بعدقبل

من
المعجم الموسوعي
لالفاظ القرآن الكريم
(1)





عبدالحسين محمد علي البقال



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الامين ، وآله الطيبين ، وصحبه المنتجبين...
وبعد ؛ ...
فالبحث هنا نأتي عليه من خلال :
أولا : المقدمة
ـ 1 ـ
إن لغتنا الرسالية هي لغة حية معطاءة ؛ وليس بكثير عليها إذا قلنا عنها : إنها تضاهي سائر اللغات العالمية ، إن لم تكن ـ كما هو الواقع ـ السباقة والرائدة من بينها.
لغتنا ؛ واريد بها تلك العربية المبينة التي تخصنا نحن المسلمين قاطبة ، المجتمعين على رفع راية ، لا إله إلا الله ، محمد رسول الله.
نعم ، لغتنا ، وهي كلمة الرب إلى جميع عباده ؛ في قرآنه المبين وسُنّته الشريفة ، والروائع من نهج أئمّة أهل بيت رسوله الأمين ، وصحبهم الصلحاء المتقين.
اللغة النظامية الانسانية ؛ الشاملة شمول وعموم ودقة ونظامية وكونية الدين الحنيف ، الذي يسقي الحياة حياة سعيدة ، بفيض كؤوسه وديمومة دواليه.


(15)

ـ 2 ـ
وهي بعد كذلك ، رموز الفطرة ، وإشارات الخلجات النفسية ، فعبارات الروابط الاجتماعية ، إلى كونها مصطلحات في مختلف مجالات العلاقات الدولية ؛ بل ، وإلى شتى الشؤون العالمية.
هي تاريخ حكاية العقيدة والعاطفة ، الروح والجسد ، في سلوكاتها المرئية وغير المَرئية ؛ صائرةً بين الخوف والرجاء ، من الله وإلى الله ؛ ثقة واطمئنانا ؛ حُبّاً ووفاء ، التزاما وتضحية ؛ سعادة وخلودا.
هي قصة الحضارة والمدنية ، ومفردات الصياغة القانونية ، في جميع الميادين ، وسائر التطبيقات.
بل ، هي حروف التربية المسؤولة ، وسطور الاقتصاد المتكافىء ، وتعابير السياسة الدعائية ، وغيرها من بقية الظواهر الحياتية.

ـ 3 ـ
أليست هي لغة الانسان الرسالي ؛ اللغة الاممية الخالدة خلود شرائع الاسلام ، الهدية الناطقة بعظمة مهديها ، والمنزلة إلى خليفته في الارض ، الذي يفترض فيه أن يكون بمستوى آمالها ؛ ثم له بعد أن يبدع بجديد المعاني ، على ضوء من مواصفاتها ومجازاتها...
أليست هي لسان حال الثوار ، إسماعيل وهود وصالح ، محمد وخديجة ، علي وفاطمة ، سمية وعمار ، زينب والحسين ؟ !
وهل من شك ، في أنها هي هي أصوات سائر المناضلين الاحرار ؛ المدوية من أجل : إحياء المثل والقيم ، وتحقيق كرامة بني الانسان.

ـ 4 ـ
فيا للغة القرآن من لغة بناءة ـ إن هي تركت كما اريد لها ـ : وفية بشفاء الصدور ، ثرية بإعمار القلوب ، ندية بترانيم الحب ، زخارة بأسباب الوحدة والتوحيد ،


(16)

حنية بتطبيب النفوس.
وما أروعها من وسيلة بيان ،...
ما أدراك بها من وسيلة ، الضرورة تقضي بلزوم فهمها ومتابعتها ؛ ثم وجوب اتحاد النطق تحت لوائها.
ولكن ، ينبغي أن يفهم ومنذ البداية ؛ أن لا تنافي في الوقت نفسه ، بين وجوب الالتزام بها ، ووجوب مراعاة الخصوصيات الاقليمية والقومية وغيرهما ، لتلك اللغات الانسانية المتوارثة من عداها ، طالما لاتتعارض ومبادئ ، خاتمة الاديان.
وكيف لا يجب احترام تلك المتوارثة ؛ وهذا القرآن الكريم نفسه بين أيدينا يعد التاريخ الصادق ، لما جاء فيه ـ على قول ليس بالخفي ـ من نماذجها.
أجل ، بوركت لغتنا ، نحن المسلمين كل المسلمين ، شعوباً وقبائل ، عربا وغير عرب ، ما كان هناك مكان ، وأنى بقي في البين زمان.

