السيد محمد علي الطباطبائي المراغي
السيد محمد جواد بن محمد الملقب بالطاهر بن حيدر بن إبراهيم بن أحمد بن قاسم الحسيني العاملي.
يتصل نسبه الشريف بالحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
ولد في قرية شقراء ـ من قرى جبل عامل ـ حدود سنة 1164هـ ، وتوفي في النجف الاشرف سنة 1226هـ : ودفن في الحجرة الثالثة من حجر الصحن الشريف ، في الصف القبلي المقابل لوجه أمير المؤمنين
عليه السلام ، بين بابي الفرج والقبلة.
كان عالما فقيها ، اصوليا محققا ، ماهرا في الفقه والرجال وغيرهما ، نشأفي قرية شقراء وقرأ بعض مقدمات العلوم هناك ، ثم هاجر إلى العراق وورد كربلاء وحضر على السيد علي الطباطبائي ـ صاحب « رياض
المسائل » ـ ثم حضر على المولى محمد باقر بن محمد أكمل ـ الوحيد البهبهاني ـ ولازم بحثهما مدة حتى اجيز من قبل الوحيد البهبهاني.
ثم خرج إلى النجف الاشرف وحضر على السيد محمد مهدي بحر العلوم والشيخ الاكبر جعفر كاشف الغطاء والشيخ حسين نجف ملازما أبحاثهم زمنا طويلا.
كتب له المحقق الميرزا أبوالقاسم القمي ـ صاحب « القوانين المحكمة في الاصول » ـ إجازة من قم بتاريخ جمادى الاولى سنة 1206هـ.
واستقل بالتدريس بعد سفر الشيخ جعفر كاشف الغطاء إلى إيران ، وتخرج عليه جماعة من الاعلام الاجلاء والفقهاء الكبار ، منهم : الشيخ محمد حسن ـ صاحب « جواهر الكلام » ـ ، والشيخ محسن الاعسم... وغيرهما.
له مؤلفات كثيرة في الفقه والاصول تجاوزت العشرين كتابا ورسالة وحاشية أشهرها « مفتاح الكرمة في شرح قواعد العلامة » وهو من خيرة أسفار المتأخرين ، جمع فيه أكثر أبواب الفقه باسلوب جيد في عشرة
مجلدات من القطع الكبير (1).
وقد اعتمدنا في تحقيق هذه الرسالة على مخطوطة كتاب « مفتاح الكرامة » وهي من مخطوطات مكتبة السيد علي أصغر فحول القزويني (2) ، في قزوين ، والرسالة هذه ملحقة في آخر الجزء الثاني من الكتاب المتضمن أحكام الشركة وحتى أحكام الوصية دون أحكام الحج ، إذ أن المؤلف قدس سره كان قد أسقط ـ فيما أسقط ـ كتاب الحج من شرحه لكتاب القواعد ، فظفر ناسخ الكتاب ـ الشيخ محمد هاشم بن محمد قاسم الافشاري ـ بهذه الرسالة المتعلقة ببعض أحكام الحج فألحقها باخر ما نسخه من الكتاب ـ مفتاح الكرامة ـ تتميما للفائدة ، وقد وقع الفراغ من نسخها يوم الخميس 2 ذي الحجة الحرام سنة 1271هـ.
والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
قد طفحت عبارات الاصحاب ـ رحمهم الله تعالى ـ من المقنعة وإلى الرياض (1) بأنه يجوز للمتمتع مع ضيق الوقت عن إتمام العمرة العدول إلى الافراد.
وقد اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا الحكم.
فبعضهم قد أتى بلفظ عام عموما لغويا بحيث يشمل النائب ، والناذر والقاضي ما أفسد (2).
1 ـ الشيخ المفيد ، المتوفي سنة 413 هـ ، في المقنعة.
2 ـ السيد الشريف المرتضى ، المتوفى سنة 436هـ ، في الانتصار.
3 ـ شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي ، المتوفى سنة 460هـ ، في المبسوط والنهاية والخلاف والتهذيب.
4 ـ سلار الديلمي ، المتوفى سنة 463هـ ، في المراسم.
5 ـ ابن حمزة في طبقة تلميذ الشيخ أو تلميذ ولد الشيخ ، في الوسيلة.
6 ـ ابن زهرة ، المتوفى سنة 558هـ ، في الغنية.
7 ـ ابن إدريس ، المتوفى سنة 578 أو 598 (على اختلاف في الروضات وغيره) ، في السرائر.
