه تحليليا أو إسناديا.
وعلى ضوء هذه الاسس مجتمعة تتصنف الكلمات ، ولا يضاح ما قد يبدو غامضا منها نستعرض ذلك فيما يأتي :
إن الاسس التي يقوم عليها التقسيم ينبغي أن ترتبط بدلالة الكلمة على كل من المعنى المعجمي
والمعنى النحوي ، ذلك لان النحوإذا كان هو (نظام تأليف الجملة) فإن مفردات الجمل تتحمل معاني المعجم الاصلية بالاضافة إلى معاني النحو الناشئة من التأليف والربط بينها التي سميناها بالمعاني (الوظيفية). وإذا أردنا نميز ـ نحويا ـ بين مفردات الجملة من ناحية (الدلالة) فلا بد من مراعاة معناها الاصلي مرتبطا بوظيفتها النحوية.
ولا يضاح ذلك نأخذ جملة مثل : (نجح طلابنا الذين امتحنوا إلا خالدا) لنقوم بتحليل دلالة مفرداتها ، وعلى ضوء هذا التحليل نضع اسس تصنيفها. ونلاحظ أنما نسميه (كلمة) من هذه المفردات ثمانية هي : (نجح ، طلاب ، نا ، الذين ، امتحن ، واو (الجماعة) ، إلا ، خالد) وبعض هذه الكلمات تتحمل معنى لغويا بالاضافة إلى وظيفة
1 ـ إن الجملة تضم عناصر
لفظية ذات (معنى لغوي محدد مستقل بالادراك) أي يفهم من اللفظ سواء وصل بعنصر لفظي آخر أم لم يوصل ، وهي : مادة نجح وامتحن ، أي (النجاح) و (الامتحان) وكلمة (طلاب) وكلمة (خالد) ، وكل
من هذه المعاني الاربعة يصلح أن يكون طرفا (مرتبطا) بغيره من أطراف الجملة.
2 ـ إن الجملة تضم عناصر لفظية لا يمكن للسامع أن يدرك معناها إلا إذا وصلت بعنصر لفظي آخر ، تلك هي : صيغتا(فعل) و (افتعل) الممتزجتين بمادة النجاح والامتحان ، وكلمات : (نا) و (واو الجماعة) و
(الذين) و (إلا) ، وهذه العناصر الستة ثلاثة منها تدل على (معنى نسبي رابط) وثلاثة تدل على (معنى غير نسبي وغير رابط).
أما دوال النسبة فهي صيغة (فعل) التي ربطت النجاح بالطلاب ، ونسبته إليهم على وجه يكون النجاح (فعلا) صادرا عنهم وهم فاعلي هذا الفعل ، وكذلك صيغة (افتعل).
وأما الاداة (إلا) فهي التي ربطت بين عنصرين من عناصر الجملة ـ المستثنى والمستثنى منه ـ أي ربطت (خالد) بـ (الطلاب) على وجه يكون خالد مستثنى من الحكم بنجاحهم.
وأما الثلاثة الاخرى فهي : الموصول ـ الذين ـ والضمير ـ نا والواو ـ فالموصول والضمير لايدلان على (المعنى النسبي الرابط) ، بل يدلان على (معنى منتسب مرتبط بغيره) فيحتاجان حينئذ إلى (رابط)
يربطهما بالغير ، ولذلك احتجنا إلى (النسبة التقييدية) ـ أي التقييد بالاضافة والتقييد بالنعت ـ فهذه النسبة هي التي ربطت (نا) المضاف إليه بالمضاف ، وربطت النعت (الذين) بالمنعوت (طلابنا) ، كما احتجنا
إلى صيغة (افتعل) لتربط الامتحان بواو الجماعة ، على وجه يكون الامتحان فعلا والواو فاعلا.