ـ 5 ـ
وأما المنهج الذي سوف نتبعه في فهرسة مواد هذا المعجم ؛ فهو باختصار : الاخذ بالترتيب المزدوج : الاشتقاقيّ منه ، والهيئتي.
هو الترتيب الاتي على كلا الحسنين ؛ بأن يفهرس المفردات لاجل دراستها ، ولكن بحسب جذور أسرها الاشتقاقية ، وبذلك يحفظ للكلمة كينونيتها العائلية.
ويفهرس الهيئات مجرّدة ، محالة ـ كما هي ـ على موادّها ، بحسب صورها الظاهرية ، وبذلك يتيسّر استخراجها ومعرفة اُصولها بنقلة واحدة ، وخاصة تلك الغربية الاشتقاق منها ، كماهو الحال مثلا في طائفة من مفردات افتعل ، اضطرب واضطهد...

ـ 6 ـ
وأما الكلمة المنتخبة ، التي سنخصص لها حلقتنا هذه ؛ فهي : أرائك.
من حيث اشتقاقها ؛ باعتبارها مشتقة ، مع تحديد مادتها ، حسب موازين الصرف والصرفيين.


(17)

ومن حيث معانيها في اللغة ، ثم في القرآن والحديث ؛ ومن ثم الكيفية في توحيد تلك المعاني.
وهكذا ، إلى كل ما هو متيسر في مقدورنا من بحث جوانبها ، وبحدود اطلاعنا من مصادرها ؛ والله من وراء القصد.

ثانيا : الأرائك
ونأتي عليها من خلال الحقول الاتية :

الحقل الاول
في : آياتها المباركة
حيث قد وردت في سورة : أ. الكهف ، آية : 31 ، ب. يس ، آية : 56.
ج. الأنسان ، آية : 13 ، د . المطففين ، آية 23 ، 35

الحقل الثاني
في : المقصد والمستعمل منها
حيث لم ترد مع الارائك ، من بقية المشتقات من اُسرتها ؛ غيرها.
كذلك ؛ فإن لفظ الارائك ، قد ورد في القرآن الكريم خمس مرات فقط ؛ وهي جميعا في وصف أهل الجنة (1).

الحقل الثالث
في : الصرف ووجه التسمية
ـ 1 ـ
هكذا وردت بصيغة الجمع ، لمفردة « أريكة » (2) ؛ وهي التي على زنة
____________
(1) ينظر : دراسات مقارنة في المعجم العربي : 18 ، تأليف الدكتور يعقوب بكر ، جامعة بيروت العربية ، سنة 1970 م.
(2) ينظر : معجم الفاظ القرآن الكريم : م 1 ص 36 .

(18)

فعلية ، مؤنث فعيل ؛ من الفعل : أرك بالمكان يأرك : أقام به (3).
وقد تجمع : على : اُرك ؛ كما يقال : سفينة وسفائن وسُفنُ (4) ؛ وقد تجمع أيضا على : أريك (5).

ـ 2 ـ
ووجه التسمية :
إما لكونها في الارض ، متخذة من أراك. وهو شجرة.
أو لكونها مكانا للاقامة ؛ من قولهم : أرك بالمكان اروكاً ؛ وأصل الاُروك الإقامة على رعي الأراك ، ثم تُجُوز به في غيره من الاقامات (6).