8 ـ المحقق الاول (الحلي) ، المتوفى سنة 676هـ ، في الشرائع والمختصر النافع.
9 ـ ابن سعيد الحلي ، المتوفى سنة 690هـ ، في الجامع للشرائع.
10 ـ العلامة الحلي ، المتوفى سنة 726هـ ، في التحرير والتذكرة والقواعد ومنتهى المطلب.
11 ـ فخر المحققين (ولد العلامة) ، المتوفى سنة 771هـ ، في شرح الارشاد.
12 ـ الشهيد الاول ، المتوفى سنة 786هـ ، في الدروس.
13 ـ المحقق الثاني (الكركي) ، المتوفى سنة 940هـ ، في جامع المقاصد.
14 ـ الشهيد الثاني ، المتوفى سنة 966هـ ، في الروضة ومسالك الافهام.
15 ـ المحقق الاردبيلي ، المتوفى سنة 993هـ ، في مجمع الفائدة والبرهان.
16 ـ السيد محمد الطباطبائي ، المتوفى سنة 1009هـ ، في المدارك.
17 ـ الفيض الكاشاني ، المتوفى سنة 1091هـ ، في الوافي.
18 ـ السيد علي الطباطبائي ، المتوفى سنة 1231هـ ، في الرياض.
وبعضهم أتى بإطلاق يتناول النائب (3).
وبعضهم صرح بذلك (4).
وقد عقد في « الوافي » لذلك بابين ، سرد في أحدهما أخبارا ، هذه متون بعضها : « المتمتع إذا قدم يوم عرفة ، فليس له متعة ، يجعلها مفردة » (5).
وسرد في الاخر أخبار المرأة المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة (6).
وأخبار البابين تتناول النائب.
والمستفاد من أخبار باب النائب (7) ، وفتاوى الاصحاب (8) في ذلك ، أنه : متى جازت النيابة ، وتوفرت شروط النائب ، جاءت أحكام الاصيل.
فلما وصل ذلك إلى سيدنا واستاذا ، صاحب الرياض ـ أيده الله تعالى عزوجل فيما كتب ـ قال :
إنه سئل عن هذه المسألة ، فأمسك عن جواب السائل ، لان هذه الاطلاقات ، والعمومات ـ نصا وفتوى ـ مختصة بالجواز الذي [ هو ] (9) حكم تكليفي ، دون الاجزاء ، الذي سئل عنه ، إذ هوحكم وضعي ، ولا تلازم بينهما ، ولا تنافر كليا ، وإنما بينهما تباين جزئي ، وأحد المتباينين جزئيا لا يستلزم الاخر ، وحيث وقع [ فهو] (10) ـ لدليل معد خارجي ، من إجماع أو غيره ، وهما على تقدير تسليمهما ـ كما هو الظاهر ـ فإنما بالنسبة إلى الاصيل ، إنتهى (11).
وقد نظرت الاخبار ، وكلمات الاصحاب ، من جهة الاجزاء ، فرأيت بعض
وكلمات جميع القدماء ، إلى المنتهى والتحرير ـ إلا ما قل ـ قد صرحت أيضا بالاجزاء ـ كما ستسمع ذلك كله منقولا برمته ـ ، فيكون ذلك في الاخبار قرينة على إرادة الاجزاء من الجواز ، جزءا من تلك العمومات والاطلاقات ، بل نحن مع الظفر بهذه في غنية عن تلك.
وقد تجوز الاستاذ في قوله إن بينهما تباينا جزئيا ، لان بينهما عموما وخصوصا مطلقا ، إذ كل مجز في العبادات جائز ، لانه يكون مأمورا به ، والتباين الجزئي لا يكون إلا في موضعين ، في ضمن التباين الكلي ، وفي ضمن العموم والخصوص من وجه.
نعم ، لو كان قطع المقدمة على وجه محرم ـ لو كان عبادة ـ كان بينهما عموم من وجه ، والامر في ذلك سهل.
قال الاستاذ : مفاد العمومات ـ نصا وفتوى ـ هو جواز العدول. وهو مما لا شبهة فيه ، ولا ريب يعتريه ، في الاصيل وفرعه وغيرهما ، لتأيدها ـ زيادة على الاجماع ، فتوى ورواية ـ بالاعتبار ، إذ لولا الرخصة بذلك ، لكان اللازم على المضطر الصبر إلى العام المقبل ، حتى يتم ما هو فرضه لعدم وقوعه إلا في أشهره ، والفرض فوتها ، والامر بذلك فيه عسر ومشقة ، قلما يتحمله أحد ، والاحلال (13) بعمرة موقوف على ورود الرخصة ، ولم يزد بلا شبهة.