ولكن السؤال الان هو : كيف صح لهذه العناصر الثلاثة التي هي
والجواب : أن (
نا) في (طلابنا) ليست هي المضاف إليه حقيقة ، بل هي (كناية) عن المضاف إليه ، فكان الاصل : (نجح طلاب المتكلمين) وجعلنا (نا) كناية عنهم ، و (الواو) ليس هو فاعل (امتحن) حقيقة ، بل كناية عن
الفاعل الحقيقي الذي هو (الطلاب). و (الذين) ليس هو النعت حقيقة ، بل كناية عن النعت ، لان النعت الحقيقي هو (الممتحنون) وجعلنا (الذين) كناية عنهم ، وهكذا. فكل من الضمير والموصول يصلح لان نكنى به عن كل ما هو اسم أو صفة ، فهو من حيث هذه السعة في مدلوله صار غير مستقل المعنى ، واحتاج ، في فهم معناه ، إلى ما يوصل به أو يعود عليه ، ومن حيث
تعبيره عن الاسم والصفة أمكن أن يأخذ ما لهما من وضيفة نحوية.
ومن أجل هذا التحليل يحق لنا أن نعتبر المبهمات ـ الضمائر والموصولات وما يشبهها ـ قسما مستقلا عن الاسماء والحروف ، لان الذي يخرجها من (الاسم) كونها غير مستقلة المعنى كالاسماء ، والذي
يخرجها من (الحرف) كونها غير رابطة كالحروف ، ولا مانع من تسميتها بـ (الكنايات) تبعا لباحث نحوي أصيل هو الدكتور المخزومي الذي جعل الضمائر ، والاشارة ، والموصولات ، وأسماء الشرط.
والاستفهام كلها في قسم مستقل سماه (الكناية) (20) ، ويساعد ما اختاره لها من تسمية أن الكوفيين قديما كانوا يسمون الضمائر بالكنايات ، وبعض البصريين يقول إنها نوع من المكنيات (21) كما ان ابن حزم
جعل بعض فصول كتابه الاصولي بعنوان « الكناية بالضمير » (22) كذلك جعل الرضي بابا للكنايات عد منها أسماء الاستفهام وأسماء الشرط (23).
ونستطيع نحن أن نضيف إليها بعض ما يكنى به عن الزمان والمكان مما يسميه النحاة (ظرفا) مثل (حيث ، وإذ ، وإذا ، وأين ، ومتى) وما يشبهها مما سيأتي
3 ـ إننا لو عدنا إلى الجملة السابقة لوجدنا فيها فرقا كبيرا بين (نجح) أو (امتحن) وبين غيرهما من كلمات الجملة ، وهذا الفرق : أن (نجح) تدل على معنى مركب من : معنى المادة ومعنى الصيغة ، فمعنى المادة
معنى مستقل غير نسبي هو (النجاح) ومعنى الصيغة معنى نسبي غير مستقل هو : (ربط النجاح بالفاعل) ، وهذه الملاحظة تجرنا إلى تحليل كل المفردات المشابهة لها في الوضع اللغوي ، أي المؤلفة من مادة
وصيغة وهي ما تسمى بـ (المشتقات) ، فنجد أن صيغ المشتقات جميعا ترتبط بعنصر واحد هو (المادة) أي الاصول الثلاثة المرتبة الدالة على (حدث) من الاحداث ، ولنفرض أنها (ض رب) ثم يختلف كل
مشتق منها عن صاحبه بمعنى (الصيغة) التي امتزجت بالمادة فكونت معها كلمة واحدة مثل : (ضَرْب ، وضَرَب ، وضارب ، ومضروب ، وضرّاب ، ومَضرب ، ومِضرب) وأمثالها.
ولكن الملاحظ أن هذه الكلمات يدل بعضها ـ بمادته وصيغته ـ على معنى (بسيط) مستقل بالادراك هو : إما (الحدث) فقط ، وإما (الذات) فقط ، وبعضها يدل على معنى (مركب) من معنىالمادة ومعنى
الصيغة ، أي يدل على (الحدث المرتبط بالذات) فهو مركب من المعنى النسبي وغير النسبي :
أ ـ فكلمة (ضرب) ـ بمادتها وصيغتها ـ تدل على (حدث) فقط وهو معنى بسيط (24) ، وكلمة (مَضرب) و (
مِضرب) تدل على (ذات) فقط ، وهو معنى بسيط أيضا : إما مكان الحدث أو زمانه أو آلته. وكل كلمة تدل على معنى مستقل بسيط فهي (الاسم) ومدلولها (المسمى) فالمصدر واسم الزمان والمكان واسم الالة من فصيلة الاسماء فقط.
