صلةقبل

نفس الأمر


الشيخ حسن زاده الآملي



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لمن له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على من اصطفاهم على العالمين سيما على سيدهم وآله آل ياسين ، ثم الصلاة والسلام علينا وعلى جميع عباد الله الصالحين.
وبعد ، فهذه وجيزة عزيزة ، تبحث عن نفس الامر ، وقد حداني على تصنيفها ما أتقنه المحقق الطوسي في المسألة السابعة والثلاثين من الفصل الاول من المقصد الاول من تجريد الاعتقاد ، وما أورده العلامة الحلي في هذا المقام من كشف المراد.
فالحري أن نصدرها بكلامهما أولا ، ثم نخوض في نفس الامر ثانيا ، مستمدين ممن له غيب السموات والارض وإليه يرجع الامر كله.
قال المحقق الطوسي ـ قدس سره القدوسي ـ : « وإذا حكم الذهن على الامور الخارجية بمثلها وجب التطابق في صحيحه ، وإلا فلا ، ويكون صحيحه باعتبار مطابقته لما في نفس الامر لامكان تصور الكواذب ».
وقال العلامة الحلي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ : أقول : الاحكام الذهنية قد تؤخذ بالقياس إلى ما في الخارج ، وقد تؤخذ لا بهذا الاعتبار. فإذا حكم الذهن على الاشياء الخارجية بأشياء خارجية مثلها ، كقولنا : الانسان حيوان في الخارج ، وجب أن تكون مطابقة لما في الخارج ، حتى يكون حكم الذهن حقا ، وإلا لكان باطلا.
وإن حكم على أشياء خارجية بامور معقولة ، كقولنا : الانسان ممكن ، أو حكم


(63)

على الامور الذهنية بأحكام ذهنية كقولنا : الامكان مقابل للامتناع ، لم تجب مطابقته لما في الخارج إذ ليس في الخارج إمكان وامتناع متقابلان ، ولا في الخارج إنسان ممكن.
إذا تقرر هذا فنقول : الحكم الصحيح في هذين القسمين لا يمكن أن يكون باعتبار مطابقته لما في الخارج ، لما تقدم من أن الحكم ليس مأخوذا بالقياس إلى الخارج ، ولا باعتبار مطابقته لما في الذهن ، لان الذهن قد يتصور الكواذب ، فإنا قد نتصور كون الانسان واجبا مع أنه ممكن.
فلو كان صدق الحكم باعتبار مطابقته لما في الذهن ، لكان الحكم بوجوب الانسان صادقا ، لان له صورة ذهنية مطابقة لهذا الحكم ، بل يكون باعتبار مطابقته لما في نفس الامر.
وقد كان في بعض أوقات استفادتي منه ـ رحمه الله ـ جرت هذه النكتة ، وسألته عن معنى قولهم : إن الصادق في الاحكام الذهنية هو باعتبار مطابقته لما في نفس الامر ، والمعقول من نفس الامر إما الثبوت الذهني أو الخارجي ، وقد منع كل منهما ها هنا.
فقال ـ رحمه الله ـ : « المراد بنفس الامر هو العقل الفعال ، فكل صورة أو حكم ثابت في الذهن مطابق للصور المنتقشة في العقل الفعال ، فهو صادق ، وإلا فهو كاذب ».
فأوردت عليه ان الحكماء يلزمهم القول بانتقاش الصور الكاذبة في العقل الفعال ، لانهم استدلوا على ثبوته بالفرق بين النسيان والسهو ، فإن السهو هو زوال الصورة المعقولة عن الجوهر العاقل ، وارتسامها في الحافظ لها ، والنسيان هو زوالها عنهما معا ، وهذا يتأتى في الصور المحسوسة ، اما المعقولة فإن سبب النسيان هو زوال الاستعداد بزوال المفيد للعلم في باب التصورات والتصديقات ، وهاتان الحالتان قد تعرضان في الاحكام الكاذبة ، فلم يأت فيه بمقنع.
وهذا البحث ليس من هذا المقام ، وإنما انجر الكلام إليه ، وهو بحث شريف لا يوجد في الكتب.
فنقول : الامر في معرفة نفس الامر مبتن على امور :
أحدها : مرادهم من كلمتي النفس والامر ، وغرضهم من الاضافة ، وتركيب


(64)

العبارة ، والاقوال التي قيلت في نفس الامر.
ثانيها : المراد من« الخارج » في قولنا : هذا يطابق الخارج ، وهذا لا يطابقه ، كالقضايا ،الصادقة والكاذبة ، والتحقيق في المطابقة وعدمها.
ثالثها : بيان العقل الفعال ، ونحو كينونة الحقائق فيه ، واشتماله عليها.
فاعلم أن كلمة « النفس » بمعنىالذات ، و « الامر » بمعنى الشيء ، وإطلاق النفس على الذات ، والامر على الشيء ذائع نظما ونثرا ، في منشآت أرباب القلم العربي ، ومحاوراتهم ومقاماتهم ، وقد أغنتنا الشهرة عن الاتيان بالامثلة والاستشهاد بها. على أن المعاجم اللغوية وحدها حجة على ذلك ، ولا حاجة للنقل. فنفس الامر بمعنى ذات الشيء وحقيقته ، فالشيء الذي له حقيقة له نفسية بذاته ، وواقعية في حد ذاته ، فهو موجود في حد ذاته ، مع قطع النظر عن فرض فارض واعتبار معتبر.
يقول المحقق الطوسي مثلا في شرح الفصل الثالث من النمط الثاني من الاشارات في بيان ان المحدد للجهات على ما ذهب إليه المتأخرون من المشاء ما هذا لفظه :
« الامر في نفسه هو أن المحد الاول لايكون إلا المحيط المطلق. يعني أن حكم المحدد ، ومسألته النفسية الواقعية أنه لا يكون إلا المحيط المطلق. فنفس الامر بمعنى الامر في نفسه ، فهما بمعنى واحد ».
فنقول : إن تلك الواقعيات في نظام الكون الاحسن الاتم هي صورة علمية نطلبها ، ونبحث عنها ، ونقيم البرهان عليها ، فإذا حصلت لنا صرنا عالمين بها ، فيتفرع عليها نتائج حقة ، نستفيد بها في شؤون امورنا الدنيوية والاخروية ، لا تتغير عن حقائقها بفرض فارض ، وتصور متصور ، واعتبار معتبر. مثلا : الاربعة زوج ، والانسان ممكن ، والجسم المتناهي متشكل ، أحكام واقعية نفسية ، لا فرضية اعتبارية ، يترتب عليها نتائج علمية حقيقية. بخلاف القول بأن الاربعة فرد ـ مثلا ـ فإنه لا نفسية له أصلا ، وهكذا غيره من الكواذب الاخرى ، فنفس الامر عبارة عن وجود أصيل قويم لا يتطرق إليها بطلان ، بل هي متن من متون الاعيان ، وتخم (1) من تخوم الضرورة والبرهان ، أي حد من
____________
(1) تخم كلمة تستعمل نادرا بمعنى الحد ، وتخوم بمعنى حدود ، وما بعدها مفسر لها .

(65)

حدودهما ، وأصل من اصولهما الثابتة أزلا وأبدا ، سواء كان ذلك الوجود في الخارج أو في الذهن.
والاقوال الاخرى في نفس الامر ستعلمها أيضا ، وسيأتي البحث عن تحقيق الخارج أيضا.
وبذلك المعنى المحرر ، قال المتأله السبزواري في الحكمة المنظومة :

بحد ذات الشيء * نفس الأمر حدُّ

ثم فسره بقوله : « أي حد وعرف نفس الامر بحد ذات الشيء. والمراد بحد الذات ـ هنا ـ مقابل فرض الفارض ، ويشمل مرتبة الماهية والوجودين الخارجي والذهني ، فكون الانسان حيوانا في المرتبة ، وموجودا في الخارج ، أو الكلي موجودا في الذهن ، كلها من الامور ـ النفس الامرية ـ إذ ليست بمجرد فرض الفارض كالانسان جماد. فالمراد بالامر هو الشيء نفسه ، فإذا قيل : الاربعة في نفس الامر كذا ، معناه ان الاربعة في حد ذاتها كذا ، فلفظ الامر ـ هنا ـ من باب وضع المظهر موضع المضمر » (2).
واما العقل الفعال ، فالكلام الحق ، والقول الصدق ـ فيه ـ هو ما أفاده الشيخ ـ قدس سره ـ في كتبه الثلاثة الاتي ذكرها من إطلاقات العقل الفعال على المعلول الاول ، وعلى العقل العاشر ، وعلى كل واحد من العقول المفارقة.
قال في التعليقات : « المعلول الاول ، وهو العقل الاول إمكان وجوده له من ذاته لا من خارج » (3).
وقال في الفصل الثالث من المقالة التاسعة من إلهيات الشفاء « وكان عددها ـ يعني عدد المفارقات ـ عشرة بعد الاول تعالى ، أولها العقل المحرك الذي لا يتحرك ـ إلى قوله ـ : وكذلك حتى ينتهي إلى العقل الفائض على أنفسنا ، وهو عقل العالم الارضي ، ونحن نسميه العقل الفعال » (4).
وقال في الفصل الخامس من المقالة الثالثة من كتابه في المبدأ والمعاد :
« ولما كان كل ما يخرج من القوة إلى الفعل يخرج بسبب مفيد له ذلك
____________
(2) الحكمة المنظومة : 49.
(3) التعليقات : 100 ، الطبعة الاولى.
(4) الشفاء 2 : 264 ، الطبعة الاولى.

(66)

الفعل. وينتقش صورة في شمع ، عما ليس له تلك الصورة ، وشيء يفيد كمالا فوق الذي له ، فيجب أن تخرج هذه القوة إلى الفعل بشيء من العقول المفارقة المذكورة ، اما كلها ، واما الاقرب إليها في المرتبة ، وهو العقل الفعال.
وكل واحد من العقول المفارقة عقل فعال ، لكن الاقرب منا عقل فعال بالقياس إلينا. ومعنى كونه فعالا انه في نفسه عقل بالفعل ، لا أن فيه شيئا هو قابل للصورة المعقولة ، كما هو عندنا ، ولا ان فيه شيئا هو كمال ، بل ذاته صورة عقلية قائمة بنفسها ، وليس فيها شيء مما هو بالقوة ، ومماهو مادة البتة. فهي عقل وتعقل ذاتها ، لان ذاتها أحد الموجودات ، فهي عقل لذاته ومعقول ، لانها موجودات من الموجودات المفارقة للمادة ، فلا يفارق كونها عقلا كونها معقولا ، ولا كونها هذا العقل كونها هذا المعقول . فأما عقولنا فيفترقفيها ذات ، لان فيها ما بالقوة. فهذا أحد معاني كونه عقلا فعالا.
وهو أيضا عقل فعال بسبب فعله في أنفسنا وإخراجه إياها عن القوة إلى الفعل.
وقياس العقل الفعال إلى أنفسنا قياس الشمس إلى أبصارنا ، وقياس ما يستفاد منه الضوء المخرج للحس من الحس بالقوة إلى الحس بالفعل ، والمحسوس بالقوة إلى المحسوس بالفعل » (5).
أقول : القول بقبول النفس الصور المحسوسة والمعقولة غير مقبول في الحكمة المتعالية ، لانه مبني على أن النفس تنفعل عن صور المحسوسات والمعقولات ، واما الحكمة المتعالية فحاكمة بأن النفس تنشيء الصور في مرحلة ، واخرى على النحو الذي فوق الانشاء على ما هو مقرر في محله ، ومعلوم لاهله ، وقد استوفينا البحث عنه في كتابنا « دروس إتحاد العاقل بالمعقول ».
واعلم ان في المقام وجها آخر دقيقا جدا في معنى العقل الفعال ـ يرزق بنيله من وفق له ـ وهو ما أفاده المتأله السبزواري بقوله :
« في دفع إشكال صيرورة العقل الهيولاني عقلا بالفعل ، من أن الحقيقة المحمدية عند أهل الذوق من المتشرعة وصلت في عروجها إلى العقل الفعال وتجاوزت
____________
(5) المبدأ والمعاد : 98 ، الطبعة الاولى .