الحقل الرابع
في : قائمة المعاني
وهي كما يلي :
أولا : الوسادة بلحاظ الاريكة ؛ والوسائد بلحاظ الأرائك (7).
وقيل : الطنفسة أو الوسادة ، وفُسّرت الطِنفَسَةُ بـ : البِساط (8).
ثانياً : كلُّ ما اتكىء عليه (9).
أو بتعبير : كل ما يُتّكأ عليِه ، مِن مِسوَرة وغيرها (10).
أو بتعبير : كل ما اتكئ عليه ، من سرير أو فراش أو مِنَصَّة ؛ وفي الحديث :
____________
(3) ينظر : معجم الالفاظ والاعلام القرآنية : ص36 ، ومجمل اللغة : 1|181 ، وأساس البلاغة : ص 5 .
(4) ينظر : التبيان : 8|468 ، والجامع لاحكام القرآن ـ تفسير القرطبي ـ : 15|44.
(5) ينظر : دراسات مقارنة في المعجم العربي : ص 18.
(6) معجم مفردات ألفاظ القرآن ـ مفردات الراغب الاصفهاني ـ : ص 12 ؛ وينظر : التحقيق في كلمات القرآن ـ الكريم : 1|59 ، وفيه : « ... من الاوقات » ، وهو تصحيف.
(7) ينظر : التبيان : 8|468 ، ومجمع البيان : 8|429.
(8) التحقيق في كلمات القرآن الكريم : 1|58 ـ 59.
(9) الغريبين للهروي : 1|40 ، ومجمع البيان : 8|429.
(10) التبيان : 10|213 ، ومجمع البيان : 10|410 ، والمسورة : التي يتكأ عليها ، كما في فقه اللغة وسر العربية ـ للثعالبي ـ : ص 249 .

(19)

« ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني ، وهو متكىء على أريكته ، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله » (11).
ثالثا : السرير ، بلحاظ الاريكة ؛ والاسرة ، والاسرة ، بلحاظ الارائك (12).
قال ذو الرمة :

خدود جفت في السير حتى كأنما * يباشرن بالمعزاء مس الأرائك (13)

وجفت ، أي : خَشُنَت وصَلُبَت.
والمعزاء : الارض الغليظة ، فيها حَصَى (14).
يقول : من شدة الحاجة إلى النوم ؛ يرون الارض الصلبة ذات الحجارة مثل الفرش على الارائك ـ وهي : السرر ـ ؛ ويروى : « خدودا » ، على أنه مفعول لفعل في البيت قبله (15).
رابعاً : مقعد منجد يجلس عليه ، ويكون محوطا بالستائر والزينة (16).
خامساً : الفرش في الحجال.
أو بتعبير : الفرش فوق الاسرة (17).
سادساً :
أ ـ سرير في حجلة.
أو بتعبير : السرير في الحجلة ؛ أو : الاسرة في الحجال ؛ أو : سرر في الحجال ؛ أو : السرير في الحجلة ؛ من دونه ستر ؛ ولا يسمى منفردا أريكة (18).
يقول ابن فارس : سمعت علي بن إبراهيم القطان ، يقول : سمعت ثعلبا ، يقول :
____________
(11) النهاية في غريب الحديث والاثر : م 1 ص 40 ؛ وينظر : معجم ألفاظ القرآن الكريم : م 1 ص 36.
(12) التبيان : 7|40.
(13) المصدر نفسه : 7|40 ، و 8|468 ، وينظر : ديوان ذي الرمة : ص 442 ، ومجازالقرآن : 1|401 ، وتفسير ـ الطبري : 15|148 ، ومجمع البيان : 6|466.
(14) التقفية في اللغة : ص 46.
(15) الجامع لاحكام القرآن : م 10 ح 19 ص137 (الهامش).
(16) معجم الالفاظ والاعلام القرآنية : ص 36.
(17) ينظر : التبيان : 7|40 ، ومجمع البيان : 10|410 ، والجامع لاحكام القرآن : م 5 ح 10 ص 398.
(18) ينظر : معجم مقاييس اللغة : 1|84 ، والغريبين : 1|40 ، والتبيان ، 7|40 ، و 10|213 ، والنهاية : 1|40 .

(20)