ب ـ أما كلمات (ضارب ومضروب وضراب) فإنها تدل على : (ذات ما اتصفت بالضرب) إما اتصاف (فاعل) أو (مفعول) أو (مبالغة) في الفاعل ، فهو معنى مركب من : ذات + حدث + نسبة بينهما أي (ربط)
، وهذه النسبة هي (نسبة تقييدية
ويختلف هذا النوع عن سابقه في : أن الاول يدل على (مسمى) هو إما الحدث وإما الذات ، أما هذا النوع فيدل على (ذات موصوفة بالحدث) لذلك نستطيع أن نسميه : (الصفة) فتكون الصفات خمسة : صفة
الفاعل ، والمفعول ، والمبالغة ، والمشبهة ، والتفضيل.
ج ـ أما كلمات (ضَرَب ، ويضرب ، ونضرب ، وأضرب) وأمثالها فهي تدل أيضا على معنى مركب من الحدث المنسوب إلى الذات ، و (الحدث) مدلول المادة ، و (النسبة إلى الذات) مدلول الصيغة ، فنحن
نفهم من صيغة (ضرب) أن حدث الضرب صادر من فاعل مفرد مذكر غائب ، ومن صيغة (أضرب) انه صادر من فاعل مفرد مذكر متكلم ، ومن صيغة (نضرب) أنه صادر من فاعل مذكر جمع متكلمين ، وهكذا
كل صيغ الافعال مشعرة بنوع الفاعل ـ التذكير والتأنيث ـ وعدده ـ الافراد والتثنية والجمع ـ وشخصه ـ التكلم والخطاب والغيبة .
يقول فندريس ـ في حديثه عن دوال النسبة ودوال الماهية ـ :
« لنأخذ من العربية مجموعة من الكلمات مثل مجموعة : أن يعطي ، اعطي ، الاعطاء ، معطون ، إلى المعطي ، فالتحليل يجد فيها ، دون عناء ، عنصرا
دائما هو (ع ط ي) الذي يصل كل هذه الكلمات بفكرة (الاعطاء) ولكنه يجد فيها ، فضلا عن ذلك ، عددا من العناصر الصوتية التي تستخدم للاشارة إلى أن الكلمة فعل أو اسم ، ومن أي نوع هي ، أو للدلالة
على الفصيلة النحوية (النوع والعدد والشخص) التي تنتمي إليها الكلمات ، وكذلك على العلاقة التي تربطها بكلمات الجملة الاخرى فهذه العناصر دوال النسبة » (25).
وملاحظتنا الاخيرة في تحليل صيغ المشتقات : أن صيغ الافعال تختلف عن صيغ الصفات من ناحية تركيب معنى المادة بمعنى الصيغة ، في أن الصفات (مركب تحليلي) أي أن لفظها واحد ولكن معناها ينحل إلى (ذات متصفة بالحدث). أما صيغ الافعال فهي (مركب إسنادي) أي أن (الحدث) وهو معنى المادة ، قد اسند إسنادا تاما
خلاصة التحليل
ونخلص من تحليلنا لمفردات هذه الجملة ـ المثال السابق ـ أن الكلمة بحسب دلالتها اللغوية ، ووظيفتها النحوية ، وصيغها الاشتقاقية تنقسم إلى خمسة أقسام متمايزة هي : الاسم ، والكناية
، والحرف (الاداة) ، والصيغة ، والفعل ، ونستطيع أن نبني ذلك على (قسمة حاصرة) كما أرادها النحاة السابقون ، وذلك أن الكلمة.
1 ـ إما أن تدل على معنى مستقل بالادراك ، صالح لان يتحمل الوظائف النحوية عندما يكون مرتبطا بكلمة اخرى. وهذا هو (الاسم) ويشمل أسماء : الاعيان ، والاجناس ، وأسماء الاحداث (المصادر) ، وأسماء الزمان والمكان والالة.