(67)

عنه ، كما قال : بعض الاشعة منها بل من هو هي بوجه ، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة. وقد قرر ان العقول الكلية لا حالة منتظرة لها ، فكيف يتحول الروح النبوي الختمي صلى الله عليه وآله من مقام إلى مقام ؟
فالجواب : ان مصحح التحولات هو المادة البدنية ، ففرق بين العقل الفعال الذي لم يصادف الوجود الطبيعي ، وبين العقل الفعال المصادف له ، فالاول له مقام معلوم ، والثاني يتخطى إلى ماشاء الله ، كما قال صلى الله عليه وآله : ( لي مع الله... ) الحديث ، فما دام البدن باقيا كان التحول جائزا » (6).
قوله : « بعض الاشعة منها » ، هو الامام العسكري عليه السلام ، كما صرح به ـ قدس سره ـ في النبراس (7). ثم من هذا الوجه ، من معنى العقل الفعال يعلم وجه ما قالوا في معنى نفس الامر انها قلب الانسان الكامل.
ثم ان روايات باب « إن الائمة عليهم السلام يزدادون في ليلة الجمعة » ـ من حجة الكافي ـ وكذا روايات الباب الذي بعده « لولا ان الائمة عليهم السلام يزدادون لنفد ما عندهم » ونظائر ما في هذين البابين من الروايات الاخرى يعلم مفادها من هذا التحقيق الانيق في العقل الفعال وبيان الفرق المذكور.
واعلم انهم أطلقوا العقل الفعال على رب النوع الانساني أيضا. وأرباب الانواع هي العقول الكلية المرسلة أيضا. والارباب تسمى بالمثل الالهية أيضا ، وفي الصحف العرفانية تسمى بالاسماء الالهية ، كما صرح به العلامة القيصري في شرح الفص الموسوي من شرحه على نصوص الحكم قال : « حقائق الاسماء الالهية هي الارباب المتكثرة ».
وكذا في مصباح الانس ، حيث قال : العلامة ابن الفناري : « عبر عن الاسماء بالمثل الافلاطونية ».
وتعليقتنا في المقام على المصباح هكذا : أرباب الانواع عند افلاطون وأشياعه ـ مثل نورية ، وهي عند العارفين أسماؤه تعالى ، فإن كل نوع تحت إسم ، وهو
____________
(6) التعليقة على الفصل السادس والعشرين من المرحلة العاشرة من الاسفار في العقل والمعقول 3 : 636 ـ و 473 ، الطبعة الثانية.
(7) النبراس : 4 ، الطبعة الاولى .

(68)

عبد ذلك الاسم ، مثلا ان الحيوان عبد السميع والبصير ، والفلك عبد الرفيع الدائم ، والانسان عبد الله.
والاشراقيون قائلون : بأن كل رب من أرباب الانواع مربوب إسم من أسماء الله ، فمال الاشراقي والعارف واحد لان الامر ينتهي بالاخرة إلى الاسماء ، فتبصر !
ثم إن التسمية بالعبدية بلحاظ غلبة بعض الاسماء على غيره، كما في المصباح أيضا (8) وتفصيل هذه المباحث يطلب في رسالتنا في المثل الالهية.
وقد أفاد المتأله السبزواري في شرح الاسم الشريف « يا من له الخلق والامر » بقوله : « أي له عالم المقارنات وعالم المفارقات.إنما سمي المفارق أمرا إذا يكفي في إيجاده مجرد أمر الله تعالى ، بلا حاجة إلى مادة وصورة واستعداد وحركة. أو لانه حيث لا ماهية له ـ على التحقيق ـ فهو عين أمر اللهفقط ، يعنى كلمة كن ، فلم يكن هناك يكون ـ إلى قوله ـ ولما كان الامر بهذا الاصطلاح يطلق على المفارق حد نفس الامر بالعقل الفعال عند بعض الحكماء » (9).
وقد أفاد هذا المضمون في شرح الحكمة المنظومة (10).
وبما حررنا في نفس الامر تعلم ان الاسماء موضوعة للمعاني النفس الامرية ، ثم يطلق على مراتب تنزلاتها أيضا ، كما يطلق العالم عليه تعالى وعلى الانسان.
واعلم أن الشيخ استدل في الفصل الثالث عشر من النمط الثالث من الاشارات على إثبات العقل الفعال بأنه مخرج النفوس من النقص إلى الكمال ، لانه يفيض المعقولات عليها ، وبأنه المرتسم بالصورة المعقولة أي الخزانة الحافظة لها ، فانسحب الكلام إلى البحث عن الذهول والنسيان.
وقال المحقق الطوسي في الشرح : « يريد إثبات العقل الفعال ، وبيان كيفية إفاضة المعقولات على النفوس الانسانية ـ إلى أن قال في نتيجة الكلام ـ فإذن يجب أن يكون شيء غيرها ـ يعني غير الجسم والقوى الجسمية ـ بالذات ترتسم فيه المعقولات ، ويكون هو خزانة حافظة لها ـ إلى قوله ـ فإذن هاهنا موجود مرتسم بصور جميع
____________
(8) أنظر المصباح : 148.
(9) شرح الاسماء : 227 ، الفصل السابع.
(10) أنظر شرح الحكمة المنظومة :50.

(69)

المعقولات بالفعل ، ليس بجسم ولا جسماني ، ولا بنفس ، وهو العقل الفعال ».
غرضنا من نقل كلامهما هذا هو إطلاق العقل الفعال على الموجود المفارق الذي هو مخرج النفوس ، بلا وصفه بالعاشر ـ وإن وصفوه في عباراتهم الاخرى به ـ وذلك الوصف بلحاظ تعلقه بالنفوس ، كما سمي بعقل العالم الارضي.
وقد سلكوا لاثباته مناهج ، وذكرها صدر المتألهين بهذا العنوان :
« تبصرة تفصيلية ، المناهج لاثبات هذا الموجود المفارق القدسي المتوسط في الشرف والعلو بينه تعالى وبين عالم الخلق الواسط لافاضة الخير والجود على الدوام كثيرة... » (11).
وقد نقل ثلاثة عشر منهجا والحادي عشر منها وهو كلام المحقق الطوسي المنقول من رسالته المعمولة في ذلك ، ونسختان منها موجودة عندنا ، وقد طبعت في مجموعة رسائله (12) ، والثالث عشر منها هو المنهج الذي سلكه هو.
والاول من تلك المناهج هو طريق النبوة والالهام ، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « أول ما خلق الله العقل » ، وقوله : « أول ما خلق الله القلم » ، ونحوهما.
والثاني منها : منهج امتناع الكثير عن الواحد ، فيجب أن يكون أقرب الاشياء منه تعالى ذاتا واحدة بسيطة بالضرورة.
والثالث منها : سبيل الامكان الاشرف.
والرابع منها : المناسبة الذاتية بين العلة التامة ومعلولها.
والخامس منها : منهج إخراج ما بالقوة إلى ما بالفعل للنفوس.
والسادس منها : طريق ازدواج الهيولى بالصورة ، فلا بد من عاقد لهما وهو الاصل المفارق.
والسابع منها : طريق الحركة الجوهرية ، فلا بد من جامع وحافظ لوحدتها وهو الجوهر العقلي.
والثامن منها : منهج الاشواق ، والاغراض ، والشهوات ، وميول الاشياء إلى كمالاتها ، فلابد أن يكون لها غاية كمالية عقلية ، فهي عقول البتة.
____________
(11) ذكرها في الفصل الثامن من الموقف التاسع من إلهيات الاسفار 3 : 168 ـ 172 ، الطبعة الاولى.
(12) انظر : ص 79 منها .

(70)

والتاسع منها : منهج كفاية الامكان الذاتي للانواع المحصلة التي لايفتقر فيضانها نوعا ولا شخصا عن المبدأ الواهب إلى إمكان استعدادي غير إمكانها الذاتي.
والعاشر منها : سبيل الحركات الفلكية ، فإن حركاتها الدورية توجب لها نفوسا ، وللنفوس عقولا.
والحادي عشر منها : منهج مطابقة الاحكام الصادقة الحاصلة في هذه الاذهان لما في نفس الامر.
والثاني عشر منها : مسلك التمام ومقابله ، فإن الاشياء بحسب الاحتمال العقلي إما تام أو ناقص ، والتام إما فوق التمام ـ وهو الواجب سبحانه ـ أو لا كالعقل.
والناقص إما مستكف بذاته ـ وهي النفوس المستكفية كالنفوس الفلكية ، والوسائط البشرية الكاملة ـ ، أو مستكف بما لا يخرج عن قوام ذاته ، كنفوس البشرية غير الكاملة ، أي النفوس الناقصة ، أو ليس بمستكف كالعنصريات ، فإنها ناقصة محضة ، فلابد إذن من موجود تام ، ليكون متوسطا في إيصال الفيض بين ما هو فوق التمام ، وبين ما هو ناقص أو مستكف ، وهو العقل.
والثالث عشر منها ، من جهة اثبات الخزانة للمعقولات كما قال سبحانه : « وإن من شيء إلا عندنا خزائنه » (13) ، وكقوله تعالى : « ولله خزائن السموات... » (14)
وأقول : إن لنا منهجا آخر ، وهو منهج تجدد الامثال ، فإنه يعطي إثبات مفارق مفيض الصور على ما حررنا في رسائلنا الاخرى.
والمقام يناسب نقل المنهج الحادي عشر ، وهو رسالة المحقق نصير الدين الطوسي ـ في إثبات نفس الامر ـ أي ذلك العقل الفعال كما قال صدر المتألهين في الموضع المذكور من الاسفار : الحادي عشر من منهج الاحكام الصادقة الحاصلة في هذه الاذهان ، لما في نفس الامر ، وقد تصدى المحقق الطوسي ـ رحمه الله ـ لسلوك هذا المنهج ، وعمل في بيانه رسالة.
أقول : الرسالة في الحقيقة تحرير ما أفاده الشيخ الرئيس في الفصل الثالث عشر من النمط الثالث من الاشارات وهي ما يلي :
____________
(13) الحجر : 21.
(14) المنافقون : 7.