الاريكة لا تكون إلا سريرا منجدا في قبة ، عليه شواره ونجده (19).
ب ـ الحجال فيها الاسرة (20).
ج ـ وهذه التعابير ، في« أ » و « ب » ، كلها تؤول إلى مؤدى واحد ؛ تتحد فيه : في وسطه « في » ؛ ثم تتوزع بعد ذلك ، لتتبادل المراكز في طرفيه ، في مقوميه « السرير » و « الحجلة ».
وهذه المداعبة في الالفاظ ـ إن صح مثل هذا القول ـ ؛ ولعلها من قبيل كون الحركة والاتجاه :
تارة من السرير ـ وهو الداخل في ـ ، يمشي برجليه إلى الحجلة ـ وهي المدخول ـ فيها ـ وتارة من الحجلة ـ وهي المدخول فيها ـ تقبل بوجهها على السرير في مكانه ، ـ فتحتضنه ليدخل فيها.
بل ، لعله من حيث التقديم والتأخير ؛ من قبيل ما في التعبير القرآني ـ وما أروعه ـ :
«... متكئين على سُرٌر مصفوفة... » ؛ في سورة الطور ؛ آية : 20.
«... سررا عليها يتكئون... » ، في سورة الزخرف ؛ آية : 34.
نعم ، فبوركت من حجلة مسّراتٍ ، على اسم الله ، وباسمِ الله ، وفي حُبّ الله.
نعم ؛ وعندها يحلو القولُ : أريكة ويا لك من أريكة ، في شرعة التقى والنُهى.
د ـ وأما الحجلة ـ بالتحريك ـ ؛ فهي : « بيت كالقبة يستر بالثياب ، وتكون له أزرارُ كبار ؛ وتُجمَعُ على حِجال ».
وأما الاعشى ، فقد أنشد :

بين الرواق وجانب من سترها * منها وبين أريكــة الانضــاد

أي : السرير في الحجلة (21).
____________
(19) مجمل اللغة : 1|181 ، وينظر : الصاحبي في فقه اللغة : ص 98.
(20) مجمع البيان : 10|410.
(21) النهاية : 1|346 ؛ وفي ديوان الاعشى ، القصيدة 16 ، البيت الرابع.
إلا أنه ينبغي أن يعلم : أن المطبوع في كلا المصدرين : «.. من سيرها منها ».
وهو تصحيف ، قد تنبه له الدكتور يعقوب بكر ؛ حيث قال في كتابه « دراسات مقارنة في المعجم العربي » ص 19 :

(21)

والانضاد : جمع نضد : وهو ما يوضع عليه الثياب (22).
سابعاً :
أ ـ الحجال على السرر (23).
يقول ابن فارس : « الاريكة : الحجلة على السرير ، لا تكون إلا كذلك » (24).
ب ـ السُرُر عليها الحجال (25).
ج ـ وأغلب الظن : أن التوجيه هنا ، لما بين تعبيري « أ » و « ب » ، من تقديم وتأخير ؛ هو من قبيل ما ذكر ، في رقم « سادساً » السابق.
ولعله يراد به في« أ » : جلب الانتباه إلى الحجال ، لحكمة اقتضته مهمة الكاتب.
ولعله يراد به في « ب » : لفت النظر إلى السرر ، لغاية في نفس يعقوب ، كما يقولون.
د ـ وأما الطرفة بين تعبير : « السرر في الحجال » ؛ وتعبير « الحجال على السرر » فيما أحسب...
نعم ، فالامر فيما يبدو من قبيل : الفرق بين البناء العمودي ، والبناء الافقي ، من قبيل : الشقق في عمارة ، والبيوت متجاورة.
بلى ، هو من قبيل : داخل ومدخول فيه ، في خط افقي.
وفوق وتحت ، في خط عمودي.
____________
« الرواق : مقدم البيت. الانضاد : جمع نضد : وهو ما نضد من متاع : أي ما جعل بعضه فوق بعض. سترها : ـ ستر الحبيبة. فيها : في الخيمة.
وفي المطبوع : (من سيرها منها) ، وقد أصلحناه كما ترى ».
ينظر : التبيان : 7|40 ، وديوان الاعشيين ـ طبع بيانه ـ : ص 344 ، وتفسير الطبري : 15|148 ، ومجاز القرآن : 1|401.
(22) ينظر : فقه اللغة وسر العربية ـ طبع البابي الحلبي ـ : ب 23 ف 18 ص 250 ، والنهاية في غريب الحديث والاثر : 5|71 ، ومعجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 517.
(23) التبيان : 8|468.
(24) مجمل اللغة : 1|181.
(25) مجمع البيان : 8|429 .

(22)

هـ ـ ثم إن الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ قال : « الحجلة ؛ كالقبة على الاسرة » (26).
بينما الشيخ الثعالبي يقول : « ولا يقال : أريكة ؛ إلا إذا كان عليها حجلة ؛ وإلا ، فهي سرير » (27).
كما قال نفسه أيضا : « فصل في السرير... ؛ فإذا كان للعروس وعليه حجلة ، فهو أريكة » (28).