2 ـ أو تدل على معنى غيرمستقل بالادراك وهو نوعان :
أ ـ المعنى النسبي الرابط ـ أي الذي تكون وظيفته ربط معاني المفردات بعضها ببعض ـ وهذا هو ما نسميه (الحرف) أو الاداة ، ويشمل (حروف المعاني)
كالجر ، والعطف ، والاستثناء ، والاستفهام ، والتفسير ، والتمني ، والترجي ، وغيرها. و (حروف المباني) المندمجة مع موادّ الاشتقاق ، كصيغ الافعال وصيغ الصفات.
ب ـ المعنى الكنائى المرتبط ، وهو ما سميناه (الكناية) من الكلمات غير المستقلتة تصلح لان نكني بها عن اسم أو صفة ، فيحل محلهما في الوظائف النحوية الصالحة للاسم والصفة. وتشمل الكناية ما يسمى بالاسماء المبهمة : كالضمائر ، والموصولات ، والاشارة ، وكلمات الشرط والاستفهام ، وبعض الظروف المبنية التي يكنى بها عن الزمان والمكان (حيث ، وإذ ، وإذا ، ومتى ، وأين ، وأنى ،
ولما) وأمثالها مما جعله الدكتور تمام حسان قسما مستقلا مما ستأتي مناقشته فيه.
3 ـ أو تدل على معنى مركب من المستقل وغير المستقل (النسبي) وهو نوعان أيضا :
أ ـ ما كان تركيبه تحليليا ، أي أن لفظه واحد ولكن معناه ينحل إلى (ذات متصفة بالحدث) وهذا هو (الصفة) وتندرج تحتها
صفات : الفاعل والمفعول ، والمبالغة ،
ب ـ ما كان تركيبه إسناديا ، أي أن الكلمة تتضمن حدثامسندا بواسطة الصيغة إلى ذات خارج لفظ الكلمة ـ ظاهرة أو مستترة ـ ولكن الصيغة تشعر بنوع تلك الذات وعددها وشخصها ، وهذا هو (الفعل)
.
وبملاحظة الشكل الاتي يتضح أساس التقسيم على القسمة الحاصرة :

بقيت لدي ملاحظات على محاولات التقسيم الرباعية والسباعية التي مر عرضها سابقها وإتماما للفائدة اسجلها فيما يأتي :
1 حول التقسيم الرباعي
قلت إن الدارسين المحدثين أحسنوا صنعا بفصل الكلمات المبهمة وجعلها قسماً مستقلا بنفسه ولكن ملاحظاتي عليها :
1 ـ إن جعل العدد ـ كما صنع
الدكتور ـ كما صنع الدكتور أنيس من جملة هذا القسم لم يتضح لي وجهه ، فالاعداد تحتاح إلى تمييز يبين المعدود بها ، ولكن ليس كل ما يحتاج إلى تمييز يكون (غير مستقل المعنى) فالمقصود بعدم الاستقلال ،
أن الذهن لا توجد به (صورة) أي معنى من اللفظ المسموع عند سماعه منفردا ، ولفظ (أربعة) وحدها يوجد لها صورة ذهنية غير مفتقرة إلى ما يحدد معناها ، فصورة الاربعة غير صورة الثلاثة والخمسة ولكنها
2 ـ إن هذه المحاولة لم تحاول أن تدرس (الصفة) دراسة كافية لذلك اختلف دارسوها فالدكتور أنيس جعلها في قسم الاسم ـ كما صنع البصريون ـ ، والدكتور المخزومي جعلها في قسم الفعل ـ كما صنع
الكوفيون ـ.
ولعل ذلك ناشىء من ملاحظة جمل يكون فيها للوصف (فاعلا) أو نائبا عن الفاعل ـ مع أن هذه الملاحظة موجودة في المصدر أيضا ـ فأعرب الكوفيون (كاتب) في جملة : (أكاتب زيد رسالة) فعلا وسموه بـ (
الفعل الدائم) تمييزا له عن الماضي والمستقبل ، وتابعهم المخزومي في ذلك (26) ، أما البصريون فلانهم يعتبرون (كاتب) اسما تكلموا في إعرابها ، وجعلوا (كاتب) مبتدأ و (زيد) فاعلا سد مسد الخبر.