(71)

بسم الله الرحمن الرحيم
« إعلم انا لا نشك في كون الاحكام اليقينية التي تحكم بها أذهاننا ـ مثلا ـ كالحكم بأن الواحد نصف الاثنين ، أو بأن قطر المربع لا يشارك ضلعه ، أو يحكم به مما لم يسبقه إليه ذهن أصلا ـ بعد أن يكون يقينيا ـ مطابقة لما في نفس الامر.
ولا نشك في أن الاحكام التي يعتقدها الجهال بخلاف ذلك ـ كما لو اعتقد معتقد ان القطر يشارك الضلع أو غير ذلك ـ غير مطابقة لما في نفس الامر.
ونعلم يقينا ان المطابقة لا يمكن أن تتصور إلا بين شيئين متغايرين بالتشخص ، ومتحدين فيما تقع به المطابقة ، ولا شك في أن الصنفين المذكورين من الاحكام مشتركان في الثبوت الذهني ، فإذا يجب أن يكون للصنف الاول منهما دون الثاني ثبوت خارج عن أذهاننا ، تعتبر المطابقة بين ما في أذهاننا وبينه ، وهوالذي يعبر عنه بما في نفس الامر.
فنقول : ذلك الثابت الخارج إما أن يكون قائما بنفسه أو متمثلا في غيره ، والقائم بنفسه يكون إما ذا وضع أو غير ذي وضع ، والاول محال.
اما أولا فلان تلك الاحكام غير متعلقة بجهة معينة من جهات العالم والاشخاص ، ولا بزمان معين من الازمنة ، وكل ذي وضع متعلق بها فلا شيء من تلك الاحكام بذي وضع.
لا يقال : إنها تطابق ذوات الاوضاع ، لا من حيث هي ذوات أوضاع ، بل من حيث هي معقولات ، ثم إنها تفارق الاوضاع من حيثية اخرى ، كما يقال في الصور المرتسمة في الاذهان الجزئية انها كلية باعتبار ، وجزئية باعتبار آخر.
لانا نقول : الصور الخارجية المطابق بها إذا كانت كذلك قائمة بغيرها ، وفي هذا الفرض كانت قائمة بنفسها ، هذا خلف.
واما ثانياً فلأن العلم بالمطابقة لايحصل إلا بعد الشعور بالمطابقين ، ونحن لا نشك في المطابقة مع الجهل بذلك الشيء من حيث كونه ذا وضع.
واما ثالثا ـ فلأن الذي في أذهاننا من تلك الاحكام إنما ندركه بعقولنا ، واما ذوات الاوضاع فلا ندركها إلا بالحواس أو ما يجري مجرى الحواس ، والمطابقة بين


(72)

المعقولات والمحسوسات من جهة ماهي محسوسات محال.
والثاني هو أن يكون ذلك القائم بنفسه غير ذي وضع ، وهو أيضا محال ، لانه قول بالمثل الالهية.
واما إن كان ذلك الخارج المطابق به متمثلا في غيره فينقسم أيضا إلى قسمين ، وذلك لان ذلك الغير إما أن يكون ذا وضع أو غير ذي وضع ، فإن كان ذا وضع كان المتمثل فيه مثله ، وعاد المحال المذكور فيبقى القسم الاخر ، وهو أن يكون متمثلا في شيء غير ذي وضع.
ثم نقول : ذلك المتمثل فيه لا يمكن أن يكون بالقوة ، وإن كان بعض ما في الاذهان بالقوة ، وذلك لامتناع المطابقة بين ما هو بالفعل أو يمكن أن يصير وقتا ما بالفعل ، وبين ما هو بالقوة. وأيضا لا يمكن أن يزول أو يتغير أو يخرج إلى الفعل بعد ما كان بالقوة ، ولا في وقت من الاوقات ، لان الاحكام المذكورة واجبة الثبوت أزلا وأبدا من غير تغيير ، واستحالة ، ومن غير تقييد بوقت ومكان ، فواجب أن يكون محلها كذلك ، وإلا فأمكن ثبوت الحال بدون المحل.
فإذا ثبت وجود موجود قائم بنفسه في الخارج غير ذي وضع ، مشتمل بالفعل على جميع المعقولات التي لا يمكن أن يخرج إلى الفعل ، بحيث يستحيل عليه وعليها التغيير والاستحالة والتجدد والزوال ، ويكون هو وهي بهذه الصفات أزلا وأبدا.
وإذا ثبت ذلك فنقول : لا يجوز أن يكون ذلك الموجود هو أول الاوائل ، أعني واجب الوجود لذاته عزت أسماؤه.
وذلك لوجوب اشتمال ذلك الموجود على الكثرة التي لانهاية لها بالفعل ، وأول الاوائل يمتنع أن يكون فيه كثرة ، وأن يكون مبدأ أولا للكثرة ، وان يكون محلا قابلا لكثرة تتمثل فيه.
فإذا ثبت وجود موجود غير الواجب الاول تعالى وتقدس بهذه الصفة ونسميه بعقل الكل ، وهو الذي عبر عنه في القرآن المجيد ، تارة باللوح المحفوظ ، وتارة بالكتاب المبين ، المشتمل على كل رطب ويابس ، وذلك ما أردنا بيانه. والله الموفق والمعين » .
أقول : قوله : « إنا لا نشك في كون الاحكام اليقينية... » فلها نفسية ، وما هي إلا العلوم والانوار الوجودية في كل موطن ونشأة على سبيل الحقيقة والرقيقة ،


(73)

فالحقيقة هي النشأة العالية ، والرقيقة هي النشأة الظلية.
قوله : « بين شيئين متغايرين بالتشخص » ، والتحقيق إن التغاير إنما بحسب الحقيقة والرقيقة ، وقد دريت ان الاسماء موضوعة للمعاني (النفس الامرية) ثم يطلق على مراتب تنزلاتها. فتبصر!
قوله : « وهو أيضا محال لانه قول بالمثل الالهية » ، القول بالمثل الالهية حق على ما حققنا البحث عنها في رسالتنا فيها ، وإن هي إلا الاسماء الكلية المسماة بالخزائن الالهية ونحوها من الاسماء الحسنى لا كما توهموها وتفوهوا ببطلانها.
قوله « باللوح المحفوظ » ، بل الحق ان كل مرتبة عالية من الوجود الصمدي ـ الذي هو الاول والاخر والظاهر والباطن ـ قلم ، ومرتبته الظلية لوح. والكتاب المبين له مراتب ومظاهر ، ولا ننكر ان الحقائق النورية العلمية لها نفسية في كل واحد منها بحسبها. والمطابقة ، والصدق والحق على أصالتها باقية أيضا بحسبها ، فإنها سنة الله « فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا » (15).
واما قول العلامة الحلي : « وقد كان في بعض أوقات استفادتي منه ـ إلى قوله ـ فلم يأت فيه بمقنع ، (وفي بعض النسخ : بمشبع) » ، فقد قال المتأله السبزواري عند نقل صاحب الاسفار هذا المطلب من هذا الكتاب ، أعني كلام العلامة في شرح التجريد ، ما هذا لفظه :
« قوله : (فلم يأت بمشبع) ، لعل الوقت لم يكن مقتضيا للاشباع في إفشاء بعض الاسرار كما ستسمعه من المصنف في محله ، وإلا فالمحقق الطوسي أجل شأنا من أن يعجز ذلك » (16).
وأقول : ما أفاده المتأله السبزواري حري بالمحقق الطوسي ، ولا ينبغي أن يعتري جلالة شأنه في حل دقائق الحقائق الحكمية وغيرها من غوامض الفنون الاخرى دغدغة ومجمجة.
ثم إنا نأتي بطائفة مما حررناه في تعاليقنا على تمهيد القواعد في شرح قواعد التوحيد ـ للمحققين التركة وابن التركة ـ ثم نتبعها بما حققه العارف القيصري في
____________
(15) فاطر : 43.
(16) التعليقة على آخرالموقف التاسع من إلهيات الاسفار 3 : 172 ، الطبعة الاولى .

(74)

شرحه على فصوص الحكم ، وصدر المتألهين في الموضع المذكور من الاسفار وغيرهما في نفس الامر ، ونحقق الحق بحول من بيده الخلق والامر فنقول :
إن ما يتصوره العقل من الماهيات : قسم منها مالا يكون لها تحقق إلا بحسب الفرض العقلي ، وهذا القسم في نفسه قابلا لان يلحقه الوجود ولا تتفرع عليه مسائل علمية أبدا ، ولا يستنبط منها أحكام وأحوال واقعية ، ولا وجود لها إلا في القوى المدركة فقط ، كالنسب والاضافات الاعتبارية المحضة مثلا ، والصور المختلقة التي من مخترعات الوهم ، ودعابات الخيال ، وتلفيقات المتصرفة كأنياب الاغوال ، والانسان ذي القرون والاذناب ، وهذا القسم يسمى عند المحققين من أهل التوحيد بالوجود الفرضي ، والامور الاعتبارية معروضاتها ، فالفرض بمعنى الفرضيات المحضة والاعتباريات الصرفة التي أبت عناية الفاعل الحكيم أن تكسوها خلعة الوجود ، لعدم قابليتها ، لالنقص الفاعل ، فإنه على كل شيء قدير.
وبذلك يعلم أن ما ذهب إليه الشيخ الاشراقي السهروردي في آخر المقالة الرابعة من حكمة الاشراق ، وكذا القطب الشيرازي في شرحه (17) ، من إثبات العالم المثال المنفصل بطريق الصور الخيالية ، خال عن التحقيق ، وإلا يلزم القول بإسناد اللغو والعبث إلى فعله سبحانه ، وإن كنا نعقد بذلك العالم ، أعني المثال المطلق المنفصل ، نزولاوصعودا بطرق اخرى مبرهنة في رسالتنا في المثال.
ولنعد إلى ما كنا فيه فنقول :
هذا القسم ، أي الوجود الفرضي ، مما لا يبحث عنه في العلوم الحقيقية لانها ناظرة إلى معرفة الموجود الحقيقي ، وباحثة عنه وهذا لا حقيقة له.
وقسم منها ما يكون لها تحقق خارج الفرض والاعتبار ، أي لا يكون من الوجود الفرضي بمعنى القسم الاول ، بل هو متحقق مع قطع النظر عن ذلك الفرض الاعتباري ، وهذا القسم يسمى عندهم بالوجود الحقيقي ، والموجود الحقيقي ، والوجود في نفس الامر ، والموجود في نفس الامر. وهو إما متحقق في الخارج عن المشاعر ، أي الخارج عن القوي المدركة ، كالاعيان الموجودة في الخارج ، وإما متحقق في المشاعر ، والقوى
____________
(17) لاحظ : ص 70 من الطبعة الاولى.