فإذا لا إشكال لنا ولا لاحد في جواز العدول ، دفعا للعسر والحرج اللازمين ـ على تقدير عدمه ، لكل حاج متمتع ، أصيلا كان أو نائبا أو غيرهما.
إنما الاشكال في إجزائه عن ذمة الميت ، عن حج التمتع ، وإجزائه عن النائب ، في العمل المستأجر عليه ، إذ هو التمتع ، والافراد غيره.
قلت : قد أخذ الاستاذ ـ أولا ـ العسر والمشقة ، مؤيدين للاجماع والاخبار ، فكان اللازم عليه أن يقول هنا : فإذا لا إشكال لنا ، ولا لاحد في جواز العدول ، للاجماع والاخبار ـ المؤيدين بالعسر والحرج ـ وقد أخذهما هنا دليلا مستقلا.
ثم إنه لا ينبغي للاستاذ أخذهما ـ أي العسر والحرج ـ دليلا ولا مؤيدا ، لان هذا الرجل إن كان قد فاته الحج ـ كما نبه عليه في أثناء كلامه ـ فقد شرع الله تعالى عزوجل مخلصا شارعا عن ذلك بالعمرة المفردة ، فإنها شرعت لكل من فاته الحج إجماعا مستفيضا ، حتى حكاه في المدارك (14) ، فيتحلل بها ، ويمضى إلى بلده ، ولا عسر ولا حرج.
وإن كان لم يفته الحج فقد فرض الله تعالى سبحانه له العدول ، والاجزاء على المختار.
نعم تجيء المشقة والتكليف على ما يحتمله الاستاذ ، حيث أنه يجب أن يعدل ، ويأتي بتمام أفعال الحج ، ثم يأتي بعمرة مفردة ، من دون استحقاق اجرة ، ومن دون إجزاء عن الميت.
وإشكال الاستاذ سيدفع بأربعة امور ، كل واحد منها كاف في دفعه ، كما سنرقيه إلى نظره العالي الشريف ، إنشاء الله تعالى.
قال الاستاذ : فأرجو أن يكون الحكم ـ أي الاجزاء ـ كذلك ـ أي كالحكم فيمن مات محرما ، بعد دخول الحرم ـ لظهور الاجزاء هنا نصا وفتوى ، مع التصريح بلفظ الاجزاء في بعض الفتاوى ، لكن لا محيص في
الفتوى بمجرد ذلك ، لتوقف الظهور المزبور على الدليل ، ولم نجد سوى الاجماع ، وهو إن تم فإنما في الحكم ، لا دلالة اللفظ.
قول الاستاذ : لظهور الاجزاء هنا ـ من لفظ الجواز ـ نصّاً وفتوى.
إن كان مراده به أنه ظهر له الاجزاء من لفظ الجواز من نص ، كان حجة مستقلة ، إذ ما بعد الظهور ـ من النص والظن بذلك ـ من حاجة إلى شيء آخر ، وإن ـ كان الظهور من النص من قرائن اخر.
وكذلك إذا كان المراد أنه ظهر له ذلك من لفظ الجواز الوارد في النص.
نعم ، إن كان المراد أنه ظهر له ذلك في النص لا منه ، توقفت حجية هذا الظهور ـ الذي هو بمعنى الظن ـ إلى دليل ، عند من لا يذهب إلى [ أن ] (15) كل ظن للمجتهد حجة ، وأما عنده ـ أيده الله تعالى فلا
.
وكيف كان فالاشكال يندفع بامور :
الاول : أنه قد ورد لفظ الاجزاء في الاخبار ، وكلام الاصحاب ، بلفظ عام ، أو مطلق ، يتناول غير الناذر.
أما الاخبار ، فقد أرسل في التهذيب إرسالا أقوى في نظرة الفقيه من المسانيد الصحاح ، حيث نسبه إلى الاصحاب وغيرهم ، قال : روى أصحابنا وغيرهم أن المتمتع إذا فاتته عمرة المتعة اعتمر بعد الحج ، وهو
الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله عائشة (16) [ وقال أبو عبدالله عليه السلام : ] (17) « قد جعل الله في ذلك فرجا للناس ». (قالوا : وقال) (18) أبو عبد الله عليه السلام : « المتمتع إذا فاتته عمرة المتعة أقام إلى هلال المحرم واعتمر وأجزأت عنه » (19).