ولو أنهم تنبهوا إلى أن الصفة قسم مستقل عن الاسم والفعل ، يختلف عنهما في طبيعة تركيبه ودلالته لكان لهم في إعرابها وجه أقرب إلى السلامة من هذا.
ويبدو لي أن الصفة تمتاز في إسنادها عن كل من إسناد الاسم وإسناد الفعل ، فالاسم لا يقع مسندا إلا إلى المبتداء ـ (زيد أخوك) و (النخيل نبات) (27) ـ والفعل لا يقع مسندا إلا إلى الفاعل ـ قام محمد ،
ويكتب علي (28) ـ أما الصفة فتمتاز عنهما في أنها تقع مسندا لكل من المبتدأ والفاعل ، فكاتب في جملة (زيد كاتب) صفة اسندت إلى المبتدأ ـ من دون حاجة تقدير ضمير فاعل لكاتب كما صنع النحاة
وعلى هذا الاساس تكون الجملة الوصفية أصلية ـ أي كبرى ـ مثل : (أكاتب زيد رسالة) كما تكون فرعية ـ أي صغرى ـ مثل (أنا كاتب رسالة) على غرار الجملة الصغرى في مثل (زيد قام أبوه... أو أبوه قائم).
2 ـ حول التقسيم السباعي :
أما محاولة الدكتور تمام حسان في تقسيمه الكلمة إلى سبعة أقسام أي بإضافة قسمين آخرين إلى ما ارتضيناه هما : الظرف والخالفة فستدورمناقشتي معه حول هذين القسمين :
أ ـ الظرف
والظرف مصطلح نحوي يعني وظيفة نحوية (المفعول فيه). وليس هو الكلمة التي تشعر بالزمان والمكان فقط ، وإلا لكانت الافعال ظروفا لانها تتضمن الزمن ـ عند النحاة ـ ولكانت بعض الحروف ظروفا لانها تدل على (نسبة ظرفية) مثل (في) و (مذ) و (منذ) ، كما
أن النحاة لا يعنون بالظرف الكلمة التي تدل بوضعها المعجمي على جزء من الزمان أو حيز من المكان ، فالكلمات الدالة على ذلك هي من فصيلة الاسماء فقط ، كاليوم ، والشهر ، والسنة ، والمنزل ، والمطعم
وأمثالها من الكلمات التي يفهم منها الزمان أو المكان سواء كانت جزء من جملة أم لم تكن ، ولهذا يصح لهذه الكلمات أن تتحمل وظيفة الظرف (المفعول فيه) ، كما تتحمل وظيفة المبتدأ والخبر ، والفاعل ،
والمفعول به.
أما ما يصطلح عليه النحاة (ظرفا) فهو المعنى الوظيفي النحوي أي (المفعول فيه) فالظرف إذن (وظيفة) نحوية كوظيفة (المفعول به) و (المفعول معه) و (الحال) و (المستثنى) و (النعت) وغيرها من معان
وظيفية ، فكما لا يصح لنا أن نجعل (النعت)
والدكتور تمام حسان يدرك ذلك كله ، لذلك لم يجعل مما سماه ظرفا أسماء الزمان والمكان ، والمصادر ، ولا أسماء الاعداد ، والاوقات ، وأسماء الجهات وغيرها مما يقوم بوظيفة الظرف وحصر هذا القسم
في كلمات ثمانية فقط هي : (إذ ، وإذا ، ولما ، وأيان ، ومتى ـ وهي للزمان ـ وأين وأنى وحيث ـ للمكان ـ).
وهذه الكلمات وإن قامت بوظيفة الظرف الزماني والمكاني ، إلا أنها من فصيلة ماسميناه بالكناية ، يدل على ذلك اعترافه هو بأن (هذه الظروف تؤدي وظيفة الكناية عن زمان أو مكان) (30) ولو أنه عكس ذلك
فقال : (هي كنايات تؤدي وظيفة الظرف الزماني أو المكاني) لكان أقرب إلى السلامة.كما يدل على ذلك تسليمه بأنها (ذات افتقار إلى مدخول لها يعين معناها الزماني المبهم) (31) أي أنها غير مستقلة ـ كما تقدم ـ وأهم ما يميز (الكناية) عن غيرها خاصيتان ؛ الاولى : أنها كالحرف من ناحية عدم
استقلالها بالمعنى وافتقارها إلى الغير في تحديد معناها ، والثانية : أنها كالاسم من ناحية تحملها وظيفة العنصر المرتبط لا العنصر الرابط.