الحقل الخامس
في : هويةالكلمة
ـ 1 ـ
قيل : إن لفظ الارائك من كلام أهل اليمن ؛ حيث نقل عن الحسن البصري قوله : « كنا لا ندري ما الارائك ، حتى لقينا رجلا من أهل اليمن ، فأخبرنا : أن الاريكة عندهم : الحجلة فيها سرير » (29).

ـ 2 ـ
وذكر السيوطي : أن ابن الجوزي حكى في كتابه « فنون الافنان في علوم القرآن » : ان الارائك هي السرور بالحبشية.
ونقول : إنه ليس في حبشية شيء من ذلك (30).

ـ3ـ
وقال يعقوب بكر : ويزعم جفري : ص 53 : أن لفظ الارائك من أصل
____________
(26) التبيان : 10|302.
(27) فقه اللغة وسر العربية : ب 3 ق 1 ص 50.
(28) المصدر نفسه : ب 23 ف 18 ص 250.
(29) الصاحبي ـ طبعه الشويمي بيروت 1964 م ـ : ص 58.
(30) ينظر : الاتقان في علوم القرآن : 1|137.

(23)

إيراني « مفقود ».
ولكن ؛ « مادة أرك » ، التي اشتقت منها « أريكة » ، « عربية سامية » (31).

ـ 4 ـ
وأقول : هي عربية.
وذلك ، لوجود جذرها واشتقاقاتها ومصاديق خارجية لهيئاتها ومعانيها ، كما أسلفنا في ذكر البعض منها.
علما ؛ بأن قولنا هذا ، لا يتنافى وكونها مستعملة يمانية وحبشية ؛ وحتى فارسية ـ هذا على فرض صحة ما استدل به عليها ـ.
حيث أن هجرة اللغات وتزاوجها ، هو أمر واقع منذ القدم في التاريخ ، وحتى يومنا الحاضر.
كما أن له من واقعنا المعاصر ، أكثر من مثالٍ ومثالٍ ومثال.

ـ 5 ـ
هذا ، إذا لم نذهب مع من يقول : إن اللغة العربية منشأ اللغات الحية ، كل اللغات.
وأما على مقولة من يقول : إن إسماعيل وإسحاق ، رجلي اللغتين ـ والحديث هنا عنهما ـ العربية والفارسية ؛ هما ولدا الخليل (عليهم السلام) وإن خليل الله نبي عربي ؛ فالمسألة عندئذ بمثل هذا الرجوع التاريخي محلولة.

ـ 6 ـ
وبالمناسبة ، فإن في النفس شيء من مقولة البصري ـ إن صح النقل عنه ـ : « كنا لا ندري... ».
____________
(31) دراسات مقارنة في المعجم العربي : ص 19.

(24)

حيث أني أعتقد : أن الدراية في لغة القرآن ، ورواية كل ما يمت لها بصلة ؛ حصلت تامة شاملة ؛ في زمن الرسول نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم ، كونها غامت ، أو حصل لها ما يحجبها ، فتلك مسألة اخرى.
ولكن ، من جهة ثانية ، الامر جد بسيط وسهل ، إن هو بُحث عنه عند الاخذين بحجزة من لا ينطق عن الهوى ، وخاصة عند أئمّة العصمة (عليهم السلام).
وهم جميعا بلا شك موجودون ؛ والبصري ـ وأمثاله ـ لا يخفى عليه ذلك ، إن صدق ما نسب إليه.

الحقل السادس
في : توحيد الاصول
والبحث فيه بحث عن :
أ ـ مقولة ابن فارس
قال ابن فارس : « الهمزة والراء والكاف : أصلان ؛ عنهما يتفرع المسائل :
أحدهما : شجر
والاخر : الاقامة » (32).
وقال أيضا : « ... الاصل الثاني : الاقامة ؛ حدثني ابن البستي ، عن ابن مسبح ، عن أبي حنيفة ، قال :
جعل الكسائي : الابل الاراكية ؛ من الاروك ، وهو : الاقامة.
قال أبو حنيفة : وليس هذا مأخوذاً من لفظ الاراك ، ولا دالا على أنها مقيمة في الاراك خاصة ، بل ، هذا لكل شيء ، حتى في مُقام الرجل في بيته ؛ ( يقال : منه « أرك يأرك ويأرك اُروكا ؛ وقال كُثيّر في وصف الظُعنُ :

وفوق جمال الحي بيض كأنها * على الرقم أرآم الاثيل الاوارك

والدليل على صحة ما قاله أبوحنيفة ؛ تسميتهم السرير في الحجلة : أريكة » (33).
____________
(32) معجم مقاييس اللغة : م 1 ص 83.
(33) المصدر نفسه : م 1 ص 84 .