فقد ورد الإجزاء للمتمتع ، الشامل للنائب ، في غيره في أحسن أحوال المفرد ، وهو ما إذا أخر العمرة إلى استقبال المحرم مع اشتماله على العلّة وبيان الحكمة ولا يرد على (20) هذا ما أوردناه عليه أيده الله تعالى عزوجل ففي (21) الصحيح : « عن الرجل يكون في [ يوم ] (22) عرفة بينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج ، قال : يقطع التلبية (23) إذا صلى الفجر ، ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس ، ويقضي جميع المناسك ويقيم بمكة حتى يعتمر [ عمرة المحرم ] (24) ولا شيء عليه » (25) وهو يفيد العموم في جميع ما يتعلق به.
وأما الفتاوى ، ففي النهاية (26) والمبسوط (27) : من وجب عليه التمتع لا يجزيه
ونحوه عبارة الوسيلة (28).
وفي الانتصار : مما انفردت به الامامية القول بأن التمتع بالعمرة إلى الحج [ هو فرض الله تعالى على كل من نأى عن المسجد الحرام ] لا يجزئه مع التمكن سواه (29).
ومثلها عبارة المراسم ، من دون إجماع (30).
وفي الغنية : الاجماع على أنه لا يجزىء المتمتع من التمكن سواه (31).
وفي جامع الشرائع لابن سعيد : لا يجزئه قران ولا إفراد ، إلا مع الضرورة أو التقية (32).
وفي السرائر : [ فإذا لم يمكنهم ] التمتع أجزأتهم الحجة المفردة مع الضرورة ، وعدم الاختيار (33).
وفي موضع من المنتهى (34) والتحرير (35) : لا يجزىء غيره (36) مع الاختيار.
فهذه الكتب العشرة تعطي بمفهومها الذي [ هو ] حجة الاجزاء مع الاضطرار ، وعدم التمكن.
وفي الشرائع (37) والتحرير (38) ـ في موضع آخر منه ـ : لا يجزىء غيره ، ويجوز مع الاضطرار.
وبقية العبارات : لا يجوز إلا مع الاضطرار.
وقد فهم منها جماعة ، منهم : الشهيد الثاني (39) رحمه الله تعالى والمقدس الاردبيلي (40) رحمه الله تعالى ، الاجزاء.
الامر الثاني : من الامور التي تدل على أن المراد بالجواز الاجزاء ، أنه قد أتى ـ في أخبار الباب (41) ـ بالجملة الخبرية ، التي تفيد الامر.
ففي الخبر : يجعلها حجة مفردة (42).
وفي الاخر : يجعلانها حجة مفردة (43).
والامر يقتضي الاجزاء ، بل يحتاج هنا إلى الامر ، لانه إذا جاز العدول هنا وجب.
وإذا وجب كان مأمورا به.
ومن المعلوم أن معنى اقتضاء الامر الاجزاء سقوط ما وجب عليه واستقر في ذمته ، وعدم مشروعية قضائه وإعادته.
وما عساه يقال ـ إنما ـ يسقط بالامر وجوب قضاء هذا الحج ، لا حج التمتع المستأجر ـ ففيه :
أولا : أنه خلاف ظواهر الاخبار الصريحة ، والظاهرة.
وثانيا : أنه يرد مثله في الاصيل (44).
والجواب ـ بأن دليله الاجماع ـ فيه : أن معقد إجماعي الانتصار والغنية ، يتناولان بإطلاقهما النائب ، إذ ليس من الناذر.
وثالثا : أنه خلاف ما فهمه جماعة في الباب وغيره.
ورابعا : أنه يلزم أن يكون هناك أمران ، لا أمر واحد ، وهو خارج عما نحن
قال قدس سره ما لفظه : وينبغي عدم الخلاف الابتداء بكل واحد مع العجز عن الاخر ، ويدل على ذلك في الجملة الضرورة... »
.
وخامسا : أن الشارع أمره بإتمام حج التمتع ، الواجب في ذمته ، في الاستئجار على هذا الوجه ، وهو نقله إلى الافراد ، فلو لم يجزئه عما في ذمته لم يكن ما أتى به تمام المراد منه ، المأمور به ، هذا خلف (45).