ب ـ الخالفة
والخالفة كما قال الدكتور حسان : مصطلح أطلقه الفراء على اسم الفعل ، واعتبره أحمد بن صابر الاندلسي قسما رابعا للكلم.
ولكن الدكتور تمام وسع من دائرة (الخالفة) فجعلها شاملة لاربعة خوالف :
والذي جعله يوسع دائرة الخالفة بحيث شملت صيغ التعجب والمدح والذم ، أن لها جميعا كما يقول (طبيعة الافصاح الذاتي عما تجيش به النفس ، فكلها يدخل في الاسلوب الانشائي). والذي يؤخذ عليه في ذلك :
1 ـ إننا ، في مجال التقسيم ، نكون بصدد التمييز بين الكلمات والصيغ المفردة ، لا الجمل المركبة ، والافصاح الذاتي والاسلوب الانشائي في التعجب والمدح والذم ، ليس وليد الكلمة المفردة (أحسن) أو (نعم) أو (بئس) وإنما هو وليد الجملة كاملة ، فقياسية التعجب مثلا (قياسية جملية) وليست إفرادية ، ولذلك لو غيرنا في هيئة الجملة (ما أحسن زيدا) شيئا يسيرا كأن نقول : (ما أحسن زيد) لتغير اسلوب التعجب ومعناه إلى اسلوب النفي ، مع أن صيغة الفعل كما هي لم تتغير فصيغة التعجب إذن صيغة جملة لامفرد ، ونحن بصدد تقسيم الكلمات المفردة لاالجمل ، وإلا فكان ينبغي له
أن يذكر من الخوالف جملة (لله دره فارسا) لان فيها نفس الافصاح الذاتي والاسلوب الانشائي.
والذي يبدو أن الكلمات المفردة في صيغ التعجب ، والمدح والذم ، باقية على النزاع المتوارث بين البصريين والكوفيين في إسميتها أو فعليتها ، ولعلي أميل إلى ما ذهب إليه بعضهم من فعليتها وتخلفها عن طبيعة
أخواتها في المعنى وفي الاشتقاق ، فجمدت على حالة واحدة واستعمال معين ، وفي صيغ الافعال المتخلفة نظائر لهذه الافعال مثل (عسى) و (ليس) و (آض) و (مادام) وغيرها مما لا مضارع لها ، ومثل (يذر
، ويدع) مما لا ماضي لها.
والافعال الناسخة عموما فقدت (فعليتها) من ناحية المادة وبقيت الصيغة وحدها لتدل على أنها تحدرت عن أفعال. واختصت هذه الافعال باستعمال معين يجعلها أشبه بالادوات هو الدخول على الجمل الاسمية لاضافة معنى الزمن إليها ، ومع ذلك فأكثر النحاة لا يستطيعون تصنيفها في غير فصيلة الافعال وإن خلت من الدلالة على (الحدث).
2 ـ أما ما سماه بـ (خالفة الاخالة) أي اسم الفعل ، فهو عند النحاة ثلاثة أنواع :
أ ـ نوع قياسي وهو ما جاء على صيغة (فعال) كنزال بمعنى (إنزل) وحذار بمعنى (إحذر) وهذا النوع أطلق عليه البصريون
فقط اسم الفعل ، وإلا فهو عند الكوفيين فعل أمر حقيقي ، يصاغ بصورة قياسية من الثلاثي المجرد ، وهو رأي لا غبار عليه.
