صلةقبل

من ذخائر التراث (10)

تخميس لامية العجم
في رثاء الحسين عليه السلام

أسد مولوي



توطئة
لامية العجم : إحدى مشهورات قصائد الحكمة في الشعر العربي.
ناظمها : الاستاذ مؤيد الدين أبوإسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الاصفهاني ، المعروف بالطغرائي ، نسبة إلى من يكتب الطغراء ، وهي الطرة التي تكتب في أعلى المناشير السلطانية فوق البسملة بالقلم الجلي ، تتضمن اسم الملك وألقابه .
كان الشاعر آية في الكتابة والشعر ، ولي وزارة الموصل لسلطانها مسعود بن محمد السلجوقي ، ثم اختلف السلطان وأخوه محمود ، فظفر محمود وقبض على رجال أخيه وفي جملتهم الطغرائي .
ولما كان الطغرائي مشهورا بالعلم والفضل خاف السلطان محمود عاقبة قتله ، فأوعز إلى من أشاع اتهامه بالالحاد والزندقة ، واتخذها حجة فقتله .
له ديوان شعر ، وأشهر قصائده لامية العجم هذه .
ولد سنة 453 هـ ، وقتل سنة 515 هـ .
وقد ترجم له ياقوت في « معجم الادباء » ترجمة مفصلة في ج 10 | 56 ـ 79 ، ونقل اللامية برمتها .
انظر في ترجمته :
« الاعلام » للزركلي ، الطبعة السادسة 2 | 246 ومصادره ، « معجم المؤلفين »


( 202 )

لعمر رضا كحالة 4 | 36 ومصادره .

الشاعر المخمس
عماد الدين أبو جعفر وأبو الفضل محمد بن علي بن محمد بن علوان بن علي بن حمدون بن علوان بن المرزبان بن طارق بن يزيد بن قيس بن جندب بن عمرو بن يحيى ابن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة ، الشيباني السورائي ، الفقيه الشاعر المقرىء .
هكذا عنونه ابن الفوطي في تلخيص مجمع الاداب ج 4 ق 2 ص 831 رقم 1218 وقال في ترجمته :
كان أديبا فاضلا وفقيها شاعرا ، حسن الشعر ، طيب الانشاد ، فصيح الايراد ، كريم الاخلاق والشيم ، ممتع المحاضرة والمذاكرة ، كثير المحفوظ ، حسن المحاورة ، كتبت عنه ، وكان ينعم ويشرفني إلى منزلي ، وكتب لي الاجازة نظما . . . وتوفي ثالث عشر رجب سنة 706 ودفن بمشهد علي .
وترجم له أيضا في نفس الجزء ص 837 برقم 1226 وكناه أبا عبد الله فقال :
عماد الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن علوان الشيباني الحلي الفقيه ـ المقرىء الاديب .
يعرف بـ ( ابن الرفاعي ) من أكابر العلماء وأفاضل الادباء والفقهاء ، كتبت شعره في ( أشعار أهل العصر ) ومما أنشدني وهو متوجه إلى زيارة أمير المؤمنين عليه السلام . . .
وأورد له ابن الشهرزوري الموصلي في مجموعته المخطوطة ـ في الورقة 114 وما بعدها ـ قصيدة غديرية في مدح أمير المؤمنين عليه السلام ، وعبر عنه بـ ( نصير الحق والدين ابن علوان ) .
كما أورد له في نفس المجموعة ـ في الورقة 146 ـ قصيدة في رثاء الحسين عليه السلام صاغها تخميسا للامية العجم المعروفة .
ووصفه بـ ( ابن علوان الرفاعي الربعي البغدادي ) .
هذا ما استفدناه من المجموعةالمخطوطة التي جمعها العلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي في تراجم المنسيين والمغمورين من السابقين ، وهي مجموعة ضخمة قوامها


( 203 )

أضابير عديدة ، وفقه الله لتبييضها وطبعها فإن فيها فائدة للباحثين كبيرة .
وقد تفضل مشكورا بإعارتنا مصورته من مجموعة ابن الشهرزوري التي ننقل عنها هذا التخميس .