(25)

ب ـ مقولة الراغب الاصفهاني
قال الراغب : « وأصلُ الاُروك : الاقامة على رعي الأراك ؛ ثم تُجُوَزَ بهِ في غيره من الاقامات » (34).

ج ـ مقولة الدكتور يعقوب بكر
قال الدكتور : وتدل مادة « أرك » على معنى الطول ، في كثير من اللغات السامية ، ونلحظ هذا المعنى في هذا الجزء من مادة « أرك » كما أوردها صاحب اللسان : « أرك الرجل بالمكان يأرك ويأرك اروكا ، وأرك أركا ؛ كلاهما : أقام به.
وأرك الامر في عُنقُه : ألزمهُ إياه » ، فلعل معنى الطول لوحظ في الاريكة بالمعنى المذكور ، فهي مبسوطة ممدودة (35).
كما يعقب على تعليل الراغب الاصفهاني : «... أو لكونها مكانا للاقامة » ؛ يعقب بقوله : « والاقامة كما قلنا فيها معنى الطول » (36).

د ـ مع الدكتور وطول الاقامة
وأقول : إني وإن كنت أتفق والاستاذ الدكتور ، من حيث التأصيل إلى المعنى الواحد.
بيد أني أعتقد : أن المصير إلى « إقامة » ، هو أدلّ معنى وأكثر واقعيةً وأشدّ جاذبية وحيوية.
ناهيك عن ضرورة مراعاة المفهومية ، في الصيرورة إلى معنى الطول ؛ حيث هي تتّسع في أبعادها للطول وغيره ، كما سنرى.
بل ، وهذا البعد يُفهم كذلك من نفس نصّ الدكتور ؛ حيث يقول : « والاقامة كما قلنا فيها معنى الطول ».

هـ ـ مقولة المصطفوي
قال الاستاذ : « والذي يظهر من هذه الكلمات ، ومن موارد استعمال هذه المادة :
____________
(34) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 12.
(35) دراسات مقارنة في المعجم العربي : ص 19.
(36) المصدر نفسه .

(26)

أن الاصل الواحد فيها : هو الاقامة والسكون ؛ والاريكة ـ فعيلة ـ : ما يقام ويهيأ ؛ ـ كالفريضة : لما يُفرض من الحكم والصدقة ؛ والسكينة : لما يُسكَن من الوقار والطمأنينة ؛ والحديقة : لما يطاف ويحاط.
ومن هذا المعنى ؛ ما يقام ويهيأ ويزين للعروس ، حتى تقوم فيها ما كانت عروساً.
فهذا المعنى يشمل مجموع ما يهيأ بهذا المنظور ؛ من السرير والفرش والكرسي والبساط والستر ؛ ويُعَبّر عنها بالحَجَلة ؛ فتخصيصُ الاريكة بالسرير أو بالبساط أو الفراش أو غيرها ، غير وجيه.
ولا يبعد أن يكون الاراك : وهو الشجر الذي يُستاكُ بفروعه وأطيب ما رعته الماشية ، أيضا مأخوذاً من هذا المعنى.
فاللفظ في الاصل ؛ كان صفة على وزن جبان.
أو مصدرا ؛ ومعناه : المقيم الساكن ؛ باعتبار كون الشجرة خضراء ناعمة ، ـ كثيرة الورق والاغصان ؛ أو باعتبار إقامة الناس عندها لاتخاذ المساويك ، والماشية ـ للرعي ؛ فهو بمعنىالمفعول » (37).