ب ـ المنقول ، وهو ما نقل عن المصدر ، والظرف ، والجار والمجرور ، مثل : (رويدك ، وأمامك ، وعليك) فإنها لا تزال في تصنيفها مع الاسماء والحروف ، ولكنّها نابت عن الفعل المحذوف الذي استغني عنه
لظهوره ، كما ينوب المصدر (ضربا زيدا) عن فعل الامر ويبقى (مصدرا) ، وكما ينوب الظرف والجار والمجرور عما يتعلقان به من فعل أو وصف مقدر.
ج ـ أما النوع الثالث وهو : اسم الفعل المرتجل ، مثل : هيهات ، وشتان ، وصه ومه ، وأمثالها مما يسميه البصريون (اسم فعل) ويسميه الكوفيون (أفعالا شاذة) أي أنها لم تسلك سبيل الافعال في تصرفها ولا في صياغتها
ولا في اتصالها باللواحق ، وكل ما للبصريين من دلالة على إسميتها أن التنوين يدخل بعضها مثل (صهٍ ، ومهٍ ، وافٍ وآهٍ) والتنوين علامة الاسم ، ويرد الكوفيون : أن هذا التنوين ليس دليل إسميتها ، لانه ليس تنوين
تنكير ، بل تنوين يراد به تكبير حجم الكلمة المؤلفة من حرفين لتكثر أصواتها وتلحق بالثلاثي ، الذي صار الوحدة الكمية في العربية ، ولذلك لا يقع التنوين في هيهات وشتان مما زاد بناؤه على حرفين (32).
ونخلص من ذلك إلى أنه ليس هناك شيء اسمه (إسم الفعل) لنجعله (خالفة) إخالة.
3 ـ أما (خالفة الصوت) فهي (أصوات) فقط يراد منها زجر الحوان أو حكاية صوته ، ولا تدخل في طبيعة مفردات اللغة باعتبارها واسطة نقل الافكار من ذهن إلى ذهن ، ولا تدخل في الجمل العربية للقيام
بوظيفة الرابط أو المرتبط فيها ، إلا على سبيل الحكاية.
وإذا كان لابد من اعتبار (كخ) للطفل و (هج) للغنم وأمثالها مفردات لغوية للتعبير عن الزجر أو الحث ، فهي لا تخرج في معناها عن (صه ومه) وأمثالها مما اعتبرناها أفعالا متخلفة أو أفعالا شاذة.| 1 ـ أسرار العربية | لكمال الدين الأنباري | المجمع العلمي بدمشق |
| 2 ـ الأشباه والنظائر النحوية | لجلال الدين السيوطي | حيدر آباد 1259 |
| 3 ـ الإيضاح (تحقيق مازن المبارك) | أبوالقاسم الزجاجي | مطبعة المدني 1959 |
| 4 ـ الإحكام في اُصول الأحكام | لابن حزم الأندلسي | مطبعة العاصمة بالقاهرة |
| 5 ـ البحث النحوي عند الاُصوليين | د. مصطفى جمال الدين | دار الرشيد للنشر1980 |
| 6 ـ شرح الرضي على الكفاية | محمد بن الحسن الاسترابادي | طبع تركيا1210 |
| 7 ـ شرح المفصل | موفق الدين بن يعيش | المطبعة المنيرية |
| 8 ـ شرح الاشموني | علي بن محمد الاشموني | المطبعة الشرقية 1219 |
| 9 ـ حاشية الصبان على الاشموني | محمد بن علي الصبان | المطبعة الشرقية 1219 |
| 10 ـ شرح شذور الذهب | لابن هشام الأنصاري | دار الكتب العربية |
| 11 ـ اللغة لفندريس | ترجمة الدواخلي والقصاص | مطبعة دارالبيان |
| 12 ـ اللغة العربية معناها ومبناها | د. تمام حسان | مطابع الهيئة المصرية |
| 13 ـ في النحو العربي ـ قواعد وتطبيق | د. مهدي المخزومي | مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة |
| 14 ـ من أسرار اللغة (الطبعة الرابعة) | د. إبراهيم أنيس | مكتبة الأنجلو المصرية |
| 15 ـ همع الهوامع | للسيوطي | اُوفيست دار المعرفة بلبنان |
| 16 ـ المنطق | الشيخ محمد رضا المظفر | مطبعة النعمان في النجف الأشرف |