(75)

المدركة كالوجودات الذهنية الحقيقية من النسب ، والاضافات الحقيقية ، والمعقولات الاولى ، وسائر ما يقع في الدرجة الثانية من التعقل ، أي ليس من المعقولات الاولى ، فهي من المعقولات الثانية المنطقية. والقيد بالحقيقية لاخراج القسم الاول ، أي الوجود الفرضي الاعتباري ، فهذا القسم أعني الوجود الحقيقي على قسمين خارجي وذهني.
ثم لما كان وعاء حصول القسم الاول مما يتصوره العقل ـ أي الوجود الفرضي ـ هو المشاعر ، وكذلك وعاء حصول القسم الثاني من الوجود الحقيقي ، أي الذهني أيضا هو المشاعر ، يورد سؤال عن الفرق بينهما ، ويقال : فحينئذ يكون هذا القسم الثاني من الوجود الحقيقي هو أيضا من أقسام الوجود الفرضي ، ضرورة أن حصوله إنما هو في القوى المدركة.
والجواب : أن القسمين كليهما ـ وإن كان ظرف حصولهما ـ هو المشاعر ، ولكن الاول منهما اعتباري محض لا يكون قابلا للحوق الوجود إياه ، ولا تترتب عليه فائدة علمية ، ولا يحكم عليه بشيء إلا أنه من ملفقات المتصرفة ، ومختلقات المتخيلة بخلاف الثاني ، فإنه نسب ، وإضافات ، وصور حقيقية ، هيمرايا الاعيان الخارجية ، وروازنها ، وعناوينها ، وألسنتها ، وأظلالها ، وموضوعات لمسائل شتى ، علمية حقة تستنتج منها .
وهذا القسم هو الموجود الذهني ، وهو من أقسام الموجود الحقيقي ، والموجود في نفس الامر.
فنفس الامر أعم من الخارج ، لأنه كلما تحقق أمر في الخارج تحقق في نفس الامر ، وكذلك كلما تحقق أمر في الذهن تحقق أيضا نفس الامر ، ولكن يمكن أن يتحقق الموجود الذهني فقط ، ولا يتحقق الموجود الخارجي ، فحينئذ يتحقق أمر في نفس الامر فقط ، ولا يتحقق أمر في الخارج كإنسانية زيد المعدوم في الخارج ، فحيث أن زيدا معدوم في الخارج لا تتحقق إنسانيته المقيدة فيه ، وإن كانت متحققة في الذهن.
ثم ان هاهنا سؤالا آخر ، وهو ان ما قررتم في معنى نفس الامر فما الفرق بين القضايا الصادقة والكاذبة ، لان الصادق هو الذي له مطابق في الخارج ، دون الكاذب ، فإذا لم تكن لانسانية زيد المعدوم في الخارج مطابق ـ بالفتح ـ في الخارج أصلا فكما ان إنسانيته معدومة ، فكذلك حماريته معدومة في الخارج ، فليس لهما مطابق في الخارج ،


(76)

فكيف يحكم بصدق إنسانية زيد المعدوم في الخارج ، وكذب حماريته ، فإن كانت الاولى صادقة فلتكن الثانية أيضا كذلك ، وإن كانت الثانية كاذبة فلتكن الاولى أيضا كذلك ؟
والجواب عنه : إن قولهم : الصادق هو الذي له مطابق في الخارج دون الكاذب ، لا يعنون بذلك الخارج ، الموجود العيني الخارجي ، المقابل للذهني ، أي الخارج عن وعاء الذهن ، بل مرادهم من ذلك الخارج : هو الخارج عن اعتبار العقل ، أي الخارج عن الفرض العقلي الذي هو الوجود الفرضي المذكور.
فكل قضية لها مطابق بأحد قسمي الوجود الحقيقي ، فلها خارج ، فهي صادقة سواء كان ذلك الخارج عن الفرض العقلي المختلق خارج الذهن أو كان موجودا ذهنيا. فالخارج على هذا المعنى أعم من الخارج المقابل للوجود الذهني ، فلا يلزم من عدم مطابق للخبر في الخارج بالمعنى الاخص أن لا يكون له مطابق في هي بالمعنى الاعم.
فنقول إيضاحا : إن كل واحد من الصدق والكذب من أوصاف القضايا ومحمول عليها ، فالقضية إن كانت لفظية أو كتبية ، ولها مطابق في وعاء الخارج ، المقابل للذهني فصادقة وإلا فكاذبة ، وإن كانت ذهنية فإن كانت لها مطابق في وعاء الذهن من المعانى الوجودية الحقيقية الذهنية التي هي خارج عن الفرض العقلي المختلق ، فهي صادقة ، وإلا فكاذبة.
فإن قلت : إن الضرورة قاضية بأن الموجود الحقيقي إما خارجي وإما ذهني. والخارجي شامل لجميع صور الحقائق الوجودية : من الواجب والممكن ، والذهني أيضا شامل لجميع المعاني والصورالذهنية ، وليس وراء الوجودين أي الخارجي والذهني أمر آخر يسمى بنفس الامرحتى يحتاج إثباته إلى برهان.
قلنا : قد أجاب عنه بعضهم في إثباته بما حاصله : إنه قد ثبت بالقوانين العقلية وجود العقل المفارق ، المشتمل على جميع المعقولات ، المسمى بالعقل الكل ، واللوح المحفوظ ، أما كونه كلا ، فلذلك الاشتمال ، وأما كونه لوحا ، فلأن كل صغير وكبير فيه مستطر ، وأما كونه محفوظا ، فلكونه محفوظا بالاسم الحافظ ، الحفيظ عن التغير ، والزوال ، والتبدل ، والبوار ، كما هو شأن جميع المجردات النورية ، وهذا العقل هو نفس الامر للموجودات الحقيقية العينية والذهنية مطلقا.


(77)

فأورد على هذا الجواب بعض المتأخرين ـ نقضا ـ بالواجب تعالى ، والعقول ، وذلك لان نفس الامر لو كان بذلك المعنى ، لكان نفس الامر للموجودات الحقيقية التي دونه ، فيلزم أن لا يكون للواجب ـ وسائر العقول التي غير اللوح المحفوظ ـ وجود في نفس الامر.
ثم هذا البعض من المتأخرين حاول التحقيق في معنى نفس الامر ، وحاصله أنه عبارة عن حقيقة الاشياء بحسب ذواتها مع قطع النظر عن الامور الخارجة عنها.
وشارح قواعد التوحيد ، صائن الدين علي بن التركة ، اعترض عليه بأن هذا التحقيق إنما أفاد زيادة إجمال في معنى نفس الامر ، إلا ان يحمل كلام هذا البعض على مذهب المحققين من أهل التوحيد ، أعني بهم أهل العرفان ، بأن أعيان الاشياء بحسب ذواتها ثابتة في ذاته الاحدية سبحانه بلا شوب كثرة ، ولذلك يسمونها بالاعيان الثابتة ، والفيلسوف يعبر عنها بالماهيات.
والاعيان الثابتة في اصطلاح العارف من الممتنعات ، أي ممتنع تقررها ـ وتمثلها في خارج ذات العالم بها ـ وإن كانت مظاهرها في خارج الذات موجودة بحسب اقتضائها ذلك ، فالاعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود قط ، أي وجودها الخارجي ، ولا تشمها أبدا. فالاعيان في ذاته الاحدية بوجوداتها الاحدية كالصور العلمية في أصقاع نفوسنا الناطقة.
واعلم ان التمثل معناه لا يختص بالحقائق التي في قوالب الامثال والاشباح ، حتى يستلزم الكثرة والتمايز في ذاته الاحدية سبحانه وتعالى ، بل معناه يتناول الحقائق النورية ، المستكنة في ذات العاقل ، المجتمعة فيها جمعا أحديا ، والصور المثالية القائمة بغيرها في بعض مراتبه ، كالاشباح المجردة ، بالتجرد البرزخي ، القائمة بالنفس الناطقة في مرتبة خيالها ، والخيال مظهر للاسم المصور ، ولذا جبلت على المحاكاة ، يقال : تمثل كذا عند كذا ، اذا حضرمنتصبا عنده بنفسه ، أو بمثاله (18).
وللانتصاب في التعريف شأن لان العلم الحقيقي هو انتصاب المعلوم لدى العالم ، ليس فيه اعوجاج ، ولذلك فسر الشيخ الادراك في الموضع المذكور من
____________
(18) كما أفاده المحقق الطوسي في شرحه على سابع الثالث من الاشارات : 76 ، الطبعة الاولى .

(78)

الاشارات بقوله : « أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك » ، وفسر العناية بقوله : « تمثل النظام الكلي في العلم السابق... » (19).
فلنرجع إلى ما كنافيه فنقول :
إن ذلك البعض المعترض إن أراد من قوله : إن نفس الامر عبارة عن حقيقة الاشياء بحسب ذواتها ، مع قطع النظر عن الامور الخارجة عنها ، ان قاطبة الاشياء لها وجود في نفس الامر ، بمعنى ان حقائقها العلمية ، أي أعيانها الثابتة بحسب ذواتها ، مع قطع النظر عن الامور الخارجة عنها ، كائنة في صقع الذات الاحدية ، فله وجه وجيه ، وإلا فلا يخلو من دغدغة.
ثم أفاد صائن الدين في تمهيد القواعد في بيان نفس الامر على طريقة المحققين من أهل التوحيد والعرفان بقوله : نفس الامر عبارة عما ثبت فيه الصور والمعاني الحقة ـ أعني العالم الاعلى ـ الذي هو عالم المجردات ، ويؤيده إطلاق عالم الامر على هذا العالم ،
وذلك لان كل ما هو حق وصدق من المعاني والصور لابد وأن يكون له مطابق ـ بالفتح ـ في ذلك ، كما يلوح تحقيقه من كلام معلم المشائين أرسطو ، في ( الميمر الثاني) من كتابه في العلم الالهي ، المسمى (باثولوجيا) بعد فراغه عن أن العالم الاعلى هو الحي التام الذي فيه جميع الاشياء ، وأن هذا العالم الحسي كالصنم ، والانموذج لذلك العالم ، من أن فعل الحق هو العقل الاول ، فلذلك صارله من القوة ما ليس لغيره ، وأنه ليس جوهر من الجواهر التي بعد العقل الاول إلا وهو من فعل العقل الاول.
وإذا كان هذا كذا قلنا : إن الاشياء كلها هي العقل ، والعقل هو الاشياء ، وإنما صار العقل هو جميع الاشياء ، لان فيه جميع كليات الاشياء ، وصفاتها ، وصورها وجميع الاشياء التي كانت وتكون مطابقة لما في العقل الاول ، كما ان معارفنا التي في نفوسنا مطابقة للاعيان التي في الوجود ، ولا يمكن غير ذلك ، ولو جوزنا ذلك ـ أعني أن يكون بين تلك الصور التي في نفوسنا وبين الصور التي في الوجود تباين أو اختلاف ـ ما عرفنا تلك الصور ولا أدركنا حقائقها ، لان حقيقة الشيء ما هو به هو ، وإذا لم يكن ، فلا محالة غيره ، وغير الشيء نقيضه ، فإذن جميع ما تدركه النفوس وتتصوره من أعيان
____________
(19) تاسع سادس الاشارات : 148 .

(79)

الوجودات هو تلك الموجودات ، إلا أنه بنوع ونوع.
وإنما أوردت هذا الكلام كله ، لانه مع انطوائه بما نحن بصدده ، مشتمل أيضا على تحقيق معنى الحقيقة ، ومعنى الصدق والحق وسبب تسمية هذا الوجود بالوجود الحقيقي وغيره من اللطائف فليتأمل (20).
أقول : في هذه العبارات المنيفة السامية لطائف عديدة ، ونكات سديدة ، حري بباغي المعارف الالهية أن يعتني بها ويهتم بنيلها :
منها : إن العالم الاعلى هو متن ما دونها وقضائها ، ولا يوجد رقيقة في الداني ، إلا وهي مستكنة فيه على نحو وجود أحدي ، فالرقائق صنم ، وانموذج لذلك العالم الاعلى ، فالحقيقة لا تنزل إلى العالم الادنى الحسي إلا وهي نازلة من جميع العوالم ، قال عز من قائل : « وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم » (21) ، وقال سبحانه : « يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون » (22).
فكل ما هو حق وصدق من المعاني والصور ، فهو مطابق ـ بالكسر ـ لما هو متحقق في العالم الاعلى ، أي فله مطابق ـ بالفتح ـ وخزائن ، واما ما ليس بحق وصدق كالصور المختلقة التي هي مخترعات الوهم ودعابات الخيال ، والاعتباريات المحضة من النسب والاضافات غير الحقيقية ، فليس لها مطابق ـ بالفتح ـ أصلا ، لان الباطل لا يتطرق في صنع الحق ، مثلا ، لو فرض الوهم غلطا أن الثلاثة نصف العشرة أو الهواء أثقل من الارض وأصلب منها ونحوهما من الاكاذيب ، فهي عارية عن أن يكون لها نفس الامر ، وبمعزل عنه. فنفس الامر هو حقيقة الامر ، أي حقيقة الشيء في النظام العنائي الحقيقي ، وتصور أن الثلاثة نصف العشرة ليس أمرا حقا ، فلا يصح أن يقال : إن الثلاثة في نفس الامر أي في نفسها وذاتها نصف العشرة ، فلا يصح أن يقال : إن للكواذب مطابق ـ بالفتح ـ فما هوباطل في موطن ، وليس فرض تحققه في ذلك الموطن بحق ، فهو عار عن تلبس خلعة الوجود الحقيقي في جميع المواطن ، فالكواذب مطلقا ليس لها
____________
(20) إنتهى كلام صاحب التمهيد : 16 الطبعة الاولى.
(21) الحجر : 21.
(22) السجدة : 5.