كيفية التصحيح
النسخة التي عندنا تختلف في بعض الالفاظ مع رواية ياقوت للامية العجم ، وقد صححنا قسما منها على رواية ياقوت بعد أن وضعنا الكلمة الصحيحة بين عضادتين وأشرنا إلى ذلك في الهامش . وكذلك فعلنا في الالفاظ التي استظهرنا خطأها وصححناها . وتركنا ما له وجه من الصحة على حاله .


( 204 )

قال الشيخ الامام العالم الاديب الفاضل عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن علوان الرفاعي الربعي البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ يرثي مولانا وسيدنا الامام السبط الشهيد أبا عبدالله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، مما وشح به لامية الطغرائي رحمه الله :

لولا إبـائي بنفسي عــن ذوي البخـــل * وصون مدحـي عــن الانــذال والسفـل
ما كنـت انشـد والافـاق تشهــد لــي * ( أصالـة الرأي صانتنــي عن الخطــل
وحيلية الفضل زانتني لدى العطل ) 1

صبـرا فليس لمــا قــد فـات مرتجــع * فالصبــر ينفـع إذ لا ينفـــع الجـزع
والدهـر يخفــض أقوامــا وإن رفعــوا * ( مجدي أخيرا ومجــدي أولا شـــرع
والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل ) 2

لواعـج الشوق تطوينـــي وتنشــرني * إلى بـلادي [ و] من خلفـــت في وطنــي
وا طول شوقي ! وواجدي ! وواحـزني ! * ( فيـم الاقامــة بالــزوراء ، لاسكنـــي
بها ، ولا ناقتي فيها ولا جملي ؟ ) 3

مثل الحسين بـأرض الطف حيـن غـــدا * لهفي عليـه ، وحيـدا بين جمع عـــدا
لا يـرقـبـون لديــه ذمـــة أبـــدا * ( ناء على الاهل صفرا الكف منفرد [ ا ]
كالسيف عري متناه عن الخلل ) 4

____________
( 2 ) شرع : سواء .
رأد الضحى : ارتفاعه .
الطفل : قرب الغروب .
( 3 ) الواوبين المعقوفتين يقتضيها السياق
الزوراء : بغداد
( 4) في المخطوط ( منفرد ) والالف تقتضيها القافية .

( 205 )

يشكو إلى الله ما يلقـى مـن المحـن * ويحتمي بظبـا الهنــدي واللــدن
يقول : هل ناصـر لله ينصرنــي ؟ * ( فلا صديق إليه مشتكـى حزنــي
ولا أنيس لديه منتهى جذلي ) 5

ماذا أردتم ـ لعنتم ـ من مكاتبـتـي * أبعدتموتي عن جـدي ومنزلتـــي
برحلة قتلــت أهلـي وقاطبـتــي * ( طال اغترابي حتى حـن راحلتـي
ورحلها وقرا العسالة الذبل ) 6

كم قد سفكتم لابناء النبي دمــا * وكم أبحتـم له في كربـلاء حرمـــا
قتلتمونا على بعد وعظم ظمــا * ( وضج من لغب نضوي ، وعج لمــا
يلقي ركابي ، ولج الركب في عذلي ) 7

أما نَهى عن بني الزهراء نور نهى * بقتلهم قد ملأتــم قلبهــا ولهــا
أتيت أطلب حقا ليــس مشتبهــا * ( اريد بسطة كفٍ أستعيــن بهــا
على قضاء حقوق للعلا قبلي ) 8

____________
الخلل : جمع خلة ، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره .
( 5 ) الظبا : جمع ظبة ، والظبة : حد السيف أو السنان ونحوه .
اللدن : الرمح ، سمي به للين عوده واهتزازه .
الجذل : الفرح ، وفي المخطوط ( جدلي ) بالدال المهملة ، وهو تصحيف صحته في معجم الادباء .
( 6 ) القرا : الظهر .
العسالة الذبل : صفتان للرماح مأخوذتان من اهتزازها ودقتها .
( 7 ) الحرم : جمع حرمة ، وهي ما لا يحل انتهاكه .
اللغب : أشد التعب ، والاعياء .
النضو : المهزول من الابل وغيرها .
( 8 ) النهى : جمع نهية ، وهي العقول لانها تنهى عن القبيح .
الوله : شدة الحزن .