و ـ كلمة تعقيب
وحيث أن الصياغة فارسية بعض الشيء ، في نص الاستاذ المصطفوي ؛ فلذا جاء كلامه مغلقا إلى حد ما ، ...
ذلك أن عبارة : « هو الاقامة والسكون » ؛ يبدو من الافصح أن تكون « الاقامة والسكنى ».
وعبارة : « حتى تقوم فيها » ؛ تبدل إلى : « حتى تقوم فيه ».
وعبارة : « بهذا المنظور » ؛ تبدل إلى : « بهذا المنظار ».
وعبارة : « غير وجيه » ، تبدل إلى : « ترجيح من غير مرجح ».
وعبارة « وأطيب ما رعته الماشية » ؛ إلى : « وهو أطيب ما رعته الماشية ».

***
____________
(37) التحقيق في كلمات القرآن الكريم : م 1 ص 59 ـ 60 .

(27)

الحقل الاخير
في : الرأي المختار

وأستعرضه من خلال ما يأتي :
ـ 1 ـ
ومن البداية ؛ حيث المبحوث عنه :
أصلان ؛ كما هو الحال عند ابن فارس ؛ والذي هو بحدود اطلاعي ـ : الرائد لفكرة تأصيل المفردات ، على مستوى معجمي :
وأصل واحد ؛ كما يستشف من كلام الدكتور يعقوب بكر ، وإن كان بمعنى الطول فيما يرى.
وأصل واحد ؛ كما هو الحال عند المصطفوي ، والذي هو ـ بحدود اطلاعي أيضا ـ أول من يوحد بين ذينك الاصلين ، المنقولين عن ابن فارس.
وحقيقة ومجاز ؛ كما يفهم من قول الراغب الاصفهاني ، باعتبار : أن الاقامة هي الاصل ، وما عداه تُجُوَّزَ به.
هكذا يبدو.

ـ 2 ـ
ويبدو لي : أن الوسط ؛ وهو الذي يذهب إلى كون الاصل واحدا ؛ هو الاضبط.
كما وأنه بتعبير آخر : يرادف الحقيقة.

ـ 3 ـ
نعم ، الحقيقة تكمن في البداية ، وهي الاصل.
نعم ، تبدأ من ـِـُ : أرك اروكا.... ، في معنى : الاقامة.
ثم صارت إلى المشتقات...
ثم تجسدت شعارا في الشجر الاراك ، تحمل حروف الفعل ، الشجر ذي


(28)

المواصفات المعينة : باعتباره عاملا مساعدا ومشجعا على السكنى والاستقرار ولو وقتيا.
وذلك ، نظرا لاهميته الخاصة ، في سكن الانسان ، وانتفاعه منه صحياً ومعيشياً ؛ وبالخصوص ، في وسطٍ صحراوي قاحل ، بساطُه الرمضاء ، وضلاله الشمس المحرقة ، ونسيمه السموم اللاهبة.
أجل ، تكون فيه مثل هذه الشجرة المسواك ، الوارفة الضلال نسبيا ، ما أعزه وأثمنه من مسكن يقام فيه ، طلبا للراحة ، ومأكلا للراحلة.
وهل يقوى البدوي في صحرائه على الاقامة ، في غير الاراك ، وفي أرائك الاراك ؟!

ـ 4 ـ
وهكذا انتقلت عدوى الاقامة ؛ من فعل الاراك ، إلى شجر الاراك ، إلى كل أريكة يستريح إليها الانسان ؛ كل حسب ظروفه المادية ، ومقوماته الحضارية ، وعاداته البلدية.
فأريكة الفقير غير أريكة متوسط الحال ، وهي عند متوسط الحال غيرها عند الثري.
ثم هي في الصحراء غيرها في الريف ، وفي الريف غيرها في المدينة ؛ بل ، هي المدن ذاتها تتفاوت في أرائكها.
ناهيك عن دور الذوق ، وبلهنية العيش ، ونفس ساكن الاريك في إقبال الدنيا عليه.... ، كل له مدخليته في التنويع ، والتزويق ، والتجميل.
فأريكة المحبوب غير أريكة السلطان.
وأريكة التقي غير أريكة الشيطان.
وأريكة الجائع غير أريكة الشبعان.
وأريكة الاراك غير أريكة الارضين « ما بين صنعاء إلى أيلة وما بين عدن إلى الجابية » (38) في تراث الاقدمين.
وأريكة الارضين غير أريكة جنان الخالدين ؛ فتلك لئن كانت مصنوعة ـ وربما
____________
(38) الجامع لاحكام القرآن : م 5 ح 10 ص 398
(29)

كان أصل سريرها من الاراك ـ من الخشب والفرش والثياب...
فإن هذه المعدة للمؤمنين المتقين ، معمولة من الذهب ؛ وهي مكللة بالدّر والياقوت...(39).