(80)

مطابق اصلا.
على أن المطابقة والا مطابقة ، كالانقسام إلى التصور والتصديق من خواص العلم الحصولي دون الحضوري ، ومن كلام صاحب أثولوجيا إن علم المبادىء أجل من أن يوصف بالصدق ، وإنما هو الحق بمعنى أنه الواقع لا المطابق للواقع.
ومنها قوله : ويؤيده إطلاق عالم الامر على هذا العالم : إن المحققين من أهل التوحيد ، أي العارفين بالله يعبرون عنه بعالم الامر ، والحكماء الالهيين بالعقل. وديدن أهل التوحيد في اصطلاحاتهم هو الاخذ من كلمات الوحي ، وأهل بيت الوحي ، وقال عز من قائل : « ألا له الخلق والامر » (23) والتعبير عن هذا العالم بعالم الامر كما في ـ الحكمة المنظومة ـ لوجهين :
أحدهما : من جهة اندكاك إنيته واستهلاكه في نور الاحدية ، إذ العقول مطلقا من صقع الربوبية ، بل الانوار الا سفهبدية لا ماهية لها على التحقيق ، فمناط البينونة الذي هو المادة سواء كانت خارجية أو عقلية مفقود فيها ، فهي مجرد الوجود الذي هو أمر الله وكلمة « كن » الوجودية النورية.
وثانيهما : إنه وإن كان ذا ماهية يوجد بمجرد أمر الله ، وتوجه كلمة « كن » إليه من دون مؤنة زائدة من مادة ، وتخصص استعداد ، فيكفيه مجرد إمكانه الذاتي (24).
ومنها قوله : إن هذا العالم الحسي كالصنم والانموذج لذلك العالم. ويدلك على هذا المطلب الارفع كلمة الاية والايتين والايات في القرآن الكريم ، فتلك الكلمة المباركة ناطقة بأن ما سواه سبحانه على ضرب من التعبير بالسواء مظاهره ، ومراياه ، ومجاليه ، فأحدس من هذا ان الوجود واحد شخصي أحدي صمدي مطلق عن الاطلاق والتقييد ، وهو الاول والاخر والظاهر والباطن. وان جميع أسمائه سبحانه ـ إلا ما استأثره لنفسه ـ متحقق في كل كلمة وآية ، وإن كانت تسمى بالصفة الغالبة على غيرها ، والاسم القاهر على غيره ، ولذا اشتمل كل شيء على كل شيء. وذلك الاشتمال كما في مصباح الانس على ثلاثة أنواع ، لان الظاهر من الاثار ، اما آثار بعض
____________
(23) الاعراف : 54.
(24) أنظر : ص 50 ، الطبعة الاولى .

(81)

الحقائق وآثار الاخر مستهلكة ، وهو في غير الانسان ، واما آثار جميع الحقائق كما في الانسان ، فاما بغلبة بعض الاثار ومغلوبية الاثار الباقية ، كما في غيرالكامل أو بالاعتدال كما في الانسان الكامل (25).
فتبصر من هذا الكلام الكامل أن المراد من قوله سبحانه « وعلم آدم الاسماء كلها » (26) ما هو ، وكذا من قوله عز من قائل « ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون » (27) ثم اقرأ وارق.
ثم اعلم ان جميع الاسماء الحسنى على كمالها وتمامها أسماؤه المستأثرة كالحي والعالم والقادر وغيرها فتبصر !
ومنها قوله : وإذا كان هذا كذا ، قلنا: إن الاشياء كلها هي العقل ، والعقل هو الاشياء. لان الاشياء كلها من فعل العقل بإذنه سبحانه والفعل قائم بفاعله ، والفاعل قاهر على فعله ومحيد به ، فانظر ماذا ترى.
وكان المتقدمون من أهل التوحيد يسمون مبدأ المبادىء سبحانه وتعالى بالعقل ، وكانوا يقولون : إن العقل يدبر العالم ، والعقل موجب وحدة الصنع أزلا وأبدا ، وكانوا يسمون وحدة الصنع من كثرة بهائه ، وجماله ، وحسن زينته بقوسموس ، فتبارك الله أحسن الخالقين.
ومنها قوله القويم الثقيل : لو جوزنا أن يكون بين تلك الصور التي في نفوسنا ، وبين الصور التي في الوجود تباين أو اختلاف ما عرفنا تلك الصور ، ولا أدركنا حقائقها. فكلما نطلبه أول الامر ندركه إدراكا ما ، لان طلب المجهول المطلق محال ، وقد دريت الكلام في الاشتمال فافهم !
ثم إن الصور التي في نفوسنا لو لم تكن مطابقة لما في الوجود كالامثلة المتقدمة فهي ليست بعلم ، ولم يكن لها مطابق ، ولم يصدق عليها عنوان نفس الامر. فمعنى كون الشيء موجودا في نفس الامر هو كونه متلبسا خلعة الوجود في حد ذاته أي كونه موجودا مع قطع النظر عن فرض فارض واعتبار معتبر ، سواء كان موجودا في الخارج أوفي
____________
(25) أنظر : ص 147 ، الطبعة الاولى.
(26) البقرة : 31.
(27) الواقعة : 62.

(82)

الذهن على الوجه الذي حررناه.
ولا يخفى عليك صدق نفس الامر على الوجود الحق الصمدي المتعين المطلق عن الاطلاق والتقييد أيضا ، وإن لم يصدق عليه ما يصدق على شؤونه النورية ، من أن لها خزائن وصورا علمية ، مسماة بالاعيان الثابتة ، لانه سبحانه صورة الصور وحقيقة الحقائق وجوهر الجواهر ونور الانوار.
ثم لا يخفى عليك ان هذا الامر القويم لا يتبدل في اختلاف الاراء في إدراك النفس الحقائق ، من أنه هل هو على سبيل رشح الصور على النفوس ، أو على سبيل الاشراق ، أو على سبيل الفناء في القدسي (28).
ومنها : إن المراد من الخارج هو خارج الفرض والاعتبار ، وإن كان متحققا في المشاعر والقوى المدركة ، وبعبارة اخرى وإن كان متحققا في الذهن والخارج ـ بهذا المعنى الدقيق ـ هو نفس الامر ، للاحكام الذهنية أي القضايا الذهنية ، فلا يجب في صحيحها المطابقة لما في الخارج ، بل تكون صحتها باعتبار مطابقتها لما في نفس الامر بهذا المعنى ، أي نفس الشيء في حد ذاته.
ومنها : وجه ما قالوا في معنى « نفس الامر » من أنها العلم الالهي. أو من أنها النفس الكلية ، واللوح المحفوظ ، أو من أنها عالم المثال. وكل واحد من تلك المعاني حق ، ولكل وجهة هو موليها ، كما ستعلم أيضا.
ومنها : معنى الحق والصدق ، وقد أشبعنا البحث عنهما في شرحنا على الفص الواحد والسبعين ـ من شرحنا على فصوص الفارابي ـ فراجع !

تبصرة :
ما قاله العلامة الحلي في كشف المراد من أن « المعقول من (نفس الامر) إما الثبوت الذهني أو الخارجي... » ، يعني وما يتصور ويعقل من لفظ « نفس الامر » عند ما يقال : الشيء مطابق لما في نفس الامر ، ويكون الشيء فيه إما هو الوجود الخارجي ، وكون الشيء في الخارج ، أو الذهني وكون الشيء في الذهن ، والمفروض
____________
(28) كما حقق في الفصل 33 من المرحلة السادسة من الاسفار في العلة والمعلول 1 : 200 ، الطبعة الاولى.

(83)

أن الاحكام الذهنية التي قلنا : ليست بلحاظ ما في الخارج ، كالامكان مقابل للامتناع ، لا يصح القول بأن صحيحها لانها في الخارج ، وكذا لا يصح القول : بأن صحيحها لا لانها في الذهن ، لامكان كونها كاذبة ، ومع ذلك موجودة في الذهن ، ويلزم على هذا صحة الكواذب.
ولكن أنت بما حققنا من معنى نفس الامر والخارج ، ومعنى صحة مطابقة الحكم لنفس الامر ، تعلم أن الشبهة غير واردة أصلا ، لان الكواذب لا نفسية لها حتى يتفوه بها بمطابقتها له وصحتها.
نعم لو قلنا إن نفس الامر عبارة عن عالم الامر الحكيم ، فالجواب عن الشبهة المذكورة وإن كان يعلم أيضا بالقياس إلى ما حررناه ، ولكن فيه تحقيقا أنيقا آخر يأتي نقله عن الحكمة المتعالية ، وكلامنا حوله.
ثم إن العلامة القيصري أفاد تحقيقا في معنى « نفس الامر » في آخر الفصل الثاني من فصول شرحه على فصوص الحكم ، على ما ذهب إليه المحققون من أهل التوحيد ، وما تقدم منا في معنى « نفس الامر » وإن كان كافلا لما أفاد ، ولكنه أجاد بما أفاد لا يخلو نقله عن فوائد كثيرة ، ونتبعها بإشارات منيفة منا حول إفاداته إن شاء الله ـ تعالى ، قال :
« والحق أن كل من أنصف يعلم ـ من نفسه ـ أن الذي أبدع الاشياء وأوجدها من العدم إلى الوجود ـ سواء كان العدم زمانيا أو غير زماني ـ يعلم تلك الاشياء بحقائقها وصورها اللازمة لها ، الذهنية والخارجية ، قبل إيجاده إياها ، وإلا لا يمكن اعطاء الوجود لها ، فالعلم غيرها ـ أي غير الاشياء ـ.
والقول باستحالة أن يكون ذاته تعالىوعلمه ـ الذي هو عين ذاته ـ محلا للامور المتكثرة ، إنما يصح إذا كانت غيره تعالى ، كما عند المحجوبين عن الحق ، اما إذا كانت عينه من حيث الوجود والحقيقة ، وغيره باعتبار التعين والتقيد فلا يلزم ذلك ، وفي الحقيقة ليس حالاولا محلا بل شيء واحد ظهر بصورة المحلية تارة والحالية اخرى. فنفس الامر عبارة عن العلم الذاتي الحاوي لصور الاشياء كلها ، كليها وجزئيها ، صغيرها وكبيرها ، جمعا وتفصيلا ، عينية كانت أو علمية ، (لا يعزب عن ربك من


(84)