( 206 )

خرجـت للامر بالمعـروف مـن وطني * والنهـي عــن منكـر والله يأمرنــي
فجاء يخذلنـي من كـان ينصـرنــي * ( والدهر يعـكـس آمالــي ويقنعنــي
من الغنيمة بعد الكد بالقفل ) 9

إن تظلموني فجـدي خاتــم الرســـل * غريمـكـم وأمير المؤمنيــن علــي
ولي تأس ببحيى وهـو خيـر [ ولــي ] * ( وذي شطـاط كعقـد الرمح معتقــل
لمثله غير هياب ولا وكل ) 10

شقيقي الحسـن المسمــوم من فرجـت * لفقـده الارض والافلاك وانزعجـــت
والنفس بعد أخي ـ العباس ـ ما ابتهجت * ( حلو الفكاهـة مر الجـد قد مزجــت
بقسوة البأس منه رقة الغزل ) 11

فجعتم المصطفى الهــادي بعترتــه * قتلـى وأســرى لكـم ، يا شر اُمّتــهِ
وابني علي فلو لا عظـم مرضتِــهِ * ( طردت سرح الكــرى عن ورد مقلتـه
و [ الليل ] يغري سوام النوم بالمقل ) 12

____________
( 9 ) القفل : الرجوع .
( 10 ) في المخطوط ( نبي ) والقافية تأباها ، وما أثبتناه ملائم للقافية .
الشطاط : اعتدال القامة .
اعتقل رمحه : إذا وضعه بين ساقه وركابه .
رجل وكل : عاجز يكل أمره إلى غيره .
( 12 ) في المخطوط ( النوم ) وما أثبتناه من معجم الادباء.
سرح الكرى وسوام النوم : تشبيه للكرى والنوم بالابل السائمة التي تنتشر في مرعاها .

( 207 )

غادرتم الله والمختـار فـي غضــب * والانبيـاء وأهل الحــق في حـــرب
أتقتلونا بـلا ذنــب ولا سبــب ! ؟ * ( والركب ميل على الاكـوار من طـرب
صاح وآخر من خمر الهوى ثمل ) 13

أدعو الشقي ابن سعد كي يساعدنــي * وقد جرى الــدم من رأسي ومن بدنــي
دعوت نــذلا لئيمـا لا يجاوبنــي * ( فقلت : أدعــوك للجُلّـى لتنصرنــي
وأنت تخذلني في الحادث الجلل ) 14

جيوشكم بـإله العـــرش كافــرة * دنيــا طلبتــم ففاتتـــكم وآخـرة
لتَنـدمَــنَّ إذا ضمتــك ساهــرة * ( تنام عني وعيــن النجـم ساهــرة
وتستحيل وصبغ الليل لم يحل ) 15

فقال كـــل امرىءٍ منهم لصاحبـه * هذا الحسيـن أتانــا في أقــاربــه
وعزمنا الفتك فيــه مــع حبائبـه * ( فهل تعيــن على غي هممت بــه
والغيُّ يصرف أحيانا عن الفشل ) 16

____________
(13) الحرب : أشد الغضب .
ميل : جمع أميل ، وهو الذي لا يستوي على السرج .
( 14 ) ابن سعد ، هو عمر بن سعد بن أبي وقاص ، ولي إمرة معسكر الخارجين إلى قتال الامام الحسين ( عليه السلام ) طمعا في ولاية الري ( طهران الحالية ) ، وتحمل عظم الذنب ولم يف له طواغيته بإمرة الري ، وهلك مغضوبا عليه على يد المختار الثقفي رحمه الله .
( 15 ) في المخطوط ( عني ) وفي معجم الادباء ( عيني ) وكل منهما في سياقه مقبول .
حال اللون : تغير .
( 16 ) في المخطوط ( شيء ) وفي معجم الادباء ( غيّ ) .