بل نقول : إنه لا يصح من الحكيم الامر به ، بل كان الواجب أن يشرع له التحلل بعمرة مفردة ، ويكون كمن فاته الحج ، لانه شرعت لكل من فاته الحج ، أو يكون حاله حال المصدود أو المحصور ، فتكليفه بهذه
المشاق الكثيرة ، التي لا يستحق عليها اجرة ، ولا يجزىء عن الميت مع نية أنها عنه ، مخالف لمحاسن الشريعة وقواعدها ، والمفروض أنه غير مقصر حتى يكون كمن أفسد حجه.
وبتقرير آخر أنه : إذا جاز العدول ، وأنه مأمور به ، كان حجه صحيحا ، والصحيح ـ عند الفقهاء ـ ما أسقط القضاء والاعادة ، ولم تشتغل ذمة النائب إلا بالاداء عن الميت ، فإذا صح حجه ، سقط قضاؤه عن ذمة
الميت ، إذ المفروض أنه لا تقصير له حتى تشتغل ذمته بعقوبة.
وما يقال إنه مسقط (46) للقضاء ـ بالنسبة إلى هذا الامر ـ ففيه : أن المراد إسقاط القضاء بالنسبة إلى كلي التكليف ، مضافا إلى ما مر لان الصحة والاجزاء في العبادة بمعنى.
ونعم ما قال المحقق الثاني رحمه الله تعالى (47) : إن عقد الاجارة وإن اقتضى الاثبات بما شرط عليه ، إلا أنه إذا أتى بالحج بحيث يكون صحيحا شرعيا ، لا يقدح فيه الاخلال ببعض الامور المشترطة عليه
لعذر كما لو لم يدرك من وقوف عرفة إلا اضطراريه ، مع اختياري الاخر (48) مثلا ، فإن ذلك لا يقدح في وقوع الحج المستأجر عليه ، وأن عقد الاجارة على الاختياري.
وكذا القول في باقي الافعال حتى لو فعل محرما ، إنتهى.
بل قالوا : لو استؤجر لحج الافراد ، فاعتمر عن نفسه ، فلما تمت عمرته تعذر عليه العود إلى الميقات ليأتي به ـ بما استؤجر عليه من حج الافراد ـ أنه يحرم من مكة ، ويجزئه ، ولا يرد التفاوت.
وفي الخلاف (49) : لا خلاف في إجزائه.
بل قال العلامة (50) رحمه الله تعالى : إنه يجزئه وإن أمكنه العود إلى الميقات ، لكنه حينئذ يرد التفاوت.
وقال في الدروس (51) : لعلهم يفرقون ـ في ترك الاحرام من الميقات ـ بين المتعمد عن نفسه فيبطل ، وغيره فيصح ، وقد جعلوا النائب أحسن حالا من الاصيل.
وقال المحقق الثاني نور الله تعالى مرقده (52) : يمكن أن يفرق بين من تجاوز بغير إحرام فيبطل ، وبين من أحرم بنسك آخر فيصح ، وتصح الاجارة وإن أخل بالاحرام ، لان الحج صحيح.
الثالث : أنا تتبعنا جملة من أحكام النائب ، في الصلاة ، والصيام ، وباقي أحكام الحج ، فرأينا كل ما ثبت للاصيل ثبت للنائب ، فلتلحظ باقي أحكام الحج وأحكام الشكيات والسهويات والنسيان وغير ذلك.
الرابع : أنا رأينا أن كل ما جاز في العبادات أجزأ.
هذا المسافر إذا علم أنه يقدم قبل الزوال ، يجوز له الفطر والصيام ، وإذا صام أجزأه ، أصيلا ـ كان ـ أو نائبا.
وهذه الحائض يجوزلها أن تستظهر بفعل الصلاة ، فإذا تجاوز بها العشرة أجزأتها
وبعد تتبع الموضوع في الكتب الفقهية عثرنا في الدروس : 89 ـ بعد إيراد المسألة ـ على ماهذا لفظه : « ولو أمكنه العود إلى الميقات لم يجزئه ، وقال الفاضل [ العلاّمة ] يجزىء ويرد التفاوت مع تعين الميقات »
ولعل ـ المصنف نقل ذلك عن العلامة بواسطة الدروس.
فما ظنك بالجواز الذي هو بمعنى الوجوب ؟!
وإن أعرض الاستاذ عن ذلك ، ففي الاخبار (53) وفتاوى القدماء (54) وإجماعاتهم على الاجزاء ـ المتناولة للنائب ـ وصريح جماعة من المتأخرين (55) وكثرة
النظائر والامثال له في الحج وغيره ، أكمل بلاغ.