مثقال ذرة في الارض ولا في السماء) (29).
فإن قلت : العلم تابع للمعلوم ، وهو الذات الالهية وكمالاتها ، فكيف يكون ـ أي العلم ـ عبارة عن نفس الامر ؟
قلت : الصفات الاضافية لها اعتبران ، اعتبار عدم مغايرتها للذات ، واعتبار مغايرتها لها ـ أي أنها غير اللذات ـ فبالاعتبار الاول العلم ـ والارادة والقدرة وغيرها من الصفات التي تعرض لها الاضافة ـ ليس تابعا للمعلوم ، والمراد والمقدور ، لانها عين الذات ولا كثرة فيها.
وبالاعتبار الثاني العلم تابع للمعلوم ، وكذلك الارادة والقدرة تابعة للمراد والمقدور.
وفي العلم اعتبارآخر ، وهو حصول صور الاشياء فيه. فهو ـ أي العلم ـ ليس من حيث تبعيته لها عبارة عن نفس الامر ، بل من حيث أن صور تلك الاشياء حاصلة فيه هي عبارة عنه ، من حيث تبعيته لها. يقال : الامر في نفسه كذا ، أي تلك الحقيقة التي يتعلق بها العلم ، وليست غير الذات في نفسها كذا ، أي والحال ان تلك الحقيقة ليست غير الذات يقال في نفسها كذا.
وجعل بعض العارفين العقل الاول عبارة عن نفس الامر حق ، لكونه مظهرا للعلم الالهي من حيث إحاطته بالكليات المشتملة على جزئياتها ، ولكون علمه مطابقا لما في علم الله تعالى. وكذلك النفس الكلية ، المسماة باللوح المحفوظ بهذا الاعتبار عبارة عن نفس الامر ».
أقول : كلامه الشريف شامل على مطالب عديدة سامية ينبغي الاشارة إليها ؟ :
منها : انه سبحانه عالم بالاشياء على الوجه الكلي ، وكذلك على الوجه الجزئي ، من حيث هو جزئي « ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير » (30) ، وهذا المطلب الاسمى مستفاد من وحدة الوجود الشخصية التي هي موضوع الصحف العرفانية ، ومسائلها ، وإطلاق هذه الوحدة على الذات الصمدية على الوجه التام هو ما عبر به إمام الكل في الكل
____________
(29) سبأ : 22.
(30) الملك : 14.

(85)

عليه السلام في خطبة من النهج ـ قال الرضي في وصفها : وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم مالا تجمعه خطبه ـ بقوله : « ولا يقال له حد ، ولا نهاية ، ولا انقطاع ، ولاغاية ، ولا أن الاشياء تحويه ، فتقله ، أو تهويه ، أو أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله ، ليس في الاشياء بوالج ولا عنها بخارج » (31)..
بل أهل الذوق يفهمون من قوله سبحانه « وهو معكم أين ما كنتم » (32) ، ومن قوله : « ونحن أقرب إليه من حبل الوريد » (34) هذا المعنى اللطيف ، ويفسرون الاسم القيوم بهذا السر القويم. واستيفاء البحث عن العلم موكول إلى رسالتنا في العلم.
ومنها قوله : « والقول باستحالة أن يكون ـ إلى قوله ـ والحالية الاخرى » كلام كامل متقن في تحقق الاعيان الثابتة في الذات ، ومن هنا ، وعلى هذا المنوال ، قال صدر المتألهين :
«وأما تحاشيه (يعني تحاشي الشيخ الاشراقي) وتحاشي من تبعه عن القواعد بالصور الالهية ، لظنهم أنه يلزم حلول الاشياء في ذاته ، وفي علمه الذي هو عين ذاته ، فقد علمت ان ذلك غير لازم ، إلا عند المحجوبين عن الحق ، الزاعمين انها كانت غيره تعالى ، وكانت أعراضا حالة فيه ، واما إذا كانت عينه من حيث الحقيقة والوجود ، وغيره من حيث التعين والتقيد (يعني التقيد بالحدود) فبالحقيقة ليس هناك حال ، ولا محل ، بل شيء واحد متفاوت الوجود في الكمال والنقص والبطون والظهور.
ونفس الامر عند التحقيق عبارة عن هذا العلم الالهي لصور الاشياء كليها وجزئيها ، وقديمها وحادثها ، فإنه يصدق عليه أنه وجود الاشياء على ماهي عليها ، فإن الاشياء موجودة بهذا الوجود الالهي ، الحاوي لكل شيء إذا الاشياء كما ان لها وجودا طبيعيا ، ووجودا مثاليا ، ووجودا عقليا ، فكذلك لها وجود إلهي عند العرفاء. وهذا الوجود أولى بأن يكون عبارة عن نفس الامر ، ولا يلزم من ذلك ثبوت المعدومات إذ ثبوت المعدوم الذي حكم عليه أنه محال عبارة عن انفكاك الشيئية عن الوجود مطلقا لا انفكاكها عن الثبوت الخارجي ، مع تحققها بالوجود الرباني وظهورها فيه » (34).
____________
(31) نهج البلاغة : 274 فهرسة صبحي الصالح.
(32) الحديد : 4.
(33) ق : 16.
(34) آخر الفصل الحادي عشر من الموقف الثالث من إلهيات الاسفار 3 : 56 ، الطبعة الاولى.

(86)

أقول : مراد صاحب الاسفار بالكمال هو المرتبة الاحدية ، والنقص هو المرتبة الواحدية ، ولا شك أنها نقص بالاضافة إلى الاحدية لوقوع الكثرة في هذه المرتبة ، والمرتبة الاحدية هي البطون ، أي الغيب المطلق الذي لا يخبر عنه ، ويمكن أن يكون المراد بالنقص نفس الماهيات التي يعبر عنها بالاعيان الثابتة ، أو الوجودات المقيدة بالحدود من حيث سعة المجال وضيقه ، أعني التشكيك في اصطلاح العارف ، فتبصر !
ثم العجب من صاحب الحكمة المنظومة حيث قال فيها في « غرر في ذكر الاقوال في العلم ووجه الضبط لها » ما هذا لفظه: « الشيخ العربي واتباعه جعلوا الاعيان الثابتة اللازمة لاسمائه تعالى في مقام الواحدية علمه تعالى. وهذا أيضا مزيف من حيث إثباتهم شيئية للماهيات ، وإسنادهم الثبوت إليها في مقابل الوجود ، مع انك قد عرفت أصالة الوجود ولاشيئية الماهية إلا ان يصطلحوا أن يطلقوا الثبوت على مرتبة من الوجود ، كأنهم وضعوها ، مبانا من حقيقة الوجود مرتبة منها ، وقابلوها بها... » (35).
ولست أدري أنه رحمة الله ـ مع طول باعه في الحكمة المتعالية ـ كيف تفوه بهذا الرأي الفائل ؟
وقد حققنا في تعليقاتنا على كشف المراد : ان الماهيات في اصطلاح الحكيم هي الاعيان الثابتة في اصطلاح العارف ، وهي الصور العلمية بوجودها الاحدي ، الذي هو عين الذات الصمدية ، وقد اصطلح العارف ان يسمي العلم ثابتا ، والعين وجودا ، لا أن الثبوت واسطة بين الوجود والعدم ، بل واسطة بين وجوده الخارجي والعدم ، بمعنى أنه وجود علمي إلا أنه يسميه ثبوتا للفرق بين العلم والعين ـ اصطلاحا ـ ، وتفصيل ذلك يطلب في تعليقنا على المسألة الثالثة عشرة من الفصل الاول من المقصد الاول من كشف المراد.
ثم إن كلام العلامة القيصري وصدر المتألهين على وزانه من أن نفس الامر ـ عند التحقيق ـ عبارة عن هذا العلم الالهي لصور الاشياء في غاية الاحكام والاتقان ، لان ما له نفيسة حقيقة لابد أن يكون له وجود طبيعي ، ووجود مثالي ، ووجود عقلي ، ووجود إلهي ، والتفاوت بالكمال والنقص كالابدان الانسانية ـ مثلا ـ بل الانسان
____________
(35) الحكمه المنظومة: 160 ، الطبعة الاولى.

(87)

بالوجودات الاربعة المذكورة ، فتدبر في قوله سبحانه : « يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه... » ، وكما ان الوجود حقيقة واحدة إطلاقية ، ولها درجات بعضها طبيعي ، وبعضها نفساني ، وبعضها عقلي ، وبعضها إلهي ، كذلك جميع شؤونها : النفس الامرية ، لانها أطوار حقيقة ، منتشئة ومنفطرة عن ذات واحدة صمدية سبحانه وتعالى.
نعم ، إن نفس الامر بهذا المعنى لا يصدق عليه سبحانه ، لانها كانت عبارة عن العلم الالهي لصور الاشياء. فالامر على هذا المعنى في مقابل الخلق من العقل الاول إلى الهيولى الاولى ، لا كما قال المحقق الشريف : أن يجعل الامر ها هنا في مقابل الخلق ، ويراد به عالم المجردات ، كما نقله عنه صاحب الشوارق (36) ، وذلك لان الخلق الايجاد على تقدير وترتيب ، وأصل الخلق التقدير ، يقال : خلقت الاديم إذا قدرته قبل القطع. والخلق هو المنقوش على الصادر الاول ، وهو فرق الخلق ، وقد حققنا البحث عنه في رسالتنا الفارسية المسماة بـ « وحدت از ديدگاه عارف وحكيم » (37) ، فراجع !
فالمجردات من الخلق أيضا والصادر الاول يسمى في الصحف العرفانية بالنفس الرحماني والنفس الالهي ، والهيولى الكلي ، والماء الذي هو أصل كل شيء ، والبخار العام ، والتجلي الساري ، والرق المنشور ، والنور المرشوش ، والخزانة الجامعة ، وام الكتاب المسطور ، والوجود العام ، ومادة الموجودات ، والرحمة العامة ، والرحمة الذاتية ، والامتنانية ، وصورة العلماء ، والوجود المنبسط ، والعنصر ، والعنصر الاول ، وأصل الاصول ، وهيولى العوالم غير المتناهية ، وأب الاكوان ، وام عالم الامكان ، والجوهر الهيولاني ، وغيرها من الاسامي المذكورة في محالها فراجع الرسالة المذكورة ومصباح الانس (38).
والصور العلمية تسمى بالاعيان الثابتة ، وبالفيض الاقدس أيضا ، أي الاقدس عن أن يكون المستفيض غير المفيض ، والاقدس من شوائب الكثرة الاسمائية ،
____________
(37) لاحظ : ص 84 ـ 94 ، الطبعة الاولى.
(38) لاحظ : ص 70 ، 133 ، 150 ، و 161 وكذلك شرح القيصري على الفص العيسوي ، واليعقوبي من ـ فصوص الحكم : 331 و 389 ، الطبعة الاولى .