( 208 )

فجردوا كل عضب صـارم خــذم * وأقبلوا نحو خير العـرب والعجــم
ماذا تريد ؟ فقال السبط ذو الكـرم : * ( إني اريـد طروق الجزع من إضم
وقد حمته حماة الحي من ثعل ) 17

قلتم لنا : الديـن أضحى من جوانبـه * قـد هد ، والكفر في أعلى مراتبـه
وجئتم بابــن سعـد في كتائـبــه * ( يحمون بالبيض والسمر للدان بـه
سود الغدائر حمر الحلي والحلل ) 18

أجبتكـم برســول الله مقتديـــا * والعدل والفضل والمعـروف مرتديا
وقلت للصحب : عاد الدين مبتديـا * ( فسر بنا في ظلام الليـل مهتديـا
فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل ) 19

فجاءت الخيــل منكم وهي راكضـة * والعهد والدين والايمــان ناقضـة
وفي دمـا خير خلــق الله خائضـة * ( فالحب حيث الردى والاسد رابضة
حول الكناس لها غاب من الاسل ) 20

____________
( 17 ) سيف خذم : سيف قاطع .
الجزع : منتهى الوادي أو جانبه أو منعطفه .
إضم : واد دون اليمامة .
ثعل : أبوحي من طيء ، معروفون بجودة رمي السهام .
( 20 ) الحب ـ بالكسر ـ : المحبوب .
الكناس : مأوى الظباء .
الاسل : الرماح .

( 209 )

لبس ما شاهدت عينـي وما لقيـت * منكـم ومن بعـدكم يا ليت لا بقيت
يا قوم جدوا فإن النفس قد شقيـت * ( نَؤُم ناشئة بالجــزع قد سقيـت
نصالها بمياه الغنج والكحل ) 21

جنات عدن كساها الله ثـوب بهـا * عدونـا لجحيـم والولــي بهــا
بهـا توله أرباب الصفـا ولهــا * ( قد زاد طيـبَ أحاديثِ الكرامِ بها
ما بالكرائم من جبن ومن بخل ) 22

عوجوا عليها ولا تلووا على أحـد * فالعيـش في نغـص والدهـــر
في نكد ولا تميلوا على حي ولا بلد * ( تبيت نار الهوى منهن في كبــد
حرى ونار القرى منهم على القلل ) 23

أمر الغــرام مطـاع في تقلبهـا * فلا يفيـد نهى عن حب تلك بهـا
بها اسود شرى غلـب وفتك مها * ( يقتلن أنضـاء حب لاحراك بها
وينحرون كرام الخيل والابل ) 24

____________
( 21 ) الغنج : بضم الغين : الحسن ، وبفتحها : الدلال .
الكحل : سواد رموش العين من غير اكتحال .
( 22 ) بَها : بَهاء مقصورة .
الوَلَه : ذهاب العقل .
وقوله : « ما بالكرائم من جبن ومن بخل » إشارة إلى كلمة لامير المؤمنين عليه السلام وهي : « محاسنهن مساوىء الرجل : الزهو ، والبخل ، والجبن » .
( 23 ) قوله : « ونار القرى منهم على القلل » ، كناية عن كرمهم ، فقد كان من عاداتهم إيقاد نيران على قلل الجبال ليهتدي بها الضيفان إلى بيوتهم .
( 24 ) في الشطر الثاني من التخميس وردت عبارة ( تلك بها ) وهي واضحة في المخطوطات ، ولعل صحتها ( ذات بها ) أي ذات بهاء .
مَها : جمع مهاة ، وهي البقرة الوحشية .
أنضاء : جمع نضو ، وهو الحسير التعبان .