وهل يجوز لمن فرضه التمتع ـ إذا علم عند الميقات بضيق الوقت عن إتمام أفعال العمرة ـ أن ينوي الافراد ، أو القران ، أصيلا كان أو نائبا ؟ ويجزئه ذلك أم لا ؟ كما وقع في الحجاج في هذا المقام ؟
الظاهر
الجواز ، والاجزاء ، كما هو ظاهر إطلاق المقنعة (56) ، والانتصار (57). والمراسم (58) ، والنهاية (59) ، والمبسوط (60) ، والتهذيب (61) ، والوسيلة (62) ، والغنية (63) ، والسرائر (64) ، وجامع الشرائع (65) ، والمنتهى (66) ، والتذكرة (67) ، والتحرير (68) ،
وشرح الارشاد للفخر (69) ، الاجماع على ذلك.
فمعقد الاجماع في الانتصار ، والغنية (70) ما نصه :
التمتع بالعمرة إلى الحج ، هو فرض الله ـ تعالى عزوجل ـ على كل من نأى عن المسجد الحرام ، لا يجزئه مع التمكن سواه.
ومعقد إجماع فخر الاسلام : فرض من نأى عن مكة ـ بما قرره الشارع ـ التمتع فرض عين لا يجزىء غيره من أنواع الحج إلا لضرورة ، وهذه المسألة إجماعية عندنا ، إنتهى.
وفي مجمع ج الفائدة و [ البرهان ] (71) : ينبغي عدم الخلاف في جواز الابتداء بكل واحد ، مع العجز عن الاخر ، ويدل على ذلك في الجملة الضرورة مع كون كل واحد منها حجا مع قلة التفاوت ، إنتهى.
وكلام المحقق في الشرائع ، والنافع (72) : محتمل لارادة جواز العدول ابتداء ، وبعد الشروع في إحرام العمرة ، قال في الشرائع : فإن عدل هؤلاء إلى القران أو الافراد في حجة الاسلام اختيارا ، لم يجز ،
ويجوز مع الاضطرار.
ونحوه في النافع.
وقال بعد ذلك بأسطر فيهما (73) : ولو دخل بعمرته إلى مكة ، وخشي ضيق الوقت ، جاز له نقل النية إلى الافراد.
وهذا يشهد على أن مراده بالعدول في العبارة الاولى العدول ابتداء لا بعد الشروع ، وإلا كان تكرارا.
لكن قد فهم في المسالك والمدارك والرياض (74) من الكتابين ، أن المراد من العبارة الاولى العدول بعد الشروع ، وكأنه ليس بجيد.
وقد يظهر ـ من الخلاف (75) ، والقواعد (76) ، والارشاد (77) ، والمسالك (78) ، والمدارك (79) ، والرياض (80) ـ تخصيص جواز العدول بعد الشروع ، وأنه لا يجوز له ذلك ابتداء.
وهو بعيد جدا ، لمكان إمكان دعوى تبادر الاولوية ، كما نبه على مثله ـ في القارن والمفرد ـ صاحب الروضة (81) ، وصاحب مجمع [ الفائدة و ] البرهان (82) ، ـ لكن أخبار الباب (83) جميعها بين صريحة
في العدول بعد الشروع ، أو ظاهرة فيه ، وليس فيها خبر يكاد يظهر منه جواز العدول ابتداء للضرورة.
نعم ، فيها إشعار بذلك لمن أمعن النظر ، إلا أن يدعى ذلك لمكان الاولوية ، ـ ويدعى أنها عرفية. لكن في الاجماعات الثلاثة (84) أو الاربعة (85) بلاغ ، بل المقدس الاردبيلي (86) رحمه الله تعالى استند إلى الضرورة لمكان العسر والحرج.
وقد سمعت كلام المحقق الثاني في جامع المقاصد (87) ، وكلام الخلاف (88) والدروس (89) فيما تقدم ، فإنه نافع هنا جدا.
هذا ، ولا يضر هؤلاء الحجاج أمر النية ، لانهم إن علموا عدم إمكان إتمام العمرة نووا الافراد ، وإلا نووا التمتع.
وفي الصحيح (90) : « لا تسم لا حجا ولا عمرة ، واضمر في نفسك المتعة ، فإن أدركت متمتعا ، وإلا كنت حاجا ».
ونحوه غيره (91) ، وهو كثير.