(88)

ونقائص الحقائق الامكانية. فهي ليست من جملة العالم ، ومما سوى الله ، وليس وجودها وجودا مباينا لوجود الحق سبحانه ، ولا هي موجودات بنفسها لنفسها ، بل إنما هي من المراتب الالهية ، والمقامات الربوبية ، وهي موجودة بوجوده واحد ، باقية ببقاء واحد ، والعالم إنما هو ما سواء ، كما حرره صدر المتألهين (39).
نعم قد أطلق عليها العالم في الفصل الثالث والثلاثين من تمهيد القواعد ، لصائن الدين باعتبار تغايرها الذاتي ، فارجع إليه والى تعليقاتنا على ذلك الفصل منه (40).
ومنها قوله : « فإن قلت : العلم تابع للمعلوم... ».
أقول : قد أتى بهذا السؤال والجواب صاحب الاسفار بعد كلامه المذكور آنفا مع زيادة إيضاح حيث قال : « فإن قلت : العلم تابع للمعلوم ، فكيف يكون هذا العلم الذي هو الذات الالهية تابعة للاشياء ؟».
قلنا : هذا العلم الالهي لكونه كالقدرة ، والقدرة ونظائرها من الصفات الاضافية ـ أي من الحقائق ذوات الاضافة إلى الاشياء ـ فله اعتباران :
أحدهما : اعتبار عدم مغايرته للذات الاحدية ، وهي بهذا الاعتبار من صفات الله ، وغير تابعة لشيء ، بل الاشياء تابعة له إذ به صدرت وجودات الاشياء في الخارج ، ولهذه الجهة قيل : علمه تعالى فعلي.
وثانيهما : اعتبار إضافته إلى الاشياء ، وهو بهذا الاعتبار تابع للاشياء متكثر بتكثرها ، وسنشبع القول في تحقيق هذا المقام عند بيان كيفية علمه تعالى بالاشياء على طريقة أصاحب المكاشفة الذوقية ، ونحن قد جعلنا مكاشفاتهم الذوقية مطابقة للقوانين البرهانية ، والكلام في كون علمه تعالى تابعا للمعلوم أم المعلوم تابعا له ؟ الاليق بذكره أن يكون هناك من هاهنا (41).
أقول : الموضع المذكور في علمه هو الفصل التالي من الفصل المذكور وهو الفصل الثاني عشر من الموقف الثالث من إلهيات الاسفار (42).
وقد حققنا في مصنفنا الموسوم بالعرفان والحكمة المتعالية ان امهات مسائل
____________
(39) الفصل الثامن من الموقف الثاني من إلهيات الاسفار 3 : 48 ، الطبعة الاولى.
(40) لاحظ : ص 95 ، الطبعة الاولى.
(41) لاحظ : ص 57 ، ج 3 ، الطبعةالاولى.
(42) لاحظ : ص 57 ـ 63 ، ج 3 ، الطبعة الاولى .

(89)

الحكمة المتعالية ، أعني بها أسفار صدر المتألهين ، مأخوذة من الصحف العرفانية ، كتمهيد القواعد وشرح القيصري على فصوص الحكم ومصباح الانس لابن الفناري ، والفتوحات المكية للشيخ العارف محيي الدين ابن العربي.
وقد أجاد في كلامه الرفيع من ان المكاشفات الذوقية مطابقة للقوانين البرهانية ، كقوله : الاخر الثقيل ، أيضا في أول الفصل الثاني من الباب السادس من نفس الاسفار :
« الشرع والعقل متطابقان في هذه المسألة ـ يعني في مسألة ان النفس الناطقة ليست بجسم ولامقدار ، ولا منطبعة في مقدار ـ كما في سائر الحكميات وحاشى الشريعة الحقة الالهية البيضاء ان تكون احكامها مصادمة للمعارف اليقينية الضرورية وتبا لفلسفة تكون قوانينها غير مطابقة للكتاب والسنة (43).
فالعرفان والبرهان يدوران حيثما دار القرآن ، ولن يفترق كل واحد منها عن الاخرين قط. والانسان الكامل قرآن وبرهان وعرفان ، وهو لن يفترق عن القرآن والبرهان والعرفان قط ، كما ان العرفان الاتم ، والبرهان الاقوم ـ وكذا الحقائق القرآنية بأعلى ذرى مقاماتها ـ لا تنفك عنه ولا تفترق قط.
وجملة الامر في الاعتبارين ، المأخوذ في الجواب أن علم الواجب بالاشياء هو وجود الواجب ـ بملاحظة اتحاده بالاعيان الثابتة ـ إذا لوحظ بحسب الوجود أي لوحظ وجود الواجب مع قطع النظر عن هذا الاتحاد يكون متبوعا وعين الواجب ، وإذا لو حظ العلم من حيث انه علم ، أي لوحظ وجوده باعتبار اتحاده بالاعيان يكون تابعا للاعيان ، بمعنى أن علمه يكون على طبق ما تكون الاعيان عليه في نفسها ، ويكون متكثرا بتكثر لاعيان ، بمعنى أن علمه بهذا العين المخصوص غير علمه بعين اخرى لتغاير العينين بالذات.
وقال القيصري في آخر الفصل الاول من الفصول المذكورة في التنبيه المعقود في عينية الصفات للوجود :« إن الحياة ، والعلم ، والقدرة ، وغير ذلك من الصفات تطلق على تلك الذات ، وعلى الحقيقة اللازمة لها من حيث انها مغايرة بالاشتراك
____________
(43) لاحظ : ص 75 ، ج 4 ، الطبعة الاولى .

(90)

اللفظي » (44) ، فتدبر !
ونقول إيضاحا : قوله : إذا كانت غيره تعالى ، أي إذا كانت تلك الامور المتكثرة ، التي هي الصور المرتسمة غيره تعالى ، تعالى عن ذلك.

ألغيرك من الظهور ما ليس لك ؟ * غيرتش غير در جهان نگذاشت

قوله : فلا يلزم ذلك ، أي لا يلزم كونه محلا للامور المتكثرة.
قوله : بل شيء واحد ظهر بصورة المحلية ، أي شيء واحد ظهر في ملابس أسمائه وصفاته ، فإنها قائمة بالفيض الاقدس ، ولا حالية ، ولا محلية أصلا ، بل شيء واحد تحقق بصورة البطون تارة ، وهذا من جهة اعتبار نفس الذات ، وتجلى بصورة الظهور اخرى ، وذلك من جهة العلم والانكشاف ، أي انكشاف الاشياء عنده بنفس ذاته وهويته البسيطة التي هي كل الاشياء بنحو الاصالة والوحدة والصرافة ، وليس بشيء منها .
وقال القيصري في شرح الفص الادمي : لما كان الفاعل والقابل شيئا واحدا في الحقيقة ـ ظاهرا في صورة الفاعلية تارة ، والقابلية اخرى ـ عبر عنهما باليدين.
قوله : الحاوي لصور الاشياء كلها ، أي بنحو البساطة الاطلاقية.
قوله: قلت : الصفات الاضافية ، يعني أن الصفات ذات الاضافة لها اعتباران : اعتبار عدم مغايرتها للذات بحسب حقائقها الاطلاقية ، كالعلم ، وهذا في المرتبة الاحدية ، واعتبار مغايرتها للذات ، أي اعتبار إضافتها ونسبتها وتعلقها بالغير ، فتمتاز نسبة ومفهوما أيضا وهذا في المرتبة الواحدية. فالصفات قد تؤخذ إطلاقية ، فهي عين ، وأسماء ذاتية ، وقد تؤخذ على وجه التعلق بالتعينات ، فهنا امتياز نسبي.
قوله : وفي العلم اعتبار آخر. يعني ليس هذا الاعتبار لسائر الصفات الاضافية ، وهو حصول صور الاشياء فيه لان بسيط الحقيقة كل الاشياء ، فنفس الامر عبارة عنه بهذا الاعتبار.
قوله : يقال الامر في نفسه كذا ، أي تلك الحقيقة العلمية التي يتعلق بها العلم ، والحال أن تلك الحقيقة ليست غير الذات حقيقة ، تقال في نفسها وحد ذاتها كذا. يعني
____________
(44) لاحظ : ص 12 ، الطبعة الاولى .

(91)

ان نفس الامر عين علمه تعالى بهذا الاعتبار الاخر الذي ليس لسائر الصفات الاضافية ، فالعلم ليس من جهة تابعيته للاشياء عبارة عن نفس الامر ، بل من جهة أن صور الاشياء حاصلة فيه عبارة عن نفس الامر.

فذلكة البحث حول كلام القيصري :
إنه لما قال : فنفس الامر عبارة عن العلم الذاتي ، أورد عليه ان العلم تابع للمعلوم ، والمعلوم هو الذات الالهية ، وكمالاتها ، لانه ليس في الوجود علم وعين سوى الذات الالهية ، وشؤونها الذاتية ، التي هي كمالاتها ، فنفس الامر هو المعلوم المتبوع ، لا العلم التابع له ، المطابق لما في نفس الامر ، فأراد دفع ذلك الايراد عن نفسه ، بقوله : قلت : الصفات الاضافية...
وحاصل الجواب ان العلم من الصفات الاضافية ، أي ذوات الاضافة ، ولها اعتباران اعتبار أنفسها ، واعتبار إضافتها العارضة لها.
وبالاعتبار الاول عين الذات الالهية ، لا تابعة لها ، بل هي متبوعة.
وبالاعتبار الثاني العلم وسائر الصفات الاضافية ، كالقدرة ، والارادة تابعة لما تضاف إليه.
وللعلم اعتبار آخر ليس لسائر الصفات الاضافية : هو حصول صور الاشياء فيه التي عبر عنه بالكمالات تارة باعتبار ، وبالشؤون الذاتية تارة وباعتبار ، وبالشؤون الالهية والاسماء وصورها تارة وباعتبار ، ونفس الامر عين علمه تعالى بهذا الاعتبار.
فالجواب ينشعب شعبتين : اولاهما في بيان أن الصفات مطلقا يعتبر فيها الاعتباران ، وثانيتهما في بيان أن العلم خاصة له اعتبار ، ليس لغيره من الصفات ، فهو بهذا الاعتبار عبارة عن نفس الامر وهو عين الذات ، فتبصر !
ومنها قوله : وجعل بعض العارفين العقل الاول عبارة عن نفس الامر حق...
والعقل الاول هو الاسم العليم في الحقيقة ، وهذا العارف جعل العقل الاول عبارة عن نفس الامر لكون علمه مطابقا لما في علم الله تعالى ، فالملاك عن نفس الامر هو العلم الذاتي الحاوي لصور الاشياء كلها ، وهذا هو الاصل.
قوله : وكذلك النفس الكلية المسماة باللوح المحفوظ ، أي وهي أيضا عبارة


(92)

عن نفس الامر ؛ لكون علمها مطابقا لما في علم الله تعالى ، فالملاك أيضا هو العلم الذاتي.
وهذا الكلام في نفس الامر جار في عالم المثال أيضا من أنه عبارة عن نفس الامر لكونه مطابقا لما في علم الله تعالى ، فحصل أن نفس الامر يعبر به عن كل واحد منها بذلك الاعتبار.

تبصرة :
أنت بما حققنا في بيان الوجود الصمدي المساوق للحق دريت أن ما هو الاول والاخر والظاهر والباطن متحقق مع جميع شؤونه النورية ، ومجالي أسمائه الحسنى ، ومظاهر صفاته العليا بوجوده الحقاني ، فالوجود حق ، وما صدر عنه حق ، وله نفسية ، وليس أمر من الامور النورية الوجودية إلى وله نفسية ، وواقعية وهو حق محض ، وصدق طلق ، فنفس الامر في مراتبه النورية ليست إلا حقا ، ولا يتطرق الكواذب ، والاعتباريات المختلقة من الوهم والخيال إلى الحق وشؤونه ، ورسالتنا الموسومة بأنه الحق تفيدك في المقام جدا.
واما ما قاله صاحب كشف المراد من أن المحقق الطوسي ـ في حل الاشكال ـ لم يأت بمقنع ، فقد قال الدواني في حله ـ كما في الاسفار ـ : « إن شأن العقل الفعال في اختزان المعقولات ، مع الصوادق ، الحفظ والتصديق جميعا ، ومع الكواذب ، الحفظ دون التصديق ، أي الحفظ على سبيل التصور ، دون الاذعان ، لبراءته عن الشرور والاسواء التي هي من توابع المادة » (45).
أقول : الظاهر أن مراده المستفاد من تفسيره بقوله : أي الحفظ على سبيل التصور... « ان الكواذب منها مختزنة فيه بحسب وجوداتها العارية عن الكذب حقيقة ، فإن الكواذب من الشرور والاسواء التي من توابع المادة. مثلا النكاح والسفاح من حيث وجودهما الخارجي على صورة واحدة ، والشر إنما نشأ من جهة اخرى ليست بسنة فطرية إلهية وصورتهما العلمية الوجودية النفس الامرية ليست بشر ، ولعل وجه التعبير
____________
(45) لاحظ : ص 171 ، ج 3 ، الطبعة الاولى.