( 210 )

نأيت عنهـم وقلبي في ربوعهــم * مقيـد مغــرم صــب بحبهــم
وما لدائــي دواء غيـر وصلهم * ( يشفى لديغ العـوالي في بيوتهــم
بنهلة من غدير الخمر والعسل ) 25

ترقبــوا دولــة المهـدي دانية * تجلو قلوبا لاهل الحــق صاديـة
لا تأيســوا هذه الايـات بـاديـة * ( لعل إلمامـة بالجـزع ثــانيـة
يدب منها نسيم البرء في عللي ) 26

إني إذا بدت الايات ، وارتفعـت * أنوارهـا تمـلأُ الافــاق إذ لمعـت
وأدبرت دولة الكفـار وانقشعـت * ( لا أكره الطعنة النجـلاء قد شفعـت
برشقة من نبال الاعين النجل ) 27

وآخذ الثأر من ضـد يعاندنــي * في حب آل الحسيـن الطهر والحسن
وأصطلي الحرب بالهندي واللدن * ( ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني
باللمح من صفحات البيض في الكلل ) 28

ولا أحول إذا ما حال بي زمنـي * لكن أصول ولو ادرجـت في كفني
ولا ابقي على اسـد تنــازلنـي * ( ولا اُخلُّ بغـزلان تغــازلـنـي
ولو دهتني اسود الغيل بالغيل ) 29

____________
( 25 ) العوالي : الرماح .
( 26 ) أيس لغة في يئس .
( 28 ) صفحات البيض : خدودهن .
الكلل : جمع الكلة ، وهي الستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق .
( 29 ) لا أحول : لا أتغير .
الغيل : الاجمة وموضع الاسود .
الغيل : جمع الغيلة ، وهي الإغتيال .

( 211 )

أتقتلــون حسينــا مـع مناقبـه ! * واحســرتاه مذودا عـن مشـاربــه
لهفي له حين يدعـو مع مصاحبــه * ( حب السلامــة يثنـي عزم صاحبه
عن المعالي ويغري المرء بالكسل ) 30

صبـرا ولا تنكلوا جبنا ولا فرقــا * ضــربا يقد الظبا والبيض والدرقـا
فكيـف أطلب في دار الفناء بقــا * ( وإن جنحت إليهــا فاتخـذ نفقــا
في الارض أو سلما في الجو واعتزل ) 31

سابق إلى قصبات السبق واسم علا * فالطعن في أعين والضرب فوق طلى
وإن عدلت بنفس في البلى ببــلا * ( ودع سبيــل العلا للمقدميـن على
ركوبها واقتنع منهن بالبلل ) 32

تهوى العلا وسبيـل المجد تبغضه * كمبتـن لبنــاء وهــو ينقضــه
لا ترض بالدون من دنياك تقبضه * ( يرضى الذليل بخفض العيش يحفظه
والعز عند رسيم الاينق الذلل ) 33

لا تترك النفس في الأهـواءِ غافلة * وخذ لدينــك من دنيـاك نافلــة
وحثحث العيـس نحو العز قافلـة * ( وادرأْ بها في نحـور البيد جافلـة
معارضاتٍ مثاني اللجم بالجدل ) 34

____________
(31 ) الفرق : الخوف .
الظُّبا والبيض : السيوف .
الدرق : جمع الدرقة ، وهي ما يستتر به المحارب من ضربات قرنه .
( 32 ) الطلى : الاعناق .
( 33 ) الرسيم : ضرب من سير الابل .
( 34 ) جافلة : مسرعة .
الجُدُل : جمع الجديل وهو الزمام .