ـ 5 ـ
ليس هذا فقط ؛ مصاديق حسية ومعنوية ، على تنويع الارائك ، بعد استفادة معنى الاقامة منها.
وإنما الاقامة تستفاد من نفس الصيغة ؛ حيث أن صيغة فعيل ، هي واحدة من الصفات التي استعملتها العرب ، وأقرها القرآن الكريم ، وأنها تعني فيما تعني : الدلالة على ثبوت النسبة.
طبعا ، الاقامة المستفادة هنا هي : الاقامة المكانية.

ـ 6 ـ
وهكذا نعود إلى عالم المعاني.
فبلحاظ الوسادة والفرش والسرير ؛ فإطلاق الاريكة عليها ، من باب إطلاق الكل على الجزء.
وبلحاظ « السرير في الحجلة » فإن إطلاق الاريكة عليها ؛ إنما هو من حيث كون العلاقة بين « السرير » و « الحجلة » هي علاقة داخل ومدخول فيه.
وبلحاظ « الحجلة على السرير » ، فإن إطلاق الاريكة عليها ، إنما هو من حيث كون العلاقة بين « الحجلة » و « السرير » ، هي علاقة فوق وتحت.

ـ 7 ـ
ثم هي الاريكة ؛ إن هي نظر إليها ، بلحاظ فعل الاروك ، الذي استعمل في إرادة الاقامة حقيقة.
____________
(39) ينظر : المصدر السابق نفسه ، والتبيان : 10|302 .

(30)

فهي من قبيل المجاز « المحقق » ، إن جاز مثل هذا التعبير ؛ بمعنى : أنها صيرت حقيقة ، بعد ما كانت أساسا مجازا ، حيث هي أحد مصاديق طيب الاقامة.
وعليه ؛ فالفرق بين أريكة المجاز المحقق ، وفعل اروك الاقامة ؛ إنما هو من قبيل الفرق بين المفهوم والمصداق ، كما هو متعارف بين الاصوليين والمناطقة.
ليس هذا فقط ؛ وإنما وصل الحال عند من يعيش عيشة الارائك ، أن اضرب عنده عن ذلك المعنى المجازي ونسي ؛ بل ، تسنم مرتبة الحقيقي ؛ بينما ذلك الفعل الحقيقي ، تسافل مع الايام عن واقعه الاصلي ، ليعيش غريبا في ذمة التراث.

ـ 8 ـ
وأما المعنى المجازي ، في أرائك القرآن الكريم ، تلك التي اعدت للمتقين ، فهو الذي سيصار به إلى حقيقة الحقيقة.
وهذا هو بيت القصيد ؛ حيث يركز كتاب الله ، على ذلك الحلم ، الذي سيكون حقيقة ، فتكون الارائك حيالها :
أرائك ؛ نعم الثواب...
أرائك ؛ لم شمل الاحبة...
أرائك ؛ نظرة النعيم...
أرائك ؛ لاشمس ولا زمهرير...
أرائك ، استعراض التثويب...
بل ، تلك هي الارائك المطمح ؛ والتي تتصاغر عندها أرائك الملوك وأرباب الملوك وحفدة الملوك ، ومن تشبه بهم...
وتنكسف قبالها : كل الالوان المبهرجة ، والاضواء المزيفة ، كل ما يمت إلى هذه الحياة ـ أعني غير المشروعة ـ الدنيا بصلة.
فتستريح عندها الاوردة المذبوحة ظلما ، والقلوب المتعبة قسراً ، والكرامات المهدورة تجبّراً ، والاعصاب المرهقة عدواً.
وإنما هي ظلال ونسائم وأحاديث الحبيب.
وعندها يحلو وصل الحبيب ، حبيب الرحمن.


(31)

فتحقق كلمات السلام.
فكل الوجود يصفق لارائك السلام ويقول :

      يا سَلام !

للبحث صلة...