(93)

عن التصديق والحفظ يكون على هذا البيان ، فعلى هذا لا يرد ما أورد عليه صاحب الاسفار ، بل لا يبعد أن يكون ـ ما أفاده قدس سره في تحقيقه الرشيق في حل الاشكال ـ راجعا إلى ما قاله الدواني أيضا. فدونك ما أورد عليه في حل الاشكال أولا :
قال ـ قدس سره ـ بعد نقل كلام الدواني المذكور آنفا ما هذا لفظه : « وفيه ما لا يخفى من الخلل ، والقصور.
اما أولا ، فلان ما في العقل الفعال هو أشد تحصلا ، وأقوى ثبوتا مما في أذهاننا ، فاقتران الموضوع للمحمول إذا حصل في أذهاننا ، فربما كان الاقتران بينهما اقترانا ضعيفا ، وارتباط أحدهما بالاخر ارتباطا متزلزلا ، وذلك لضعف سببه ، وكاسبه ، ودليله ، حيث لم يكن الاقتران بينهما من برهان ذي وسط لمي ، أو من حدس ، أو حس ، أو تجربة ، أو غير ذلك ، فيكون الحكم منا باقترانهما غير قاطع ، فهو شك أو وهم ، وربما كان الواقع بخلافه ، فيكون حكما كاذبا.
واما إذا اقترن الموضوع بالمحمول في العقل الفعال ، فيكون اقتران أحدهم بالاخر اقترانا مؤكدا ضروريا ، حاصلا عن اسباب وجودهما على هذا الوجه ، كاقتران أحدهما بالاخر في الظرف الخارج ، وليس مصداق الحكم إلا عبارة عن اقتران الموضوع بالمحمول ، أو اتحادهما في نحو من الوجود في الواقع.
واما ثانيا ، فلأن التصور والتصديق ـ كما تقرر وتبين في مقامه ـ إنماهو نوعان من العلم الانطباعي ، الحادث في الفطرة الثانية ، فأما علوم المبادىء العالية ، وعلم الحق الاول جل ذكره ، فليس شيء منهما تصورا ، ولا تصديقا ، فإن علوم المبادىء كلها عبارة عن حضور ذواتها العاقلة والمعقولة بأنفسها ، وحضور لوازمها الوجودية بنفس حضور ذواتاها الثابتة لذواتها ، من غير جعل وتأثير مستأنف وتحصيل ثان ، حسبما قررناه كعلمنا بذاتنا ، ولوازم ذاتنا غير المنسلخة عنا ، بحسب وجودنا العيني ، وهو يتنا الادراكية ، التي هي عين الحياة والشعور ».
أقول : قوله : « حاصلا عن اسباب وجودهما على هذا الوجه » يعني على هذا الوجه المؤكد.
وقوله : « من العلم الانطباعي » يعني به الانفعالي الارتسامي ، ثم إن الدواني لا


(94)

ينكر أن ما في العقل الفعال أشد حصولا ، وآكد وأقوى ثبوتا مما في أذهاننا ، والتعبير بالاختزان على سبيل التصور بيان لتقررها فيه على وجودها الاحدي ، البسيط الذي هو عين الحياة والشعور ، لا التصور المقابل للتصديق المصطلحين في الميزان ، ولا يتفوه مثل الدواني بما أورده هو قدس سره الشريف عليه.
ثم قال ـ في تحقيق المقال في حل الاشكال ـ ما هذا لفظه الجميل :
« واما حل الاشكال ، وحق المقال فيه على وجه يطمئن به القلب ، وتسكن إليه النفس ، فهو يستدعى تمهيد مقدمة ، هي ان كل ملكة راسخة في النفس الانسانية ـ سواء كانت من باب الكمالات أو الملكات العلمية أو من باب الملكات أو الكمالات العملية كملكة الصناعات التي تحصل بتمرن الاعمال ، وتكرر الافعال ـ كالكتابة والتجارة والحراثة وغيرها ـ فهي إنما تحصل بارتباط خاص من النفس بالعقل الفعال لاجل جهة فعلية من الجهات الموجودة فيه ، لان الانواع المختلفة لا تكفي في تكثرها ووجودها تكثر القوابل أو تكثر جهاتها القابلية ، بل يحتاج إلى مبادىء متعددة عقلية ، كما رآه الافلاطونيون من أن علل الانواع المتكثرة في هذا العلم عقول متكثرة هي أربابها ، واما إلى جهات متعددة فاعلية في العقل الاخير ، كما هو رأي المشائين.
وبالجملة فجميع الكمالات الوجودية في هذا العالم مبدؤها ومنشؤها ـ من حيث كونها أمرا وجوديا ـ من ذلك العالم ، سواء سميت خيرات أو شرور ، إذ الشرور ، إذ الشرور الوجودية شريتها راجعة إلى استلزامها لعدم شيء آخر أو زوال حالة وجودية له ، وهي في حد نفسها ، ومن جهة وجودها ، تكون معدودة من الخيرات ، كالزنا والسرقة ونظائرهما ، ومنها الجهل المركب ، والكذب ، فكل منها في نفسه أمر وجودي وصفة نفس انية ، يعد من الكمالات لمطلق النفوس ، بما هي حيوانية ، وإنما يعد شرا بالاضافة إلى النفس الناطقة ، لمضادتها لليقين العلمي الدائم ، ولملكة الصدق ، فإن الاول خير حقيقي ، والثاني نافع في تحصيل الحق.
فإذا تمهدت هذه المقدمة ، فنقول : لا يلزم أن يكون ما بإزاء كل ملكة نفسانية ـ أو أمر وجودي في العقل الفعال أوفي عالم العقل ـ هو بعينه من نوع تلك الملكة أو ذلك الامر ، بل ـ الذي لابد منه ـ هو أن يكون فيه أمر مناسب لتلك الملكة أو لذلك الامر. فإذن كما ان النفس إذا تكررت ملاحظتها لعلوم صادقة حقة ، حصلت


(95)

لها ملكة الاتصال والارتباط بشأن من شؤون العقل الفعال ، متى شاءت من هذه الجهة ، فكذلك إذا ارتسمت فيها صورة قضية كاذبة ، وتكرّر ارتسامها ، أو التفتت النفس إليها التفاتا قويا حصلت لها ملكة الاتصال من هذه الجهة بشأن آخر من شؤونه متى شاءت ، ولا يلزم أن يكون ـ ذلك الشأن بعينه ـ قضية ذهنية صادقة ، ولا هذا قضية كاذبة ، بل يكون أمراً يناسب ذاك ، وأمرا يناسب هذا ، فهذا معنى اختزان صور الاشياء في عالم العقل واسترجاع النفس إليه.
وقد أشرنا لك مرارا أن ليس معنى حصول صور الموجودات في العقل البسيط ارتسامها فيه ، على وجه الكثرة المتميز بعضها عن بعض ، كما ان صورها المحسوسة ترتسم في المادة الجسمانية ، وكذا صورها النفسانية التفصيلية ، التي ترتسم في النفس الخيالية على هذا الوجه ، وذلك لضيق هذا العالم ، وما يتعلق به من المشاعر عن الحضور الجمعي ، والتمام العقلي ، والبراءة عن العدم ، والغيرية ، والكثرة ، والانقسام » .
أقول : قوله : « من حيث كونها أمرا وجوديا من ذلك العالم » ، أي من ذلك العالم العقلي. قوله : « فإن الاول خير حقيقي » أي اليقين ، « والثاني نافع » أي ملكة الصدق. وقوله : « من هذه الجهة بشأن آخر » أي من جهة تكرر ملاحظتها بعلوم صادقة.
ثم ان قوله : « كما رآه الافلاطونيون » ، قد استوفينا الكلام عن هذا المطلب الرفيع المنيع في رسالتنا المصنوعة في المثل الالهية . وقوله : « واما إلى جهات متعددة فاعلية في العقل الاخير ، كما هو رأي المشائين » قدر دريت إطلاقات العقل الفعال السائر في ألسنتهم.
قوله :« وقد أشرنا لك مرارا... » وبذلك التحقيق الانيق يعلم أن ما قال الفخر الرازي : إن العقل الفعال عندهم علة لحدوث الالوان والصور والمقادير ، مع عدم اتصافه بها (46) ليس على ما ينبغي ، بل هو رأي فائل ، وقول باطل ، فإن الكثرة بوجودها الاحدي موجودة في خزائنها.
ثم ما حققنا في معنى نفس الامر ، دريت ان نفس الامر ـ على بعض وجوه معانيها ـ يشمل الواجب تعالى أيضا لو تفوهنا وقلنا مثلا ـ : إن الامر في الحق سبحانه
____________
(46) كما نقل ذلك عنه المحقق الطوسي في آخر الفصل الثالث عشر من النمط الثالث من شرحه على الاشارات.

(96)

نفسه كذا ، أو الحق تعالى نفسه الامرية كذا ، ونحوهما من التعبيرات الاخرى ، وذلك الوجه هو نفس الامر بمعنى ذات الشيء وحقيقته دون غيره من الوجوه الاخرى.
وقالوا : إن نفس الامر أعم من الخارج مطلقا ، ومن الذهن من وجه ، إذ كل ما في الخارج ، هو في نفس الامر من غير عكس ، وليس كل ما في الذهن هو في نفس الامر ، إذا مما هو في الذهن ما هو مجرد فرض الفارض لاغير ، كزوجية الخمسة ، وليس جميع ما هو في الذهن دون الخارج هو مجرد فرض الفارض إذ منه ما ليس بفرض فارض كجنسية الحيوان مثلا ، وبين الخارج والذهن عموم من وجه ، فإن إنية الواجب ـ مثلا ـ لا يمكن أن تحصل في ذهن من الاذهان.
وأقول : الخارج في النسبة المذكورة هو الخارج عن وعاء الذهن ، واما الخارج بمعنى خارج الفرض والاعتبار ، فلا يخفى عليك استنباط النسب بين نفس الامر والخارج والذهن.
ولعلك تقدر بما قدمناه وحررناه أن تعلم ان كينونة الصور الكاذبة المخترعة من اختلاق الوهم والخيال ، أعني العلم بها في المبادىء العالية ، سيما مبدأ المبادىء ، على أي نحو كانت ، فإن العلم بها حاصل لهم بلا امتراء فتدبر. ورسالتنا في العلم مجدية في ذلك جدا ، وراجع في ذلك أيضا الفصل الثالث من فصول شرح القيصري على فصوص الحكم ـ ص 18 ، الطبعة الاولى ـ.
وقد حان أن نختم الرسالة حامدين لله ولي الامر ، وقد فرغنا من تصنيفها وتنميقها يوم الاربعاء الخامس من ربيع الثاني 1406 هـ ق.

« وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين» .