( 212 )

واعلم بأن ذرى العليـاء رائقــة * بحبهــا أنفـس العشــاق وامقــة
ولا تعقـك عن الادلاج عائقــة * ( إن العلا حدثتني ـ وهي صادقــة
فيما تحدث ـ أن العِزَّ في النقل ) 35

فخذ لنفسك عن دار الفنــا وطنا * فكيف تظفر في دار الفنــا بهنــا
ولا تقل مسكنا فارقت أو سكنــا * ( لو كان في شرف المأوى بلوغ منى
لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل ) 36

فالحظ والفضل في دنياك ما جمعـا * لواحد من جميـع العالميـن معــا
ولو أجابا جوابا أو لـو انخذعــا * ( أهبت بالحـظ لو ناديت مستمعـا
والحظ عني بالجهال في شغل ) 37

أنا الحسين بجدي الطهــر فقتهـم * والعدل والصدق والمعروف خزتهـم
والدهر حرب لامثالـي وسلمهــم * ( لعلـه إن بدا فضلــي ونقصهـم
لعينه نام عنهم أو تنبه لي ) 38

كواهلي بعد خفَّ الحمــل مثقلـة * وحالتي عند أهل الجهــل مهملـة
فإن تولت حياتي وهــي مرقلـة * ( لم أرض بالعيش والايام مقبلــة
فكيف أرضى وقد ولَّت على عجل ) 39

صفت موارد شتى كنت أشربهــا * عزا ، ولست بذل النفس أقربهــا
رجــاء نعمة ربي منه أطلبهــا * ( اعلل النفس بالامـال أرقبهــا
ما أضيق العيش لولا فسحة الامل ) 40

____________
( 36 ) الحمل : برج من بروج السماء ، وهو أول البروج .
( 39 ) الخف بالكسر ـ : الخفيف .
مرقلة : مسرعة .

( 213 )

أبي علــي ونفسي جــل شيمتهــا * كل المحامد من أبعــاض قيمتهــا
أضحت ترى القتــل من أسنى مراتبها * ( غالى بنفسي عرفانــي بقيمتهــا
فصنتها عن رخيص القدر مبتذل ) 41

فــلا اطيـع يزيـدا فـي تكبــره * إذ ســاء في ورده قدمـا ومصـدره
أنا ابن من ليس في الدنيا كمفخــره * ( وعادة النصل أن يزهى بجوهــره
وليس يعمل إلا في يد البطل ) 42

خلافة الله إرثــي من أخي الحسن * عن والدي ثم جدي ، أنتـم بمــن ؟
يزيد يحكم في مالــي وفي بدني ! * ( ما كنت اوثر أن يمتد بي زمنــي
حتى أرى دولة الاوباش والسفل ) 43

لا خير في العيش مع قـوم عقولهـم * كدينهم في البرايا نـاقـص وهــم
أنا ابن من عَمَّ خلــق الله فضلهـم * ( تقدمتني رجال كـان شوطهــم
وراء خطوي إذ أمشي على مهل ) 44

عن نصرنا إذ دخلنا مصرهم خرجوا * فليس لي في حياتــي معهم فرج
فإن أمت منهم غبنا فـلا حــرج * ( هذا جزاء امرىءٍ إخوانه درجوا
من قبله وتمنى فسحة الاجل ) 45

نفوســنا بالظبـا والسمر تستلب * نساؤنا كسبايــا الـروم تنتهــب
فابكوا علينا دماً يـا قوم وانتحبوا * ( وإن علاني من دوني فلا عجـب
لي اسوة بانحطاط الشمس عن زحل ) 46

____________
( 45 ) في المخطوط : ( رحلوا ) ، و ( درجوا ) في معجم الادباء وهي المناسبة لقافية المخمس .
( 46 ) زحل : أحد النجوم البعيدة .

( 214 )

فإن نصر في البرايــا عبرة العبر * كما بدا سيعــود الديــن فاعتبــر
بنــا ومنا وفينا سيــد البشــر * ( فاصبر لها غير محتال ولا ضجــر
في حادث الدهر ما يغني عن الحيل ) 47

وليس في أمرنـا شـيء بمشتبــه * فيمــا مضى والذي لـم يأت فانتبـه
ولا تصاحب رفيقا إن وَلِعـْتَ بــه * ( أعدى عدوك أدنى من وثقــت بـه
فحاذر الناس واصحبهم على دخل ) 48

كتــب مطولة جــاءت وموجزة * أن سر إلينا فــإن الارض محــرزة
وحسن الظــن فالايــام منجـزة * ( وحســن ظنك بــالايام معجـزة
فظن شرا وكن منها على وجل ) 49

وثق بــرب به لانت جلامـدهــا * للعارفيــن وقد هانـت شدائدهــا
تَنَلْكَ في جنة المــأوى فوائـدهــا * ( فإنما رجـل الدنيــا وواحدهــا
من لا يعول في الدنيا على رجل ) 50

فجئـت إذ شـدت الكفار وابتهجـت * إلى قتالي وباب الغـدر قـد ولجـت
فقلت : أيمانكم ما بالهـا فلجــت ؟ * ( غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت
مسافة الخلف بين القول والعمل ) 51

____________
( 48 ) الدخل : الارتياب والحذر .
( 49 ) المعجزة : العجز والتقصير .

( 215 )

أجابني الحر : إن القوم ربهـم * عليهـم ساخــط إذ جـل ذنبهم
بدا لهم بغضكم والضد حبهــم * ( وشان صدقك عند الناس كذبهم
وهل يطابق معوج بمعتدل ) 52

فاقتل لمن يتعدى من طغاتهــم * ولا تبق بحال من بغـاتـهــم
فلست ترجو سرورا من سراتهم * ( إن كان ينجع شيء في ثباتهم
على العهود فسبق السيف للعذل ) 53

قل لابن سعد : لحاك الله يا عمر * قتلت قوما بهم جبريــل يفتخر
حصلـت في شر نار كلها شرر * ( يا واردا سؤرَ عيش كله كـدر
أنفقت عمرك في أيامك الاول ) 54

أتسخط الله والمختـار تغضبـه * بقتـل أبنائـه طـرا تحاربــه
والآلُ والمالُ تسبيــه وتنهبه * ( فيم اعتراضك لج البحر تركبه
وأنت يكفيك منه مصة الوشل ) 55

غادرت سبط رسول الله منجـدلا * طلبـت ملكا كساك الله ثوب بلا
ولو قنعت لزاد الله فيك عــلا * ( ملك القناعة لا يخشى عليه ولا
يحتاج فيه إلى الانصار والخول ) 56

____________
( 52 ) الحر ، هو ابن يزيد الرياحي ، من الذين أدركتهم العناية الالهية ، فترك معسكر الكفر إلى معسكر الامام الحسين ( عليه السلام ) فكان من الشهداء بين يدي أبي عبدالله ( عليه السلام ) .
( 55 ) الوشل : الماء القليل الباقي في الاناء أو الحوض .
( 56 ) البلا : هو البلاء مقصورا .
في المخطوط : ( تلك القناعة ) وما أثبتناه من معجم الادباء .

( 216 )

ويل لمن حارب ابن المصطفى ولهــا * عن نصــره وتعدى أمـره ولهــا
يــا بائـع الدين بالدنيــا وأخذ لهـا * ( ترجو البقاء بــدار لا بقاء لهــا
فهل سمعت بظل غير منتقل ) 57

كن مسلما صان عهد المصطفـى ورعى * في آله وبنيـه وادخــر ورعــا
ولب عبد بنـي الديـان حيـن دعــا * ( ويـا خبيرا على الاسرار مطلعـا
اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل ) 58

أدم مفصــل حمد ثــم مجمـلـه * لمــن لخلقـك بالايمـان حمـلــه
ثم الصلاة لمن بالحــق أرسـلــه * ( قد رشحــوك لامر إن فطنت لـه
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ) 59

____________
( 57 ) اللها : جمع لهوة وهي العطية .
( 58 ) أشار الشاعر بقوله : « عبد بني الديان » إلى نفسه ، حيث عد نفسه عبدا للعترة الطاهرة ، الذين هم بنو الديان ، ويعني بالديان الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاء بالدين الحق .
( 59 ) الهمل : الابل المهملة التي ترعى بلا راع .